يُمثّل الانتباه الخارجي المنشأ أحد أهم الآليات التكيفية الحيوية التي تحمي الكائن الحي وتضمن بقاءه في بيئة ديناميكية تعج بالمحفزات المفاجئة والطارئة. وتتيح هذه العملية الإدراكية التلقائية للدماغ البشري إعادة توجيه الموارد المعرفية والحسية نحو التغيرات البيئية غير المتوقعة بسرعة فائقة ودون الحاجة إلى جهد واعٍ مسبق.
الانتباه الخارجي المنشأ
1. التعريف الموجز
يُعرَّف الانتباه الخارجي المنشأ (Exogenous Attention)، ويُطلق عليه أحياناً الانتباه اللاإرادي أو الانتباه المحفّز تصاعدياً (Bottom-up Attention)، بأنه شكل من أشكال التوجيه المكاني السريع والآلي للقدرات الإدراكية نحو مثير بيئي بارز أو مفاجئ في المجال الحسي دون نية مسبقة من الفرد. وتعمل هذه الآلية كرد فعل انعكاسي لا إرادي يستجيب للخصائص الفيزيائية للمثيرات مثل اللمعان المفاجئ، أو الحركة السريعة، أو الصوت الحاد المباغت.
يمتاز هذا النمط من الانتباه بمساره الزمني السريع جداً؛ إذ يبلغ ذروته في غضون 100 إلى 150 مللي ثانية عقب ظهور المثير، ولكنه سرعان ما يتلاشى أو يخضع لظاهرة التثبيط اللاحق، بخلاف الانتباه الداخلي المنشأ الذي يتطلب وقتاً أطول للتشكل ويستمر لفترات أطول تحت السيطرة الإرادية الواعية. ويعد الانتباه الخارجي ركيزة أساسية في دراسات علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب الإدراكي.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
تتألف التسمية اللاتينية الأصلية للمصطلح من شقين: بادئة “Exo-” المشتقة من اليونانية القديمة (ἔξω) وتعني “من الخارج” أو “خارجي”، واللاحقة “-genous” المشتقة من الجِذر (γενής) وتعني “المنشأ” أو “المولّد عن طريق”، وبذلك تعني الكلمة حرفياً (Exogenous) “الناشئ من الخارج”. أما لفظ الانتباه (Attention) فيعود في أصله اللاتيني إلى الفعل (Attendere)، وهو مركب من (ad-) بمعنى “نحو” و(tendere) بمعنى “يمدّ” أو “يوجه بقوة”، أي توجيه الذهن وبسطه نحو شيء ما.
أما في المعاجم اللغوية العربية، فإن لفظ “انتباه” مشتق من الجِذر الثلاثي (ن-ب-هـ)، والنباهة تعني الفطنة واليقظة ضد الغفلة؛ ويقال نَبِهَ للأمر أي تيقظ له وتفطن لوجوده. وعند اقترانه بكلمة “الخارجي المنشأ” في السياق الاصطلاحي الأكاديمي، فإنه يشير إلى أن مصدر الاستثارة والتيقظ ليس نية عقلية باطنة، بل هو حدث طرأ في المحيط البيئي الخارجي وفرض نفسه على المنظومة الإدراكية، مما يجعل التعريب دقيقاً ومطابقاً للتركيب اللغوي والمفهومي الأصلي.
3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية
يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى: “الانْتِبَاهُ الخَارِجِيُّ المَنْشَأِ”؛ حيث كلمة “الانتباه” مصدر قياسي مشتق من الفعل الخماسي “انْتَبَهَ” على وزن “افْتِعَال”، وتُعرب حسب موقعها في الجملة. وكلمة “الخارجي” اسم منسوب إلى “الخارج”، و”المنشأ” اسم مكان مضاف إليه مجرور مأخوذ من الفعل “نَشَأَ”.
