يُمثل الانهماك المفرط في العمل ظاهرة نفسية وسلوكية معقدة تتجاوز حدود الطموح المهني والإنتاجية العالية لتصل إلى حالة من الاستحواذ القهري الذي يستنزف طاقة الفرد النفسية والجسدية. في البيئات الحديثة التي تمجد الإنتاج المستمر، يبرز مصطلح هوس العمل بوصفه دلالة سريرية وسلوكية على نمط مدمر يرتبط باضطرابات المزاج والآليات الدفاعية النفسية غير التكيفية.
هوس العمل (Ergomania)
1. التعريف الموجز والدقيق
يُعرف هوس العمل (Ergomania) بأنه دافع قهري مفرط وغير طبيعي للعمل، يتسم بالانشغال المستمر بالمهام المهنية على حساب الصحة النفسية والجسدية، والعلاقات الاجتماعية، والأنشطة الحياتية الأخرى. لا ينبع هذا السلوك بالضرورة من المتطلبات المالية أو الواجبات الوظيفية الحقيقية، بل يتغذى على حاجة داخلية ملحة لتجنب القلق أو تعويض نقص تقدير الذات من خلال الإنجاز المتواصل.
يتجسد هذا المفهوم في صورة نمط سلوكي واستحواذي يجعل الفرد عاجزاً عن الانفصال الذهني عن العمل حتى في فترات الراحة والإجازات، مما يؤدي إلى دورة مستمرة من الإنهاك الجسدي والنفسي. يرافقه شعور مزمن بالذنب أو التوتر الشديد عندما يكون الشخص غير منخرط في مهمة مهنية، مما يجعله يشابه الخصائص الجوهرية للاضطرابات السلوكية الإدمانية وتلك المرتبطة بطيف الهوس الخفيف والاضطراب ثنائي القطب.
2. التأثيل والاشتقاق اللغوي
تعود جذور المصطلح اللغوية إلى مزيج من كلمتين إغريقيتين قديمتين؛ الأولى هي (Ergon) والتي تعني «العمل» أو «المهمة» أو «الفعل»، والثانية هي (Mania) والتي تعني «الجنون» أو «الهوس» أو «الحماسة الشديدة والاستحواذية». عند الجمع بين المفردتين في السياق الأكاديمي، نشأ مصطلح (Ergomania) للدلالة على الهوس المرضي المرتبط بالعمل والإنتاج.
دخل المصطلح إلى القاموس الطبي والنفسي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كجزء من التصنيفات السريرية للهوس أحادي الموضوع (Monomania)، حيث كان الأطباء النفسيون يحاولون تمييز أنماط الهوس المتخصصة التي يركز فيها المريض كل طاقته النفسية على مجال واحد محدد دون أن يفقد قدرته العامة على التفكير المنطقي. ومع تطور علم النفس الصناعي والسريري، تحور الاستخدام ليشمل التبعات السلوكية لإدمان العمل مع التركيز على العنصر الهوسي والاندفاعي.
3. النطق والبنية النحوية الصرفية
يُنطق المصطلح في اللغة الإنجليزية على النحو التالي: /ˌɜːr.ɡoʊˈmeɪ.ni.ə/، ويُصنف نحوياً كاسم غير قابل للعد (Noun, Uncountable). أما في اللغة العربية، فيُترجم تركيبياً بإضافة اسم المبالغة أو المصدر «هوس» إلى «العمل» (هَوَسُ العَمَل)، أو عبر استخدام مصطلحات بديلة مثل «الإرغومانيا» كنقل صوتي معرب.
