المعرفة التصويرية: نافذة العقل على الصور والرموز

استكشف أبعاد المعرفة التصويرية والمجازية في علم النفس المعرفي والإنمائي، وكيف تساهم الصور الذهنية والمخططات الاستعارية في تشكيل الفكر والاستدلال البشري.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 20 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 20 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل المعرفة التصويرية أحد أهم المرتكزات المعرفية التي تمكّن الكائن البشري من استيعاب العالم الخارجي وإعادة تمثيله داخلياً عبر أنساق بصرية، ورمزية، واستعارية بالغة التعقيد. لا يقتصر هذا النمط من المعرفة على مجرد التقاط سلبي للمشاهد والوقائع الحسية، بل يمتد ليشكل ركيزة تكاملية تتضافر مع البنى الإجرائية لإنتاج الفهم الإنساني وتوليد الدلالات الرمزية المجردة. يكشف سبر أغوار المعرفة التصويرية والمجازية عن آليات العقل في تحويل المثيرات الخام إلى صور ذهنية ديناميكية وأطر استعارية تبني وعينا بذواتنا وبمحيطنا المادي والاجتماعي.

المعرفة التصويرية والمجازية في علم النفس

1. التعريف الموجز والدقيق

تُعرّف المعرفة التصويرية (Figurative Knowledge) في إطار علم النفس التنموي والمعرفي بأنها ذلك النسق من المعرفة الذي يركز على تمثيل الحالات الثابتة، والأشكال، والمظاهر الخارجية للواقع كما تبدو للملاحظ، وذلك عبر وسائط إدراكية تشمل الإدراك الحسي، والمحاكاة، والصور الذهنية. وفي سياق اللسانيات المعرفية وعلم النفس الإدراكي الموسع، يمتد المفهوم ليشمل “المعرفة المجازية” التي تُعنى بفهم المجردات وتأطيرها عبر استعارات تصويرية وتناظرات حسية-حركية تنقل المعنى من نطاق ملموس إلى نطاق تجريدي.

تتميز هذه المعرفة بطبيعتها الثابتة سكونياً مقارنة بالمعرفة الإجرائية؛ إذ تهتم بتمثيل “ما هو كائن” في لحظة معينة بدلاً من التحولات والعمليات الديناميكية التي طرأت عليه. ومع ذلك، تؤكد الدراسات السيكولوجية الحديثة أن المعرفة التصويرية لا تعمل في معزل عن العمليات العقلية العليا، بل تشكل الواجهة الرمزية التي تسمح للنظام المعرفي بتخزين البيانات واسترجاعها وتوظيفها في حل المشكلات والاستدلال التناظري.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي

يعود الأصل اللغوي لمصطلح (Figurative) في اللغات اللاتينية إلى مفردة figura، والتي تعني الشكل، أو الهيئة، أو الرسم التخطيطي، أو الصورة الظاهرة للشيء، وهي مشتقة من الفعل اللاتيني fingere الذي يشير إلى التشكيل، أو الصياغة، أو النحت بالأيدي. انتقل المصطلح إلى الفلسفة وعلم النفس ليعبر عن كل ما يتصل بالأشكال والتمثيلات الخارجية الملموسة أو الذهنية المقابلة للأفكار الصرفة.

أما في اللغة العربية، فإن ثنائية “التصوير والمجاز” تغطي أبعاد المفهوم بدقة بالغة؛ فمفردة “تصويرية” تنحدر من الجذر (ص-و-ر)، والصورة هي هيئة الشيء وحقيقته المشخصة التي يتميز بها عن غيره، وتصوّر الشيء في الذهن تمثّله واستحضار شكله. وفي المقابل، ينحدر “المجاز” من الجذر (ج-و-ز)، وتجاوز الشيء تعداه، والمجاز في الاصطلاح هو استعمال اللفظ أو التمثيل في غير ما وُضع له أصلاً لعلاقة معنوية بينهما. دخل هذا المركب الاصطلاحي ميدان علم النفس المعرفي مع ترجمة كتابات بياجيه، وتحديداً عبر مفهومه الشهير (Aspects figuratifs de la pensée)، ليعبر عن تمثيل الحالات التكوينية للأشياء.

