تُعد النوبات العصبية الحادة من أكثر الظواهر الطبية والنفسية إثارة للارتباك لدى المحيطين بالمريض، لما تحمله من مظاهر فيزيولوجية مباغتة وعنيفة ترمز إلى اختلال مؤقت في كهربية الدماغ. ومن بين أشد هذه المظاهر وقعاً وتأثيراً ما يُعرف بـ الصرخة الصرعية (Epileptic Cry)، وهي صوت حاد وغير إرادي يصدره المريض في اللحظات الأولى من فقدان الوعي، مجسداً بداية تفريغ كهربائي هائل يجتاح المراكز الحركية والتنفسية في الجهاز العصبي المركزي.
الصرخة الصرعية: المفهوم والدلالات السريرية والفسيولوجية
1. التعريف الموجز والدقيق
تُعرّف الصرخة الصرعية بأنها ظاهرة صوتية لاإرادية مباغتة، تظهر غالباً في بداية المرحلة التوترية (Tonic Phase) من النوبات التوترية الرمعية المعممة (Generalized Tonic-Clonic Seizures). ينشأ هذا الصوت نتيجة اندفاع قسري للهواء من الرئتين عبر الحبال الصوتية المتشنجة والمتضيقة بفعل تقلص حاد ومتزامن في عضلات الصدر والحجاب الحاجز والحنجرة، ولا يمت بصلة لأي استجابة عاطفية أو ألم واعي.
من الناحية السريرية النفسية والعصبية، لا تعكس هذه الصرخة خوفاً نفسياً ولا صراخاً طلباً للنجدة، بل هي علامة حركية آلية بحتة تتزامن مع تغييب فوري للوعي. يحدث هذا التفريغ الحركي في غضون أجزاء من الثانية، ليعلن دخول المريض في أزمة صرعية كاملة تستوجب تدخلاً فورياً لتأمين سلامته الجسدية وتجنب مضاعفات السقوط أو نقص الأكسجة.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يعود الأصل اللغوي لمصطلح الصرع في اللغة العربية إلى الجذر (ص-ر-ع)، وهو ما يدل على الإسقاط والطرح أرضاً بشدة وقهر، ومنه قيل صُرع فلان أي أُسقط إلى الأرض وتلوى دون إرادة. أما كلمة «الصرخة» فمشتقة من الجذر (ص-ر-خ)، وتدل لغوياً على الصوت الشديد المرتفع المصحوب بالاستغاثة أو الفزع أو شدة الوجع، وإن كان الاستخدام الطبي الحديث قد جردها من دلالة الاستغاثة الشعورية ليجعلها وصفاً لطبيعة التردد الصوتي الفيزيائي الصادر عن المريض.
أما في المصطلح اللاتيني والإنجليزي (Epileptic Cry)، فإن شقها الأول مشتق من الكلمة الإغريقية القديمة «Epilēpsia» (ἐπιληψία)، والتي تعني حرفياً «الاستيلاء على الشيء» أو «الوقوع في قبضة قوة قاهرة»، إشارةً إلى الاعتقاد القديم بأن أرواحاً أو قوى خفية تتملك المريض وتطرحه أرضاً. وقد أُلحقت بها كلمة «Cry» لتعبر عن ذلك الانبعاث الصوتي الرنان الحاد الذي لاحظه الأطباء القدماء منذ عهد أبقراط وجالينوس، قبل أن يفسره علم وظائف الأعضاء الحديث تفسيراً ميكانيكياً مبنياً على التشنج التنفسي.
3. النطق والبنية النحوية والمصطلحية
تُلفظ العبارة في اللغة العربية بضبط الصاد المهملة المفتوحة والراء الساكنة: «الصَّرْخَة الصَّرَعِيَّة»، وتُعرب «الصرخة» مبتدأً أو اسماً موصوفاً، بينما «الصرعية» نعت تابع لها يدل على النسبة إلى داء الصرع. وتصنف لغوياً ضمن الأسماء الدالة على الأصوات الحيوية غير الارادية المرتبطة بعلم الأمراض (Pathological Vocalizations).