تُستخدم في الأدبيات النفسية العربية عدة صيغ ترادفية مقبولة، منها: “الانتباه القسري”، و”الانتباه الانعكاسي”، و”الانتباه التصاعدي” (من الأسفل إلى الأعلى). وتُعد صيغة الجمع نادرة الاستخدام اصطلاحياً، إذ يُعامل المفهوم بوصفه عملية وظيفية مجردة، في حين يكثر استخدامه نعتاً للعمليات العصبية كقولنا: “الآليات العصبية للانتباه الخارجي” أو “المسارات الإدراكية ذات التوجيه الخارجي”.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
يُعد الانتباه الخارجي آلية تصفية ومعالجة حسية تعمل بنظام المعالجة التصاعدية (Bottom-up Processing)، حيث تقود المدخلات الحسية الخام الوافدة من البيئة مسار التحليل المعرفي دون تدخل من أهداف الكائن الحي الحالية أو رغباته المسبقة. فعندما ينفجر إطار سيارة في الشارع أو يومض ضوء أحمر فاقع في زاوية الغرفة المظلمة، فإن الجهاز العصبي يستجيب بصورة تكاد تكون قسرية، معيداً توجيه المستقبلات الحسية، كالعينين والرأس، بالإضافة إلى تحويل تركيز “بؤرة الانتباه الذهنية” نحو المثير البارز قبل أن يدرك العقل الواعي ماهية هذا الحدث بدقة.
يتسم هذا النوع من الانتباه بخصائص ديناميكية فريدة تميزه عن نظيره الداخلي المنشأ (Endogenous Attention). فالانتباه الخارجي يتسم بالسرعة الهائلة، والاستقلالية الجزئية عن الحمل الإدراكي المعرفي (Cognitive Load)، وقصر المدى الزمني. فإذا لم يُعزز المثير الخارجي بتقييم معرفي تالٍ يؤكد أهميته الحيوية للمهمة الحالية، فإن النظام الانتباهي ينفصل عنه بسرعة فيما يُعرف بظاهرة “تثبيط العودة” (Inhibition of Return)، وهي آلية عصبية مصممة خصيصاً لمنع النظام البصري من العودة المتكررة وغير المجدية إلى المواقع المكانية التي تم استكشافها مؤخراً بالفعل.
يمتد نطاق هذا المفهوم ليشمل الأنماط الحسية المتعددة؛ فرغم أن الغالبية العظمى من الدراسات ركزت على المجال البصري، فإن الانتباه الخارجي ينشط بالفاعلية نفسها في المجال السمعي (كسماع صوت تحطم مفاجئ)، والمجال اللمسي (كالإحساس بوخزة غير متوقعة على الجلد). وتعمل هذه المنظومات المتعددة بشكل متكامل عبر قنوات الارتباط الحسي المشترك (Cross-modal Links) لضمان توجيه حواس الكائن الحي مجتمعة نحو مصدر الخطر المحتمل أو التغير المفاجئ بأقصى قدر من التناغم والكفاءة.
تتمثل الحدود الفاصلة للانتباه الخارجي في عجزه عن الصمود لفترات طويلة بمفرده؛ إذ إنه بمجرد التقاط المثير وتوجيه المعالجة نحوه، تتسلم الآليات الانتباهية التنازلية (Top-down Attention) زمام المبادرة لتقييم الموقف إرادياً وتحديد ما إذا كان يتطلب استمرار التركيز أو استئناف المهمة السابقة، مما يجعله بمثابة صمام أمان إنذاري سريع يسبق التحليل العقلي المتأني.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تعود الجذور الفكرية لمفهوم الانتباه الخارجي إلى الرواد الأوائل في علم النفس التجريبي في أواخر القرن التاسع عشر. وكان للفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليام جيمس دور ريادي في كتابه الشهير “مبادئ علم النفس” (The Principles of Psychology) عام 1890، حيث ميّز بين “الانتباه الإرادي السلبي أو الانعكاسي” و”الانتباه الإرادي النشط”، مشيراً إلى أن بعض المثيرات تفرض نفسها على الوعي عبر قوتها الجوهرية كالضوء الشديد أو الأصوات الهائلة.
شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين قفزة منهجية غير مسبوقة بفضل أبحاث عالم النفس الإدراكي مايكل بوسنر (Michael Posner)، الذي صمم “مهمة التلميح المكاني” (Posner Cueing Task) الشهيرة عام 1980. تمكن بوسنر وزملاؤه من خلال هذا النموذج التجريبي الصارم من الفصل الدقيق بين الانتباه الداخلي (الموجه برموز مركزية ذات دلالة مثل الأسهم) والانتباه الخارجي (المحفز بومضات ضوئية طرفية سريعة)، مبيناً الفوارق الزمنية الحاسمة بينهما.
