النسوية البيئية: تقاطع تحرر المرأة والأرض

النسوية البيئية هي إطار فلسفي ونفسي نقدي يربط بشكل جوهري بين الهيمنة الممنهجة على الطبيعة والاضطهاد التاريخي الواقع على النساء، مفككاً بنى التسلط الأبوي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 15 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 15 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل النسوية البيئية إطاراً فلسفياً ونفسياً ونقدياً يربط بصورة جوهرية بين الهيمنة الممنهجة على الطبيعة والاضطهاد التاريخي الواقع على النساء، مفككاً بنى التسلط الأبوي التي تشرعن الاستغلال المزدوج للجسد الأنثوي والمحيط الحيوي. ينهض هذا المنظور بوصفه جسراً متيناً بين علم النفس البيئي، والنظرية النقدية، والعدالة الاجتماعية، كاشفاً النقاب عن الجذور النفسية الجمعية التي تعيد إنتاج الهيمنة بوصفها نمطاً سلوكياً وفكرياً مدمراً لكوكب الأرض وساكنيه على حد سواء.

النسوية البيئية

1. التعريف الدقيق والموجز

النسوية البيئية (Ecofeminism) هي حركة فكرية ونظرية نقدية وفلسفية نفسية تؤكد وجود صلات وثيقة وتاريخية وبنيوية بين إخضاع النساء وتدمير الطبيعة غير البشرية ضمن سياق الأنظمة الأبوية والرأسمالية الاستخراجية. ترى هذه المقاربة أن المنطق الإقصائي الذي يبرر سيطرة الرجال على أجساد وأدوار النساء هو ذاته المنطق الذهني الذي يشرعن استنزاف الموارد الطبيعية وتلويث البيئة وتهميش الكائنات الحية.

يتجاوز هذا المفهوم مجرد التقاطع البسيط بين حركتين؛ إذ يؤسس لنموذج معرفي ونفسي بديل يعيد الاعتبار للترابط الحيوي، والتعاطف، والمسؤولية الأخلاقية المتبادلة، مناهضاً الهرميات الهرمية الصارمة التي تميز الثقافة الغربية المعاصرة. ومن المنظور السيكولوجي، تشرح النسوية البيئية كيف تترسخ هذه الثنائيات الاستعلائية داخل البنية النفسية للأفراد، محفزة آليات الدفاع مثل الانفصال والإنكار وإسقاط الضعف البشري على كل من المرأة وعالم الطبيعة.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاق

صيغ مصطلح النسوية البيئية (بالفرنسية: Écoféminisme) لأول مرة عام 1974 على يد الكاتبة والناشطة الفرنسية فرانسواز دوبون (Françoise d’Eaubonne) في كتابها الرائد «النسوية أو الموت» (Le Féminisme ou la Mort). يتكون المصطلح من شقين لغويين: السابقة اليونانية «إيكو» (Oikos)، والتي تعني حرفياً البيت، أو المأوى، أو الموطن المشترك؛ ولفظ «النسوية» (Féminisme) المشتق من اللاتينية (Femina) للدلالة على المرأة وحقوقها الإنسانية وكرامتها.

كان الغرض الأساسي من دمج هاتين المفردتين هو التنبيه الصريح إلى أن الكارثة البيئية المهددة لبقاء الكوكب لا يمكن فصلها عن التفاوت البنيوي في علاقات القوة الجندرية. وعندما دخل المصطلح إلى الحقل الأكاديمي الأنغلوساكسوني وعلم النفس النقدي في أواخر سبعينيات القرن العشرين، تطور من كونه شعاراً تعبوياً إلى مفهوم فلسفي وتحليلي يستقصي الجذور النفسية واللغوية المشتركة للهيمنة، حيث تُوصَف الطبيعة بعبارات أنثوية خاضعة، بينما تُقمع النساء باعتبارهن أقرب للغريزة الحيوانية البدائية.

