تمثل ظاهرة "العين الشريرة" واحدة من أكثر المعتقدات الإنسانية رسوخاً وانتشاراً عبر التاريخ البشري، حيث تلتقي فيها روافد الأنثروبولوجيا الثقافية مع آليات التحليل النفسي والوظائف المعرفية للإدراك البشري. لا تقتصر هذه الظاهرة على كونها موروثاً فلكلورياً فحسب، بل تُعد منظومة رمزية دفاعية تُعبر عن مخاوف عميقة تتعلق بالحسد، والضعف الإنساني، وقابلية التعرض للأذى جراء نجاحات الفرد وتفوقه في بيئته الاجتماعية.
العين الشريرة
1. التعريف الموجز والدقيق
تُعرّف العين الشريرة (Evil Eye) في سياق علم النفس والأنثروبولوجيا بأنها اعتقاد جمعي راسخ بقدرة نظرة حاسدة أو مفرطة في الإعجاب، تصدر عن شخص ما بقصد أو بغير قصد، على إلحاق ضرر جسدي، أو نفسي، أو مادي بالمُستهدَف أو بممتلكاته دون وجود وسيط فيزيائي ملموس. يرتكز هذا البناء المعرفي على فكرة أن الانفعالات النفسية السلبية غير المصرح بها، وتحديداً الحسد، يمكنها أن تتجسد كقوة تدميرية عبر حاسة البصر.
وفي الأطر السيكولوجية الحديثة، يُنظر إلى العين الشريرة بوصفها تمثيلاً خارجياً لصراعات داخلية تتعلق بمشاعر الذنب الناتجة عن الامتلاك والتفوق، واستجابة دفاعية تُعيد توجيه مشاعر العجز والهشاشة نحو مصدر خارجي مجهول. كما تُصنف ضمن بعض النماذج الطبية والنفسية كمتلازمة مرتبطة بالثقافة (Culture-Bound Syndrome) تفسر علل الجسد واعتلال المزاج التي تعجز النماذج الطبية الحيوية المباشرة عن تقديم تبرير سببي فوري لها في نظر الأفراد الخاضعين لهذا المعتقد.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يعود الأصل اللغوي لمفهوم "العين الشريرة" في اللغات السامية، ومنها العربية، إلى جذر الكلمة "ع ي ن"، حيث جاء في المعاجم أن "عان الرجل فلاناً" أي أصابه بعينه، ويُقال "رجلٌ عائن" إذا كان شديد الإصابة بالعين، و"المَعِين" هو الشخص الذي لحق به الضرر. وتفيد المعاجم التراثية بأن الإصابة بالعين تستند إلى نظر مصحوب بإعجاب وتمنٍّ لزوال النعمة، مما يجعلها مرادفة لغوياً لآثار الحسد الشديد الموجه عبر النظر.
أما في اللغات الهندو-أوروبية، فإن التعبير الإغريقي القديم Baskania، واللاتيني Fascinum (الذي اشتُق منه لاحقاً مصطلح الانبهار أو السحر الفاتن)، يحملان دلالة الإلقاء الإشعاعي للشر أو الضرر عبر التحديق. وفي اللغات الجرمانية والرومانسية الحديثة، نجد ترجمات دقيقة للمصطلح مثل Evil Eye في الإنجليزية، وMal de Ojo في الإسبانية، وMauvais Œil في الفرنسية؛ وجميعها تُركز دلالياً على اقتران عضو الإبصار بنية خبيثة قادرة على اختراق الحدود النفسية والجسدية للآخر.