في تسعينيات القرن الماضي ومع تطور تقنيات التصوير العصبي الوظيفي مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتخطيط الدماغي الكهربائي (EEG)، استطاع باحثون مثل ماوريتسيو كوربيتا وجوردون شولمان (Corbetta & Shulman, 2002) تحديد الشبكات العصبية المنفصلة التي تدير هذين النمطين في الدماغ البشري، مما أثبت بشكل قاطع أن الانتباه الخارجي ليس مجرد مفهوم نفسي نظري، بل هو نشاط تشريحي وعصبي متمايز تماماً يرتكز على الشبكة الانتباهية البطنية.
6. الأسس والأطر النظرية
تستند دراسة الانتباه الخارجي إلى عدة نماذج نظرية رائدة صاغت الفهم المعاصر للإدراك الحسي والمعرفي. وأبرز هذه النماذج:
- نموذج الشبكتين الانتباهيتين (Corbetta & Shulman Model): يطرح هذا النموذج وجود شبكتين وظيفيتين متمايزتين ومتفاعلتين في الدماغ؛ “الشبكة الظهرية” (Dorsal Attention Network) المسؤولة عن الانتباه الداخلي التنازلي والموجه بالأهداف، و”الشبكة البطنية” (Ventral Attention Network) المسؤولة عن الانتباه الخارجي التصاعدي، والتي تعمل كقاطع دائرة (Circuit Breaker) يعطل النشاط المعرفي الحالي لتوجيه المعالجة نحو الأحداث غير المتوقعة والبارزة.
- نظرية تكامل السمات (Feature Integration Theory): صاغتها آن تريسمان (Anne Treisman) في الثمانينيات، وتفترض أن خصائص الأشياء الأولية (كاللون والشكل والحركة) تُعالج تلقائياً وبشكل موازٍ عبر قنوات ما قبل الانتباه (Preattentive Stage)، فإذا كان المثير فريداً في خاصية معينة، فإنه “يبرز فجأة” (Pop-out Effect) مستدعياً الانتباه الخارجي الفوري دون الحاجة إلى مسح تسلسلي مستهلك للوقت.
- فرضية الأولوية الإدراكية والتوجيه البصري (Saliency Map Theory): يرى إيتي وكوخ (Itti & Koch) أن الجهاز البصري ينشئ في القشرة البصرية خرائط تمايز طبوغرافية ترصد التباين اللوني والضوئي والحركي؛ وتفوز النقطة ذات التباين الأعلى بالحصة الأولى من الموارد الانتباهية الخارجية بصورة آلية بحتة تعتمد على معالجة الخصائص الفيزيائية للمثيرات.
7. المكونات الأساسية والأنواع والأبعاد
ينطوي الانتباه الخارجي على بنية متعددة الأبعاد تشمل الآليات السلوكية والعصبية الآتية:
- الانتباه الخارجي العلني (Overt Exogenous Attention): يتضمن حركة عضوية مرئية لحاسة البصر، مثل توجيه حدقة العين وحركة الرأس باتجاه مصدر المثير المفاجئ (Saccadic Eye Movements).
- الانتباه الخارجي الخفي (Covert Exogenous Attention): تحول بؤرة التركيز الذهني نحو المثير دون أي حركة جسدية أو عينية مرئية، وهو ما يحدث في الأجزاء الأولى من الثانية قبل تحريك العين.
- البروز الحسي التبايني (Sensory Salience): الدرجة التي يختلف بها المثير عن خلفيته المحيطة من حيث السطوع، أو اللون، أو الحركة، أو الشدة، وهو المحرك الأساسي للاستجابة التصاعدية.
- المسار الزمني الانعكاسي (Transient Dynamics): يتميز بنمط زمني ثنائي؛ تسهيل إدراكي فوري يعقبه مباشرة انخفاض حاد في الحساسية للموقع نفسه.