3. النطق والبنية النحوية والصرفية

تُنطق باللغة العربية: النَّسْوِيَّة البِيئِيَّة (Al-Nasawiyyah Al-Bī’iyyah)، وتُعرف أحياناً بالتعريب المباشر «الإيكوفيمينيزم». تصنف العبارة نحوياً كمركب وصفي يتكون من مبتدأ منعوت (النسوية)، وهو اسم منسوب مشتق من جذر «ن-س-و»، ونعت صفاتي (البيئية)، وهو اسم منسوب مشتق من الجذر اللغوي «ب-و-أ» والذي يحمل معاني النزول والحلول في المكان والتكيف معه.

من الناحية الصرفية والدلالية، يُستخدم التعبير في الخطاب الأكاديمي اسماً مفرداً مؤنثاً، ويُعامل كمصطلح نظري جامع لمجموعة متفرعة من الرؤى. وتتعدد تنويعاته وفقاً للمسارات الفكرية كقولنا: النسوية البيئية الاشتراكية، النسوية البيئية الثقافية، أو النسوية البيئية النفسية، مما يعكس مرونته الاشتقاقية والتحليلية داخل حقول المعرفة النفسية والاجتماعية.

4. الشرح المفاهيمي التفصيلي

ينطلق التحليل المفاهيمي للنسوية البيئية من رفض قاطع لـ «الثنائيات المتضادة» (Value Dualisms) التي شيدت عليها الفلسفة الغربية المركزية أسسها المعرفية منذ عصر التنوير والثورة الصناعية. تقوم هذه الثنائيات على إقامة تقابل تراتبي بين العقل مقابل الجسد، والثقافة مقابل الطبيعة، والعقلانية مقابل العاطفة، والمذكر مقابل المؤنث؛ حيث يُمنح الطرف الأول دائماً قيمة عليا وشرعية لممارسة السلطة، في حين يُختزل الطرف الثاني في خانة الأدنى شأناً والموضوع القابل للتدجين والاستغلال.

تُظهر النسوية البيئية أن اضطهاد المرأة واستباحة البيئة ينبعان من بناء ذهني مشترك يُدعى «منطق الهيمنة» (Logic of Domination). هذا النمط الذهني يفترض أنه ما دام التمايز موجوداً بين مجموعتين، فإنه يمنح المجموعة المتفوقة حكماً مسبقاً بالحق في قهر المجموعة المستضعفة. ووفقاً لعلم النفس الاجتماعي والنقدي، فإن هذا المنطق يتغذى على نزعة نرجسية استعلائية تفصل الذات العارفة عن وسيطها الحيوي وعن الآخرين، مما يسهل تجريد الكيانات المستغلة من قيمتها الجوهرية (Intrinsic Value) وتحويلها إلى مجرد أدوات نفعية لتحقيق المنفعة والمكاسب المادية.

يمتد نطاق النسوية البيئية ليشمل نقد النماذج الاقتصادية الرأسمالية التي تعتمد على العمل غير المأجور للنساء (مثل الرعاية المنزلية، والتنشئة الأسرية، والدعم العاطفي) وتعتبره عطاءً مجانياً لا متناهياً، وهو التكتيك ذاته المستخدم في التعامل مع الموارد الطبيعية وكأنها «سلع خارجية» متجددة ذاتياً بلا نهاية وبلا كلفة بيئية. يثبت هذا التحليل أن آليات الإنتاج والسيطرة متطابقة هيكلياً وسلوكياً، وأن تفكيك إحداهما يستلزم حتماً تفكيك الأخرى في آن واحد.

من الزاوية السيكولوجية العميقة، تسلط النسوية البيئية الضوء على ظاهرة «الاغتراب البيئي والجندري»؛ حيث يتعلم الأفراد في المجتمعات الصناعية الأبوية قمع جوانبهم العاطفية والارتباطية المرتبطة بالأمومة والرعاية والتواصل مع الأرض، لحساب تشجيع سمات الفردانية المفرطة، والتنافسية، والعدوانية. يؤدي هذا التمزق النفسي إلى اغتراب الذات عن جسدها وعن موطنها الإيكولوجي، متسبباً فيما يسميه المعالجون النفسيون البيئيون اليوم بحالات القلق البيئي والخواء الوجودي المعاصر.

