المقابلة التقييمية: حجر الأساس في التشخيص النفسي

المقابلة التقييمية هي الأداة الإكلينيكية الأساسية لجمع البيانات وتحديد التشخيص النفسي؛ تعرف على أنواعها، ومراحلها، وأهميتها في صياغة خطط العلاج النفسي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 18 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 18 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل المقابلة التقييمية الركيزة الجوهرية ونقطة الانطلاق الحاسمة في ممارسات علم النفس العيادي والطب النفسي الحديث؛ إذ تتيح للممارس المتخصص تكوين فهم شمولي وعميق لطبيعة الصعوبات والاضطرابات التي يعاني منها الفرد. لا تقتصر هذه الأداة المهنية على رصد الأعراض الظاهرة وتصنيفها فحسب، بل تمتد لتسبر أغوار البنية النفسية، والتاريخ النمائي، والسياق الاجتماعي والثقافي المحيط بالمفحوص، مما يجعلها البوابة الرئيسية لتحديد التدخلات العلاجية الناجعة وصياغة القرارات التشخيصية الدقيقة.

المقابلة التقييمية

1. التعريف الموجز

المقابلة التقييمية (Evaluation Interview) هي محادثة مهنية موجهة ومخططة، يجريها ممارس سريري مؤهل مع المسترشد أو المريض، لجمع معلومات تفصيلية منهجية حول أدائه النفسي، وقدراته العقلية، وتاريخه الشخصي والعاطفي والسلوكي. تستهدف هذه المقابلة الوصول إلى تشخيص دقيق، وتحديد مدى خطورة الحالة، ووضع تصور علاجي ملائم ومبني على الأدلة العلمية.

تتميز المقابلة التقييمية عن الحوارات العادية بكونها تتسم بأهداف إكلينيكية محددة مسبقاً، وتعتمد على مهارات تواصل متقدمة وتقنيات ملاحظة دقيقة تدمج السلوك اللفظي وغير اللفظي للمفحوص. كما أنها تضع الأساس المتين للعلاقة العلاجية (Therapeutic Alliance) وتسهم في استكشاف الموارد الداخلية للفرد بجانب نقاط ضعفه وصراعاته النفسية.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاق

تعود كلمة “مقابلة” في المعاجم العربية إلى الجذر الثلاثي (ق-ب-ل)، والذي يحمل دلالات المواجهة واللقاء المباشر وجهاً لوجه، وهو ما يعكس الطابع التفاعلي والتواصلي المباشر للعملية. أما كلمة “تقييمية”، فتشتق من الجذر (ق-و-م)، وقوّم الشيء أي قدّر قيمته وحدد خصائصه ومستواه وعدّل اعوجاجه، وفي السياق السيكولوجي تشير إلى عملية التقدير المنهجي للقدرات والسمات والاضطرابات.

في اللغة الإنجليزية، يقابلها مصطلح (Evaluation Interview) أو (Assessment Interview)؛ وكلمة (Evaluation) مشتقة تاريخياً من الكلمة اللاتينية (Valere) التي تعني “أن تكون ذا قيمة أو قوة”، وتحولت في الفرنسية القديمة إلى (Évaluer) بمعنى تقدير القيمة. أما كلمة (Interview)، فتعود لأصل فرنسي من كلمة (Entrevoir) التي تعني الرؤية المتبادلة أو استراق النظر في أمور الشخص بعمق متبادل، واستخدمت في العلوم السلوكية لوصف الفحص التشخيصي المنهجي والمباشر.

3. النطق والبنية الصرفية

تُنطق باللغة العربية: “المُقَابَلَةُ التَّقْيِيمِيَّةُ”؛ حيث تأتي كلمة “مُقابلة” على وزن “مُفَاعَلَة”، وهي مصدر صريح للفعل الرباعي المزيد “قَابَلَ”، وتفيد المشاركة والتفاعل بين طرفين فأكثر. وتُعرب في السياقات النحوية بحسب موقعها في الجملة، وهي اسم مؤنث مفرد.