في الأدبيات السريرية، تُستخدم عدة مرادفات أو تسميات فرعية متقاربة لوصف الظاهرة، مثل: «الصيحة الصرعية»، أو «الصراخ النوبي»، أو «الصرخة التوترية الإجبارية». ويحرص علماء الأعصاب على التمييز الدقيق بين هذا الصوت الميكانيكي القسري وبين الأصوات الصادرة في الاضطرابات الحركية النطقية الأخرى كالتأتأة التشنجية أو العرات الصوتية المصاحبة لمتلازمة توريت.
4. الشرح المفاهيمي والفسيولوجي المفصل
تمثل الصرخة الصرعية حدثاً فيزيولوجياً معقداً ينجم عن اضطراب كهربي دماغي يشمل مسارات قشرية وتحت قشرية متعددة. عندما تبدأ النوبة التوترية الرمعية المعممة، تجتاح موجات إزالة الاستقطاب (Depolarization) العنيفة والمفاجئة نصفي الكرة المخية بشكل متزامن، وتنتقل عبر الجملة الهرمية والجهاز خارج الهرمي لتصل إلى المراكز الحركية في جذع الدماغ والنخاع الشوكي.
يؤدي هذا التفريغ الشامل إلى تقلص توتري مستمر ومفرط في جميع العضلات المخططة في الجسم في آن واحد. ولأن العضلات التنفسية – وتحديداً الحجاب الحاجز والعضلات الوربية بين الضلوع – تخضع لهذا التقلص الفجائي الهائل، فإن جوف الصدر يضيق بسرعة فائقة مما يولد ضغطاً داخلياً مرتفعاً يطرد الهواء قسراً من الرئتين نحو المجاري التنفسية العليا. وفي اللحظة ذاتها تماماً، تتعرض عضلات الحنجرة المضيقة للأحبال الصوتية (مثل العضلة الحلقية الطرجهارية والطرجهارية المعترضة) لفرط نشاط حركي يؤدي إلى غلق شق المزمار أو تضييقه الشديد.
ينتج عن مرور ذلك الحجم الهائل من الهواء المضغوط عبر فتحة حنجرية متقلصة ومغلقة جزئياً اهتزازات صوتية ذات ترددات غير نمطية، مسببة ذلك الصوت الخارق والمزعج الذي يستمر عادة بين ثانيتين إلى خمس ثوانٍ. ويصف المراقبون هذا الصوت بأنه أنين حاد، أو شهيق مختنق، أو صرخة غريبة تفتقر إلى النبرة البشرية الطبيعية، ويعقبها مباشرة توقف كامل للتنفس (Apnea) مع زرقة في الوجه والشفتين نتيجة انعدام تبادل الغازات أثناء الطور التوتري.
تكمن الأهمية المفاهيمية للصرخة الصرعية في أنها تحدد اللحظة الزمنية الفاصلة بين استقرار النشاط الحيوي وبين الانهيار المؤقت للضبط العصبي الإرادي، حيث يفقد المريض إدراكه الحسي للمحيط كلياً مع انطلاق الصرخة، وبالتالي فهو لا يتذكر إطلاق هذا الصوت على الإطلاق بعد استعادة وعيه في فترة ما بعد النوبة.
5. التطور التاريخي للمفهوم في الطب النفسي والعصبي
يمتد تاريخ مراقبة الصرخة الصرعية إلى العصور القديمة؛ إذ وثق الأطباء البابليون في ألواحهم الطينية (المعروفة باسم مدونة ساكيكو Sakikku) صرخات المرضى المصابين بالنوبات قبل سقوطهم، وعزوها آنذاك إلى مس شياطين معينة تتحكم في حنجرة المريض. وفي العهد اليوناني الروماني، أشار أبقراط في كتابه الشهير «عن المرض المقدس» إلى التغيرات التنفسية والصوتية المرافقة للنوبة، مؤكداً أنها ناتجة عن اعتلال دماغي يمنع تدفق الهواء والبلغم عبر الشرايين، نافياً الصبغة الإلهية أو الشيطانية عن هذا الصراخ.
مع بزوغ عصر النهضة والقرن التاسع عشر، انتقل توصيف الظاهرة من الإطار الوصفي الفلسفي إلى التدقيق السريري الصارم. ويُعد طبيب الأعصاب البريطاني الشهير جون هيولينجز جاكسون (John Hughlings Jackson) من أوائل من درسوا حركية النوبات وتفريغاتها العصبية، حيث ربط الصرخة بتفريغ يصيب المناطق الحركية الدماغية العليا التي تسيطر على آلية النطق والتنفس مجتمعة.