5. التطور التاريخي والمحطات التأسيسية

تطورت النسوية البيئية عبر مراحل تاريخية متراكبة، محفزة بالتقاء الحركات المناهضة للحروب، وحركات التحرر النسوي من الموجة الثانية، وحركات حماية الطبيعة الناشئة في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. كانت الشرارة الأولى مع عمل فرانسواز دوبون عام 1974، والتي دقت ناقوس الخطر إزاء التهديدات النووية ومخاطر الانفجار السكاني، مؤكدة أن الذكورية المفرطة تقود الحضارة نحو دمار كوكبي محتوم ما لم تتصدر النساء حراك حماية الحياة وتغيير مفاهيم الإنتاج والتكاثر.

شهد عام 1980 مؤتمراً حاسماً في الولايات المتحدة عُرف باسم «المرأة والحياة على الأرض: مؤتمر حول النسوية البيئية في الثمانينيات»، حيث برزت مطالبات راديكالية بربط التهديدات النووية والصناعية بالنظام الأبوي العسكري. تزامن ذلك مع نشر المؤرخة الفلسفية كارولين ميرشانت كتابها المفصلي موت الطبيعة (The Death of Nature: Women, Ecology, and the Scientific Revolution) عام 1980، والذي وثق بالتحليل التاريخي كيف تخلت العلوم الحديثة منذ فرانسيس بيكون وديكارت عن النظرة العضوية للطبيعة كـ «أم راعية» لصالح تشييئها كآلة خاملة يُشرعن إخضاعها وتشريحها والسيطرة عليها بقوة المعرفة الذكورية.

خلال أواخر الثمانينيات والتسعينيات، تبلورت الإسهامات الفلسفية والأكاديمية الرصينة بقيادة فلاسفة وباحثات بارزات، أبرزهن كارين وارن وفال بلموود. وفي جنوب العالم، أحدثت العالمة والناشطة الهندية فاندانا شيفا نقلة نوعية في حركة النسوية البيئية من خلال كتابها «البقاء على قيد الحياة: المرأة والبيئة والتنمية» (1988)، الذي بيّن أن التنمية الغربية تمثل استعماراً جديداً يدمر معارف النساء المحليات وأنظمة الزراعة المستدامة في الجنوب العالمي، محولاً ثراء التنوع البيولوجي إلى فقر وتصحر.

6. الأسس والأطر النظرية

تستند النسوية البيئية إلى ترسانة من الأطر النظرية المتقاطعة التي تفسر تداخل القهر الإنساني والطبيعي، ويمكن تلخيص أهم هذه الأسس في ثلاث مقاربات محورية:

أولاً، المقاربة الفلسفية الأخلاقية (كارين وارن وفال بلموود): تركز على تفكيك «بنية الأبارتهايد المفاهيمي» التي تفصل البشر عن الطبيعة والرجال عن النساء. طورت الفيلسوفة الأسترالية فال بلموود في كتابها «النسوية والسيطرة على الطبيعة» (1993) تحليلاً نفسياً لظاهرة «الاستعمار الذاتي والآخر»، مبينة كيف تُنكر المنظومات المهيمنة اعتمادها الجوهري على الطبيعة والنساء، مما يخلق عقلية مريضة تعيش وهم الاكتفاء الذاتي المطلق، وهو ما يفسر السلوكيات التدميرية واسعة النطاق للمنظومات الاقتصادية والسياسية الاستغلالية.

ثانياً، المقاربة التحليلية النفسية وعلم النفس الإيكولوجي: تستعير هذه المقاربة مفاهيم من نظرية علاقات الموضوع ونظرية التعلق لتفسير جذور الانفصال النمائي عند الذكور في المجتمعات الأبوية. يقترح منظرون نفسيون، مثل ثيودور روزاك وجوان ترونتو، أن الفصل المبكر للطفل الذكر عن الأم يؤدي في كثير من الثقافات إلى تطوير دفاعات نفسية صلبة تقترن برهاب الضعف، والخوف من التلاشي في الأنثوي/الطبيعي، مما يولد حاجة مرضية لاواعية للسيطرة المستمرة والتحكم في المحيط الخارجي لإثبات التمايز والسيادة النفسية.

