اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك: صوت البحث العلمي

دليل أكاديمي شامل وموسع حول اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (FABBS)، يستعرض أصوله اللغوية وتطوره التاريخي، وأطره النظرية، وأدواره الريادية في مناصرة تمويل البحوث النفسية والعصبية وصناعة السياسات العامة القائمة على الأدلة العلمية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 20 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 20 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل التقاطع بين العلوم العصبية والنفسية والسلوكية أحد أكثر الحقول المعرفية حيوية وتأثيراً في رسم معالم السياسات العامة وفهم الطبيعة الإنسانية المعقدة. يبرز اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (Federation of Associations in Behavioral and Brain Sciences – FABBS) كمنظمة مظلية رائدة تضطلع بمهمة تمثيل مصالح هذا الطيف العلمي المتشابك والدفاع عن استدامة دعمه وتمويله وتطبيقاته في سياقات المجتمع والدولة. يقدم هذا الدليل الأكاديمي الشامل استعراضاً معجمياً ومفاهيمياً معمقاً للاتحاد، ملقياً الضوء على أصوله وتطوره التاريخي وأطره المعرفية ودوره الريادي في بناء جسور راسخة بين مختبرات البحث التجريبي ومراكز صنع القرار السياسي والتشريعي.

اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (FABBS)

1. التعريف الدقيق والموجز

اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (FABBS) هو تحالف أكاديمي وعلمي غير ربحي يضم تحت مظلته نخبة من الجمعيات العلمية والمؤسسات البحثية والجامعية المتخصصة في دراسة العقل والدماغ والسلوك البشري. يهدف هذا الائتلاف المؤسسي في جوهره إلى تعزيز المعرفة العلمية الرصينة وتطويرها، والدفاع عن السياسات التي تضمن توفير التمويل الحكومي المستدام للأبحاث النفسية والعصبية، وتيسير نقل المخرجات التجريبية إلى ميادين صياغة التشريعات والسياسات العامة بما يخدم رفاه المجتمع الإنساني وصحته النفسية والبدنية.

يتجاوز دور الاتحاد كونه مجرد رابطة تجمع الباحثين؛ إذ يعمل بمثابة منصة دبلوماسية علمية متقدمة في واشنطن والساحة الدولية، حيث يتحدث بصوت موحد نيابة عن عشرات الآلاف من العلماء والباحثين المتخصصين في مجالات تتدرج من العلوم العصبية الجزيئية والمعرفية إلى علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التربوي، واللغويات المعرفية، والذكاء الاصطناعي، والعلوم السلوكية التطبيقية. ويضطلع الاتحاد بمسؤولية تثقيف المشرعين وإعلام صانعي القرار بالقيمة الجوهرية والجدوى الاقتصادية والاجتماعية للاستثمار طويل الأمد في البحوث السلوكية والدماغية الأساسية والتطبيقية على حد سواء.

علاوة على ذلك، يكرس الاتحاد جهوده لتعزيز النزاهة العلمية، والارتقاء بمعايير الشفافية والتكرارية في النشر الأكاديمي، وتكريم العلماء الذين ساهمت بحوثهم الرائدة في إحداث نقلات نوعية في الفهم العلمي للسلوك. وبذلك يجسد الاتحاد نموذجاً فريداً للشراكة الاستراتيجية التي توائم بين الطموحات المعرفية للمجتمع الأكاديمي والأولويات التنموية والمؤسسية للدول الحديثة.

2. التأثيل والأصل اللغوي والاشتقاق

يستمد المصطلح اسمه الكامل من اللغة الإنجليزية: (Federation of Associations in Behavioral and Brain Sciences)، واختصاراً بالأحرف الاستهلالية (FABBS). يحمل الشق الأول من التسمية، وهو كلمة “اتحاد” أو “ائتلاف فدرالي” (Federation)، دلالة لاتينية مستقاة من الأصل اللغوي (foedus) الذي يشير إلى التحالف، والعهد، والميثاق القائم على الثقة المتبادلة بين أطراف متعددة تجتمع لتحقيق غاية مشتركة مع احتفاظ كل طرف باستقلاليته الذاتية. وتاريخياً، استُخدم هذا المفهوم في الفلسفة السياسية والمؤسسية للدلالة على تضافر الهيئات المتنوعة لمواجهة تحديات تفوق قدرة المنظمة الواحدة على مجابهتها بمفردها.

أما كلمة “جمعيات” (Associations)، فتعود إلى الجذر اللاتيني (associare)، وهو مركب من السابقة (ad-) التي تعني “نحو”، والجذر (socius) الذي يعني “الرفيق” أو “الشريك”، لتعكس بطبيعتها اجتماع أصحاب الاهتمامات المشتركة من الأكاديميين والممارسين في تكتلات مهنية منظمة تهدف إلى تطوير الحقل التخصصي وصيانة معاييره الأخلاقية. وتُمثل هذه الجمعيات الأعضاء الأساسيين الذين يشكلون البنية التحتية الصلبة للاتحاد.

ويرتبط الشق المعرفي من الاسم بمركبي “السلوك” (Behavioral) و”الدماغ” (Brain). تعود كلمة السلوك في جذرها الإنجليزي المعاصر إلى أصل جرماني قديم يعني التصرف، والانضباط، وطريقة التفاعل مع البيئة المحيطة، وتوسعت دلالتها الاصطلاحية في سياق الثورة السلوكية في علم النفس لتشمل كل نشاط صادر عن الكائن الحي يمكن ملاحظته وقياسه وضبطه تجريبياً. في المقابل، تستمد كلمة الدماغ أصولها من اللغات الجرمانية القديمة لوصف العضو المركزي في الجهاز العصبي، وتطورت دلالتها العلمية المعاصرة لتمثل الركيزة البيولوجية والعصبية للعمليات العقلية العليا، والمعالجة الإدراكية، والاستجابات العاطفية والنفسية، ليجسد اقتران الدماغ والسلوك في اسم الاتحاد التكامل الذي لا ينفصم بين الأساس العصبي الحيوي والمظهر السلوكي الخارجي.