3. النطق والشكل النحوي
تُلفظ العبارة في اللغة العربية الفصحى بصيغة التركيب الإضافي أو الوصفي: "العَيْنُ الشِّرِّيرَةُ" (بفتح العين وسكون الياء في الكلمة الأولى، وكسر الشين وتشديد الراء المكسورة في الثانية). ويُستخدم التعبير كاسم مركب دال على حالة أو قوة ميتافيزيقية مستبطنة في الثقافة، وتُعرب الكلمة الأولى بحسب موقعها في الجملة، بينما تتبعها الكلمة الثانية كنعت يوضح طبيعتها المؤذية، ويشيع استخدام المفردة بصيغة مجردة مثل "الإصابة بالعين" أو "النظرة" للإشارة إلى الفعل ذاته.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
يستند مفهوم العين الشريرة من منظور علم النفس التحليلي والمعرفي إلى آلية الإسقاط النفسي، حيث يُسقط الفرد دوافعه العدوانية أو مشاعر الحسد الكامنة في لاهوّيته على المحيط الخارجي. إن خشية الإنسان من نظرة الآخر ليست سوى انعكاس لخشيته من رغباته الدفينة في سلب الآخرين نعمهم، أو شعوره بالذنب النابع من "قلق النجاة" والظفر بالموارد؛ فعندما يحقق الفرد نجاحاً بارزاً، يتولد لديه قلق لاشعوري من أن نجاحه سيُثير استياء الجماعة، فيتحول هذا القلق التجريدي إلى فوبيا مجسدة في نظرة العين الحاسدة.
ومن زاوية التفكير السحري (Magical Thinking)، يمثل الاعتقاد بالعين الشريرة خرقاً لمبدأ العلية الفيزيائية لصالح فكرة التأثير التناضحي غير المرئي؛ حيث يُعتقد أن الطاقة النفسية للشخص الحاسد تمتلك قنوات اتصال مادية يمكنها إحداث اضطراب كيميائي، أو هرموني، أو اجتماعي في حياة الضحية. يتشابك هذا التفكير مع ما يُعرف بمركز الضبط الخارجي (External Locus of Control)، حيث يميل الأفراد ذوو الميول القدرية إلى عزو إخفاقاتهم، أو أمراضهم، أو أزماتهم المفاجئة إلى قوى عليا خارجية كالعين الشريرة، تجنباً للاعتراف بالمسؤولية الذاتية أو العجز الطبيعي أمام العشوائية الكونية.
علاوة على ذلك، ترتبط العين الشريرة بنظرية "الخير المحدود" (Limited Good) التي صاغها علماء الأنثروبولوجيا؛ إذ يُفترض ضمن هذا النمط الإدراكي أن الثروة، والصحة، والسعادة موارد نادرة ومحدودة الكمية داخل المجتمع. وبناءً على هذه المعادلة الصفرية، فإن حصول فرد معين على قدر إضافي من الخير يعني بالضرورة حرماناً تلقائياً لشخص آخر، مما يشرعن وجود الحسد ويجعل من العين آلية تصحيحية تدميرية تهدف إلى إعادة فرض المساواة الجبرية بين أفراد الجماعة.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تمتد جذور الاعتقاد بالعين الشريرة إلى العصر البرونزي، حيث عُثر على نصوص مسمارية في بلاد الرافدين تُحذر من القوى المؤذية للنظرات الحاقدة، وتصف تعاويذ طرد الأرواح لحماية المواليد والماشية. وفي الحضارة المصرية القديمة، صُممت "عين حورس" (أودجات) كرمز كلي القدرة للحماية من التفكك والأذى النفسي والجسدي الذي قد تجلبه الأعين المعادية وقوى الفوضى الكونية المنبعثة من الإله ست.
وفي العصرين اليوناني والروماني الكلاسيكيين، حاول فلاسفة ومؤرخون تفسير هذه الظاهرة ضمن أطر علمية وطبيعية تنتمي لزمانهم؛ فقد طرح الفيلسوف ديموقريطوس ومن بعده الكاتب بلوتارخ فرضية "الانبعاث البصري"، مقترحين أن العين لا تستقبل الضوء فحسب، بل تُصدر جزيئات وأشعة دقيقة مشحونة بالانفعالات الروحية المؤذية التي تستطيع النفاذ إلى أجساد الآخرين وتسميمها بيولوجياً، لا سيما الأطفال والحيوانات لفرط رهافة أنسجتهم.
ومع تطور الأديان الإبراهيمية، أُعيدت صياغة المفهوم ليتسق مع المنظومات اللاهوتية الكبرى؛ ففي التراث اليهودي ورد التحذير من "العين الرديئة" (Ayin Hara)، بينما تناول الفكر الإسلامي الظاهرة بوصفها حقيقة قائمة ذات تأثير نفسي وواقعي يستوجب الاستعاذة وتلاوة الرقى المحددة. وفي القرن العشرين، انتبه علماء النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيون، مثل ألان دندس (Alan Dundes) وجورج فوستر (George Foster)، إلى أن المفهوم لم يندثر بالحداثة، بل حافظ على وظيفته كصمام أمان بنيوي لتنظيم التوترات الطبقية والنفسية داخل المجتمعات الريفية والحضرية على حد سواء.
