يُمثّل مقياس إدواردز للمرغوبية الاجتماعية (Edwards Social Desirability Scale) نقطة تحول مفصلية في تاريخ القياس النفسي، حيث نقل اهتمام الباحثين من مجرد التركيز على محتوى استجابات الأفراد إلى فحص العوامل الذاتية والأسلوبية الموجهة لتلك الاستجابات. يُعد هذا المقياس أداة سيكومترية كلاسيكية كشفت النقاب عن ميل الأفراد الفطري إلى تقديم صور مثالية عن أنفسهم تتوافق مع المعايير الأخلاقية والمجتمعية السائدة، مما ساهم في إعادة تقييم صلاحية مقاييس الشخصية التقليدية برمتها.
مقياس إدواردز للمرغوبية الاجتماعية
1. التعريف الموجز والدقيق
مقياس إدواردز للمرغوبية الاجتماعية هو أداة قياس سيكومترية طورها عالم النفس الأمريكي ألين إدواردز عام 1957، تهدف إلى رصد وتقييم نزعة المفحوص نحو الاستجابة لفقرات اختبارات الشخصية بطريقة تجعله يبدو مقبولاً ومرغوباً فيه من الناحية الاجتماعية والأخلاقية، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الاستجابة تمثل حقيقة سماته السلوكية الفعلية.
يتألف المقياس من تسع وثلاثين فقرة تم استخلاصها ومعايرتها بدقة من بنود اختبار الشخصية متعدد الأوجه الشهير، ليعمل كأداة ضابطة ومؤشر حاسم لأساليب الاستجابة غير المحايدة. ولا يقتصر دور المقياس على كشف التزييف الإيجابي المتعمد (Faking Good)، بل يمتد ليشمل تقييم التوافق النفسي العام والنزعة غير الواعية لتبني نظرة إيجابية حيال الذات، مما جعله ركيزة محورية في دراسات الشخصية وعلم النفس الإكلينيكي عبر عقود من التطبيق البحثي.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق
يعود الأصل اللغوي لمفهوم «المرغوبية الاجتماعية» إلى الكلمة الإنجليزية (Social Desirability). لغوياً في اللسان العربي، يُشتق مصطلح «المرغوبية» من الجذر الثلاثي (ر-غ-ب)، والذي يفيد الطلب والحرص على الشيء وإيثاره ومحبته؛ فالرغبة في الشيء تعني إرادته والسعي نحو تحقيقه. واقترانها بلفظ «الاجتماعية» المُشتق من الجذر (ج-م-ع) يُحدد سياق هذه الإرادة بأنها نابعة من البيئة الجمعية والمعايير التوافقية للجماعة.
دخل هذا المصطلح الحقل النفسي بصفة رسمية ومقننة عبر أبحاث ألين إدواردز المنشورة في منتصف خمسينيات القرن العشرين، وتحديداً في كتابه المرجعي «متغير المرغوبية الاجتماعية في تقييم الشخصية وبحوثها» (The Social Desirability Variable in Personality Assessment and Research) الصادر عام 1957. وقد صاغ إدواردز هذا المفهوم للدلالة على القيمة أو الوزن المعياري الممنوح لسلوك معين داخل ثقافة محددة، مما جعل المصطلح يكتسب دلالة إجرائية تُشير إلى الميل المنهجي للاعتراف بالخصائص المرغوبة وإنكار الخصائص غير المرغوبة.
3. النطق والصيغة الصرفية واللغوية
يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى: «مِقْيَاسُ إِدْوَارْدز لِلْمَرْغُوبِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ»:
- مِقْيَاس: اسم آلة على وزن «مِفْعَال»، مشتق من الفعل «قَاسَ»، ويُستخدم للدلالة على أداة القياس السيكومترية.
- إِدْوَارْدز: اسم علم أعجمي مضاف إليه في موضع جر، دال على منسوب الأداة (Allen L. Edwards).
- الْمَرْغُوبِيَّة: مصدر صناعي مصوغ بإضافة ياء مشددة وتاء تأنيث إلى اسم المفعول «مَرْغُوب»، للدلالة على صفة أو حالة كون الشيء محط رضا وقبول.