في منتصف القرن العشرين، ومع ظهور تقنيات تخطيط أمواج الدماغ (EEG) وتخطيط كهربية العضلات (EMG)، استطاع الباحثون – ومن بينهم وايلدر بنفيلد (Wilder Penfield) وهربرت جاسبر (Herbert Jasper) – إثبات أن الصرخة تتزامن تماماً مع تسجيل شحنات عالية الفولتية سريعة التردد فوق القشرة الحركية، وأن التوليد الصوتي ليس نابعاً من مركز الفص الجبهي الخاص بالكلام الفكري (منطقة بروكا)، بل من مسارات جذع الدماغ والمحاور الحركية التنفسية البدائية غير الإرادية.
6. الأسس النظرية والفيزيولوجية العصبية
تستند الصرخة الصرعية إلى نظريات متقدمة في الفسيولوجيا العصبية والتشريح الحركي المقارن. وتلعب الشبكات المهادية القشرية (Thalamocortical Networks) الدور المحوري في إطلاق هذا النمط الحركي الصوتي؛ إذ تتطلب الصرخة انتشاراً متفجراً للسيالات العصبية عبر:
- القشرة الحركية الأولية والباحة الحركية الإضافية (SMA): حيث يؤدي تحفيز الباحة الحركية الإضافية في قشرة الدماغ أثناء النوبات الجزئية الموضعية إلى تفريغات صوتية لاإرادية وحركات توترية تشبه إلى حد بعيد الصرخة المعممة.
- المراكز الحركية في جذع الدماغ: وتحديداً التشكيل الشبكي (Reticular Formation) والنواة الغامضة (Nucleus Ambiguus)، وهي النواة المسؤولة عن تعصيب الحبال الصوتية وعضلات الحنجرة والبلعوم عبر ألياف العصب الحائر (Vagus Nerve).
- العصب الحجابي والأعصاب الوربية: المنبثقة من النخاع الشوكي الرقبي والصدري، والتي تطلق سيالات تؤدي إلى شلل تشنجي كامل في الحجاب الحاجز وجدار الصدر، طاردة الاحتياطي الزفيري من الرئتين.
تؤكد النظريات البيولوجية التطورية أن الصرخة الصرعية تمثل تنشيطاً لدوائر عصبية بالغة القدم في الدماغ المتوسط وجذع الدماغ؛ وهي دوائر مسؤولة عن إصدار الأصوات الحيوية البدائية الدفاعية التي كانت تصدرها الكائنات الحية عند مجابهة الموت أو الاختناق الشديد، ولكنها تُستثار هنا دون هدف تكيفي نتيجة الفوضى الكهربية التي تعصف بالدماغ.
7. المكونات الأساسية والأنواع والأبعاد السريرية
تتضمن دراسة الصرخة الصرعية تحليل عناصرها الصوتية وتصنيف أشكالها وفقاً للسمات الإكلينيكية:
- الصرخة التوترية الكلاسيكية (Classic Tonic Cry): وهي النمط الأبرز، وتتسم بكونها صوتاً متصلاً طويلاً نسبياً (يمتد لثوانٍ معدودة)، يتميز بنبرة رتيبة غير معبرة ونغمات منخفضة إلى متوسطة، يعقبه مباشرة طور التيبس وانقطاع التنفس.
- الصوت الاستنشاقي الخانق (Inspiratory Stridor): يظهر في بعض الحالات نتيجة محاولة المريض سحب الهواء قسراً عبر حنجرة متشنجة جزئياً إما في بداية النوبة أو أثناء الانتقال من الطور التوتري إلى الطور الرمعي.
- الأصوات النطقية الآلية (Ictal Vocalizations): وتختلف عن الصرخة التوترية بكونها مقاطع صوتية متكررة أو غمغمات غير مفهومة تصدر غالباً في صرع الفص الصدغي أو صرع الفص الجبهي، وتفتقر إلى القوة الاندفاعية الميكانيكية للصرخة التوترية.
- الصرخة الاستهلالية الرمعية (Clonic Cry): صوت متقطع ومضطرب يظهر نادراً إذا ما بدأت النوبة بحركات ارتعاشية في الأحبال الصوتية وعضلات الحجاب الحاجز قبل الدخول في الطور التوتري الكامل.