3. الصيغة الصرفية والنحوية

تأتي “المعرفة التصويرية” في النحو العربي كمركب وصفي يتألف من مبتدأ مضاف وموصوف؛ حيث تمثل “المعرفة” اسماً مشتقاً (مصدراً)، و”التصويرية” نعتاً صناعياً منسوباً إلى “التصوير” بصيغة اسم الفاعل المزيد أو النسبة الدالة على الصفة الذاتية. وتُضبط الكلمة بنيوياً بفتح الميم وسكون العين وكسر الراء في “المَعْرِفَة”، وتشديد الياء في “التَّصْوِيرِيَّة” مع إلحاق تاء التأنيث المربوطة للدلالة على المطابقة النعتية.

من الناحية الاستعمالية في الكتابات السيكولوجية التخصصية، ترد الصيغة أيضاً كـ “المعرفة الشكلية”، أو “المعرفة الأيقونية” في سياق نظريات برونر، أو “المعرفة المجازية الاستعارية” في سياقات علم النفس العصبي واللغوي. ويصح جمعها في سياق الأبعاد على “المعارف التصويرية” للإشارة إلى التعددية في أنماط التمثيل البصري والذهني لدى الفرد عبر مراحل نموه المتتابعة.

4. الشرح المفاهيمي المتعمق

ينطوي مفهوم المعرفة التصويرية على تفكيك دقيق للآلية التي يبني بها الجهاز الإدراكي البشري نماذج داخلية للعالم الموضوعي. فبينما ينشغل العقل في فهم قوانين الحركة والتحول والسببية، فإنه يحتاج بالضرورة إلى ركائز مشهدية وأشكال بصرية تسند هذا الاستدلال؛ وهنا تتدخل المعرفة التصويرية بوصفها نسقاً مختصاً بالتقاط السمات التكوينية، والخصائص الهندسية، والحدود الفضائية للمنبهات. تشمل هذه المعرفة الأبعاد المباشرة لعملية الإدراك الحسي، مثل رؤية مكعب والتعرف على أوجهه وزواياه دون الحاجة إلى التفكير الرياضي في حجمه أو وزنه.

يتفرع المفهوم ليتجاوز مجرد التسجيل الفوتوغرافي للواقع؛ إذ يتضمن القدرة على تكوين صورة ذهنية داخلية مستقلة عن وجود المثير في المجال البصري المباشر. يتيح هذا التمثيل التصويري للإنسان استحضار وجوه الغائبين، أو تخيل مسار طريق معروف، أو تدوير شكل هندسي في الفضاء العقلي ثلاثي الأبعاد. وتعتمد هذه القدرة على مستودع ذاكراتي واسع يخزن التفاصيل الفيزيائية والكيفية للمدركات، مما يجعل المعرفة التصويرية جسراً وثيق الصلة بالذاكرة البصرية-المكانية والأنظمة الحسية المتعددة.

وعند الانتقال إلى البعد المجازي والرمزي، تتسع المعرفة التصويرية لتشمل آليات الإسقاط الاستعاري (Metaphorical Mapping)، حيث يستخدم العقل معرفته التصويرية المبنية على تجارب جسدية ملموسة (مثل الصعود والنزول، أو الحاويات المغلقة، أو المسارات المكانية) لفهم مفاهيم مجردة بالغة التعقيد، مثل الوقت، والحب، والعدالة، والنجاح. فقولنا “ارتفعت الأسعار” أو “المستقبل أمامنا” هو تجلٍ لنظام معرفي تصويري-مجازي متجذر في بيولوجيا الإنسان وحركته في الفضاء الفيزيائي.