من الناحية الصرفية في اللغة العربية، فإن كلمة «هَوَس» مصدر للفعل الثلاثي «هَوِسَ» (يهْوَسُ هَوَساً)، وتدل على طرف من الجنون وخفة العقل أو التعلق المفرط بالشيء. ويُشتق منه الوصف «هَوِس العمل» أو «مريض بهوس العمل»، في حين يشار إلى الشخص الفاعل بالإنجليزية بمصطلح (Ergomaniac)، والذي يُترجم عربياً إلى «مهووس العمل» أو «المصاب بهوس العمل» كاسم فاعل أو صفة مشبهة.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
يتجاوز هوس العمل مجرد الرغبة في النجاح أو الاجتهاد المهني المحمود؛ إنه يعبر عن حالة نفسية ديناميكية معقدة يكون فيها العمل آلية تأقلم دفاعية صلبة ضد مشاعر القلق، والخواء الداخلي، والاكتئاب الكامن. يستثمر المصاب بهوس العمل طاقة استثنائية في إتمام المهام، مدفوعاً بضغط داخلي لا يهدأ، حيث يُنظر إلى التوقف عن العمل أو حتى الاسترخاء العابر على أنه تهديد مباشر للهوية وتدمير للذات.
تتسم الحدود المفاهيمية لهوس العمل بالتداخل مع عدة ظواهر، أبرزها إدمان العمل (Workaholism)، إلا أن هوس العمل ينفرد بعنصر الطاقة الهوسية أو شبه الهوسية (Hypomanic energy) والتقلب المزاجي الحاد الذي يرافقه. فبينما قد يكون إدمان العمل مدفوعاً بالالتزام الصارم أو القلق الروتيني المستمر، يتميز هوس العمل بنوبات من النشاط المفرط والاندفاع العالي والمشاريع المتزامنة التي تتجاوز قدرة الإنسان العادية، يعقبها غالباً هبوط حاد وانهيار وظيفي وجسدي.
يخلق هذا النمط حلقة مفرغة، حيث يولد العمل المستمر عزلة اجتماعية تدريجية وتدهوراً في شبكة الدعم الأسري، مما يدفع الفرد للغرق أكثر في بيئة العمل بوصفها الملاذ الوحيد المتبقي الذي يمنحه شعوراً مؤقتاً بالسيطرة والكفاءة. ومع مرور الوقت، تتضاءل الفاعلية الحقيقية للعمل نتيجة التعب المزمن، وتراجع التركيز الإدراكي، والقرارات المتسرعة الناتجة عن فرط الاستثارة، مما يقود الفرد إلى زيادة ساعات العمل تعويضاً عن تراجع الجودة، وهو ما يسرع وتيرة الانهيار.
تتضمن أبعاد هذه الحالة أيضاً تشوهات معرفية حادة تشمل «التفكير الكارثي» المتعلق بالتوقف عن الإنتاج، و«الاستدلال العاطفي» حيث يشعر الفرد بأنه بلا قيمة إن لم يكن منشغلاً، بالإضافة إلى معايير الكمالية العصابية الصارمة التي تجعل أي إنجاز يبدو ناقصاً ولا يستحق الاحتفاء، مما يلغي إمكانية الرضا أو الإشباع النفسي الداخلي.
5. التطور التاريخي للمفهوم
شهد مفهوم هوس العمل تحولات تاريخية ارتبطت بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية في بنية العمل عبر القرنين الماضيين. في أواخر القرن التاسع عشر، ومع صعود التحليل النفسي والطب النفسي الأوروبي، لاحظ علماء النفس مثل جان إتيان إسكيرول وكارل كالباوم حالات فردية من الاستغراق المهني الشديد ودمجوها ضمن دراسات الهوس الأحادي والتظاهرات السلوكية للهوس الخفيف.
مع بداية الثورة الصناعية وترسيخ أخلاقيات العمل الرأسمالية والبروتستانتية كما حللها ماكس فيبر، بدأ المجتمع ينظر إلى الانغماس التام في العمل كفضيلة عليا، مما حجب الأبعاد المرضية للظاهرة لعقود طويلة. ولكن بحلول سبعينيات القرن العشرين، وتحديداً مع نشر الطبيب النفسي واين أوتس لكتابه التأسيسي «اعترافات مدمن عمل» عام 1971، بدأ التمييز السريري يتضح بين الاجتهاد الإيجابي والسلوك الاستحواذي القهري، مما أعاد إحياء التدقيق في حالات هوس العمل بوصفها اضطرابات سلوكية وعاطفية حقيقية.