ثالثاً، النظرية النسوية المادية البيئية: تقرأ هذه الرؤية الوضع الراهن من منظور مادي نقدي، وتعتبر أن الإنتاج الرأسمالي لا يقف على عاتق عمال المصانع فقط، بل يتغذى على العمل التناسلي للمرأة واستخراج الخيرات البيئية مجاناً. تؤكد هذه النظرية أن تحرير الأرض يستحيل أن يتم بنجاح ما لم يتم إسقاط أسس تقسيم العمل القائم على الجندر وإنهاء تحويل الأنشطة الحيوية المعيشية إلى مجالات للتراكم المالي المفرط.

7. المكونات الأساسية والأنماط والأبعاد

تتعدد أطياف النسوية البيئية بتعدد المرجعيات الأيديولوجية والمنهجية، غير أنها تشترك في استيعاب أبعاد متعددة تتمايز تفاصيلها على النحو التالي:

  • النسوية البيئية الثقافية / الروحية: تركز على استعادة الارتباط الفطري والرمزي بين النساء والطبيعة، وتقوم على إحياء الطقوس الروحية المؤيدة للأرض، والاحتفاء بجسد الأنثى وقدرته على الخلق والتجدد البيولوجي، معتبرة أن الشفاء النفسي يتطلب استرجاع الحكمة الأنثوية المقدسة والتواصل مع الأرض الأم.
  • النسوية البيئية النقدية / الفلسفية: ترفض المماهاة البيولوجية الساذجة بين المرأة والطبيعة، وتراها نتاج تشكيل اجتماعي وثقافي متعمد يهدف لتبرير التبعية، مركزة على هدم النظم المعرفية واللغوية المغذية للهيمنة، وتأسيس أخلاقيات رعاية ترتكز على العدالة الكوكبية الشاملة.
  • النسوية البيئية المادية / الاشتراكية: تنظر إلى الصراع من زاوية الاقتصاد السياسي، وتهتم بدراسة كيفية توظيف الاستعمار الجديد والأنظمة الرأسمالية للقوى العاملة النسائية والموارد الطبيعية المشتركة، مع التركيز على علاقات الإنتاج وتوزيع الموارد غير العادل بين الشمال والجنوب العالمي.
  • النسوية البيئية التقاطعية (Intersectionality): تدمج تحليلات العرق والطبقة والجنوسة والجنسانية والإعاقة مع قضايا العدالة المناخية، مؤكدة أن النساء الملونات وفقيرات الجنوب هن الأكثر تضرراً من الكوارث البيئية والتلوث، رغم كونهن الأقل إسهاماً في إحداث الانبعاثات الكربونية.
  • النسوية البيئية النباتية (Vegan Ecofeminism): توسع دائرة التضامن الأخلاقي لتشمل حقوق الحيوان غير البشري، موضحة أن آليات تربية وتسمين واستغلال إناث الحيوانات لإنتاج الحليب والبيض واللحوم تمثل تجسيداً فجاً للسيطرة الأبوية الذكورية على الوظائف التناسلية لأجساد الكائنات الحية.

8. الأمثلة الواقعية ودراسات الحالة

تزخر التجربة الإنسانية الحديثة بالعديد من الحركات الميدانية التي تجسد مبادئ النسوية البيئية بوضوح ملموس، ومن أبرزها تاريخياً «حركة تشيبكو» (Chipko Movement) في الهند خلال سبعينيات القرن العشرين. في هذه الحركة، خرجت نساء القرى الريفيات في جبال الهيمالايا وربطن أجسادهن بالأشجار لمنع الشركات التجارية من قطع الغابات الحيوية التي تعتمد عليها معيشة مجتمعاتهن، مجسدات دفاعاً سلمياً حاسماً لا يفصل بين حماية مصادر مياه وحطب القرية وبين كرامة وحياة المجتمع الإنساني ذاته.