تحدد حدود المعرفة التصويرية في كونها غير قادرة بمفردها على تحقيق الفهم السببي أو التحويلي العميق؛ فهي ترسم “لوحة” للحالة الواقعة، لكنها تعجز عن تفسير “لماذا” وكيف” حدث التغير ما لم تخضع لإشراف العمليات الإجرائية العقلية. ومن ثم، فإن الفهم البشري الراسخ يمثل حاصل تزاوج وتفاعل مستمر بين الصورة التي تقدمها المعرفة التصويرية والمنطق التفسيري الذي تديره البنى الإجرائية والمعرفية الشاملة.

5. التطور التاريخي للمفهوم

تعود الجذور الأولى لمفهوم المعرفة التصويرية إلى الفلسفة اليونانية الكلاسيكية؛ حيث ميز أفلاطون بين الصور والظلال (Eikasia) بوصفها أدنى درجات المعرفة، والمعرفة الحقيقية بالمثل العقلية المجردة (Noesis). ومع بزوغ الفلسفة التجريبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر مع جون لوك وديفيد هيوم، أُعيد الاعتبار للصور الذهنية والانطباعات الحسية باعتبارها المادة الخام لكل فكر بشري، مما مهد الطريق لظهور علم النفس التجريبي في أواخر القرن التاسع عشر لدراسة استحضار الصور البصرية مخبرياً.

حدثت النقلة النوعية الكبرى في صياغة هذا المصطلح في منتصف القرن العشرين على يد عالم النفس السويسري جان بياجيه وزميلته باربل إنهيلدر في كتابهما التأسيسي “الصور الذهنية لدى الطفل” (Mental Imagery in the Child) الصادر عام 1966. وضع بياجيه تمييزاً جوهرياً بين المظاهر التصويرية (Figurative aspects) والمظاهر الإجرائية (Operative aspects) للفكر، معتبراً أن المعرفة التصويرية تخدم المعرفة الإجرائية وتخضع لتوجيهها، كاشفاً عن تطور الصورة الذهنية من مرحلة ثابتة ساكنة في الطفولة المبكرة إلى صورة تحويلية حركية مع نضج العمليات المنطقية الصورية.

شهدت ثمانينيات القرن العشرين تطوراً موازياً في أروقة اللسانيات والعلوم المعرفية حين نشر جورج لاكوف ومارك جونسون كتابهما الرائد “الاستعارات التي نحيا بها” عام 1980. وسّع هذا الطرح مفهوم المعرفة التصويرية لتتجاوز التوصيف البياجياوي الخالص؛ حيث بُرهن على أن المعرفة المجازية والتصويرية ليست زينة لغوية أو انعكاساً سكونياً، بل هي عصب التفكير الإنساني نفسه، ومبنية على مخططات صورية (Image Schemas) تنشأ من التجربة الحسية الجسدية المشتركة للبشر.

6. الأسس والأطر النظرية

تستند المعرفة التصويرية والمجازية إلى مجموعة من النظريات السيكولوجية والمعرفية الراسخة التي تشرح كيف يولد العقل هذه التمثيلات ويوظفها:

نظرية الإبستمولوجيا الجينية (بياجيه): تفترض هذه النظرية أن التطور المعرفي ينقسم إلى بعدين متكاملين؛ البعد الإجرائي المعني بالأفعال الذهنية والتحولات (كالجمع، والفرز، والاحتفاظ)، والبعد التصويري المعني بالتقليد، والإدراك، والتمثيلات الرمزية كالصورة الذهنية. ترى النظرية أن المعرفة التصويرية في مراحل النمو المبكرة تكون مقيدة بظواهر السطح والتمركز حول الذات، ولا تنضج لتصبح صوراً استباقية وحركية إلا بتطور البنى الإجرائية التي تعيد تنظيم التخيل ليتوافق مع الواقع والقوانين المنطقية.

نظرية الترميز المزدوج (Dual-Coding Theory – ألان بايفيو): تقدم هذه النظرية إطاراً تفسيرياً يقر بأن الذاكرة البشرية تعالج المعلومات عبر قناتين متمايزتين ومترابطتين: النظام اللفظي (الرموز واللغات المجردة) والنظام غير اللفظي أو التصويري (الصور والمشاهد الحسية). تثبت النظرية أن المفاهيم التي يتم تشفيرها تصويرياً ولفظياً في آن واحد تكون أسرع في الاستدعاء وأكثر رسوخاً في الذاكرة طويلة المدى، مما يمنح المعرفة التصويرية دوراً محورياً في كفاءة المعالجة الذهنية.