في نهايات القرن العشرين وبدايات الألفية الحالية، أحدثت العولمة وثورة الاتصالات الرقمية قفزة في دراسة هذا المفهوم؛ حيث أزال الهاتف الذكي والإنترنت الحواجز الجغرافية والزمنية بين بيئة العمل والمجال الخاص. وقد دفع هذا التحول الباحثين، مثل باربرا كيلي ومارك غريفيثس، إلى إعادة فحص هوس العمل بوصفه إدماناً سلوكياً غير كيميائي يتغذى على بيئة العمل الحديثة التي تكافئ التواجد الدائم وتحث عليه، ليصبح مفهوماً مركزياً في أبحاث الصحة المهنية والطب النفسي الوظيفي.
6. الأسس والأطر النظرية
تستند دراسة هوس العمل إلى أطر نظرية ونماذج متعددة في علم النفس، يسلط كل منها الضوء على جانب محدد من البنية المعقدة لهذه الظاهرة:
المنظور الديناميكي النفسي: يرى التحليل النفسي الفرويدي والنيوفرويدي هوس العمل كآلية هروب وتصعيد دفاعي (Sublimation) أو تكوين عكسي لمشاعر العجز، وتجنب الصراعات النفسية العميقة مثل الصدمات غير المحلولة أو الخوف من الفناء والموت. ويشكل العمل السريع والمستمر ستارة دخانية تمنع المشاعر والذكريات المؤلمة من الصعود إلى مستوى الوعي، حيث يحل الفعل الحركي والإنتاجي محل الاستبصار الداخلي.
النظرية المعرفية السلوكية: تؤكد هذه المقاربة على وجود مخططات معرفية مختلة تدور حول الجدارة الشخصية والكمالية القهرية. يعتقد المصاب بهوس العمل ضمنياً: «قيمتي كإنسان تساوي بالضبط ما أنتجه»، مما يؤدي إلى تشوهات معرفية مثل تفكير الكل أو لا شيء، وتضخيم العواقب السلبية للراحة، حيث تعمل المكافآت الخارجية المؤقتة كتعزيز إيجابي يزيد من ثبات السلوك القهري ويجعله مقاوماً للتغيير.
نموذج الإدمان السلوكي: يعامل هذا الإطار هوس العمل وفق نموذج الإدمان الحيوي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial Model). في هذا السياق، ينشط العمل مسارات المكافأة الدوبامينية في الدماغ بطريقة مشابهة لإدمان القمار، حيث يؤدي الترقب والنجاح وإتمام المهام إلى تدفق مؤقت للدوبامين، مما يخلق تحملاً نفسياً (Tolerance) يدفع الفرد إلى زيادة جرعة العمل لتحقيق نفس المستوى من الاستثارة وتجنب أعراض الانسحاب المتمثلة في الكآبة والقلق الشديد عند التوقف.
7. المكونات الأساسية والأبعاد والأنماط
يتألف هوس العمل من حزمة من المكونات والأبعاد السلوكية والوجدانية التي تميزه عن التفاني الطبيعي في الوظيفة، وتتضمن ما يلي:
- الدافع القهري الداخلي: شعور لا يقاوم بضرورة العمل والإنتاج لا يرتبط بالحوافز المالية أو الإجبار الخارجي، بل بضغط نفسي داخلي طاغٍ.
- الاستحواذ الفكري الدائم: الانشغال المعرفي المستمر بالتخطيط للمهام وحل المشكلات المهنية حتى أثناء أوقات النوم أو الأنشطة الاجتماعية أو المناسبات العائلية.