- تثبيط العودة (Inhibition of Return – IOR): آلية عصبية تطرأ بعد حوالي 250 إلى 300 مللي ثانية من ظهور المثير الخارجي، حيث يصبح زمن الاستجابة للمحفزات اللاحقة في نفس الموقع أبطأ، مما يشجع استكشاف مناطق جديدة في البيئة.
8. أمثلة وحالات توضيحية واقعية
تتعدد المواقف الحياتية والتطبيقية التي يتجلى فيها الانتباه الخارجي بوضوح:
الحالة الأولى (القيادة على الطرق السريعة): يقود سائق سيارته وهو يركز بصره على الطريق أمامه (انتباه داخلي موجه بالهدف)، وفجأة يقفز طفل أو حيوان من جانب الطريق إلى مسار القيادة؛ يجذب هذا التحرك المفاجئ انتباه السائق فورياً وبشكل لا إرادي عبر الآلية الخارجية، مما يحفز استجابة الكبح الطارئة قبل أن يستوعب السائق الحسابات الرياضية للمسافة والسرعة.
الحالة الثانية (بيئة العمل المكتبي): موظف يقرأ تقريراً تقنياً معقداً في مكتب هادئ؛ يرن جرس هاتف بجانبه بنغمة حادة مفاجئة. يؤدي ذلك إلى قطع سياق القراءة وتحول الانتباه الفوري نحو مصدر الصوت دون تخطيط، ويستغرق الموظف عدة ثوانٍ لإعادة توجيه انتباهه الداخلي نحو التقرير المكتبي مجدداً.
الحالة الثالثة (تصميم واجهات المستخدم والتسويق الرقمي): عندما تفتح صفحة ويب إخبارية، وفجأة يظهر إعلان متحرك ذو وميض ساطع في الجانب الأيمن للشاشة. حتى لو كان هدف المستخدم قراءة العنوان الرئيسي، فإن حركة الإعلان ووميضه تجتذبان العين قسرياً، وهو استغلال تقني مباشر للانتباه الخارجي في علم النفس الاستهلاكي.
9. أدوات القياس والتقييم التجريبي
يعتمد علماء النفس المعرفي والأعصاب على مجموعة من الأدوات التجريبية الدقيقة لقياس الانتباه الخارجي بدقة متناهية:
تُعد مهمة التلميح المكاني لبوسنر (Posner Spatial Cueing Paradigm) المعيار الذهبي للقياس؛ حيث يُطلب من المشارك التحديق في نقطة تثبيت مركزية، ثم يظهر وميض سريع غير ذي دلالة في أحد طرفي الشاشة (مُلمح خارجي). يُقاس زمن الاستجابة للمستهدف الذي قد يظهر في الموقع نفسه (موقع صالح) أو في موقع معاكس (موقع غير صالح). يُظهر التحليل تفوقاً ملحوظاً في سرعة الاستجابة في المواقع الصالحة إذا كان الفارق الزمني (SOA) قصيراً (أقل من 150 مللي ثانية)، وانقلاب الاستجابة إلى بطء في الموقع نفسه إذا زاد الفارق عن 300 مللي ثانية، وهو المؤشر الحاسم على “تثبيط العودة”.
تُستخدم تقنية الجهود المرتبطة بالحدث (Event-Related Potentials – ERP) عبر التخطيط الدماغي لتحليل الموجات الكهربائية فائقة السرعة؛ حيث ترتبط موجة (P1) وموجة (N1) المبكرتان باتساع التفاعل الحسي الأولي في القشرة البصرية تحت تأثير الانتباه الخارجي. كما تسهم أجهزة تتبع حركة العين (Eye-Tracking) في تسجيل سرعة حركات العين الرمادية (Saccades) اللإرادية بدقة متناهية لقياس الانتباه الخارجي العلني.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يمتلك فهم الانتباه الخارجي تطبيقات حيوية في قطاعات حيوية متعددة تشمل السلامة، والتصميم، والطب النفسي:
- تصميم أنظمة الإنذار في الطيران والسيارات: تُصمم أضواء التحذير في مقصورات القيادة وأصوات الاستغاثة بالاعتماد على خوارزميات تحاكي المحفزات الأقدر على اختطاف الانتباه الخارجي لقائدي الطائرات في حالات الخطر القصوى لمنع الكوارث البشرية.