مثال واقعي آخر يتجلى في «حركة الحزام الأخضر» (Green Belt Movement) التي أسستها العالمة الكينية الحائزة على جائزة نوبل للسلام وانجاري ماثاي (Wangari Maathai) عام 1977. واجهت هذه الحركة ظاهرة التصحر والفقر من خلال تمكين النساء الريفيات من زراعة ملايين الأشجار، مما خلق شبكة أمان اقتصادية واجتماعية وبيئية أثبتت أن استعادة الغطاء النباتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتمكين النساء واستقلالهن السياسي في مواجهة الفساد والاستبداد الحكومي.

على صعيد آخر، يبرز مخيم السلام النسائي في «غرينهام كومون» (Greenham Common) ببريطانيا عام 1981، حيث عسكرت آلاف النساء لسنوات خارج قاعدة عسكرية مخصصة للصواريخ النووية الأمريكية، احتجاجاً على عسكرة الفضاء العام وتهديد السلام البيئي. استخدمت المحتجات أساليب إبداعية تعتمد على النسيج والغناء وربط الجدائل بالأسلاك الشائكة، في رسالة نفسية ورمزية واضحة تعبر عن تضاد الرعاية والحياة مع آلات الحرب والدمار الأبوي.

9. أدوات القياس والتقييم النفسي والاجتماعي

على الرغم من الطبيعة الفلسفية والنقدية للنسوية البيئية، فقد طور باحثو علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي أدوات ومقاييس كمية وكيفية متقدمة لرصد وتقييم البنى المعرفية والاتجاهات الوجدانية المرتبطة بها، ومن بين أبرز هذه الأدوات:

أولاً، مقياس الاتجاهات النسوية البيئية (Ecofeminist Attitudes Scale – EAS): صُمم لقياس مدى إدراك الأفراد للترابط بين قضايا الجندر والبيئة، ويحتوي على أبعاد تقيس رفض الهيمنة الذكورية، وتأييد الحفاظ على الطبيعة، والاعتراف بالحقوق الجوهرية للأحياء، ونقد المنطق الثنائي التراتبي.

ثانياً، استخدام مقياس النموذج البيئي الجديد (New Ecological Paradigm – NEP) بالتوازي مع مقاييس التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation – SDO): تشير الدراسات النفسية إلى وجود ارتباط سلبي قوي؛ فالأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة في الهيمنة الاجتماعية (التي ترتبط غالباً بالمواقف الذكورية والطبقية المتشددة) يسجلون درجات متدنية للغاية في الوعي البيئي والاهتمام بمصير الكوكب، مما يثبت إمبيريقياً الفرضية الأساسية للنسوية البيئية حول ترابط الرغبة في اضطهاد البشر مع الرغبة في قهر الطبيعة.

ثالثاً، المقابلات الإكلينيكية والسردية النوعية: تُستخدم في سياق تقييم «القلق البيئي» (Eco-anxiety) والحزن الإيكولوجي، خصوصاً لدى النساء والشعوب الأصلية؛ حيث تركز الأسئلة على كيفية معايشة الأفراد للفقد البيئي المرتبط بفقدان المأوى، والأثر النفسي لتدمير الموائل الطبيعية على هويتهم الذاتية وشبكات الدعم المجتمعي.

10. التطبيقات العملية والأهمية الميدانية

تتجلى التطبيقات العملية للنسوية البيئية بوضوح في حقل العلاج النفسي البيئي (Ecotherapy)، حيث يتم دمج العلاقة مع الطبيعة كجزء لا يتجزأ من مسار الشفاء النفسي التحرري. يعيد المعالجون صياغة الصدمات النفسية الناتجة عن القمع الأبوي والاستغلال عبر مساعدة المرضى على إعادة الاتصال بالأرض، والتخلص من شعور العزلة الوجودية، واستبدال الأنماط الذكورية الصارمة للسيطرة على المشاعر بثقافة القبول والاحتواء العاطفي المتبادل المستوحى من التناغم الحيوي للنظم الإيكولوجية.