- عدم القدرة على التفويض: صعوبة بالغة في إيكال المهام للآخرين نتيجة الاعتقاد بأن أحداً لا يستطيع تنفيذها بالجودة والسرعة المطلوبة، مما يرفع حجم العبء الملقى على عاتق الفرد.
- تقلب الطاقة المفرط: فترات متكررة من التيقظ العالي جداً والنشاط الشبيه بالهوس الخفيف، حيث ينام الفرد ساعات قليلة جداً دون الشعور بالتعب، يتبعها انهيار مفاجئ واستهلاك كامل للطاقة.
- النمط التعويضي: استخدام العمل كدرع عاطفي لتجنب المشاكل الزوجية، أو الصعوبات العائلية، أو الفراغ الوجودي، مما يجعل بيئة العمل منطقة الأمان النفسي الوحيدة.
- إنكار التداعيات السلبية: تجاهل العلامات التحذيرية الجسدية (مثل اضطرابات النوم، ومشاكل الجهاز الهضمي، وآلام القلب) والاجتماعية (مثل الطلاق أو تباعد الأبناء)، والاستمرار في نفس النهج المرضي.
8. أمثلة وحالات سريرية توضيحية
لتوضيح المفهوم في السياق الواقعي، نستعرض حالتين سريريتين افتراضيتين تبرزان الأبعاد المختلفة لهوس العمل:
الحالة الأولى: «طارق»، مدير تنفيذي يبلغ من العمر 42 عاماً:
يعمل طارق بمعدل 85 ساعة أسبوعياً. يستيقظ في الرابعة صباحاً لمراجعة التقارير، ويرسل رسائل بريد إلكتروني لفريقه في منتصف الليل. عندما طلبت منه زوجته أخذ إجازة سنوية بعد وعكة صحية ألمّت به (ارتفاع حاد في ضغط الدم)، وافق على مضض بشرط أن يحمل حاسوبه المحمول. خلال الإجازة، كان يقضي 6 ساعات يومياً في العمل من الفندق، وأصيب بنوبات هلع وتوتر عصبي حاد عندما انقطعت شبكة الإنترنت مؤقتاً. يعبر طارق أثناء جلسات العلاج النفسي قائلاً: «إذا جلستُ دون عمل أشعر وكأنني أختنق، وأن حياتي فارغة تماماً ولا معنى لها». تظهر هذه الحالة وضوح التكافؤ بين العمل والأمن الوجودي وغياب القدرة على خفض الاستثارة.
الحالة الثانية: «سارة»، طبيبة مقيمة تبلغ من العمر 30 عاماً:
تتطوع سارة دائماً لتغطية نوبات العمل الإضافية الخاصة بزملائها، وتدخل في مشاريع بحثية متعددة في آن واحد. تنام بمعدل ثلاث ساعات يومياً، وتظهر طاقة غير طبيعية وسرعة في الكلام والتحرك داخل المستشفى. ترفض تناول الطعام بانتظام معتبرة ذلك «إهداراً للوقت». على الرغم من إشادة رؤسائها بإنتاجيتها في البداية، بدأت سارة ترتكب أخطاء توثيقية فادحة بسبب الحرمان المزمن من النوم، وانفجرت بالبكاء الهستيري عند توجيه ملاحظة بسيطة لها حول أدائها. تبرز حالة سارة كيف يمكن للطاقة الهوسية الأولية أن تقود إلى تدهور معرفي وعصبي شديد متستر تحت غطاء الحماسة والواجب المهني.
9. القياس والتقييم النفسي
لا يُدرج هوس العمل كاضطراب مستقل منفصل في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، بل يتم تقييمه عادةً ضمن اضطرابات الإدمان السلوكي، أو كعرض مرافق لاضطراب ثنائي القطب والاضطرابات المرتبطة بـ الوسواس القهري واضطراب الشخصية الوسواسية (OCPD).