أما كلمة “التَّقْيِيمِيَّةُ”، فهي نعت (صفة) مشتق ملحق بياء النسب والتاء المربوطة للدلالة على الطبيعة الوظيفية أو النوعية، مأخوذة من المصدر المولد “تقييم”. ويشيع في الأدبيات النفسية استخدام مصطلح “المقابلة التشخيصية” أو “المقابلة السريرية التقييمية” بصيغ مترادفة تؤدي المعنى الفني ذاته في الممارسات الإكلينيكية.

4. الشرح المفاهيمي المفصل

تُعد المقابلة التقييمية عملية ديناميكية تفاعلية تتجاوز مجرد جمع الحقائق الصرفة؛ فهي تمثل إطاراً استكشافياً يستهدف فحص التاريخ النمائي والوراثي والاجتماعي للشخص، وتحديد المحفزات البيئية لشكواه الحالية. يعمل الأخصائي النفسي خلال هذه الجلسة على إرساء مناخ سريري آمن يتيح للمريض الإفصاح عن مخاوفه وصراعاته الداخلية دون خوف من الحكم الأخلاقي أو التقييم السلبي.

يتضمن النطاق المفاهيمي للمقابلة تقييم “فحص الحالة العقلية” (Mental Status Examination)، وهو مسح آني وشامل لوظائف الفرد المعرفية، ومزاجه، واتساق تفكيره، وإدراكه الحسي، وبصيرته بمرضه. كما تركز المقابلة على كشف آليات الدفاع النفسي التي يلجأ إليها المسترشد لمواجهة القلق، وتحديد حدود المرونة النفسية (Resilience) والقدرة على التكيف في ظل الضغوط المحيطة.

تحدد حدود المقابلة التقييمية بمدى التزامها بأخلاقيات المهنة والمعايير السريرية؛ إذ لا ينبغي أن تنقلب المقابلة التقييمية إلى جلسة علاج نفسي مكثفة، كما لا يجوز أن تكون استجواباً بارداً وجافاً يفرغ الفرد من إنسانيته. إنها توازن دقيق بين الموضوعية الإمبيريقية في جمع البيانات وبين الحضور الإنساني والتعاطفي الذي يطمئن المسترشد ويدفعه للتعاون.

علاوة على ذلك، تُسهم المقابلة التقييمية في تحديد مدى الحاجة لإجراء فحوصات مخبرية أو تصوير عصبي أو تطبيق اختبارات سيكولوجية مقننة (Psychological Tests)؛ كاختبارات الذكاء واختبارات الشخصية الموضوعية والإسقاطية، مما يجعلها الإطار المرجعي الأولي الذي تنبثق منه بقية عناصر التقييم النفسي المتكامل.

5. التطور التاريخي للمفهوم

تعود الجذور المبكرة للمقابلة التقييمية إلى بدايات الطب النفسي الإكلينيكي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا سيما مع الإسهامات الرائدة للطبيب النفسي الألماني إميل كريبيلن (Emil Kraepelin)، الذي شدد على أهمية التدوين الدقيق لتاريخ المرضى النفسيين وأعراضهم من أجل تصنيف الاضطرابات بدقة وفق مساراتها السريرية.

مع صعود مدرسة التحليل النفسي بزعامة سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، اتخذت المقابلة منحىً استكشافياً عميقاً ركز على تداعي الأفكار الحر، واستحضار ذكريات الطفولة المبكرة، وفهم الدوافع اللاشعورية. ورغم تركيز التحليل النفسي على العلاج، إلا أن الجلسات التمهيدية الأولى كانت بمثابة مقابلات تقييمية تهدف لتحديد قابلية المريض للخضوع للتحليل ومدى قوة أناه.

في منتصف القرن العشرين، أحدث الطبيب النفسي الأمريكي هاري ستاك سوليفان (Harry Stack Sullivan) ثورة منهجية في مفهوم المقابلة عبر كتابه الرائد “المقابلة النفسية” (The Psychiatric Interview) عام 1954، حيث نظّر للمقابلة بوصفها موقفاً تفاعلياً بين شخصين (Interpersonal Situation)، يكون فيه الفاحص “ملاحظاً مشاركاً” يتأثر ويؤثر في ديناميات اللقاء، بدلاً من كونه راصداً حيادياً تماماً.

شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين نقلة نوعية مع بروز الحاجة إلى معايير تشخيصية موضوعية وموثوقة، مما أدى لصدور الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية بطبعته الثالثة (DSM-III)، ومن ثم ابتكار المقابلات التقييمية المقننة ونصف المقننة مثل المقابلة السريرية المنظمة (SCID)، التي ساهمت في تقليل التحيز الشخصي للفاحصين ورفعت بشكل ملحوظ من مستويات الثبات الإحصائي في الأبحاث والعيادات على مستوى العالم.

6. الأسس النظرية والأطر المرجعية

تستند المقابلة التقييمية إلى أطر نظرية متكاملة تتضافر فيما بينها لتوجيه الفاحص السريري، ومن أبرز هذه النماذج:

النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial Model): يعد الإطار الأشمل للمقابلة التقييمية الحديثة؛ إذ ينظر للمفحوص من زوايا متعددة تشمل العوامل البيولوجية (كالاستعداد الوراثي والأمراض العضوية)، والعوامل النفسية (كأنماط التفكير وإدارة الانفعالات والسمات الشخصية)، والعوامل الاجتماعية (كالبيئة الأسرية، والضغوط المهنية، وشبكات الدعم الاجتماعي).

النظرية المعرفية السلوكية: توجه المقابلة نحو رصد السلوكيات غير التكيفية الحالية، والمثيرات البيئية المرتبطة بها، والتشوهات المعرفية (Cognitive Distortions) والمعتقدات المحورية غير العقلانية التي يتبناها الفرد وتسهم في إدامة معاناته النفسية.

المدخل الإنساني الوجودي: يركز على إعلاء تجربة المفحوص الذاتية والوعي بإمكاناته، متأثراً بأفكار كارل روجرز (Carl Rogers) حول توفير التقبل الإيجابي غير المشروط، والتعاطف الدقيق، والأصالة، مما يجعل المقابلة مساحة لتوليد الأمل وبناء التحالف العلاجي المتين.

7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية

تتضمن المقابلة التقييمية بنية مفصلة تشمل أنواعاً متعددة وأبعاداً فنية دقيقة، يمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • الأنواع المنهجية للمقابلة:
    • المقابلة الحرة (غير المقننة): حوار مفتوح يتبعه الفاحص بناءً على استجابات المفحوص، يتيح مرونة فائقة وتلقائية، لكنه يفتقر إلى مستويات الثبات المقارن.
    • المقابلة المقننة (المقيدة): تعتمد على مجموعة ثابتة وصارمة من الأسئلة محددة الترتيب والصياغة والترميز، ترفع من الثبات والموضوعية ولكنها تفتقر أحياناً للمرونة والعمق الإنساني.
    • المقابلة نصف المقننة: نموذج توفيقي يجمع بين أسئلة محددة سلفاً وتوفير حرية كافية للفاحص في استيضاح التفاصيل والتعمق في الإجابات المشبوهة، وهو النوع الأكثر استخداماً في العيادات والأبحاث المتقدمة.
  • المكونات الهيكلية الرئيسية للجلسة:
    • الافتتاحية وتأسيس الألفة: ترحيب بالمفحوص، وتوضيح أهداف المقابلة، وشرح بنود السرية المهنية ومحدداتها.
    • الشكوى الرئيسية (Chief Complaint): استكشاف ما يدفع الشخص لطلب المساعدة بكلماته وعباراته الخاصة.
    • تاريخ المرض الحالي: تفصيل ظهور الأعراض، وتطورها الزمني، وحدتها، وتأثيرها على الأداء اليومي.
    • التاريخ النفسي والطبي السابق: توثيق الاضطرابات السابقة، ودخول المستشفيات، والأدوية المتناولة، والتاريخ الإدماني.
    • التاريخ الأسري والشخصي النمائي: رصد الأمراض النفسية في العائلة، وتطور الطفولة والمراهقة، والتحصيل الدراسي والمهني.
    • فحص الحالة العقلية (MSE): رصد المظهر، والسلوك، ومستوى اليقظة، وطريقة الكلام، والوجدان، ومجرى التفكير ومحتواه.
    • الخاتمة والاتفاق: تلخيص النتائج الأولية، وإعطاء فرصة للمفحوص لطرح الأسئلة، وتحديد الخطوة التالية.