في مجالات التعليم والتربية البيئية، تسهم النسوية البيئية في تطوير مناهج تفاعلية ترفض تلقين العلوم البيئية بصيغة تقنية جافة ومجردة. تركز هذه المناهج على تعليم الأطفال الذكاء العاطفي البيئي، وأخلاقيات التعاطف مع الكائنات الحية، ونبذ السلوكيات الاستهلاكية التباهية، مما يسهم في تنشئة أجيال تمتلك مناعة نفسية ضد العنف الرمزي والمادي الموجه نحو الزملاء أو نحو البيئة المحيطة.

على صعيد التخطيط الحضري وتصميم السياسات العامة، توفر الرؤية النسوية البيئية حلولاً جذرية لمشاكل المدن الحديثة المزدحمة. تدعو هذه الرؤية إلى تصميم مدن رعاية تشاركية تخصص مساحات خضراء آمنة وسهلة الوصول، وتعزز مشاريع الزراعة الحضرية المستدامة، وترفض السياسات التي تضع المصانع الملوثة والمكبات بالقرب من أحياء الفئات المهمشة والنساء المعيلات، محققة بذلك العدالة البيئية والجندرية على أرض الواقع.

11. البحوث والشواهد الإمبيريقية

أكدت مجموعة واسعة من الأبحاث الإمبيريقية الحديثة في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع البيئي صحة المنطلقات النظرية للنسوية البيئية. فقد أظهرت دراسة بارزة أجراها الباحثان آرون ماكرايت وجودين تومسون (McCright & Dunlap, 2011) حول «تأثير الذكر الأبيض بارد الأعصاب» أن الرجال ذوي التوجهات المحافظة والمؤمنين بالتراتبية الهرمية الصارمة هم الفئة الأكثر إنكاراً للتغير المناخي والأقل دعماً لأي سياسات بيئية تنظيمية، مدفوعين بالحاجة النفسية للدفاع عن امتيازات الهيمنة القائمة وتأكيد تفوق النموذج الصناعي الأبوي.

في المقابل، وثقت دراسات مقارنة متعددة، من بينها أبحاث كريستينا كولينز (Collins, 2018)، أن النساء والفتيات عالمياً يظهرن مستويات أعلى بكثير من القلق البيئي والتعاطف مع الأنواع المهددة بالانقراض، مما يترجم سلوكياً في تبني ممارسات معيشية مستدامة، وتقليل استهلاك اللحوم، وتأييد التحول نحو الطاقات المتجددة. يعزو علماء النفس هذه الفروق إلى أنماط التنشئة الاجتماعية التي تغذي حس الرعاية والمسؤولية العلائقية لدى الإناث وتثبطها لدى الذكور.

كما أثبتت الدراسات الميدانية التي أجراها برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في مناطق مختلفة من إفريقيا وآسيا أن إشراك النساء في لجان إدارة الموارد المائية والغابات يحسن بصورة مباشرة من كفاءة الحفاظ على التنوع الحيوي ويزيد من مرونة المجتمعات المحلية في التكيف مع تداعيات الاحترار العالمي، وهو ما يؤكد الرؤية النسوية البيئية حول حيوية القيادة النسائية في استعادة التوازن الكوكبي المفقود.

12. الأبعاد الثقافية والمقارنة عبر الثقافات

تتباين تجليات النسوية البيئية تبايناً واسعاً تبعاً للسياقات الثقافية؛ فبينما غلب على الأطروحات الأولى في الغرب الطابع الأكاديمي والفلسفي التأملي وتفكيك النصوص، تركز النسوية البيئية في بلدان الجنوب العالمي وثقافات الشعوب الأصلية على المعركة الوجودية المباشرة من أجل الأرض والماء والسيادة الغذائية. ففي أمريكا اللاتينية، تبرز حركة «نسوية الجسد والأرض» (Feminismo Comunitario)، والتي تتبنى مفهوماً شمولياً يرى أن الدفاع عن حرمة الأرض هو دفاع لا ينفصل عن حرمة الجسد الأنثوي ضد الاستعمار والشركات العابرة للحدود.