نظرية الاستعارة المفاهيمية والمعرفة المجسدة (Lakoff & Johnson / Barsalou): تؤكد أطروحات المعرفة المجسدة (Embodied Cognition) أن العقل ليس حاسوباً مجرداً يعمل بالرموز الاصطلاحية الصرفة، بل هو كيان مجسد يستقي أفكاره من خلال التفاعل الحركي والحسي مع العالم. توضح هذه النظرية أن المعرفة التصويرية تتأسس على مخططات الصور (Image Schemas) مثل مخطط “الداخل والخارج” و”التوازن” و”المسار إلى الهدف”، والتي تشكل لاحقاً الأساس الذي تبنى عليه الاستدلالات المجازية المعقدة في الفلسفة والعلوم والحياة اليومية.

7. المكونات والأنماط والأبعاد الأساسية

تنتظم المعرفة التصويرية والمجازية ضمن منظومة بنيوية تشمل عدة مكونات وأنماط أساسية تسهم معاً في تشكيل الإدراك الداخلي:

  • الإدراك الحسي المباشر (Direct Perception): يمثل الواجهة الأساسية التي تستقبل الخصائص الشكلية للمنبهات المادية في البيئة المحيطة (اللون، الحجم، الهيئة المكانية) وتوفر المدخلات الخام للمنظومة المعرفية.
  • المحاكاة والتقليد الداخلي (Deferred Imitation): نشاط سلوكي وذهني يعيد فيه الفرد إنتاج نموذج حركي أو بصري في غيابه، ويعد الجسر التنموي الرابط بين الفعل الحركي وتكوين الصورة الذهنية الخالصة.
  • الصور الذهنية الساكنة (Static Mental Imagery): قدرة الفرد على استحضار هيئة جسم أو مشهد في وضعية سكونية جامدة، وهي السمة الغالبة على الأطفال في مرحلة ما قبل العمليات المنطقية.
  • الصور الذهنية التحويلية والحركية (Kinetic & Transformational Imagery): تمثيلات متقدمة تتضمن تخيل الأجسام أثناء تغير هيئتها أو حركتها المكانية، مثل تخيل انفتاح صندوق مطوي أو انسكاب سائل، وتتطلب نضجاً إجرائياً لدعم تسلسلها الحركي.
  • المخططات الصورية التجريدية (Image Schemas): أنماط عقلية حسية-حركية مسبقة التشكيل، مثل مخطط “المصدر-المسار-الهدف” أو مخطط “القوة والانسداد”، وهي ركائز بنائية تُسقط دلالاتها على المفاهيم الفكرية التجريدية.
  • التناظر والاستعارة المعرفية (Conceptual Metaphors): العمليات الرمزية التي تنقل الخصائص التصويرية من مجال معرفي مبني ومألوف (المجال المصدر) إلى مجال معرفي غامض أو غير متجسد (المجال الهدف).

8. الأمثلة التوضيحية والحالات التطبيقية

لتوضيح التمايز الجوهري بين المعرفة التصويرية وتفاعلها مع التفكير البشري، يمكن استعراض تجارب بياجيه الكلاسيكية في “حفظ السوائل”. عندما يُسكب الماء من إناء قصير عريض إلى إناء طويل ضيق أمام طفل في سن الخامسة، يعتمد الطفل على معرفته التصويرية البصرية البحتة؛ إذ تطغى الصورة الذهنية لارتفاع عمود الماء على تفكيره، فيحكم بأن كمية الماء زادت لأن مظهره الخارجي بات أكثر ارتفاعاً. في هذه الحالة، تفشل المعرفة التصويرية غير المدعومة بالبنى الإجرائية في إدراك ثبات المادة، مبرزة كيف يمكن أن يضلل التمثيل الشكلي المجرد الإدراك المنطقي السليم.