6. الأسس والأطر النظرية
تستند دراسة العين الشريرة في علم النفس الحديث إلى عدة مدارس فكرية متداخلة:
مدرسة التحليل النفسي الكلاينية: تفترض ميلاني كلاين أن الحسد الأولي (Primary Envy) هو أحد أعنف الدوافع الفطرية التي يختبرها الرضيع تجاه ثدي الأم الواهب للحياة؛ إذ يرغب الطفل في تدمير وتلويث مصدر الغذاء الذي لا يستطيع السيطرة عليه بالكامل. تتطور هذه البنية لاحقاً في اللاشعور كخوف مستمر من أن النعم التي يتلقاها الفرد ستثير رغبة الآخرين في تسميمها واقتلاعها، ومن هنا تصبح "العين" استعارة حسية لأداة السحق الكلاينية.
علم النفس التطوري: يرى التطوريون أن رصد النظرات (Gaze Detection) شكّل ميزة تكيفية حاسمة للبقاء؛ فالعين البشرية تميزت بصلبة بيضاء واسعة تتيح للآخرين تتبع اتجاه التحديق بدقة فائقة. كان التحديق المطول في البيئات البدائية إشارة تحذيرية صريحة للعدوان الوشيك أو التنافس على الموارد، مما جعل الدماغ البشري يُطور حساسية مفرطة مسبقة، تُترجم النظرات الغريبة أو غير المريحة على أنها تهديد بيولوجي مباشر يجب الاحتراز منه عبر طقوس حمائية.
نظرية التنافر المعرفي والإسناد: يوفر الاعتقاد بالعين الشريرة إطاراً تفسيرياً جاهزاً ومريحاً على الصعيد النفسي لتقليل التنافر الناتج عن الفشل غير المتوقع. فعندما يعاني الفرد من انتكاسة مهنية أو صحية بعد فترة من الازدهار، يميل نظامه المعرفي إلى إسناد السبب إلى العين الحاسدة بدلاً من الإقرار بالإهمال الشخصي أو العوامل العشوائية التي تزعزع شعوره بالأمان والسيطرة على العالم.
7. المكونات الرئيسية والأبعاد والأنماط
تتألف ديناميكية العين الشريرة من عدة أبعاد بنيوية وأنماط وظيفية يمكن تفصيلها فيما يلي:
- الفاعل (العائن): الشخص الذي يُعتقد بصدور النظرة المؤذية منه؛ وغالباً ما يُنسب هذا الدور اجتماعياً إلى الأفراد المهمشين، أو من يعانون من حرمان نسبي، أو من يُعرفون بشدة التحديق والتعليق المباشر دون استخدام عبارات المباركة والتحصين.
- الضحية (المَعِين): الطرف المتلقي للضرر، وعادة ما يكون في وضع هش بيولوجياً أو نفسياً (مثل حديثي الولادة، الحوامل، العرائس، أو الأشخاص الذين حققوا طفرات مالية واجتماعية مفاجئة).
- القناة التعبيرية (النظرة): التحديق المكثف والمشحون بانفعالات سلبية غير واعية أو حسد صريح، ويشمل ذلك أحياناً النظرة المعجبة المجردة من التمنيات الطيبة، والتي يُعتقد أنها تجلب الشؤم دون قصد متعمد.
- النمط الإرادي مقابل غير الإرادي: تميز الثقافات بين العين الصادرة عن خبث طويّة متعمد (وهي أقرب لممارسات السحر والضغينة)، وبين النظرة غير المقصودة التي قد تصدر حتى عن أقرب الناس كالأبوين جراء فرط المحبة والإعجاب.
- الأعراض المنسوبة: تشمل نطاقاً واسعاً من الأعراض الجسدية غير المبررة طبياً كالإرهاق الحاد، ونوبات الهلع، والحمى المفاجئة، وجفاف الحليب لدى المرضعات، فضلاً عن الخسائر المادية كتحطم المقتنيات الثمينة وتلف المحاصيل.