8. أمثلة وحالات سريرية توضيحية
لتوضيح المفهوم سريرياً، نستعرض حالتين نموذجيتين تعكسان الفارق التشخيصي والمسار الزمني للصرخة الصرعية:
الحالة الأولى: شاب يبلغ من العمر 24 عاماً، شُخص حديثاً بنوبة توترية رمعية مجهولة السبب. بينما كان يتحدث مع أسرته بشكل طبيعي، توقف فجأة عن الحديث في منتصف الجملة، وشخصت عيناه للأعلى، وأطلق صرخة حادة غير مألوفة دامت 3 ثوانٍ بدت وكأنها تأوه مختنق عميق، ثم سقط على الأرض متصلباً بالكامل، مع ازرقاق الوجه وتوقف التنفس لمدة 20 ثانية قبل أن تبدأ الحركات الرمعية المتناوبة في أطرافه. أكدت هذه الصرخة التوترية للأطباء أن النوبة كانت معممة منذ بدايتها.
الحالة الثانية: سيدة تبلغ من العمر 35 عاماً تعاني من نوبات متكررة مصحوبة بصراخ طويل وبكاء هستيري مع حركات تقوس ظهري واضطراب في الوعي. أثناء التقييم في وحدة مراقبة الصرع بالفيديو وتخطيط الدماغ (Video-EEG Monitoring)، تبين أن الصراخ يستمر لدقائق طويلة وله طابع عاطفي ولغوي مفهوم، ولم يُظهر تخطيط الدماغ أي تفريغات صرعية قشرية. شُخصت الحالة بأنها نوبات نفسية غير صرعية (PNES)، حيث لعب النمط الصوتي دوراً فاصلاً في تمييزها عن الصرخة الصرعية الميكانيكية.
9. القياس والتقييم والتشخيص الفارق
لا تخضع الصرخة الصرعية لمقياس رقمي مستقل، بل تُقاس وتُسجل كجزء من الأعراض النطقية والحركية في تخطيط الفيديو الكهربي للدماغ (VEEG)، الذي يعد المعيار الذهبي لتوثيق وتوصيف هذه الظاهرة بدقة متناهية.
يعد التشخيص الفارق بالغ الحساسية، إذ يجب تمييز الصرخة الصرعية بدقة عن المظاهر التالية:
- الصراخ في النوبات النفسية غير الصرعية (PNES): يتميز بالمدة الطويلة، والنبرة العاطفية، واقترانه بالبكاء أو التلفظ بكلمات واضحة، وغياب التزامن مع انقباضات الحجاب الحاجز التوترية الموحدة.
- صرير الحنجرة الحاد (Laryngeal Stridor): ينتج عن انسداد ميكانيكي حقيقي في مجرى التنفس كدخول جسم غريب أو تورم تحسسي، ويكون صوتياً شهيقياً بحتاً مع بقاء المريض في كامل وعيه في البداية.
- نوبات الذعر الشديدة (Panic Attacks): قد يصرخ المريض فيها استغاثة بفعل الخوف المفرط أو الشعور الوشيك بالموت، لكنها صرخة إرادية واعية تصدر عن جهاز نطق سليم وتحت سيطرة الجهاز الحركي الإرادي.
- الصرير النومي (Catathrenia): أنين نومي مزمن يحدث أثناء الزفير في مرحلة نوم حركات العين السريعة، وهو اضطراب تنفسي نومي حميد وليس حدثاً عصبياً صرعياً.
10. التطبيقات والأهمية السريرية والعملية
تحظى الصرخة الصرعية بأهمية استثنائية في بيئات الرعاية السريرية والطوارئ، وذلك لأسباب متعددة:
أولاً، تعمل الصرخة بمثابة «نظام إنذار مبكر» ينبه الأسرة أو الكادر التمريضي إلى حدوث النوبة الكبرى فور انطلاقها؛ مما يتيح ثوانٍ معدودة لكنها بالغة الأهمية لتأمين رأس المريض، وتمديده على جانبه، ومنع ارتطامه بالحواف الحادة أو سقوطه من أماكن مرتفعة.