8. أمثلة وحالات توضيحية

حالة سريرية توضيحية (اضطراب قلق واكتئاب): حضر “أحمد” (34 عاماً) إلى العيادة النفسية بناءً على نصيحة طبيب الأسرة. في بداية المقابلة التقييمية نصف المقننة، لاحظ الفاحص توتراً حركياً ونقصاً في التواصل البصري. عند استكشاف الشكوى الرئيسية، صرح أحمد: “أشعر بإنهاك دائم وفقدت الشغف بعملي منذ ستة أشهر”. ومن خلال التدرج في أسئلة المقابلة، تبيّن وجود نوبات هلع متكررة تزامنت مع ترقية مهنية زادت من أعبائه، إضافة إلى استبطان مشاعر عميقة بالدونية الذاتية. ساعدت المقابلة التقييمية في استبعاد اضطرابات الغدة الدرقية كسبب عضوي، والوصول إلى تشخيص مبدئي لاضطراب القلق العام المصحوب بنوبة اكتئاب متوسطة الشدة، مما فتح الطريق لرسم خطة علاج معرفي سلوكي مستهدفة.

مثال من سياق الطوارئ والتقييم السريع: في وحدة الطوارئ النفسية، أُجريت مقابلة تقييمية مركزة لشخص تم إحضاره بعد تهديدات صريحة بإيذاء النفس. تمحور التركيز في هذه المقابلة حول “تقييم الخطورة والانتحار” (Suicide Risk Assessment)، وفحص التوجه الزماني والمكاني، ورصد وجود أفكار أو خطط أو وسائل متوفرة، مما قاد الفريق الطبي إلى اتخاذ قرار التنويم السريري لحماية حياة المريض.

9. أدوات القياس والتقييم السريري

تستند المقابلة التقييمية في كثير من السياقات الإكلينيكية والبحثية إلى أدوات ومقابلات منظمة مقننة، تتمتع بمستويات عالية من الصدق والثبات الإحصائي، ومن أهم هذه الأدوات:

المقابلة الإكلينيكية المنظمة لاضطرابات الدليل التشخيصي (SCID): تعد المعيار الذهبي لإجراء التشخيص المنهجي وفق معايير الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين؛ حيث تتألف من أسئلة محددة ومعايير تقييمية واضحة تساعد في تأكيد أو نفي معايير التشخيص التفريقي للاضطرابات النفسية الكبرى واضطرابات الشخصية.

مقياس الفحص العصبي النفسي السريري المصغر (Mini-Mental State Examination – MMSE): يُدمج أحياناً كأداة سريعة في المقابلة التقييمية لتقدير الوظائف الإدراكية كالتذكر، والانتباه، واللغة، وخاصة لدى المسنين أو المشتبه بإصابتهم بتدهور معرفي أو متلازمات الخرف.

المقابلة المصغرة الدولية للاعتلال العصبي والنفسي (MINI): مقابلة تشخيصية منظمة وقصيرة، تستغرق نحو 15 إلى 30 دقيقة، مصممة لأغراض العيادات الأولية والدراسات التجريبية السريعة مع الحفاظ على كفاءة تشخيصية مقبولة.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تمتد استخدامات المقابلة التقييمية إلى قطاعات متعددة داخل وخارج أسوار العيادات النفسية التقليدية:

في الممارسة الإكلينيكية والطب النفسي: تمثل المقابلة الأساس لوضع التصور الإكلينيكي للحالة (Case Formulation)، وتحديد مآل الاضطراب، واختيار التدخلات الدوائية أو النفسية الأنسب لكل مريض بصورة فردية وموجهة.

في علم النفس الجنائي والشرعي (Forensic Psychology): تُستخدم المقابلات التقييمية للتحقق من الأهلية القانونية للمثول أمام المحكمة، وتقدير المسؤولية الجنائية أثناء ارتكاب الجرم، وتقييم احتمالات العود الإجرامي أو العنف المستقبلي لدى الجناة.