8. أمثلة وحالات توضيحية
لتوضيح الكيفية التي تعمل بها العين الشريرة في الواقع العيادي والاجتماعي، يمكن استعراض الأمثلة التطبيقية التالية:
الحالة الأولى (قلق ما بعد الولادة المتشح بالثقافة): سيدة شابة في بيئة ريفية تضع مولودها الأول، وبعد زيارة مكثفة من الأقارب والجيران تتخللها تعليقات مستمرة حول وسامة الرضيع وصحته، يُصاب الطفل بنوبات بكاء مستمرة ورفض للرضاعة بالتزامن مع إصابة الأم بهبوط في المزاج. بدلاً من تشخيص الحالة كإرهاق ناتج عن متلازمة ما بعد الولادة ومغص رضع طبيعي، تُرجع الأسرة التدهور بأكمله إلى إصابة بالعين من إحدى الزائرات، وتبدأ في ممارسة طقوس التبخير وحجب الرضيع عن الأنظار، مما يُخفف مؤقتاً من القلق الاجتماعي للأم عبر تبرئة كفاءتها الوالدية.
الحالة الثانية (الانتكاسة الأكاديمية والانسحاب): طالب جامعي متفوق يتعرض فجأة للإخفاق في اختبارات التخرج بعد إعلانه الصاخب عن منحة دراسية مرموقة حصل عليها. يُصاب الطالب بحالة من الخمول التام وأعراض اكتئابية حادة تجعله عاجزاً عن مغادرة سريره، معتقداً أن زملاءه أصابوه بعين حاسدة سحقت همته. يُوفر هذا التفسير للطالب غطاءً دفاعياً يحميه من مواجهة قلق الأداء والخوف من الانتقال إلى مرحلة المسؤولية المهنية، معلناً أنه ضحية لقوى خارجية لا يد له فيها.
9. أدوات القياس والتقييم الإكلينيكي
لا توجد مقاييس تشخيصية في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) تقيس العين الشريرة ككيان مرضي مستقل، بل تُقاس الظاهرة ضمن أدوات التقييم الثقافي ومقاييس الأفكار السحرية والبارانويد، ومنها:
المقابلة المصاغة ثقافياً (CFI): وهي أداة معتمدة في DSM-5 تساعد المعالج النفسي على استكشاف دور المعتقدات الثقافية والدينية في فهم المريض لأعراضه، وكيفية تصنيفه للأسباب المسببة لمرضه كالإصابة بالعين أو الأعمال الروحية.
مقياس التفكير السحري (Magical Ideation Scale – MIS): الذي طوره إيكبلاد وتشابمان (Eckblad & Chapman)، ويُستخدم لتقييم مدى تصديق المفحوص بإمكانية تأثير الأحداث النفسية والنظرات على الأجسام والمصائر بطرق غير قابلة للتفسير العلمي المعتاد.
استبيان الشخصية الفصامية (SPQ): وتحديداً الأبعاد الفرعية الخاصة بالأفكار المرجعية والاعتقادات الغريبة؛ إذ يساعد في التمييز بين المعتقد الثقافي الجمعي الطبيعي، وبين الأوهام والضلالات البارانوية الفردية التي تدل على انزلاق الفرد نحو الذهان عندما تتجاوز فكرة العين الشريرة الإطار المقبول ثقافياً لتصبح اضطهاداً منهجياً يهدد حياة المريض.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحمل فهم ديناميكية العين الشريرة قيمة تطبيقية بالغة الأهمية في مجالات متعددة:
في الطب النفسي الثقافي والإرشاد الإكلينيكي، يُمكن للممارس الصحي الذي يدرك الدلالة الرمزية للعين الشريرة أن يتجنب الاصطدام غير المجدي مع المريض، والعمل بدلاً من ذلك على صياغة تحالف علاجي متين عبر تبني لغة المريض واستخدام "استعاراته الثقافية" لفكفكة عقدة القلق والذنب، ومن ثم تحويل انتباهه تدريجياً نحو الأسباب السلوكية والانفعالية الكامنة وراء معاناته.