- الِاجْتِمَاعِيَّة: نعت مجرور يحدد النطاق البيني للفظ المرغوبية، ويرتبط بآليات التفاعل داخل البناء الجمعي.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
ينطلق الأساس المفاهيمي للمرغوبية الاجتماعية وفق أطروحة إدواردز من إدراك عميق بأن استجابة الفرد لأي فقرة من فقرات اختبارات الشخصية القائمة على التقرير الذاتي (Self-Report Inventories) ليست دالة خالصة لمحتوى السمة المقاسة، بل هي محصلة تفاعل معقد بين ذلك المحتوى وبين القيمة الاجتماعية التي يُنظر بها إلى تلك الفقرة. وجد إدواردز أن هناك ارتباطاً خطياً مرتفعاً للغاية (يتجاوز أحياناً 0.85) بين الدرجة التي يحكم بها مجموعة من الأفراد على مرغوبية عبارة معينة، وبين احتمالية تأييد عينة أخرى من الأفراد لتلك العبارة عند تطبيقها على ذواتهم.
يعني هذا الاكتشاف المفاهيمي الثوري أن استجابات الأفراد قد تعكس في جوهرها ميلهم للتصريح بما هو مقبول مجتمعياً بدلاً من التعبير عن حقيقة مشاعرهم وسلوكياتهم. ويمتد نطاق هذا المفهوم ليشمل جانبين متميزين: الجانب الأول هو «التزييف الواعي» أو إدارة الانطباع (Impression Management)، حيث يتعمد الشخص تضليل الفاحص لتحقيق مكاسب شخصية أو تجنب عواقب سلبية (كالظهور بمظهر الاستقرار النفسي في سياق التوظيف أو التقييم القضائي). والجانب الثاني هو «الخداع الذاتي» (Self-Deceptive Enhancement)، وهو نزعة غير واعية ومتأصلة يرى الفرد من خلالها نفسه بصورة إيجابية مفرطة كآلية دفاعية لحماية تقدير الذات والحد من القلق.
تكمن حدود هذا المفهوم في قدرته على التمييز بين «أسلوب الاستجابة» (Response Style) كسمة شكلية تؤثر في طريقة التعبير، وبين «التكيف النفسي الإيجابي»؛ فالأفراد الذين يحصلون على درجات مرتفعة جداً على مقياس إدواردز قد لا يكونون بالضرورة كاذبين، بل قد يتمتعون بالفعل بمستويات عالية من الاتزان الانفعالي وغياب الأعراض العصابية، وهو ما قاد إلى جدل مفاهيمي واسع النطاق استمر لعقود بين علماء القياس النفسي.
5. التطور التاريخي والمسار الزمني
توالت مراحل تطوير مقياس إدواردز للمرغوبية الاجتماعية عبر مسار زمني حافل بالبحث السيكومتري والتجريب المعملي:
- عام 1953: بدأ ألين إدواردز تجاربه الرائدة بإجراء دراسات هدفت إلى تحديد مدى تأثير المرغوبية الاجتماعية على خيارات الأفراد. نشر ورقته البحثية البارزة التي أثبتت وجود علاقة ارتباطية موجبة قوية جداً بين مقياس المرغوبية الاجتماعية المحكومة ومعدل تأييد الفقرات الشخصية.
- عام 1957: نشر إدواردز دراسته الشاملة التي تضمنت النسخة النهائية للمقياس المكون من 39 فقرة مستخرجة من اختبار منيسوتا متعدد الأوجه للشخصية (MMPI). وقد اختار هذه الفقرات استناداً إلى اتفاق المحكمين بنسبة 100% على تصنيفها كفقرات مرغوبة جداً أو غير مرغوبة جداً، مع اشتراط انخفاض تباين محتواها النفسي المباشر.
- أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات: دخل المقياس في بؤرة اهتمام الباحثين السيكومتريين، وأصبح أداة قياسية لمقارنة أساليب الاستجابة الأخرى، وظهرت تساؤلات كبرى حول ما إذا كان المقياس يقيس تحيزاً أسلوبياً أم أنه يقيس العامل العام للتكيف النفسي، وهو ما قاده باحثون مثل جاك بلوك (Jack Block).