ثانياً، تساعد الطبيب المعالج في تصنيف نمط النوبة بدقة؛ فوجود الصرخة يشير بقوة إلى نوبة معممة ثنائية الجانب مع إشراك متزامن للمحاور التوترية التنفسية، وهو ما يوجه اختيار مضادات الصرع المناسبة (مثل فالبروات الصوديوم أو ليفيتيراسيتام) وتجنب بعض الأدوية التي قد تفاقم النوبات المعممة كالكاربامازيبين في متلازمات معينة.
ثالثاً، تسهم في طمأنة المحيطين بالمريض؛ إذ يصاب أفراد الأسرة برعب بالغ عند سماع هذه الصرخة لاعتقادهم أن المريض يتألم بشدة أو يتعرض للعذاب. ويعد الإرشاد النفسي الذي يوضح أن الصوت هو مجرد هواء يخرج قسراً وأن المريض غائب تماماً عن الوعي ركيزة أساسية لتخفيف الصدمة النفسية للمرافقين.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية الحديثة
تركز الأبحاث الحديثة في مجال الصوتيات العصبية (Neurophonetics) على التحليل الطيفي للصوت الصرعي. فقد أظهرت دراسات استخدمت الذكاء الاصطناعي وخوارزميات معالجة الإشارات الصوتية قدرة الأنظمة الرقمية على تمييز التردد الطيفي الخاص بالصرخة الصرعية من بين الأصوات البيئية الأخرى بنسبة دقة تتجاوز 90%، مما يمهد لتطوير أجهزة مراقبة ذكية في المنازل تنبه غرف الطوارئ تلقائياً عند صدور هذا النمط الصوتي المحدد.
كما بينت الدراسات الفسيولوجية العصبية المقارنة التي قادها باحثون في مراكز الصرع المتقدمة أن وجود الصرخة في بداية النوبة التوترية الرمعية يرتبط في كثير من الأحيان بارتفاع أكبر في مستويات حمض اللاكتيك في الدم، ونقص حاد مؤقت في تشبع الأكسجين الشرياني، نظراً لأن التقلص التوتري الحنجري الصدري يكون في أقصى درجات شدته مما يعيق بدء حركات التنفس الإنعاشية بسرعة.
12. الاعتبارات الثقافية والاجتماعية والطبية المقارنة
تكتسب الصرخة الصرعية حمولة رمزية وثقافية ثقيلة عبر المجتمعات المختلفة. ففي العديد من الثقافات التقليدية، وخاصة في بعض المجتمعات الريفية في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، ارتبط هذا الصوت بالأساطير حول خروج الأرواح الشريرة أو التلبس الجني؛ نظراً لغرابة نبرة الصوت وتجرده من الملامح الإنسانية المعتادة واقترانه بالسقوط الفوري والتشنج.
تؤدي هذه المفاهيم الخاطئة إلى تأخر طلب الاستشارة العصبية المتخصصة، حيث يلجأ ذوو المريض إلى المعالجين التقليديين والروحانيين، مما يعرض المريض لخطر تكرار النوبات وحدوث الحالة الصرعية المستمرة (Status Epilepticus). لذا تشدد التوصيات الصادرة عن الاتحاد الدولي لمكافحة الصرع (ILAE) على أهمية التثقيف الصحي المجتمعي لإزالة الوصمة وتفسير الظواهر الصوتية الصرعية على أسس تشريحية وفسيولوجية واضحة.
13. الانتقادات والجدل والحدود التشخيصية
على الرغم من القيمة السريرية المعروفة للصرخة الصرعية، إلا أن هناك عدة حدود ومفاهيم شائعة مغلوطة يثيرها الباحثون:
أحد أبرز الانتقادات يكمن في الاعتماد المفرط على غياب الصرخة لنفي الصرع التوتري الرمعي؛ إذ تؤكد الدراسات السريرية أن الصرخة الصرعية لا تحدث في جميع النوبات المعممة، بل تسجل في نسبة تتراوح بين 30% إلى 50% فقط من الحالات. وبالتالي، فإن عدم صدور صرخة لا ينفي أبداً الطبيعة الصرعية للنوبة العنيفة.