3. النطق والبنية النحوية والصرفية

يُنطق الاختصار بالإنجليزية بصوت واحد من مقطع لفظي مدمج (/fæbz/)، بينما يُعرّب في الدراسات النفسية والأكاديمية العربية على أنه “اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك”. من الناحية التركيبية والنحوية في اللغة العربية، يتكون المصطلح من مركب إضافي ونعتي؛ حيث تُعرب كلمة “اتّحادُ” بحسب موقعها الإعرابي في الجملة (مبتدأ مرفوع، أو فاعل، أو مفعول به)، وهي مصدر قياسي مشتق من الفعل الخماسي “اتّحَدَ” على وزن “افتَعَلَ”، وأصل فائه الواو (“وتحد”)، وقُلبت الواو تاءً ثم أُدغمت في تاء الافتعال للدلالة على الاندماج والصيرورة كياناً واحداً.

تأتي كلمة “جَمْعِيّاتِ” مضافاً إليه مجروراً وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهي جمع مؤنث سالم للمفرد المؤنث “جمعية”، وهو اسم منسوب إلى الفعل الثلاثي “جَمَعَ” الذي يدل على الضم والحشد. ويتبع ذلك المركب الإضافي “عُلُومِ”، وهو جمع تكسير لكلمة “عِلْم” من الفعل الثلاثي “عَلِمَ” المشير إلى الإدراك واليقين والنسق المعرفي المنظم. وتأتي كلمتا “الدِّماغِ” و”السُّلُوكِ” كمعطوفين يحددان المجال العلمي الدقيق، حيث تُعد كلمة “الدماغ” اسماً مفرداً مذكراً، و”السلوك” مصدراً سماعياً للفعل الثلاثي “سَلَكَ”، ويدل على السيرة والمذهب وطريقة الفعل والتأثير.

يُستخدم المصطلح في السياقات الأكاديمية والبحثية العربية متبوعاً باختصاره الشائع بين قوسين لتثبيت الدلالة التوثيقية، مثل: “أكد تقرير اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (FABBS)…”، أو في صيغ الإسناد العلمي: “وفقاً للمعايير التي وضعها اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك…”. ويُراعى في الترجمة الاحتفاظ بالدقة المفاهيمية للتركيب المؤسسي دون إسقاط أي من أركانه العلمية الثلاثة (الجمعيات، الدماغ، السلوك) لضمان عدم الخلط بينه وبين الجمعيات الأحادية أو المعاهد البحثية المنفردة.

4. الشرح المفاهيمي التفصيلي والأبعاد المؤسسية

يُمثل اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك صرحاً أكاديمياً فريداً تم إنشاؤه ليعمل كحلقة وصل ديناميكية وجسر استراتيجي يربط بين ثلاثة فضاءات متباينة: الفضاء الأكاديمي المختبري، والفضاء التشريعي الحكومي، وفضاء الرأي العام المجتمعي. إن جوهر المهمة التي ينهض بها الاتحاد يقوم على مبدأ محوري: لا يمكن للعلوم النفسية والعصبية أن تؤدي وظيفتها النهضوية في المجتمع المعاصر إذا ظلت حبيسة الأروقة الجامعية ومحصورة في المجلات العلمية المتخصصة المغلقة؛ بل يجب ترجمة هذه العلوم وصياغتها بلغة تُمكّن واضعي السياسات والمشرعين من توظيفها في حل المعضلات الإنسانية والاجتماعية المستعصية.

ينطلق الإطار المفاهيمي للاتحاد من رؤية تكاملية عميقة لا تفصل بين وظائف الدماغ الفسيولوجية والتجليات السلوكية المعقدة؛ إذ يرى أن فهم تحديات العصر، من قبيل الإدمان، والاضطرابات النفسية، وصعوبات التعلم، والاستقطاب السياسي والاجتماعي، والآثار النفسية للتقنيات الرقمية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، يتطلب مقاربة شمولية تدمج البيولوجيا العصبية بالإدراك المعرفي والديناميات السلوكية. ويعمل الاتحاد على ضمان ألا تُهمل هذه الجوانب السلوكية عند صياغة خطط الاستجابة الوطنية للأزمات، كالأوبئة الصحية، والكوارث الطبيعية، والتحولات الاقتصادية، حيث ثبت مراراً أن المحدد السلوكي هو العامل الحاسم في نجاح أو إخفاق التدخلات الطبية والمجتمعية.

تتمثل الحدود المؤسسية والوظيفية للاتحاد في تركيزه الصارم على “المناصرة العلمية غير الحزبية” (Non-partisan Scientific Advocacy). فهو لا ينخرط في الخصومات السياسية أو الأيديولوجية، بل يستند بشكل مطلق إلى الأدلة التجريبية المحكّمة المستمدة من الأبحاث المنشورة في أرفع الدوريات العلمية. ويتحدد نطاقه بالدفاع عن المنهج العلمي، وضمان استقلالية الهيئات المانحة، ومكافحة التدخلات السياسية في توجيه مخرجات البحث العلمي، بالإضافة إلى محاربة المفاهيم المغلوطة والعلوم الزائفة المرتبطة بوظائف الدماغ وعلم النفس التي غالباً ما تنتشر في الثقافة الشعبية ووسائل الإعلام.

يمتد النطاق العملياتي للاتحاد ليشمل الإشراف على صياغة ونشر مجلة علمية مرموقة موجهة للسياسات، وعقد جلسات إحاطة دورية لأعضاء الكونغرس الأمريكي واللجان التشريعية، وتسهيل مشاركة العلماء المتخصصين كشهود خبراء في جلسات الاستماع البرلمانية، فضلاً عن تقديم مذكرات استشارية للوكالات الفيدرالية التنفيذية. وبفضل هذا الدور المتعدد الأوجه، نجح الاتحاد في خلق ثقافة ترتكز على “صنع السياسات المستندة إلى الأدلة العلمية” (Evidence-Based Policymaking)، مما يضمن عدم اتخاذ قرارات مصيرية تخص التعليم والصحة الجنائية والعدالة الاجتماعية دون استشارة البيانات الموثوقة لعلوم الدماغ والسلوك.