وفي حالة تطبيقية أخرى في سياق علم النفس المعرفي للبالغين، تتمثل المعرفة التصويرية في تجارب التدوير العقلي للأشكال ثلاثية الأبعاد (Mental Rotation). حين يُطلب من مهندس معماري تحديد ما إذا كان مجسمان هندسيان معقدان متطابقين رغم اختلاف زاوية الرؤية، يولد الفرد صورة ذهنية مجسمة ويقوم بتدويرها تدريجياً وبصرياً في ذهنه، حيث يتطابق الزمن المستغرق في الدوران الذهني تناسبياً مع الزاوية الهندسية الفعلية المطلوبة، مما يثبت أن الدماغ يتعامل مع خصائص تصويرية حقيقية تحاكي الفيزياء المكانية للواقع.

أما على الصعيد العيادي واللغوي، يُبرز العلاج السلوكي المعرفي القائم على الاستعارات كيفية توظيف المعرفة المجازية لتعديل البنى المعرفية المشوهة. فعندما يصف مريض الاكتئاب نفسه بأنه “عالق في حفرة مظلمة لا قرار لها”، فإنه يوظف معرفة تصويرية مجسدة لحالته الوجدانية. يعتمد المعالج على هذه المعرفة ذاتها لإعادة الهيكلة المعرفية، كأن يناقش معه مجازياً: “إذا كانت حفرة، فما الأدوات التي نحتاجها لبناء سلم للخروج؟”، محولاً الصورة الذهنية المعطلة إلى تمثيل حركي تصويري يدعم حل المشكلات واستعادة الفاعلية الذاتية.

9. أساليب القياس والتقييم النفسي

تستخدم القياسات النفسية المعرفية بطاريات متقدمة واختبارات معيارية لتقييم كفاءة المعرفة التصويرية والمجازية وأبعادها لدى الأفراد في مختلف مراحلهم العمرية، ومن أبرزها:

مهمة الجبال الثلاثة (Three Mountains Task): طورها بياجيه وإنهيلدر لقياس القدرة على التخيل الفضائي واتخاذ المناظير البصرية للآخرين. يُطلب من المفحوص اختيار الصورة التي تمثل مشهد الجبال كما يراها مراقب يجلس في زاوية مقابلة، وهو اختبار يكشف مدى قدرة العقل على تحرير المعرفة التصويرية من التمركز الذاتي السكوني إلى التمثيل النسبي الموضوعي.

اختبار التدوير العقلي لـ شيبرد وميتزلر (Shepard & Metzler Mental Rotation Test): يقيس هذا المقياس سرعة ودقة المعالجة التصويرية للأجسام ثلاثية الأبعاد ومقدار الجهد الإدراكي المبذول لمطابقتها، ويعد معياراً ذهبياً في دراسات القدرة البصرية-المكانية والوظائف التنفيذية للفص الجداري في المخ.

مقياس استبيان حيوية الصور البصرية (Vividness of Visual Imagery Questionnaire – VVIQ): أداة تقرير ذاتي وضعها ديفيد ماركس لقياس الفروق الفردية في مدى وضوح ونقاء الصور الذهنية المستدعاة؛ وتستخدم الأداة في تشخيص حالات “الأفانتازيا” (Aphantasia)، وهي العجز الكامل عن توليد أي معرفة أو صورة ذهنية تصويرية إرادية في العقل.