بالإضافة إلى ذلك، ينشأ جدل تشخيصي في التمييز بين النمط الصادر في صرع الفص الجبهي والصرخة الكلاسيكية المعممة؛ إذ يمكن لمرضى نوبات الفص الجبهي الليلية أن يطلقوا صرخات تبدو مرعبة ومفاجئة يصحبها نشاط حركي عنيف، مما يجعل التفريق بينها وبين الكوابيس الليلية المرعبة أو النوبات التوترية الرمعية تحدياً يتطلب تخطيطاً بوليسومنوغرافياً دقيقاً ومراقبة بالفيديو طوال الليل.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
لتكوين رؤية شاملة للمصطلح، يجب التمييز بينه وبين المفاهيم المتشابهة التالية:
- الصرخة الصرعية (Epileptic Cry): صوت ميكانيكي غير إرادي في بداية نوبة توترية رمعية معممة ناتج عن انقباض قسري للحجاب الحاجز والأحبال الصوتية متزامن مع غياب تام للوعي.
- التصويت النوبي (Ictal Vocalization): يشمل أي صوت يصدره المريض أثناء النوبة الجزئية، كالأنين أو الضحك الصرعي (Gelastic) أو ترديد كلمات متفرقة، ويكون الوعي فيه متفاوتاً.
- الصرخة الهستيرية / غير الصرعية (Psychogenic Cry): صرخة عاطفية مطولة ومعبرة عن الألم أو الخوف تظهر في النوبات النفسية، دون وجود تشنج حنجري ميكانيكي حقيقي أو تفريغ كهربي بالدماغ.
- الخرس النوبي (Ictal Mutism): العجز التام عن الكلام أو إصدار أي صوت أثناء النوبة نتيجة شلل مؤقت أو اضطراب في مراكز النطق الحركية في الفص الصدغي أو الجبهي المهيمن، وهو يمثل النقيض الوظيفي للصرخة الصرعية.
15. ملخص وخلاصة معرفية
تمثل الصرخة الصرعية إحدى أكثر العلامات السريرية دراماتيكية في طب الأعصاب والطب النفسي الفسيولوجي؛ فهي ليست صرخة ألم أو استغاثة، بل هي نتيجة فيزيائية حتمية لتزامن اندفاع الهواء القسري من الرئتين بفعل تقلص عضلات التنفس مع تضيق الأحبال الصوتية التشنجي في الطور التوتري للنوبات المعممة. يواكب إطلاقها فقدان فوري ولاإرادي للوعي، مما يجعل المريض غير مدرك لما يصدر عنه.
تكمن قيمتها العملية في تنبيه المحيطين والممارسين الصحيين لوقوع نوبة صرعية حادة، موجهة إياهم لتطبيق إجراءات الإسعاف الأولي وتأمين بيئة آمنة للمريض لحمايته من الصدمات والاختناق. ويظل التمييز بينها وبين الأصوات الصادرة في الاضطرابات النفسية والحركية الأخرى عنصراً حيوياً للوصول إلى تشخيص دقيق وخطة علاجية دوائية ونفسية ناجعة.
المراجع
- Fisher, R. S., Cross, J. H., French, J. A., Higurashi, N., Hirsch, E., Jansen, F. E., Lagae, L., Moshé, S. L., Peltola, J., Roulet Perez, E., Scheffer, I. E., & Zuberi, S. M. (2017). Operational classification of seizure types by the International League Against Epilepsy: Position Paper of the ILAE Commission for Classification and Terminology. Epilepsia, 58(4), 522–530. https://doi.org/10.1111/epi.13670
- Blume, W. T., Lüders, H. O., Mizrahi, E., Tassinari, C., van Emde Boas, W., & Engel, J. (2001). Glossary of descriptive terminology for ictal semiology of epileptic seizures. Epilepsia, 42(9), 1212–1218. https://doi.org/10.1046/j.1528-1157.2001.22001.x
- Gastaut, H. (1970). Clinical and electroencephalographical classification of epileptic seizures. Epilepsia, 11(1), 102–113. https://doi.org/10.1111/j.1528-1157.1970.tb03872.x
- Asadi-Pooya, A. A., & Sperling, M. R. (2015). Clinical features of psychogenic nonepileptic seizures: Differences between men and women. Neurology, 85(19), 1673–1678. https://doi.org/10.1212/WNL.0000000000002102
- Koutroumanidis, M., Arzimanoglou, A., Caraballo, R., Goyal, S., Kaminska, A., Rocamora, R., Zuberi, S. M., & Wiebe, S. (2022). The role of video-EEG in the diagnosis and classification of seizures and epilepsies. Epileptic Disorders, 24(5), 841–862. https://doi.org/10.1684/epd.2022.1481