5. التطور التاريخي ومحطات التأسيس

تعود جذور تأسيس الاتحاد إلى مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وتحديداً في عام 1980، عندما أدرك قادة كبريات الجمعيات العلمية في مجالات علم النفس، والعلوم المعرفية، والأنثروبولوجيا، والتعليم، والعلوم اللغوية، وجود فجوة تمثيلية هائلة في العاصمة الأمريكية واشنطن. في تلك الحقبة الحرجة، كانت العلوم الطبية الحيوية والعلوم الفيزيائية والهندسية تحظى بتمثيل جماعي قوي وضاغط يحصد النصيب الأكبر من ميزانيات التمويل الفيدرالي عبر المعاهد الوطنية للصحة (NIH) ومؤسسة العلوم الوطنية (NSF)، بينما عانت العلوم السلوكية والاجتماعية من التهميش واعتُبرت في أحيان كثيرة هدفاً سهلاً للاقتطاعات المالية من قبل المشرعين المشككين في قيمتها العلمية الصارمة.

أمام هذا التحدي المصيري، تداعت جمعيات علمية رائدة، من بينها جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، وجمعية العلوم النفسية (APS لاحقاً)، وجمعية القياسات النفسية، والجمعية اللغوية الأمريكية، وجمعيات دراسة الطفل والتعليم، لتأسيس تحالف موحد سُمي في بداياته “اتحاد جمعيات العلوم السلوكية والنفسية والمعرفية” (Federation of Behavioral, Psychological, and Cognitive Sciences). كان الهدف الأساسي للائتلاف هو توحيد الأصوات المتناثرة لإنشاء جبهة دفاع قوية تحمي الميزانيات المخصصة للأبحاث السلوكية وتبرز دورها كعلم تجريبي صارم يعتمد على المنهجية الرياضية والملاحظة المضبوطة والتجريب الدقيق.

شهد العقد الأخير من القرن العشرين، والذي أعلنه الكونغرس الأمريكي رسمياً “عقد الدماغ” (Decade of the Brain 1990-1999)، نقطة تحول مفصلية في تاريخ الاتحاد؛ إذ تدفقت الاكتشافات الهائلة في تقنيات التصوير العصبي الوظيفي (fMRI) وعلم الوراثة السلوكي، وبات من الواضح استحالة فهم العمليات المعرفية والسلوكية بمعزل عن آلياتها البيولوجية والعصبية. ونتيجة لهذا التحول المعرفي الكاسح، أعاد الاتحاد هيكلة بنيته المفاهيمية واستراتيجيته التوسعية ليضم الجمعيات المتخصصة في العلوم العصبية المعرفية وعلوم الأعصاب السلوكية، وتُوج هذا التحول بإعادة تسمية المنظمة رسمياً لتصبح “اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك” (FABBS)، مؤكداً التكامل العضوي بين العقل والدماغ والسلوك.

خلال العقدين الماضيين، انتقل الاتحاد من مجرد جماعة ضغط تدافع عن التمويل إلى شريك استراتيجي في إدارة وتوجيه المبادرات العلمية القومية الكبرى، مثل مبادرة أبحاث الدماغ عبر تطوير التقنيات العصبية المبتكرة (BRAIN Initiative). ونجح الاتحاد في تأسيس شريان تواصلي دائم عبر إطلاق مجلته الأكاديمية الرائدة “رؤى سياساتية من علوم السلوك والدماغ” (Policy Insights from the Behavioral and Brain Sciences)، موسعاً تأثيره عبر شراكات مع منظمات دولية تعنى بالنهوض بالعلوم في كافة أنحاء العالم.

6. الأسس النظرية والأطر المعرفية الحاكمة

يرتكز عمل اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك على جملة من الأطر النظرية والابستمولوجية الراسخة التي تحكم نظرته للظاهرة الإنسانية؛ وتتمثل أولى هذه الركائز في “النموذج الحيوي النفسي الاجتماعي” (Biopsychosocial Model) الذي طوره الطبيب النفسي جورج إنجل (George Engel). يرفض هذا الإطار النظرة الاختزالية التي تحصر المعاناة الإنسانية أو الظواهر السلوكية في اختلالات كيميائية عصبية بحتة، وفي الوقت نفسه يرفض الانفصال السلوكي عن بيولوجيا الجسد، مؤكداً أن السلوك البشري هو محصلة تفاعل لا خطي ومعقد بين البنية العصبية الحيوية، والعمليات الإدراكية الذاتية، والسياقات الثقافية والاجتماعية المحيطة.

الركيزة الثانية هي “النظرية التكاملية للعلوم المعرفية” (Cognitive Science Integration)، والتي تستند إلى أعمال رواد فلسفة العقل واللغويات والذكاء الاصطناعي من أمثال هيلاري بوتنام، ونعوم تشومسكي، وجيري فودور، وما تلاهم من علماء الأعصاب المعرفية مثل مايكل غازانيغا (Michael Gazzaniga). ينطلق هذا الإطار من أن فهم العقل يتطلب تضافر علوم متعددة تشمل الفلسفة، والحوسبة، واللغويات، وعلم النفس، وعلم الأعصاب؛ فلا يمكن للبيولوجيا وحدها أن تفسر المعنى اللغوي، ولا يمكن للحوسبة وحدها أن تفسر المشاعر الوجدانية، ومن هنا يتبنى الاتحاد هذا الطرح التكاملي كفلسفة عمل أساسية في انتقاء الأبحاث وتمثيل الجمعيات.

تستند فلسفة التأثير والسياسات لدى الاتحاد إلى “نظرية الترجمة المعرفية وتداول المعرفة” (Knowledge Translation & Mobilization Frameworks)، والتي تدرس سيكولوجية صناعة القرار لدى القادة السياسيين والتنفيذيين. يُدرك الاتحاد من منظور هذه النظرية أن المعرفة العلمية المبرهنة لا تشق طريقها تلقائياً إلى التطبيق، بل تتطلب “وسطاء معرفة” قادرين على تفكيك التعقيد الإحصائي والمصطلحي للأبحاث، وإعادة صياغتها في شكل أطر قابلة للتنفيذ السياسي والتشريعي. ويُعد هذا الإطار النظري الأساس الذي تُبنى عليه كافة مذكرات الاتحاد وبرامجه الموجهة للكونغرس والوكالات الحكومية.