وفي علم النفس الاجتماعي والتنظيمي، تُفسر هذه الديناميكية ظاهرة "متلازمة المحتال" (Impostor Syndrome) والميل الملحوظ لدى بعض الأفراد الناجحين إلى إخفاء إنجازاتهم، أو ممارسة التواضع القهري المصطنع خوفاً من إثارة استياء الآخرين وحسدهم المتربص، وهو ما يُعرف في الأدبيات الحديثة باستراتيجيات تجنب الحسد (Envy Avoidance Strategies).
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أظهرت الدراسات الميدانية في الأنثروبولوجيا النفسية أن الاعتقاد بالعين الشريرة ليس متطابقاً في الشدة، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤشرات انعدام الأمان البيئي والاقتصادي؛ فقد وثقت دراسات ألان دندس في منطقة البحر الأبيض المتوسط أن الاعتقاد يزداد كثافة في المجتمعات القروية التي تعاني من شح الموارد وتقلبات الإنتاج الزراعي غير المتوقعة مقارنة بالمجتمعات الصناعية المستقرة.
وفي مجال علم الأعصاب المعرفي، رصدت أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي قادها باحثون مثل هيديكي تاكاهاشي (Hidehiko Takahashi) أن رؤية نجاح الآخرين وتفوقهم غير المستحق في نظر المراقب تنشط منطقة القشرة الحزامية الأمامية الظهرية (dACC)، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الألم الجسدي والانزعاج الاجتماعي، بينما تؤدي رؤية إخفاقهم اللاحق إلى تنشيط المخطط البطني (Ventral Striatum) المرتبط بالمكافأة؛ مما يقدم سنداً عصبياً لطبيعة الحسد المؤلمة التي قد يبحث صاحبها لاشعورياً عن تدمير مصدر تميز الآخر عبر أي وسيلة نفسية أو رمزية ممكنة.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
تتنوع التعبيرات الثقافية المرتبطة بالعين الشريرة وإن توحد جوهرها النفسي؛ ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يُجابه خطر العين باستخدام "التمائم الزرقاء" (الخرزة الزرقاء)، وكف اليد (الخمسة وخميسة)، إلى جانب ترديد الصيغ اللفظية مثل "ما شاء الله" و"تبارك الله" لكسر حدة الإعجاب وإرجاع الفضل إلى القوة الإلهية المطلقة لتحييد حسد المراقب.
أما في ثقافات أمريكا اللاتينية وإسبانيا، يُعد Mal de Ojo مرضاً يُصيب الأطفال على وجه الخصوص إذا نظر إليهم شخص بالغ نظرة إعجاب دون لمسهم جسدياً؛ إذ يُعتقد أن لمس الطفل يكسر تيار الطاقة الضار المتولد من حرارة النظر. وتلجأ الأمهات هناك إلى طقوس العلاج التقليدي (Curanderismo) بتمرير بيضة دجاج نيئة فوق جسد الطفل لامتصاص طاقة النظرة الرديئة قبل كسرها في كوب ماء لقراءة شكل الخيوط الزلالية وتشخيص هوية العائن.
وفي شبه القارة الهندية، تتجلى الظاهرة باسم "نازار" (Nazar)، حيث تُوضع علامة كحل سوداء عمداً خلف أذن الطفل أو على جبهته لإفساد كمال هيئته بصرياً، مما يصرف نظر المتربصين ويمنع انعقاد طاقة الحسد التدميرية الناتجة عن مظهر الإتقان والجمال الكامل.
13. الانتقادات والجدل والحدود
يواجه مفهوم العين الشريرة نقاشات حادة بين الأطباء النفسيين وعلماء الاجتماع؛ إذ يرى التيار الطبي الحيوي الصارم أن الركون المفرط لتفسير الأمراض عبر العين الشريرة يؤدي إلى تأخر كارثي في طلب الرعاية الطبية اللازمة للأمراض العضوية الخطيرة وحالات الاضطراب النفسي الجسيم، مثل نوبات الصرع، والسرطان، والذهان المبكر، حيث تضيع النوافذ العلاجية في ممارسات علاجية روحانية غير خاضعة للرقابة العلمية.