- التشخيص والتدخلات الإكلينيكية: يعاني الأفراد المصابون بـ اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) من فرط الحساسية للمثيرات الخارجية، حيث يعجز الدماغ عن كبح المشتتات الطارئة؛ مما يوجه البرامج العلاجية والسلوكية نحو تقليل المحفزات البيئية العشوائية لتسهيل تركيزهم.
- إعادة التأهيل العصبي لمرضى الإهمال الحيزي النصفي (Hemispatial Neglect): يعاني المصابون بتلف في الفص الجداري الأيمن من تجاهل النصف الأيسر من العالم الإدراكي؛ وتُستخدم المثيرات الخارجية السمعية والبصرية الحادة في الجانب المتضرر لإعادة تنبيه وتدريب الشبكة الانتباهية المعطلة.
- تصميم المواقع وتجربة المستخدم (UI/UX): يُوظف مطورو البرمجيات عناصر الإبراز البصري كالأزرار النابضة أو الإشعارات المنبثقة لضمان توجيه المستخدم نحو المهام والوظائف الأساسية بسلاسة وسرعة.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية الحديثة
أكدت الدراسات العصبية التجريبية باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي الدور المركزي للشبكة الانتباهية البطنية، التي تضم بشكل أساسي الوصلة الصدغية الجدارية (Temporoparietal Junction – TPJ) والقشرة الجبهية البطنية (Ventral Frontal Cortex). وأظهرت دراسات كوربيتا وزملاؤه أن هذه الشبكة تظل هادئة نسبياً أثناء التركيز الموجه بالأهداف، لكنها تشتعل نشاطاً بمجرد ظهور مثير غير متوقع وذي دلالة بيولوجية، مرسلة إشارات كابحة للشبكة الظهرية لفرض الأولوية للحدث الطارئ.
وفي سياق أبحاث المعالجة العاطفية، أثبتت تجارب كوان وبفايفر (Keil & Phelps) أن المثيرات المشحونة عاطفياً مثل الوجوه الخائفة أو المشاهد التهديدية (مثل صور الثعابين أو الأسلحة) تحظى بقدرة فائقة على أسر الانتباه الخارجي بسرعة تفوق المثيرات المحايدة؛ إذ يتصل اللوزة الدماغية (Amygdala) مباشرة بالمسارات البصرية الأولية لتعزيز معالجة الخطر الحسي في زمن يقل عن 80 مللي ثانية، مما يبرهن على التشابك الوثيق بين المشاعر والانتباه اللاإرادي لحماية الحياة.
12. الاعتبارات الثقافية والسياقية
رغم أن الآليات الأساسية للانتباه الخارجي فطرية ومرتبطة بفسيولوجيا الجهاز العصبي، فإن الأبحاث الحديثة في علم النفس الثقافي كشفت عن وجود تباينات ملحوظة في كيفية معالجة المثيرات البيئية وسياقها. فقد أظهرت أبحاث ريتشارد نيسبت (Richard Nisbett) أن الأفراد من المجتمعات الشرق آسيوية يميلون إلى توزيع انتباههم بطريقة شمولية (Holistic Attention)، مما يجعلهم أكثر حساسية للتغيرات والمثيرات الخارجية المفاجئة التي تطرأ في خلفية المشهد أو على هوامشه.
في المقابل، يميل الأفراد في المجتمعات الغربية إلى تركيز انتباههم بشكل تحليلي (Analytic Attention) على العنصر الرئيسي أو المثير المركزي، مما يعزز مناعتهم النسبية ضد بعض المشتتات الخارجية الهامشية ولكنه قد يقلل من سرعة التقاطهم للتبدلات السياقية غير المتوقعة في البيئة المحيطة. وتؤكد هذه الفروق أن التوجيه الخارجي يتأثر على المدى الطويل بأنماط التعلم الثقافي والتنشئة الإدراكية وطبيعة البيئات العمرانية والحضرية المحيطة بالإنسان.