أما الركيزة الرابعة والأحدث، فهي الالتزام بـ “إبستمولوجيا العلم المفتوح والتكرارية التجريبية” (Open Science & Replicability Framework)، استجابةً للأزمة المنهجية التي واجهت علم النفس والعلوم السلوكية فيما يُعرف بـ “أزمة التكرار” (Replication Crisis). يتبنى الاتحاد إطاراً نظرياً وأخلاقياً صارماً يرى أن موثوقية العلم وسلطته المعرفية تنبعان من قابليته للتحقق المفتوح، ومشاركة البيانات، والتسجيل المسبق للفرضيات البحثية، معتبراً أن الحفاظ على ثقة صانع القرار بالعلوم السلوكية يقتضي تحصين المنهج التجريبي وتخليصه من التحيزات النشرية والمنهجية.

7. المكونات الرئيسية، البنية التنظيمية والأقسام

تتسم البنية التنظيمية لاتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك بتصميم هيكلي متعدد المستويات يهدف إلى ضمان الشفافية والديمقراطية وتمثيل كافة التخصصات المنضوية تحته، وتتألف هذه البنية من المكونات الأساسية التالية:

  • الجمعيات العلمية الأعضاء (Member Societies): تُشكل الجمعيات التخصصية الركيزة الجوهرية والعمود الفقري للاتحاد؛ وتضم جمعيات مرموقة متخصصة في مجالات متنوعة، مثل جمعية أبحاث تنمية الطفل (SRCD)، وجمعية العلوم العصبية المعرفية (CNS)، وجمعية علم النفس الاجتماعي التجريبي (SESP)، وجمعية علم النفس الأمريكية، وجمعية بيولوجيا الأعصاب السلوكية. تتمتع كل جمعية بتمثيل رسمي وتساهم في انتخاب القيادة وتوجيه السياسات الاستراتيجية.
  • الأقسام والمراكز الجامعية التابعة (Affiliate Academic Departments): شبكة واسعة من كليات وأقسام علم النفس وعلوم الدماغ والأعصاب والتربية في أعرق الجامعات البحثية؛ تسهم هذه الأقسام بالدعم المالي والمشاركة في ورش العمل والبرامج التدريبية المخصصة للباحثين الشباب.
  • مجلس الإدارة (Board of Directors): الهيئة القيادية العليا المنتخبة، وتتألف من نخبة من كبار العلماء المنتمين لمختلف التخصصات السلوكية والعصبية، وتضطلع بمسؤولية التخطيط الاستراتيجي، وصياغة البيانات الموقفية العامة، والإشراف المالي والتنظيمي على برامج الاتحاد.
  • الأمانة العامة والجهاز التنفيذي (Executive Staff): فريق احترافي مقره واشنطن، يديره مدير تنفيذي يتمتع بخبرة واسعة في إدارة المنظمات العلمية وشؤون السياسة العامة والاتصال الحكومي، ويتولى المتابعة اليومية للمشاريع وإدارة العلاقات المؤسسية مع المشرعين ووسائل الإعلام.
  • لجنة الدفاع والمناصرة السياسية (Advocacy and Policy Committee): الذراع التكتيكي للاتحاد؛ ترصد هذه اللجنة مشاريع القوانين التشريعية الفيدرالية، وجداول ميزانيات وكالات التمويل مثل NSF وNIH، وتعمل على إعداد الإفادات المكتوبة وتنظيم زيارات المناصرة لمكاتب المشرعين.
  • مؤسسة أبحاث الاتحاد (FABBS Foundation): الذراع الخيري والتكريمي؛ تعنى بجمع التبرعات وتخصيص المنح لجوائز التميز العلمي، وتكريم رواد العلم، ودعم العلماء في المراحل المهنية المبكرة، فضلاً عن تمويل البرامج التعليمية والتثقيفية الموجهة للجمهور العام.
  • لجنة الاتصال والمنشورات العلمية: تتولى الإشراف على إصدار المجلة الرسمية المحكمة Policy Insights from the Behavioral and Brain Sciences، بالتعاون مع دور النشر العالمية (مثل SAGE)، وإدارة المنصات الرقمية وقنوات التواصل المعرفي.

8. نماذج وحالات تطبيقية واقعية لدور الاتحاد

تتضح قوة اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك عبر دراسة نماذج محددة من تدخلاته التاريخية والميدانية؛ ومن أبرز هذه النماذج موقفه الحاسم خلال جلسات مناقشة الميزانية الفيدرالية في الكونغرس الأمريكي عام 2013، حين حاول بعض المشرعين تمرير تعديلات تشريعية تقضي بإلغاء أو تقليص التمويل المخصص لمديرية العلوم الاجتماعية والسلوكية والاقتصادية (SBE) في مؤسسة العلوم الوطنية (NSF). قاد الاتحاد حملة دفاع وطنية حاشدة، من خلال حشد شهادات كبار العلماء، وتنظيم حملات مراسلة موجهة لمكاتب النواب، وإعداد ملفات بيانية تبرز أن كل دولار يُستثمر في العلوم السلوكية يسهم في خفض تكاليف الرعاية الصحية، ومكافحة الجريمة، وتعزيز الأمن السيبراني عبر دراسة العوامل البشرية، مما أدى في النهاية إلى إفشال محاولات التصفية وتثبيت ميزانية العلوم السلوكية في القانون الفيدرالي.