تستخدم أدوات قياس متعددة لتقييم درجات الانخراط المفرط والقهري في العمل، من أبرزها:
- مقياس بيرغن لإدمان العمل (Bergen Work Addiction Scale – BWAS): يعتمد على المعايير الجوهرية للإدمان (البروز، وتغير المزاج، والتحمل، والانسحاب، والصراع، والانتكاس) لتحديد ما إذا كان سلوك العمل قد اتخذ طابعاً إدمانياً خطيراً.
- بطارية إدمان العمل (Workaholism Battery – WorkBAT): طُورت بواسطة سبنسر وروبنز لقياس ثلاثة أبعاد رئيسية: الانخراط في العمل، والدافع الداخلي القهري، والتمتع بالعمل، حيث يظهر المهووس بالعمل درجات عالية جداً في الانخراط والدافع، مقابل درجات منخفضة في التمتع الحقيقي بالعمل.
- مقياس مكونات هوس العمل (WART): يقيس الميول الشبيهة بالوسواس، والكمالية، وسرعة وتيرة العمل، وصعوبة بناء العلاقات الإنسانية بسبب الانشغال المهني.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحمل فهم هوس العمل أهمية بالغة في عدة سياقات تطبيقية، تبدأ من علم النفس المؤسسي والتنظيمي؛ فالشركات التي تكافئ السلوكيات الهوسية وتعتبرها معياراً للموظف المثالي تساهم في خلق بيئة سامة تنتج في النهاية خسائر فادحة ناتجة عن التغيب المرضي، وارتفاع معدل دوران الموظفين، وتكلفة الأخطاء الناتجة عن الإجهاد.
في الطب السريري والعلاج النفسي، يفيد تشخيص هوس العمل في توجيه التدخلات العلاجية؛ حيث يساعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) المريض على تفكيك العلاقة الشرطية بين قيمته الإنسانية وإنتاجيته، وإعادة هيكلة المعتقدات المشوهة، وتدريبه على وضع حدود صارمة للعمل. كما يُستخدم العلاج بالقبول والالتزام (ACT) لتمكين الأفراد من تقبل القلق والمشاعر غير المريحة دون اللجوء الفوري للعمل كمهدئ سلوكي مؤقت.
على مستوى الصحة العامة والسياسات المهنية، تبرز الأهمية العملية في تطوير لوائح تنظيمية تحمي العمال من الاتصال الرقمي بعد ساعات العمل الرسمية (مثل قانون «الحق في قطع الاتصال» المعتمد في بعض الدول الأوروبية)، مما يقلل من تفاقم هذا الهوس السلوكي على المستوى المجتمعي.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أظهرت الدراسات التجريبية والوبائية المعاصرة تداعيات خطيرة لهوس العمل على الصحة العامة. تشير أبحاث الباحثة النرويجية سيسيلي شول أندرياسن وزملاؤها إلى وجود ارتباط إيجابي دال إحصائياً بين هوس العمل وأعراض الأمراض النفسية الشائعة كالقلق، والاكتئاب، واضطرابات الوسواس القهري، إضافة إلى متلازمة تململ الساقين واضطرابات النوم المزمنة.
من الناحية الفسيولوجية العصبية، أثبتت الدراسات التي قادها باحثون في مجال الإجهاد المزمن أن العمل المستمر بنمط هوسي يرفع مستويات الكورتيزول والكاتيكولامينات في الدم بشكل دائم. يؤدي هذا الخلل الهرموني إلى زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ومتلازمة الأيض، وتثبيط الجهاز المناعي، كما تم ربطه في الأدبيات الطبية اليابانية بظاهرة «الكاروشي» (Karoshi) أو الموت المفاجئ الناتج عن الإفراط في العمل عبر السكتات الدماغية والقلبية.
كما بينت الدراسات الطولية أن هوس العمل لا ينعكس إيجاباً على الإنتاجية طويلة الأمد؛ فالأفراد المصابون بهذا النمط، رغم عملهم ساعات أطول، تنخفض لديهم درجات الإبداع والمرونة المعرفية، وترتفع لديهم معدلات الوصول إلى مرحلة الاحتراق النفسي (Burnout) مقارنة بزملائهم الذين يوازنون بين العمل والحياة الشخصية.