- عام 1960 وما تلاه: تحفز باحثون آخرون، مثل دوجلاس كراون وديفيد مارلو، لتطوير «مقياس مارلو-كراون للمرغوبية الاجتماعية» (MC-SDS)، محاولين تجاوز ما اعتبروه عيباً في مقياس إدواردز؛ إذ رأوا أن مقياس إدواردز محمل بفقرات تقيس الاضطراب النفسي والعصابية بدلاً من أن يقيس المرغوبية الاجتماعية الخالصة.
6. الأسس النظرية والأطر المفاهيمية
يستند مقياس إدواردز إلى نظرية «مجموعات وأساليب الاستجابة» (Response Sets and Response Styles) التي بلورها لي كرونباخ وباحثون آخرون في منتصف القرن العشرين. تقوم هذه النظرية على افتراض أن مواقف الاختبارات النفسية ليست مجرد أدوات سلبية تعكس محتوى السمات، بل هي سياقات تواصلية ديناميكية تخضع لتأثير ميول الاستجابة المعرفية والانفعالية للمفحوص، مما يولد تبايناً إضافياً غير مرتبط بالسمة المستهدفة يسمى التباين غير المرتبط بالمحتوى.
يرتكز الإطار النظري للمقياس كذلك على نتائج التحليل العاملي لمصفوفات الارتباط الخاصة باختبار (MMPI). وقد أظهرت تلك التحليلات مراراً وتكراراً ظهور عامل أول طاغٍ وضخم يُفسر قدراً كبيراً من التباين الكلي في الاختبار. جادل إدواردز بقوة بأن هذا «العامل الأول» ليس سوى تعبير كمي عن بُعد المرغوبية الاجتماعية؛ فالأفراد الذين يحققون درجات إيجابية على هذا العامل يرفضون الفقرات المعبرة عن الوهن والشكوى النفسية ويسارعون لتأييد الفقرات الدالة على الكفاءة والاستقرار.
علاوة على ذلك، يرتبط مقياس إدواردز بنظريات التفاعل الاجتماعي وإدارة الذات المنحدرة من السوسيولوجيا المعرفية وعلم النفس الإنساني، والتي ترى أن الكائن البشري يسعى دوماً لبناء واجهة اجتماعية مقبولة تضمن له الانتماء الاجتماعي وتجنبه النبذ أو العزلة، مما يجعل المرغوبية الاجتماعية أسلوباً تكيفياً دفاعياً متأصلاً في الطبيعة الإنسانية لا مجرد خطأ قياس عارض.
7. المكونات الأساسية والأبعاد والمقاييس الفرعية
يتسم مقياس إدواردز للمرغوبية الاجتماعية ببنائه البسيط والأحادي البُعد مقارنة ببعض المقاييس الأحدث، وتتلخص أهم مكوناته وخصائصه الهيكلية في الآتي:
- البنية الكلية للمقياس: يتكون المقياس من 39 فقرة صيغت بطريقة التقرير الذاتي (إجابة بنعم / لا، أو صح / خطأ).
- فقرات التأييد الإيجابي: مجموعة بنود تعبر عن خصائص نفسية وسلوكية تحظى بإجماع ثقافي واسع بوصفها مرغوبة وإيجابية (مثل التفاؤل، ضبط الذات، الثقة، وتحمل المسؤولية)، وتُمنح الدرجة عند الإجابة بـ «صح».
- فقرات الإنكار السلبي: عبارات تصف مشاعر القلق، الخوف غير المبرر، مشاعر النقص، أو الاندفاعات العدوانية التي تعد غير مقبولة اجتماعياً، وتُمنح الدرجة عند الإجابة بـ «خطأ» (أي عند إنكار وجودها لدى المفحوص).
- أحادية البُعد الفني: على الرغم من أن إدواردز عامل المقياس كمؤشر عام وأحادي البُعد (Unidimensional)، إلا أن الدراسات اللاحقة (مثل تحليلات ديلروي ب paulhus) كشفت أن فقراته تتوزع داخلياً بين الرغبة في تحسين الذات (Self-Enhancement) وإنكار الخلل النفسي (Denial of Distress).
- مفتاح التصحيح المتجه: تم اختيار الفقرات بحيث يعكس المجموع الكلي النهائي (من صفر إلى 39) مدى ميل الفرد للاستجابة المرغوبة اجتماعياً، حيث تشير الدرجة المرتفعة إلى معدل عالٍ من تبني الخصائص المقبولة مجتمعياً.