تتمثل حالة تطبيقية أخرى في استجابة الاتحاد لجائحة كوفيد-19 (COVID-19)؛ فبينما كانت الفرق الطبية تسابق الزمن لتطوير اللقاحات، قاد الاتحاد جهوداً مكثفة لإقناع المسؤولين التنفيذيين الفيدراليين بأن التحدي الأكبر لن يكون تصنيع اللقاح فحسب، بل يتمثل في سلوك التردد اللقاحي (Vaccine Hesitancy) والتواصل الصحي الفعال. أعد الاتحاد سلسلة من الإحاطات العلمية والملخصات السياسية السريعة لصناع القرار، موضحة الآليات العصبية والنفسية الكامنة وراء اتخاذ قرارات المخاطرة وتأثير الأخبار المضللة على الإدراك الجمعي، الأمر الذي دفع مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى دمج استراتيجيات مستندة إلى العلوم السلوكية في حملات التوعية الوطنية.

وفي سياق التعليم وتنمية الطفولة، لعب الاتحاد دوراً محورياً في دعم الأبحاث المتعلقة بـ “علم القراءة” (Science of Reading) والتطور العصبي اللغوي لدى الأطفال؛ حيث عقد الاتحاد ندوات علمية لمسؤولي وزارة التعليم الأمريكية والمدارس العامة، لتوضيح كيف يُعيد التعلم تشكيل الشبكات العصبية في القشرة البصرية والجدارية للدماغ، ولماذا تفشل الأساليب التعليمية القائمة على التخمين الكلي مقارنة بالطرق الصوتية التركيبية المبنية على الدليل العصبي المعرفي، مما أسهم في تبني ولايات أمريكية متعددة لتشريعات تربوية جديدة تعتمد المنهج الصوتي المستند إلى أبحاث الدماغ.

أما على صعيد أمن الفضاء الرقمي، فقد قدم الاتحاد مدخلات علمية بالغة الأثر للجان الذكاء الاصطناعي والتفاعل الإنساني-الحاسوبي، موضحة أن تحصين الأنظمة الرقمية الحساسة لا يقتصر على كتابة الشيفرات المشفرة، بل يمتد لدراسة العبء المعرفي والإرهاق الإدراكي لدى مشغلي الأنظمة الأمنية ومحللي البيانات. وقد اعتمدت وكالات الدفاع والاستخبارات هذه التوصيات لإعادة تصميم بيئات العمل وغرف العمليات بما يراعي المحددات العصبية للانتباه المستدام لدى المشغلين البشريين.

9. آليات التقييم، القياس ومؤشرات الأثر المؤسسي

لا يمتلك اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك أدوات قياس سريرية أو مقاييس تشخيصية بالمفهوم الطبي النفسي المباشر، بل يركز على تطوير وتطبيق منظومة متقدمة من أدوات تقييم الأثر المؤسسي (Institutional Impact Assessment) ومؤشرات قياس المناصرة العلمية (Advocacy Metrics) لقياس مدى تغلغل الأدلة السلوكية والعصبية في مفاصل السياسات العامة. تشمل هذه المنظومة مؤشرات قياس كمية وكيفية تخضع لمراجعات دورية دقيقة لتقييم كفاءة تدخلات الاتحاد.

تُعد “مؤشرات التمويل الفيدرالي النسبي” (Relative Federal Funding Indices) من أبرز أدوات التقييم المتبعة؛ حيث يقيس الاتحاد سنوياً نسبة التمويل المخصص لأبحاث الدماغ والسلوك ضمن الموازنات الإجمالية للوكالات العلمية الكبرى، ومقارنة ذلك بالسنوات السابقة ومسارات التضخم الاقتصادي. ويُعد نجاح الاتحاد في منع تقليص هذه الميزانيات أو تحقيق زيادات سنوية مؤشراً رقمياً مباشراً على قوة تأثيره ومصداقيته التفاوضية أمام اللجان التشريعية.

كما يعتمد الاتحاد على مقاييس “الاستشهاد بالسياسات” (Policy Citations Analysis) باستخدام أدوات البيانات الضخمة لرصد عدد المرات التي استشهدت فيها الوثائق الحكومية، ومشاريع القوانين التشريعية، والتقارير التنفيذية الصادرة عن الإدارات الرسمية بالأوراق البحثية المنشورة في مجلته PIBBS أو الدراسات التي تم تقديمها خلال جلسات الاستماع التي نظمها. يتيح هذا المؤشر تقييم المسار التحويلي المباشر الذي تسلكه الفكرة العلمية من مختبر الباحث حتى دمجها في نص قانوني أو لائحة تنظيمية حكومية.

أما فيما يخص تقييم الكفاءة والتميز الأكاديمي، فقد طوّر الاتحاد من خلال مؤسسته معايير تقييمية صارمة لاختيار الفائزين بـ “جوائز الإنجاز المبكر” (Early Career Impact Awards) و”جوائز الرواد المجتمعيين”؛ حيث لا تعتمد معايير الاختيار على عدد الاستشهادات التقليدية (H-index) فحسب، بل تُقاس قيمة البحث بمدى قدرته على تقديم حلول ملموسة لمشكلات مجتمعية كبرى، وقابلية نتائجه للترجمة إلى تطبيقات ميدانية، ومدى التزام الباحث بممارسات الشفافية وتبادل البيانات وحوكمة النزاهة المنهجية.

10. التطبيقات والأهمية العملية في السياسات والمجتمع

تتجلى الأهمية العملية لاتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك في قدرته على تفعيل النظريات الأكاديمية المجردة وتحويلها إلى أدوات تنفيذية تلامس حياة الأفراد في مجالات حيوية متعددة؛ وتأتي في مقدمتها تطبيقات “الصحة النفسية والعمومية”. يساهم الاتحاد بجهود حثيثة في توجيه مخصصات الدعم الحكومي نحو الأبحاث التي تدرس المحددات الاجتماعية والعصبية للاكتئاب، والقلق، واضطرابات طيف التوحد، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والدعوة إلى تبني سياسات وقائية تستهدف التدخل في المراحل النمائية المبكرة بدلاً من الانتظار حتى تفاقم الأعراض السريرية، مما يوفر مليارات الدولارات على منظومات الرعاية الصحية العامة.