13. الانتقادات والجدل العلمي والحدود المعرفية
يثور في علم النفس المعرفي المعاصر جدل واسع حول مسألة “النقاء التام” للانتباه الخارجي المنشأ؛ حيث يجادل فريق من الباحثين، يقودهم تشارلز فولك (Charles Folk) وروبرت بيكون (Robert Bacon)، بنظرية “الضبط الانتباهي المسبق” (Attentional Control Settings). وتفترض هذه النظرية أن المثير الخارجي لا يستطيع الاستحواذ التلقائي على الانتباه إلا إذا تطابقت خصائصه الفيزيائية مع سمات الهدف التي يبحث عنها العقل لا شعورياً، مما يشير إلى أن الانتباه الخارجي ليس مستقلاً تماماً بل يخضع لسيطرة تنازلية خفية.
كما برزت انتقادات موجهة لنماذج المختبر الكلاسيكية، لكونها تعتمد على شاشات عرض مبسطة ثنائية الأبعاد لا تعكس التعقيد الهائل للبيئات الحقيقية ثلاثية الأبعاد التي تتزاحم فيها آلاف المثيرات البصرية والسمعية والحركية المتزامنة، مما يثير تساؤلات منهجية حول الصدق البيئي (Ecological Validity) لنتائج زمن الرجع واختبارات التلميح المعزولة.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
تتداخل العديد من المفاهيم المعرفية مع الانتباه الخارجي، وتتضح الفروق الجوهرية بينها على النحو الآتي:
- الانتباه الداخلي المنشأ (Endogenous Attention): انتباه إرادي يُدار بوعي كامل من الفرد ويوجه نحو أهداف محددة (تنازلي)، في حين أن الانتباه الخارجي لاإرادي وقسري تقوده المثيرات البيئية (تصاعدي).
- الاستجابة التوجيهية (Orienting Reflex): استجابة فسيولوجية وحركية كاملة تشمل تغيرات في نبضات القلب وتوسيع حدقة العين والالتفاف الجسدي الكامل نحو المثير المفاجئ، وهي أعم وأشمل من التحول الانتباهي الإدراكي الخفي أو الأولي.
- الشرود الذهني (Mind Wandering): انصراف الانتباه الداخلي نحو أفكار وذكريات ذاتية المنشأ بعيداً عن المهمة الحالية، وهو نقيض الانتباه الخارجي الذي يستدعيه مثير حسي مادي واقع في البيئة.
- التثبيط الإدراكي (Cognitive Inhibition): القدرة الواعية على قمع المشتتات والمعلومات غير ذات الصلة، في حين يمثل الانتباه الخارجي فشلاً مؤقتاً أو تخطياً لهذا التثبيط نتيجة لقوة المثير البيئي الطارئ.
15. الخلاصة والاستنتاجات الرئيسية
يعد الانتباه الخارجي المنشأ جوهر المنظومة الدفاعية والاستكشافية للدماغ البشري؛ إذ يمنح الكائن الحي سرعة فائقة في رصد الأخطار والفرص الطارئة في محيطه البيئي دون إبطاء ناجم عن التفكير المعقد. وتؤكد الشواهد الفسيولوجية تكامل هذا المسار التصاعدي السريع مع المسار التنازلي الإرادي، مما يتيح التوازن الديناميكي بين المحافظة على الأهداف الإدراكية المستمرة والمرونة الحيوية للتفاعل مع المتغيرات اللحظية المباغتة.
المراجع
- Corbetta, M., & Shulman, G. L. (2002). Control of goal-directed and stimulus-driven attention in the brain. Nature Reviews Neuroscience, 3(3), 201–215. https://doi.org/10.1038/nrn755
- Folk, C. L., Remington, R. W., & Johnston, J. C. (1992). Involuntary covert orienting is contingent on attentional control settings. Journal of Experimental Psychology: Human Perception and Performance, 18(4), 1030–1044. https://doi.org/10.1037/0096-1523.18.4.1030
- James, W. (1890). The Principles of Psychology. Henry Holt and Company.
- Posner, M. I. (1980). Orienting of attention. Quarterly Journal of Experimental Psychology, 32(1), 3–25. https://doi.org/10.1088/0031-9112/32/4/023
- Treisman, A. M., & Gelade, G. (1980). A feature-integration theory of attention. Cognitive Psychology, 12(1), 97–136. https://doi.org/10.1016/0010-0285(80)90005-5