8. أمثلة ونماذج وحالات تطبيقية
لتوضيح الكيفية التي يعمل بها المقياس عملياً، يمكن استعراض سياقات واقعية تبرز التباين الحاد في نتائج الأفراد تبعاً للموقف الدافعي:
النموذج التطبيقي الأول (سياق التوظيف واختيار القيادات): تقدم مرشح لشغل منصب إداري تنفيذي رفيع وخضع لاختبار شخصية يتضمن مقياس إدواردز. في هذا السياق التنافسي، كانت استجاباته تتسم بنفي قاطع لأي توتر أو شكوك ذاتية وتأييد مطلق لقدرته الدائمة على السيطرة وتفهم الآخرين، فحصل على درجة 38 من 39 على مقياس إدواردز. يُظهر هذا الارتفاع الشديد وجود تزييف إيجابي محتمل، أو رغبة طاغية في تقديم انطباع مثالي للمؤسسة يفتقر إلى الموضوعية والوعي بنقاط الضعف الطبيعية.
النموذج التطبيقي الثاني (السياق الإكلينيكي والعلاجي): راجع مريض عيادة نفسية يعاني من نوبات قلق معمم واكتئاب تفاعلي، وطُلب منه ملء حزمة من الاختبارات التشخيصية. حصل المريض على درجة منخفضة جداً على مقياس إدواردز (9 درجات فقط من أصل 39). يعكس هذا النمط الاستجابي انعداماً كاملاً للتحيز الإيجابي؛ بل يشير إلى ميل نحو «التزييف السلبي» (Faking Bad) أو المبالغة في الإبلاغ عن الأعراض نتيجة تدني الروح المعنوية، وشدة الاستبطان المؤلم، وغياب آليات الدفاع النفسي التكيفية.
9. القياس والتقويم السيكومتري
خضع مقياس إدواردز لفحوصات سيكومترية مكثفة منذ ابتكاره للتحقق من ثباته وصدقه عبر عينات متنوعة من الأفراد والمجتمعات:
الثبات السيكومتري: يتمتع المقياس بمستوى مرتفع للغاية من الاتساق الداخلي؛ حيث تتراوح معاملات ألفا كرونباخ ومعامل التجزئة النصفية (سبيرمان-براون) في أغلب الدراسات ما بين 0.83 و0.91، وهي معدلات تدل على تجانس عالٍ بين بنود المقياس التسعة والثلاثين. كما أظهرت دراسات إعادة تطبيق الاختبار (Test-Retest Reliability) على فترات زمنية متباعدة (تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أشهر) استقراراً ملحوظاً في درجات الأفراد تراوح بين 0.75 و0.88، مما يثبت أنه يقيس خاصية شبه مستقرة.
الصدق العاملي والتقاربي: يُظهر المقياس صدقاً تقاربياً قوياً ومرتفعاً مع مقاييس التكيف الإيجابي وتقدير الذات ومقاييس الكفاءة الاجتماعية، في حين يرتبط ارتباطاً عكسياً حاداً (-0.70 إلى -0.85) مع مقاييس القلق الصريح (مثل مقياس تايلور للقلق الصريح) ومقاييس العصابية والاكتئاب في اختبار (MMPI). هذا الارتباط العكسي المرتفع هو ما قاد علماء القياس إلى التساؤل عما إذا كان المقياس يقيس الرغبة الاجتماعية كأسلوب خارجي أم أنه يقيس غياب الاعتلال النفسي.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحظى مقياس إدواردز بأهمية بالغة وتطبيقات متعددة في شتى ميادين علم النفس التطبيقي:
- علم النفس التنظيمي والمهني: يُستخدم كأداة تحكم وفلترة لفرز نتائج اختبارات الشخصية المستخدمة في التوظيف والترقية، وتحديد ما إذا كان المتقدمون يقدمون إجابات صادقة أم مجرد استجابات منمقة تعكس ما يريده أصحاب العمل.
- البحوث المسحية والتجريبية: يُطبق المقياس كمتغير ضابط (Covariate) في الدراسات التي تعتمد على استبانات التقرير الذاتي (مثل بحوث السلوك الأخلاقي، التنمر، أو الاتجاهات السياسية والدينية)، حيث يتم عزل تباين المرغوبية الاجتماعية إحصائياً لضمان دقة العلاقات بين المتغيرات الأساسية.