في بيئات العمل وعلم النفس التنظيمي: تطبق مقابلات تقييمية لتقييم مدى ملاءمة الأفراد لشغل مناصب شديدة الحساسية والضغط (كالوظائف الأمنية، والطيران، والمناصب القيادية العليا)، وتحديد مستوى الاستقرار النفسي والكفاءات الانفعالية.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية

حظيت المقابلة التقييمية باهتمام بحثي واسع النطاق بهدف تقييم كفاءتها التشخيصية ودرجة دقتها الإمبيريقية. تشير الدراسات السريرية المقارنة، مثل تلك التي قادها روبرت سبيتزر (Robert Spitzer) وزملاؤه، إلى أن استخدام المقابلات المنظمة يرفع معدل الاتفاق التشخيصي بين الفاحصين (Inter-rater Reliability) بصورة جوهرية مقارنة بالمقابلات الحرة التي يغلب عليها التحيز الشخصي والاعتماد المفرط على حدس الفاحص.

من جانب آخر، تؤكد أبحاث جون نوركروس (John Norcross) حول العوامل المشتركة في العلاج النفسي أن طريقة إجراء المقابلة التقييمية الأولى تسهم بشكل حاسم في معدلات التزام المريض بالجلسات واستمراره فيها؛ فالأخصائي الذي يبدي تعاطفاً واستماعاً نشطاً ويقدم للمريض فهماً مشتركاً لمشكلته يقلل من معدلات الانسحاب المبكر (Dropout) بنسبة تتجاوز 30%.

كما أظهرت دراسات التصوير العصبي والفسيولوجي الحديثة أن أسلوب الفاحص خلال المقابلة التقييمية يؤثر تأثيراً مباشراً على استجابات الجهاز العصبي الذاتي لدى المريض، حيث تنخفض مستويات الكورتيزول وتتحسن تقلبات معدل ضربات القلب عند شعور المفحوص بالأمان والتفهم، مما يجعل البيانات المستقاة أكثر واقعية وأقل تشوهاً بآليات الدفاع التوتري.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات

تتأثر المقابلة التقييمية بعمق بالمحددات الثقافية والاجتماعية؛ فالأعراض النفسية لا تنشأ في فراغ، بل يعبر عنها الأفراد من خلال “أشكال التعبير الثقافي عن الألم” (Cultural Idioms of Distress). في بعض المجتمعات الشرقية والنامية، يميل المفحوصون إلى جسدنة الاضطراب النفسي (Somatization)، فيشكون من آلام في الرأس أو ضيق في الصدر كبدائل تعبيرية عن مشاعر الاكتئاب والحزن التي قد تعد عيباً أو وصمة اجتماعية.

لذا، خصصت الجمعية الأمريكية للطب النفسي في الدليل التشخيصي الخامس (DSM-5) أداة متخصصة تُعرف بـ “مقابلة الصياغة الثقافية” (Cultural Formulation Interview – CFI)، والتي تساعد الفاحصين على استكشاف دور الثقافة في هوية المريض، والتفسيرات الشعبية لمرضه، ومدى توفر الدعم المجتمعي التقليدي أو تفضيله للعلاجات الشعبية والدينية بجانب التدخلات العلمية.

يتعين على الأخصائي كذلك الانتباه للتواصل غير اللفظي؛ مثل تجنب التواصل البصري المباشر الذي قد يُفهم في بعض الثقافات كعلامة احترام وتوقير، في حين قد يفسره فاحص غربي على أنه ضعف في التفاعل أو مظهر من مظاهر جنون الارتياب أو الاكتئاب.

13. الانتقادات والمحددات والجدل العلمي

على الرغم من المكانة المحورية للمقابلة التقييمية، إلا أنها تواجه عدة انتقادات ومحددات منهجية يثيرها العلماء والممارسون:

  • التحيز الذاتي والخطأ الإدراكي: يعتمد التقييم غير المقنن اعتماداً كبيراً على الخبرة الشخصية للفاحص وأطره النظرية المفضلة، مما يجعله عرضة لتحيزات مثل “تأثير الهالة” (Halo Effect) أو الاستنتاج المبكر وتثبيت التشخيص دون أدلة كافية.
  • مرغوبية المجتمع (Social Desirability): قد يُعدل المريض أو يكتم بعض الحقائق المحرجة (مثل السلوكيات الإدمانية أو الميول الجنسية أو الأفكار العدوانية) رغبةً في الظهور بمظهر متكيف أو خوفاً من العواقب القانونية والاجتماعية.
  • محدودية استبصار المريض: قد يقدم مرضى الذهان أو الحالات الشديدة من اضطراب ثنائي القطب أو اضطرابات الشخصية معلومات غير دقيقة ومضللة نتيجة لغياب البصيرة السريرية أو وجود اضطراب في محتوى التفكير وتشوّه في الذاكرة.
  • المفاضلة بين التقنين والمرونة: يدور جدل مستمر بين مناصري المقابلات المقننة ومناصري المقابلات الحرة؛ فالأولى تضمن ثباتاً إحصائياً لكنها قد تخنق العفوية السريرية وتفوت تفاصيل فريدة، بينما توفر الثانية عمقاً لكنها تعاني من ضعف الاتفاق بين الفاحصين.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

تتداخل المقابلة التقييمية مع العديد من المصطلحات السريرية، ومن الأهمية بمكان توضيح الفروق الدقيقة بينها:

  • المقابلة التقييمية مقابل الاختبارات النفسية (Psychological Testing): المقابلة هي حوار سريري واسع لجمع معلومات نوعية وتاريخية وسلوكية مباشرة، بينما الاختبار النفسي هو أداة قياس كمية موحدة ذات درجات معيارية ومقننة (مثل مقاييس الذكاء أو مقياس مينيسوتا للشخصية).
  • المقابلة التقييمية مقابل المقابلة العلاجية (Therapeutic Interview): تهدف التقييمية أساساً إلى الجمع والتحليل والتشخيص وتحديد المسار المستقبلي في جلسات محدودة أولية، في حين تهدف العلاجية إلى إحداث تغيير نفسي ومعرفي وسلوكي مستمر على مدى زمني ممتد.
  • المقابلة التقييمية مقابل فحص الحالة العقلية (MSE): فحص الحالة العقلية هو مكون وجزء محدد داخل المقابلة التقييمية يركز على الرصد الآني والمباشر للوظائف النفسية والمعرفية في اللحظة الراهنة، بينما تغطي المقابلة كامل التاريخ النمائي والشخصي والسياق البيئي المحيط.
  • المقابلة التقييمية مقابل مقابلة القبول (Intake Interview): مقابلة القبول تركز عادة على استيفاء الإجراءات الإدارية وتحديد مدى توافق مشكلة المريض مع خدمات المركز أو العيادة، وتعتبر خطوة أولية تمهد للمقابلة التقييمية المعمقة.

15. خلاصة وأبرز النتائج

تمثل المقابلة التقييمية الأساس العلمي والمهني الذي ترتكز عليه قرارات العلاج والتشخيص في الصحة النفسية. من خلال الدمج الماهر بين الدقة المنهجية والتعاطف الإنساني، تتيح هذه المقابلة كشف أبعاد المعاناة النفسية وتحديد العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية المتفاعلة في حياة الفرد. ورغم التحديات المتعلقة بالتحيز الذاتي والتباينات الثقافية، تظل المقابلة السريرية التقييمية، وخاصة نصف المقننة منها، الأداة الأكثر حيوية ولا غنى عنها في ممارسات الطب النفسي والعلوم السلوكية المعاصرة.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
  • Groth-Marnat, G., & Wright, A. J. (2016). Handbook of psychological assessment (6th ed.). John Wiley & Sons.
  • First, M. B., Williams, J. B., Karg, R. S., & Spitzer, R. L. (2015). Structured Clinical Interview for DSM-5 Disorders: Clinician Version (SCID-5-CV). American Psychiatric Publishing.
  • Morrison, J. (2014). The first interview (4th ed.). Guilford Press.
  • Sommers-Flanagan, J., & Sommers-Flanagan, R. (2017). Clinical interviewing (6th ed.). John Wiley & Sons.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 18). المقابلة التقييمية: حجر الأساس في التشخيص النفسي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/evaluation-interview/
looti, Mohammed. “المقابلة التقييمية: حجر الأساس في التشخيص النفسي.” عرب سايكلوجي, 18 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/evaluation-interview/.
looti, Mohammed. “المقابلة التقييمية: حجر الأساس في التشخيص النفسي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 18, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/evaluation-interview/.