وفي الميدان القضائي ونظام العدالة الجنائية، تقدم العلوم العصبية والسلوكية التي يمثلها الاتحاد رؤى جذرية تعيد صياغة المفاهيم التقليدية للعقاب والمسؤولية القانونية. فقد استندت المحكمة العليا الأمريكية في أحكام تاريخية بارزة (مثل إلغاء عقوبة الإعدام وأحكام السجن المؤبد الإلزامي دون إفراج مشروط عن الأحداث دون سن الثامنة عشرة) إلى مذكرات قانونية علمية (Amicus Curiae) ساهمت فيها جمعيات الاتحاد، حيث أظهرت الأدلة العصبية أن قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن كبح الاندفاعات وتقدير العواقب طويلة المدى لا يكتمل نضجها المياليني والوظيفي إلا في منتصف العشرينيات من العمر، مما يعني امتلاك المراهقين قدرة معرفية ناقصة للمسؤولية الجنائية وقابلية أعلى لإعادة التأهيل والإصلاح.

وفي قطاع التعليم وتصميم المناهج، يمارس الاتحاد تأثيراً متواصلاً من خلال تعزيز مفهوم “التربية القائمة على علم الأعصاب المعرفي”؛ حيث تُستخدم أبحاث الذاكرة العاملة، والتنظيم الانفعالي، ودور النوم في تدعيم المشابك العصبية والتعلم لتصميم بيئات مدرسية أكثر كفاءة وملاءمة للتطور البيولوجي للطلاب. ويشمل ذلك تقديم أدلة قاطعة تدعو لتأخير مواعيد بدء اليوم الدراسي للمدارس الثانوية لتتوافق مع التحولات الهرمونية والإيقاع اليومي البيولوجي (Circadian Rhythms) للمراهقين، وهو ما تبنته مدن ومناطق تعليمية واسعة لتحسين التحصيل الأكاديمي وخفض معدلات حوادث السير والانتحار لدى المراهقين.

كذلك تبرز التطبيقات في مجال “التصميم المعماري وتخطيط المدن السلوكي”؛ حيث يوفر الاتحاد قنوات اتصال بين علماء النفس البيئي والمصممين الحضريين لدراسة كيفية تأثير البيئات المبنية، والإضاءة الطبيعية، والضوضاء، والمساحات الخضراء على خفض مستويات الكورتيزول في الدم، وتحسين مستويات التركيز، والحد من العنف المجتمعي في المناطق الحضرية المكتظة، مما يعزز دمج الأدلة السلوكية في الخطط الاستراتيجية للبنية التحتية للمدن الذكية.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية والمنشورات العلمية

يحتل الاتحاد موقع الريادة في الإنتاج والنشر العلمي الرصين من خلال مجلته الأكاديمية البارزة Policy Insights from the Behavioral and Brain Sciences (PIBBS)، والتي أُطلقت لتشكل سابقة تاريخية في مجال النشر المتخصص. على خلاف المجلات التجريبية البحتة التي تستعرض دراسات مفردة معقدة، تركز هذه الدورية على نشر مراجعات منهجية تركيبية وتوليفية (Systematic Syntheses) يكتبها كبار الباحثين بهدف تجميع نتائج مئات الدراسات التجريبية وتقديم استنتاجات واضحة المعالم، مصحوبة بتوصيات محددة لصانعي السياسات العامة.

أشارت دراسات بارزة نُشرت برعاية الاتحاد، وشارك في صياغتها باحثون مرموقون من أمثال سوزان فيسكي (Susan Fiske) وريتشارد نيسبيت (Richard Nisbett)، إلى القوة التنبؤية للبيانات السلوكية في تحسين قرارات التوظيف وتفكيك التحيزات الضمنية (Implicit Biases) داخل المؤسسات؛ وأظهرت هذه الأبحاث عبر تجارب متكررة أن الاعتماد على التدريب المعرفي وتغيير البنى الهيكلية للاختيار يقلل من التحيز العرقي والجندري بصورة تفوق بكثير الاعتماد على النوايا الفردية أو المواعظ الأخلاقية المجردة، مما أدى إلى اعتماد هذه الأدلة في تدريب كوادر الخدمة المدنية والقضاء.

وفي مجال الإدمان وعلوم الأعصاب السلوكية، وثقت الدراسات التي يدعمها الاتحاد أعمالاً رائدة لنورا فولكوف (Nora Volkow) وزملائها، مبرهنة على أن إدمان المواد الأفيونية والمخدرات هو اضطراب دماغي انتكاسي مزمن يرتبط بخلل وظيفي في دوائر المكافأة القائمة على الدوبامين وفي القشرة الجبهية الحجاجية، وليس انحلالاً أخلاقياً أو ضعفاً في الإرادة الشخصية. كان لهذه الأدلة التجريبية أثر حاسم في إعادة توجيه الاستراتيجيات الوطنية نحو برامج العلاج المدعوم بالأدوية (MAT) والحد من أضرار الإدمان، والابتعاد عن نماذج العقاب الجنائي الصارم التي أثبتت فشلها الإحصائي.

كما تناولت منشورات الاتحاد أبحاث المرونة العصبية (Neuroplasticity) لدى كبار السن، حيث أثبتت الدراسات القائمة على التحليل البعدي أن التدخلات السلوكية التي تجمع بين التمارين الهوائية المنتظمة والتعلم المعرفي الموجه تسهم في زيادة حجم الحصين (Hippocampus) وإبطاء وتيرة التدهور المعرفي لدى المصابين بمراحل مبكرة من الخرف، مما جعل هذه الدراسات ركيزة في رسم السياسات الوقائية الخاصة برعاية المسنين والشيخوخة الصحية.

12. الاعتبارات الثقافية والدولية والعالمية

على الرغم من أن اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك قد تأسس تاريخياً ومؤسسياً داخل الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن القضايا المعرفية والمنهجية التي يعالجها تكتسي طابعاً عالمياً لا يقبل التقزيم الجغرافي. يواجه الاتحاد وعلم النفس المعاصر تحدياً ابستمولوجياً رئيسياً تم التعبير عنه في الدراسات المعاصرة باصطلاح مجتمعات “WEIRD” (وهي المجتمعات الغربية، المتعلمة، الصناعية، الغنية، والديمقراطية)؛ حيث وُجد أن الغالبية الساحقة من العينات التجريبية في أبحاث الدماغ والسلوك مأخوذة من هذه الشريحة الضيقة التي لا تمثل سوى قرابة 12% من سكان كوكب الأرض.