اختبارات الكفاءة المجازية وتفسير الاستعارات (Metaphor Comprehension Tests): بطاريات لغوية-معرفية تقيس قدرة الأطفال والراشدين على إدراك المعنى الكامن خلف العبارات الاستعارية والرسوم الكاريكاتورية، وتُستعمل بفاعلية في الكشف عن اضطرابات طيف التوحد، وإصابات النصف الأيمن من الدماغ التي تضعف فهم المعرفة التصويرية الرمزية وتبقي التفكير أسيراً للمستوى الحرفي المباشر.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تتجلى الأهمية التطبيقية للمعرفة التصويرية في حقول متعددة تمس الحياة التعليمية، والمهنية، والسريرية للبشر:

في الميدان التربوي والتعليمي: يسهم فهم المعرفة التصويرية في إعادة هندسة المناهج الدراسية؛ فالأطفال والطلاب لا يستوعبون المفاهيم المجردة كالحساب والعلوم الطبيعية إلا بالاستناد إلى دعامات تصويرية ومجازية محسوسة (مثل استخدام خط الأعداد لتمثيل الأرقام، أو تمثيل تركيب الذرة بنموذج المجموعة الشمسية). إن دمج الرسوم التوضيحية والخرائط الذهنية يستثير القناة البصرية وفقاً لنظرية الترميز المزدوج، مما يعزز الفهم العميق ويبقي أثر التعلم.

في التصميم الهندسي وتجربة المستخدم (UI/UX): ترتكز واجهات الحواسيب والهواتف الذكية الحديثة كلياً على استعارات تصويرية مألوفة من واقعنا الحسي؛ مثل “سلة المحذوفات”، و”الملفات”، و”سطح المكتب”. نجاح هذه الأنظمة البرمجية يعود إلى مخاطبتها المعرفة التصويرية التلقائية للمستخدمين دون إجبارهم على قراءة لغات البرمجة الصرفة والمعقدة.

في التدريب الرياضي والمحاكاة المهنية: يُعد “التدريب الذهني البصري” (Motor Imagery Practice) تقنية معتمدة لدى الرياضيين المحترفين ورواد الفضاء والجراحين؛ حيث يقوم المتدرب باستحضار وتكرار الحركات الجسدية تصويرياً في مخيلته بدقة متناهية. وقد أثبتت الدراسات أن هذه المعالجة التصويرية تنشط نفس المسارات العصبية الحركية في الدماغ وكأن الفرد يؤدي النشاط فعلياً، مما يرفع الكفاءة ويقلل الأخطاء التشغيلية.

11. الأبحاث والدلائل التجريبية

شهدت العقود الأخيرة فيضاً من الأبحاث المعملية والنيورولوجية التي عمقت فهمنا لطبيعة المعرفة التصويرية والتمثيلات الذهنية. ففي دراسات تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي قادها ستيفن كوسلين (Stephen Kosslyn) وزملاؤه، ثبت تجريبياً أن توليد صورة ذهنية بصرية ينشط مباشرة القشرة البصرية الأولية (Area V1) في الفص القذالي، وهي نفس المنطقة العصبية التي تستقبل الرؤية الحقيقية من العين، مما برهن بيولوجياً على أن المعرفة التصويرية تستخدم نفس العتاد العصبي للإدراك الحسي الفيزيائي.

وفي سياق الأبحاث الإنمائية، أظهرت دراسات حديثة تابعت أطفالاً من مختلف الأعمار تفاعلاً وثيقاً بين اللفتات الحركية (Gestures) واكتساب المفاهيم الرياضية والفيزيائية. فقد وجد الباحثون، مثل سوزان جولدين-ميدو (Susan Goldin-Meadow)، أن الأطفال الذين يشرحون المسائل الرياضية مستخدمين إشارات تصويرية ومجازية بأيديهم يكونون أسرع في الانتقال إلى التفكير المنطقي التجريدي لاحقاً، مما يعزز فرضية بياجيه بأن الحركية والتصوير هما الرحم الطبيعي الذي تولد منه المفاهيم الإجرائية.

كما أثبتت دراسات علم النفس اللغوي العصبي المتقدمة في فهم الاستعارة المفاهيمية (مثل أبحاث فيتوريو غاليسي ولورا لاكوف) أن سماع عبارات مجازية مثل “كان يوماً مريراً” أو “أمسك بزمام الموقف” ينشط بدقة المناطق المسؤولة عن التذوق والإمساك الجسدي في القشرة الحسية-الحركية على التوالي، مما يدحض الرؤية التقليدية التي فصلت المعرفة التجريدية عن ركائزها التصويرية والحسية.