في السياقات الإسلامية والعربية، تتقاطع النسوية البيئية مع المفاهيم القرآنية المتعلقة بـ «الاستخلاف» و«الأمانة» ورفض «الإفساد في الأرض» و«الميزان»، حيث تعيد الباحثات والناشطات المسلمات قراءة هذه النصوص بنظرة نقدية تتحرر من التفسيرات الذكورية التاريخية، مستنبطات واجباً أخلاقياً مقدساً لحماية المحيط الحيوي يتكامل مع تمكين النساء بوصفهن شريكات كاملات في عمارة الأرض وحمايتها من بطش الاستهلاك والاستغلال غير المسؤول.

أما في ثقافات السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، فإن مفهوم «الأرض كأم» و«جميع الكائنات أقرباء» (All My Relations) يتطابق جذرياً مع مبادئ النسوية البيئية، ولكنه يسبقها بقرون في الممارسة اليومية. ترفض نساء الشعوب الأصلية عزل البشر ككيان متفوق، مؤكدات أن المعرفة التقليدية التي حافظت عليها الجدات تمثل الترياق الفعلي لإنقاذ البشرية من أزمتها البيئية الراهنة.

13. الانتقادات والمناظرات وحدود المفهوم

واجهت النسوية البيئية، لا سيما في تياراتها المبكرة، انتقادات علمية ونظرية حادة من داخل الفكر النسوي ومن مدارج الفلسفة والعلوم الاجتماعية. كان أبرز هذه المآخذ هو الاتهام بالوقوع في فخ «الجوهرانية البيولوجية» (Biological Essentialism)؛ إذ رأى نقاد مثل جانيت بيل وماري ميلور أن بعض الكتابات النسوية البيئية الثقافية روّجت لفكرة أن المرأة بطبيعتها الفسيولوجية (كالحيض، والحمل، والولادة، والرضاعة) أقرب فطرياً وأخلاقياً إلى الطبيعة من الرجل، وهو زعم يكرس دون قصد الصور النمطية البطريركية التي حاربتها النسوية طويلاً والتي طالما حصرت المرأة في دائرة الوظائف البيولوجية ونفت عنها الأهلية العقلانية الكاملة.

من الانتقادات الأخرى، ما وجهته مفكرات نسويات من بلدان ما بعد الاستعمار، حيث عابت بعضهن على النسوية البيئية الغربية نزوعها نحو التعميم المفرط وافتراض تجربة أنثوية واحدة وموحدة، مع إهمال التناقضات الطبقية والعرقية الحادة بين النساء أنفسهن؛ فنساء الطبقة المرفهة في الدول الصناعية يساهمن بشكل مباشر في التلوث والاستهلاك الترفي الذي تدفع ثمنه النساء الفقيرات في العالم النامي.

استجابت النسوية البيئية المعاصرة لهذه الانتقادات بمرونة من خلال تبني المقاربة التقاطعية والنقدية الصارمة، متبرئة من أي جوهرانية بيولوجية، ومؤكدة أن الرابط بين المرأة والبيئة هو رابط تاريخي وثقافي واقتصادي نشأ بفعل تقسيم العمل والقهر المشترك، وليس نتاج جينات محددة أو قداسة روحية مغلقة، مما أعاد للمفهوم صلابته الأكاديمية ومصداقيته المنهجية داخل العلوم الإنسانية.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق المفاهيمية

لتحديد أبعاد النسوية البيئية بدقة وتجنب الخلط الاصطلاحي، ينبغي تفريقها عن المفاهيم المجاورة لها عبر النقاط التالية:

  • النسوية البيئية مقابل النسوية التقليدية (Mainstream Feminism): تسعى النسوية التقليدية في كثير من أشكالها الليبرالية إلى تحقيق المساواة للمرأة ضمن الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية القائمة دون التشكيك في منطق استغلال الطبيعة، بينما ترى النسوية البيئية أن دمج المرأة في نظام صناعي واستخراجي تدميري هو تكرار للأزمة وليس حلاً لها.
  • النسوية البيئية مقابل علم البيئة العميق (Deep Ecology): يتفق التياران في رفض النزعة البشرية المركزية وتثمين القيمة الجوهرية للطبيعة، غير أن علم البيئة العميق يُنتقد لكونه يتجاهل التحليل الجندري ولا يميز بين الذكور والإناث أو بين المظلومين والظالمين، بل يحمل «البشرية جمعاء» مسؤولية الدمار البيئي بالتساوي، متغافلاً عن أن الرجال وأصحاب السلطة الرأسمالية هم المهندسون الحقيقيون للمشاريع التدميرية.
  • النسوية البيئية مقابل علم النفس البيئي (Ecopsychology): يدرس علم النفس البيئي العلاقة التفاعلية العامة بين الصحة النفسية للإنسان وبيئته الطبيعية دون أن يتبنى بالضرورة موقفاً أيديولوجياً نقدياً، في حين تمد النسوية البيئية علم النفس البيئي بعدسة سوسيوسياسية تبرز دور الهيمنة الأبوية والقهر الجندري في تشكيل الاضطرابات البيئية والنفسية.
  • النسوية البيئية مقابل العدالة المناخية (Climate Justice): تركز العدالة المناخية بشكل رئيسي على التوزيع العادل للأعباء والفوائد المادية للتغير المناخي بين الدول والمجتمعات، بينما تغوص النسوية البيئية عميقاً لتفكيك الجذور الفلسفية والنفسية واللغوية التي أنتجت فكرة تسليع الأرض والجسد الإنساني منذ البداية.

15. الخلاصة والنتائج المحورية

تؤكد النسوية البيئية بوصفها نموذجاً فكرياً شاملاً أن أزمة تدمير كوكب الأرض واضطهاد نصف سكانه من النساء هما وجهان لعملة واحدة صكتها المنظومة الأبوية والرأسمالية المتطرفة القائمة على عبادة التراتبية وثنائيات الإقصاء. لا تقتصر هذه الرؤية على تقديم نقد سلبي للواقع، بل تطرح بديلاً حياً يرتكز على قيم التعاطف، وأخلاقيات الرعاية المتبادلة، والاعتراف بتشابك مصائر كل الأرواح على كوكب الأرض.

من خلال استيعاب الأبعاد النفسية للهيمنة وتفكيك دفاعات الانفصال والتسلط، تقدم النسوية البيئية خريطة طريق متكاملة للشفاء الفردي والجمعي على حد سواء. إن إنقاذ الطبيعة يقتضي بالضرورة إسقاط كل أشكال الاستبداد الذكوري، كما أن التحرر النسوي لن يكتمل ما لم تنعم الأرض بحريتها وعافيتها؛ فالبشر والطبيعة ليسا سوى نسيج حيوي واحد لا يمكن شفاؤه إلا باستعادة التوازن والتراحم المتبادل في منظومة الحياة الكونية.

المراجع

  • D’Eaubonne, F. (1974). Le Féminisme ou la Mort. Pierre Horay.
  • Merchant, C. (1980). The Death of Nature: Women, Ecology, and the Scientific Revolution. Harper & Row.
  • Plumwood, V. (1993). Feminism and the Mastery of Nature. Routledge.
  • Shiva, V. (1988). Staying Alive: Women, Ecology and Survival in India. Zed Books.
  • Warren, K. J. (2000). Ecofeminist Philosophy: A Western Perspective on What It Is and Why It Matters. Rowman & Littlefield Publishers.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 15). النسوية البيئية: تقاطع تحرر المرأة والأرض. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/ecofeminism-psychology/
looti, Mohammed. “النسوية البيئية: تقاطع تحرر المرأة والأرض.” عرب سايكلوجي, 15 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/ecofeminism-psychology/.
looti, Mohammed. “النسوية البيئية: تقاطع تحرر المرأة والأرض.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 15, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/ecofeminism-psychology/.