استجابة لهذا التحدي العالمي، يعمل الاتحاد على تشجيع وحث الباحثين والجمعيات الأعضاء على توسيع نطاق التحقق التجريبي ليشمل خلفيات ثقافية ومجموعات سكانية متنوعة عبر القارات. فقد أثبتت دراسات المقارنة الثقافية أن بعض المعالجات الإدراكية الأساسية، مثل إدراك الألوان، والمعالجة البصرية للأشكال الهندسية، وتفسير تعابير الوجه الانفعالية، وحتى استجابات دوائر الإجهاد العصبي، تُبنى وتتعدل بصورة جوهرية عبر العوامل الثقافية واللغوية والبيئية، وليست مجرد ثوابت بيولوجية متطابقة في جميع البشر.

علاوة على ذلك، يمد الاتحاد جسور التعاون مع اتحادات ومنظمات علمية دولية، مثل الاتحاد الدولي للعلوم النفسية (IUPsyS)، والمنظمة الدولية لأبحاث الدماغ (IBRO). وتسهم هذه التحالفات العابرة للحدود في نقل تجارب المناصرة العلمية وصنع السياسات المستندة إلى الأدلة إلى الدول النامية واقتصادات السوق الناشئة، لمساعدتها في صياغة برامج وطنية تعالج الصدمات الجمعية الناجمة عن الحروب والنزاعات، وتطوير استراتيجيات تعليمية متوافقة مع الخصائص الثقافية واللغوية المحلية.

كما يراعي الاتحاد التباينات التشريعية والأخلاقية العالمية؛ فبينما تحكم الولايات المتحدة أطر فيدرالية محددة للأخلاقيات البيولوجية والتجارب على الحيوان والإنسان، تتعامل دول الاتحاد الأوروبي أو الدول الآسيوية مع هذه القضايا عبر منظومات تنظيمية وثقافية مختلفة. ولذلك ينشط الاتحاد في تقديم مقاربات أخلاقية مرنة تعزز التنسيق العالمي لحوكمة البيانات والبيولوجيا العصبية الجينومية، بما يمنع الانزلاق إلى “السياحة البيولوجية غير الأخلاقية” ويضمن احترام حقوق الفئات المهمشة حول العالم.

13. الانتقادات، التحديات والجدل العلمي والسياسي

واجه اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك، بحكم موقعه الحساس عند ملتقى العلم بالسياسة، حزمة من الانتقادات والتحديات المنهجية والمؤسسية من داخل الأوساط الأكاديمية وخارجها. يتمثل أبرز هذه الانتقادات في التحذير من الانجراف نحو ما يسميه الفلاسفة ونقاد العلم “الهوس العصبي” (Neuromania) أو “الاختزالية العصبية الجارفة”. يرى أصحاب هذا الطرح النقدي أن التركيز المفرط على صور الدماغ وبيانات الرنين المغناطيسي الوظيفي لإقناع المشرعين قد يولد انطباعاً زائفاً باليقين العلمي (Neuro-realism)، مما يدفع صانعي القرار إلى افتراض أن رصد نشاط منطقة دماغية معينة يفسر كلياً ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية بالغة التعقيد، متجاهلين العوامل الهيكلية والطبقية والظلم المؤسسي.

من جانب آخر، يثير بعض المشرعين والمراقبين السياسيين تساؤلات حول “حدود الموضوعية والحياد الحزبي” في عمل منظمات المناصرة العلمية؛ حيث يرى المشككون أن أولويات الأبحاث التي يدافع عنها الاتحاد تتماشى أحياناً مع أيديولوجيات سياسية ليبرالية أو تقدمية، لا سيما في قضايا العدالة الجنائية، والنوع الاجتماعي، والمناخ، وتوزيع الثروة، مما يجعل الاتحاد في نظر بعض التيارات المحافظة طرفاً فاعلاً في “حروب الثقافة” بدلاً من كونه صوتاً علمياً محايداً تماماً. ويرد الاتحاد على ذلك بأن العلم يتبع الدليل أينما قاد، وأن النتائج التجريبية المحكمة لا ينبغي رفضها لمجرد تعارضها مع المعتقدات الأيديولوجية المسبقة لأي طرف سياسي.

وتبرز التحديات الداخلية أيضاً في إدارة التباينات التنافسية بين الجمعيات الأعضاء نفسها؛ فالعلوم العصبية، بطبيعتها المعتمدة على التقنيات العالية والمختبرات المكلفة، تتطلب ميزانيات تمويلية ضخمة تلتهم مليارات الدولارات، مما يثير في بعض الأحيان قلق علماء النفس الاجتماعي والنفس السلوكي المجرد من أن يؤدي صعود البيولوجيا العصبية داخل الاتحاد إلى تهميش الفروع النفسية والتربوية التقليدية وحرمانها من التمويل الفيدرالي الشحيح. ويبذل الاتحاد جهداً تنظيمياً مضنياً للحفاظ على التوازن والتكامل بين سائر الحقول المعرفية دون تغليب طرف على آخر.

وأخيراً، شكلت “أزمة تكرار النتائج” في العلوم النفسية تحدياً وجودياً لمصداقية المناصرة العلمية؛ إذ استغل بعض المشككين عجز باحثين عن تكرار نتائج دراسات كلاسيكية معروفة (مثل تجارب التمهيد السلوكي أو استنزاف الأنا) للطعن في جدوى تمويل العلوم السلوكية برمتها. وقد استدعى ذلك من الاتحاد قيادة جهود تصحيحية شجاعة للدفاع عن ضرورة إصلاح مناهج البحث، واعتماد الشفافية المطلقة، مع توضيح أن التصحيح الذاتي هو السمة المميزة للعلم الأصيل وليس دليلاً على ضعفه أو بطلانه.