12. الاعتبارات الثقافية والاجتماعية
تختلف النظرة إلى هوس العمل وتفسيره باختلاف السياق الثقافي والاجتماعي. ففي الثقافات الفردانية الغربية وثقافات شرق آسيا (مثل اليابان وكوريا الجنوبية)، يُعامل الإفراط في العمل في كثير من الأحيان بنوع من التقدير والتبجيل الاجتماعي، حيث يُنظر إلى التضحية بالحياة الشخصية كدليل قاطع على الإخلاص والولاء المؤسسي، مما يوفر بيئة حاضنة تعزز السلوكيات المرضية وتؤخر طلب المساعدة العلاجية.
في المقابل، تميل بعض الثقافات الجمعية التي تعلي من شأن الروابط العائلية والاسترخاء المجتمعي (مثل ثقافات حوض البحر الأبيض المتوسط وأمريكا اللاتينية) إلى النظر لهوس العمل كخلل اجتماعي يهدد التماسك الأسري، مما قد يشكل عامل حماية نسبي ضد تفشي الظاهرة، وإن كانت الضغوط الاقتصادية المعولمة باتت تقلص هذه الفروق باطراد في البيئات الحضرية الحديثة.
تلعب العوامل الجندرية أيضاً دوراً محورياً؛ فالأدوار الجندرية التقليدية كانت تتقبل انغماس الرجال في العمل لساعات طويلة باعتبارهم المعيلين الأساسيين، في حين تواجه النساء المهووسات بالعمل ضغوطاً مجتمعية مضاعفة وصراعاً حاداً في الأدوار بين الواجبات الأسرية والتطلعات المهنية القهرية، مما يرفع لديهن مستويات الشعور بالذنب والاضطراب النفسي اللاحق.
13. الانتقادات والجدل العلمي والحدود
يثير مفهوم هوس العمل جدلاً علمياً ونظرياً مستمراً في الأوساط الأكاديمية والسريرية؛ ويتركز الانتقاد الأساسي حول مدى دقة تصنيفه كـ «اضطراب نفسي» مستقل. يجادل بعض علماء النفس بأن التوسع في تصنيف كل سلوك مفرط كـ «هوس» أو «إدمان» يقع في فخ المبالغة الطبية (Medicalization) للسلوكيات البشرية العادية، مما قد يفرغ التشخيص النفسي من رصانته ومصداقيته.
من الانتقادات الأخرى صعوبة التمييز الإجرائي بين هوس العمل المرضي و«الانخراط الحماسي الإيجابي في العمل» (Work Engagement). فالأفراد الشغوفون بعملهم بشغف متناغم (Harmonious Passion) يعملون لساعات طويلة أيضاً ولكن بدافع من الحب والمتعة الحقيقية دون أن يعانوا من التدهور الصحي أو العزلة النفسية، وهو ما يضع تحدياً كبيراً أمام الباحثين في رسم الخط الفاصل بدقة بين الحماسة الصحية والسلوك القهري المدمر.
إضافة إلى ذلك، ينتقد باحثو علم الاجتماع النظرة الفردية التي تركز على الجانب النفسي للظاهرة، معتبرين أنها تلقي باللوم على الضحية وتتجاهل السياقات الاقتصادية والنيوليبرالية الجائرة التي تجبر العاملين على الإفراط في العمل تحت وطأة انعدام الأمان الوظيفي وتهديدات الفصل المستمرة، مما يجعل السلوك في جوهره استجابة للبقاء وليس اضطراباً نفسياً داخلي المنشأ.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتقاطع ظاهرة هوس العمل مع العديد من المفاهيم في الأدبيات النفسية، ومن المهم تبيان الفروق الدقيقة بينها:
- إدمان العمل (Workaholism): مصطلح عام يشير إلى الحاجة القهرية للعمل، بينما يركز «هوس العمل» (Ergomania) تحديداً على الجانب الهوسي الحركي، وتدفق الطاقة غير المعتاد، والتقلبات المزاجية الشبيهة باضطرابات الوجدان.