- علم النفس الجنائي والشرعي: يُعتمد عليه في تقييم مدى مصداقية إفادات الجناة أو المتهمين أثناء الفحص النفسي القضائي، وتحديد نزعات إخفاء الاضطرابات أو ادعاء السلامة العقلية المطلقة.
- العيادات النفسية والاستشارات: يتيح للمعالج النفسي فهم البنية الدفاعية للمسترشد؛ فالدرجات المرتفعة جداً قد تشير إلى مقاومة لاواعية وإنكار للصراعات الداخلية، مما يتطلب تدخلاً علاجياً يركز على كسر آليات الدفاع الهشة.
11. البحث العلمي والأدلة التجريبية
شهد مقياس إدواردز إجراء مئات الأبحاث التجريبية، والتي انقسمت حول طبيعته ووزنه التفسيري. أجرى إدواردز وسلسلة من زملائه بحوثاً تجريبية عبر تعليمات اختبارية موجهة؛ ففي تجارب شهيرة تم تقسيم العينات إلى مجموعات طُلب منها «تقديم أفضل انطباع ممكن» وأخرى طُلب منها «الإجابة بصدق تام»، فقفزت درجات مقياس إدواردز في المجموعة الأولى بصورة دراماتيكية، مما قدم دليلاً تجريبياً قاطعاً على حساسية المقياس للتزييف الخارجي.
في المقابل، قدم جاك بلوك دراسة تجريبية معمقة قارن فيها بين استجابات الأفراد على مقياس إدواردز والتقييمات السلوكية الموضوعية التي أجراها مراقبون ومحكمون مستقلون. وتوصلت النتائج إلى أن الأفراد الحاصلين على درجات عالية على مقياس إدواردز لم يكونوا مجرد مخادعين، بل صُنّفوا من قبل الآخرين بأنهم يتمتعون بدرجة أعلى من المرونة النفسية والأنا المتماسكة والتوافق الاجتماعي الفعلي، مما عزز فرضية أن المقياس يتضمن تبايناً جوهرياً مرتبطاً بالصحة النفسية وليس مجرد خطأ قياس.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافية
تُعد مسألة الثقافة متغيراً حاسماً عند التعامل مع مقياس إدواردز؛ فالمرغوبية في جوهرها مفهوم نسبي محكوم بالمعايير الجمعية للمجتمع:
المجتمعات الفردانية مقابل المجتمعات الجمعية: في الثقافات الفردانية الغربية التي نشأ فيها المقياس، تتركز المرغوبية حول الكفاءة الذاتية، الاستقلالية، وتأكيد الذات وغياب الضعف الشخصي. أما في الثقافات الجمعية (كالعديد من المجتمعات العربية والآسيوية)، فإن بنود المرغوبية قد تتجه بقوة نحو التواضع، الامتثال للجماعة، صون التناغم العائلي، وتجنب التفاخر. لذا فإن ترجمة وتطبيق بنود المقياس في بيئات غير غربية يتطلب إعادة تقييم لأوزان فقرات المقياس ودرجات مرغوبيتها بحسب السياق الثقافي المحلي.
كذلك تختلف دلالة «الخداع الذاتي» عبر الثقافات؛ فالحديث الصريح عن الإنجازات الشخصية الذي قد يُعد مرغوباً في مجتمع ما، قد يُصنف كاستجابة غير مرغوبة ومرفوضة أخلاقياً في مجتمع آخر، مما يستلزم ضبط المعايير السيكومترية لكل مجتمع على حدة وفقاً لقيمه ومعتقداته السائدة.
13. الانتقادات والمناظرات وحدود المقياس
تعرض مقياس إدواردز لانتقادات منهجية حادة قادت إلى مناظرات تاريخية في سيكولوجيا القياس، وتتلخص أبرز هذه المآخذ في الآتي:
- التداخل مع العصابية والصحة النفسية: يرى المعارضون، وفي مقدمتهم كراون ومارلو وبلوك، أن معظم بنود المقياس مستمدة من مقاييس باثولوجية في اختبار (MMPI)، مما يجعل الدرجة العالية تعبر عن السلامة من العصابية بدلاً من أن تعبر حصرياً عن نزعة التظاهر الاجتماعي.