وعلى النقيض من ذلك، يوجه علماء الأنثروبولوجيا الطبية نقداً حاداً للطب النفسي الغربي لاتهامه بالاستعلاء الثقافي والنزوع نحو أمرضة (Pathologizing) المعتقدات الشعبية الطبيعية، مؤكدين أن العين الشريرة تعمل كلغة تعبيرية و"تعبير اصطلاحي عن الضائقة" (Idiom of Distress) يُمكن للأفراد من خلاله التعبير عن أزماتهم الاجتماعية والعلائقية التي تفتقر للمفردات العيادية داخل بيئاتهم، وأن تجريدهم من هذا المعنى يفاقم من عزلتهم واغترابهم النفسي.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
تتداخل العين الشريرة مع عدة مفاهيم نفسية وثقافية، إلا أن الحدود الفارقة بينها واضحة:
- الحسد (Envy): الحسد هو الانفعال النفسي الداخلي المحض المتمثل في الألم الناجم عن امتلاك شخص آخر لشيء مرغوب وتمني زواله عنه، بينما العين الشريرة هي الآلية التنفيذية أو الأداة المتخيلة التي يُترجم بها هذا الانفعال إلى ضرر واقعي على الآخر.
- السحر (Sorcery/Witchcraft): يتطلب السحر تدخلاً إرادياً واعياً عبر طقوس معقدة، واستخدام مواد، واستدعاء كائنات غيبية لإحداث الأذى، في حين أن العين الشريرة لا تتطلب طقوساً، ويمكن أن تنطلق عفوياً وغير متعمدة بمجرد التحديق والانبهار.
- البارانويا (Paranoia): البارانويا اضطراب ذهاني يتميز بضلالات اضطهادية منهجية خاصة بالفرد ومنعزلة عن ثقافة مجتمعه، بينما الاعتقاد بالعين الشريرة هو نسق معرفي جمعي مشترك تدعمه الجماعة ولا يُشير بحد ذاته إلى خلل عصبي أو نفسي.
- المتلازمة المرتبطة بالثقافة (Culture-Bound Syndrome): مصطلح تصنيفي شامل للمظاهر المرضية التي تنحصر في بيئات جغرافية وثقافية محددة، وتُعد العين الشريرة أحد أبرز التفسيرات السببية المنشئة لعدد من هذه المتلازمات في حوض البحر الأبيض المتوسط وأمريكا اللاتينية.
15. الخلاصة والأفكار الجوهرية
تتجاوز العين الشريرة كونها خرافة بدائية عابرة، لتمثل صياغة إنسانية بالغة التعقيد والعمق لمخاوف النفس البشرية من عدم الاستقرار، والعدوانية الكامنة في العلاقات الاجتماعية. تُمكّن هذه المنظومة الأفراد من التعامل مع العشوائية الحياتية، وإدارة مشاعر الذنب المرتبطة بالامتلاك الفردي، ووضع حدود تكافلية تمنع التباهي الاستعراضي الجارح داخل الجماعات المترابطة.
ومن ثم، فإن مقاربة الظاهرة من زاوية نفسية واجتماعية تقتضي النظر إليها بوصفها آلية دفاعية ونظاماً لمعالجة القلق الوجودي والحسد البشري، مما يستوجب مراعاة أبعادها الثقافية عند التشخيص والعلاج لتفادي الصدام غير البناء مع المنظومة المعرفية للمسترشد أو المريض، وتوجيهه نحو إدراك الدوافع الانفعالية الحقيقية المتخفية وراء نظرة العين.
المراجع
- Dundes, A. (Ed.). (1992). The Evil Eye: A Casebook. University of Wisconsin Press.
- Foster, G. M. (1972). The anatomy of envy: A study in symbolic behavior. Current Anthropology, 13(2), 165-202. https://doi.org/10.1086/201267
- Klein, M. (1957). Envy and Gratitude: A Study of Unconscious Sources. Basic Books.
- Takahashi, H., Kato, M., Matsuura, M., Mobbs, D., Suhara, T., & Okubo, Y. (2009). When your gain is my pain and your pain is my gain: Neural correlates of envy and schadenfreude. Science, 323(5916), 937-939. https://doi.org/10.1126/science.1165604
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596