- الانخراط في العمل (Work Engagement): حالة إيجابية ومُرضية من الارتباط بالعمل تتسم بالحيوية والتفاني والاستغراق الممتع، على عكس هوس العمل الذي يرافقه القلق والضغط النفسي وغياب الاستمتاع الذاتي.
- الاحتراق النفسي (Burnout): هو نتيجة ونهاية مسار غالباً ما تكون ناجمة عن هوس العمل غير المعالج؛ فالاحتراق يمثل حالة استنزاف حاد وفقدان للطاقة وتبلد للمشاعر تجاه العمل، في حين أن هوس العمل يمثل حالة النشاط المفرط والاستحثاث المستمر التي تسبق الانهيار.
- اضطراب الشخصية الوسواسية (OCPD): اضطراب شخصية شامل يتميز بالانشغال المفرط بالنظام والكمال والسيطرة في كل مناحي الحياة، ويعد هوس العمل أحياناً أحد التجليات البارزة له، لكن هوس العمل قد يظهر لدى أشخاص لا يحملون كل سمات هذا الاضطراب.
- الشغف القهري (Obsessive Passion): دافع داخلي يدفع الفرد لممارسة النشاط دون سيطرة عليه، مما يتعارض مع مجالات الحياة الأخرى، ويعد الأساس النفسي المحرك لهوس العمل.
15. ملخص وخلاصة ختامية
يعد هوس العمل ظاهرة نفسية وسلوكية بالغة التعقيد، يتداخل فيها الدافع القهري للإنجاز مع محاولات التكيف العاطفي غير السليمة، لتتحول قيمة العمل من وسيلة للبناء والإنتاج إلى غاية استحواذية تستنزف الذات. على الرغم من أن المجتمع المعاصر قد يكافئ هذه السلوكيات ظاهرياً بوصفها علامة على التفاني، إلا أن عواقبها السريرية تتجلى في تدهور الصحة النفسية والجسدية، وتفكك العلاقات الأسرية، والوصول الحتمي إلى الاحتراق النفسي الكامل.
يتطلب التعامل مع هوس العمل مقاربة شمولية تجمع بين التدخلات السريرية القائمة على الأدلة، كالعلاج المعرفي السلوكي لإعادة بناء مفهوم الذات بمعزل عن الإنتاجية الرقمية، وبين الإصلاحات التنظيمية داخل بيئات العمل التي ينبغي أن تتبنى ثقافة توازن بين الكفاءة والرفاهية النفسية لموظفيها، بما يضمن استدامة الطاقات البشرية وحمايتها من الاستنزاف القهري.
المراجع
- Andreassen, C. S., Griffiths, M. D., Sinha, R., Hetland, J., & Pallesen, S. (2016). The relationships between workaholism and symptoms of psychiatric disorders: A large-scale cross-sectional study. PLOS ONE, 11(5), e0152978. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0152978
- Clark, M. A., Michel, J. S., Zhdanova, L., Pui, S. Y., & Baltes, B. B. (2016). All work and no play? A meta-analytic examination of the correlates and outcomes of workaholism. Journal of Management, 42(7), 1836–1873. https://doi.org/10.1177/0149206314522301
- Griffiths, M. D. (2011). Workaholism: A 21st century addiction. The Psychologist: Bulletin of the British Psychological Society, 24(10), 740–744.
- Oates, W. E. (1971). Confessions of a Workaholic: The Facts about Work Addiction. World Publishing Company.
- Spence, J. T., & Robbins, A. S. (1992). Workaholism: Definition, measurement, and preliminary results. Journal of Personality Assessment, 58(1), 160–178. https://doi.org/10.1207/s15327752jpa5801_15