14. المصطلحات ذات الصلة والمقارنات التمييزية

لتجنب اللبس والخلط المفاهيمي الشائع في الكتابات العربية والأجنبية، من الضروري التمييز بدقة بين اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (FABBS) وعدد من الكيانات والمنظمات القريبة في مجالات العلوم النفسية والعصبية:

  • جمعية علم النفس الأمريكية (APA) مقابل FABBS: تعد الجمعية الأمريكية لعلم النفس منظمة عضوية مهنية فردية تضم أكثر من مئة ألف عالم وممارس في مجالات علم النفس العام والعيادي والتربوي، بينما يُعد الاتحاد منظمة مظلية جامعة للجمعيات والجامعات برمتها ولا يستند في عضويته إلى الأفراد، كما أن نطاق الاتحاد يشمل العلوم العصبية، واللغويات، والعلوم المعرفية التي تتجاوز حدود علم النفس وحده.
  • جمعية العلوم النفسية (APS) مقابل FABBS: تأسست جمعية العلوم النفسية خصيصاً للتركيز على الجوانب العلمية والتجريبية لعلم النفس رداً على غلبة الطابع المهني السريري على APA، وهي عضو مؤسس وفاعل ضمن اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (FABBS)، مما يعني أن الاتحاد يمثل الجمعية ذاتها إلى جانب جمعيات العلوم العصبية الأخرى أمام الأجهزة الحكومية.
  • جمعية العلوم العصبية (SfN) مقابل FABBS: جمعية العلوم العصبية هي أضخم منظمة عالمية لعلماء الأعصاب البيولوجيين والطبيين (تضم قرابة ثلاثين ألف عضو) وتكرس جهودها للبيولوجيا الجزيئية والخلوية والفسيولوجية للجهاز العصبي، بينما يركز FABBS بصورة متخصصة على التقاطع الوظيفي بين عمل الدماغ وإنتاج السلوك المعرفي البشري والسياسات العامة ذات الصلة.
  • مؤسسة الدماغ والسلوك (Brain & Behavior Research Foundation) مقابل FABBS: مؤسسة مانحة غير ربحية تجمع التبرعات الخاصة لتوزيع المنح التمويلية المباشرة لعلاج الاضطرابات النفسية كالفصام والاكتئاب، بينما لا يمنح الاتحاد تمويلاً مختبرياً مباشراً بل هو هيئة مناصرة سياسية وأكاديمية تسعى لزيادة الميزانيات الفيدرالية الحكومية للأبحاث عموماً.
  • الاتحاد الدولي للعلوم النفسية (IUPsyS) مقابل FABBS: يمثل الكيان الدولي منظمة عالمية تضم الروابط الوطنية من شتى دول العالم تحت رعاية اليونسكو لتعزيز التعاون الدولي، في حين يركز FABBS بصورة محورية على هندسة السياسات والمناصرة التشريعية وتطوير وتكامل علوم الدماغ والسلوك عالمياً وأمريكياً.

15. الخلاصة والنقاط الجوهرية

يحتل اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك (FABBS) مكانة مفصلية رائدة بوصفه الحارس المؤسسي والمنبر الدبلوماسي المشترك لأطياف العلوم التي تدرس التفاعل الديناميكي بين العقل والدماغ والتصرف الإنساني. لقد استطاع الاتحاد عبر أكثر من أربعة عقود أن يثبت فاعليته كقوة ضغط علمية غير حزبية، تذود عن تمويل البحث الأساسي والتطبيقي، وتحمي المنهج العلمي من التدخلات والتأويلات الأيديولوجية، وتحول المخرجات المختبرية الدقيقة إلى حلول سياسية وتشريعية ملموسة تخدم قطاعات الصحة، والقضاء، والتربية، والتكنولوجيا.

في خضم التحولات التكنولوجية العاصفة التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، من ثورة الذكاء الاصطناعي إلى الواجهات العصبية-الحاسوبية والأزمات النفسية الكوكبية، تبرز الحاجة الماسة إلى كيانات كالاتحاد؛ كيانات تعي تماماً أن التقدم التقني والمادي يظل عاجزاً وربما مدمراً ما لم يُوجه بفهم عميق للأسس العصبية والمعرفية للسلوك الإنساني. إن اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك يقدم النموذج الأكمل للمؤسسة العلمية التي لا تكتفي بإنتاج المعرفة وفهرستها، بل تناضل بلا كلل لضمان أن تُبنى القرارات التي تحكم مصائر المجتمعات الإنسانية على أرضية صلبة من الدليل العلمي والنزاهة الابستمولوجية.

المراجع

  • Cacioppo, J. T., & Freberg, L. (2018). Discovering psychology: The science of mind (3rd ed.). Cengage Learning. https://www.cengage.com
  • Federation of Associations in Behavioral and Brain Sciences. (2023). Advancing science, serving society: Annual report on federal funding and public policy. FABBS Publications. https://fabbs.org
  • Fiske, S. T. (2019). Policy insights from the behavioral and brain sciences: Translating research into action. Policy Insights from the Behavioral and Brain Sciences, 6(1), 3–11. https://journals.sagepub.com/home/bbs
  • Gazzaniga, M. S., Ivry, R. B., & Mangun, G. R. (2018). Cognitive neuroscience: The biology of the mind (5th ed.). W. W. Norton & Company. https://wwnorton.com
  • National Academy of Sciences. (2020). The power of behavioral and cognitive science in national decision-making. The National Academies Press. https://nap.nationalacademies.org

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 20). اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك: صوت البحث العلمي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/federation-of-associations-in-brain-and-behavioral-sciences-fabbs/
looti, Mohammed. “اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك: صوت البحث العلمي.” عرب سايكلوجي, 20 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/federation-of-associations-in-brain-and-behavioral-sciences-fabbs/.
looti, Mohammed. “اتحاد جمعيات علوم الدماغ والسلوك: صوت البحث العلمي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 20, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/federation-of-associations-in-brain-and-behavioral-sciences-fabbs/.