- الخلط بين نوعي المرغوبية: عجز المقياس عن التمييز الواضح بين إدارة الانطباع الواعية والموجهة للآخرين وبين الخداع الذاتي غير الواعي الداعم لتقدير الذات، حيث يدمج الأسلوبين في درجة كلية واحدة مشوشة.
- مشكلة إلغاء التباين الصادق: يؤدي استخدام المقياس لتصحيح أو استبعاد درجات الاختبارات النفسية في بعض الأحيان إلى إزالة التباين الحقيقي في السمات الإيجابية للمفحوص، مما يعاقب الأفراد المتوافقين نفسياً بالفعل ويصنفهم كمنحازين في الاستجابة.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتشابك مع مقياس إدواردز عدة مفاهيم ومقاييس سيكومترية، ويمكن تفصيل الفروق بينها كما يلي:
- مقياس مارلو-كراون للمرغوبية الاجتماعية (MC-SDS): صُمم خصيصاً كبديل لمقياس إدواردز عبر استخدام فقرات تصف سلوكيات مقبولة جداً اجتماعياً ولكنها نادرة الحدوث عملياً (مثل: «أنا مستعد دائماً للاعتراف بأخطائي»)، مما جعله أقل تشبعاً بمتغيرات القلق والعصابية وأكثر قدرة على قياس الرغبة في كسب الاستحسان الاجتماعي المجرد.
- مقياس الكذب (Lie Scale – L) في اختبار MMPI: مقياس مصمم لكشف المحاولات الفجة والساذجة لتقديم صورة أخلاقية خارقة، بينما يتسم مقياس إدواردز بكونه أكثر دقة وحساسية ولا يقتصر على الكذب المباشر بل يمتد للتوافق النفسي.
- مقاييس بولهاوس للخداع (BIDR): أداة متطورة تميز بنيوياً عبر مقياسين فرعيين بين الخداع الذاتي (Self-Deceptive Enhancement) وإدارة الانطباع (Impression Management)، مما تجاوز أحادية مقياس إدواردز.
- نزعة الإذعان أو الموافقة (Acquiescence): ميل الفرد للموافقة على العبارات وتأييدها بصرف النظر عن محتواها أو مرغوبيتها، وهو أسلوب استجابي يختلف جذرياً عن سعي الفرد للظهور بمظهر اجتماعي لائق المقاس بأداة إدواردز.
15. الملخص والخلاصات الرئيسة
يظل مقياس إدواردز للمرغوبية الاجتماعية أحد الأعمدة التأسيسية التي رسخت مفهوم أساليب الاستجابة في القياس النفسي. لقد برهن إدواردز من خلال مقياسه على أن التقرير الذاتي ليس نافذة شفافة بالكامل على شخصية الفرد، بل هو مرآة تتأثر بشدة بالرغبة في القبول والانسجام الاجتماعي. ورغم الجدل المنهجي المستمر حول تداخله مع سمات التوافق والصحة النفسية، فإن هذا المقياس فتح الباب واسعاً لتطوير تقنيات القياس الموضوعي وعزل التحيزات، ليظل مرجعاً معرفياً وعملياً لا غنى عنه لكل مشتغل بتطوير الاختبارات والتقييم النفسي المتكامل.
المراجع
- Block, J. (1965). The challenge of response sets: Unconfounding meaning, acquiescence, and social desirability in the MMPI. Appleton-Century-Crofts.
- Crowne, D. P., & Marlowe, D. (1960). A new scale of social desirability independent of psychopathology. Journal of Consulting Psychology, 24(4), 349–354. https://doi.org/10.1037/h0047358
- Edwards, A. L. (1953). The relationship between the judged desirability of a trait and the probability that the trait will be endorsed. Journal of Applied Psychology, 37(2), 90–93. https://doi.org/10.1037/h0058073
- Edwards, A. L. (1957). The social desirability variable in personality assessment and research. Dryden Press.
- Paulhus, D. L. (1984). Two-component models of socially desirable responding. Journal of Personality and Social Psychology, 46(3), 598–609. https://doi.org/10.1037/0022-3514.46.3.598