12. الاعتبارات الثقافية وعبر الحضارية

تخضع المعرفة التصويرية والمجازية لتأثيرات ثقافية ولغوية بالغة التنوع تصيغ طريقة تمثيل العقل للمكان والزمان والمفاهيم التجريدية. فبينما يمثل المتحدثون باللغات الغربية المعرفة التصويرية للزمن أفقياً من اليسار إلى اليمين (وفقاً لاتجاه الكتابة والقراءة)، يمثل متحدثو اللغة العربية الزمن من اليمين إلى اليسار، في حين تمثل بعض الثقافات الشرقية (مثل الصينية التقليدية) الزمن عمودياً بحيث يكون الماضي في الأعلى والمستقبل في الأسفل.

الأكثر إثارة للدهشة ما كشفته دراسات الأنثروبولوجيا المعرفية على مجتمعات السكان الأصليين، مثل قبيلة “بورمبوراو” الأسترالية التي لا تستخدم مفاهيم النسبية المكانية (يمين/يسار)، بل تستخدم دائماً الاتجاهات الجغرافية المطلقة (شمال، جنوب، شرق، غرب). وبناءً عليه، فإن المعرفة التصويرية للأحداث الزمنية لديهم لا ترتبط باتجاه جسدهم، بل بترتيب جغرافي يبدأ دائماً من الشرق (حيث شروق الشمس) متجهاً نحو الغرب، مما يبرهن على أن الأنظمة البيئية والثقافية تسهم بشكل جوهري في توجيه التشفير التصويري والمجازي داخل المخ البشري.

13. الانتقادات والنقاشات المعاصرة والحدود

أثار مفهوم المعرفة التصويرية جدلاً نظرياً وإبستمولوجياً محتدماً في أروقة العلوم المعرفية، ولعل أبرز هذه المساجلات التاريخية هو ما عُرف بـ “نقاش الصور الذهنية” (The Imagery Debate) بين ستيفن كوسلين وزينون بيليشين (Zenon Pylyshyn):

انتقاد الطرح القضوي لبيليشين: جادل بيليشين بأن ما نعتبره “معرفة تصويرية” أو صورا ذهنية في وعينا ليس سوى ظاهرة ثانوية غير ذات فاعلية بنائية (Epiphenomenon). واعتبر أن الدماغ يخزن كافة المعلومات على هيئة قضايا منطقية ورموز مجردة شبيهة بلغة الحاسوب، وأن شعورنا برؤية “صورة ذهنية” هو مجرد أثر سطحي لا يدخل في جوهر المعالجة الحسابية المعرفية الحقيقية.

انتقاد تبعية التصوير للإجراء في نظرية بياجيه: واجه بياجيه انتقادات من علماء النفس المعرفيين المعاصرين لتقليله من شأن المعرفة التصويرية واعتبرها خاضعة وتابعة كلياً للبنى الإجرائية، مؤكدين أن الذكاء البصري-المكاني والتفكير التصويري يمثلان نسقاً ذكائياً قائماً بذاته ومستقلاً وله قواعده الخاصة في حل المعضلات العقلية دون الحاجة إلى اختزاله في العمليات المنطقية الرياضية الحصرية.

حدود الحتمية المجازية: حذر بعض النقاد من الإفراط في تعميم نظرية الاستعارة المفاهيمية، مشيرين إلى أن محاولة رد كل معرفة بشرية مجردة إلى أصول تصويرية جسدية تتجاهل قدرة العقل الرياضي البشري على ابتكار مفاهيم رياضية وفيزيائية معقدة تنعدم فيها أي مرجعية تصويرية أو حسية مباشرة (كالحديث عن الفضاءات ذات الأبعاد الأحد عشر في نظرية الأوتار الفائقة).

14. المصطلحات ذات الصلة وأوجه التمايز

لضمان التحديد الدقيق للمفهوم، ينبغي التمييز بين المعرفة التصويرية وعدد من المصطلحات السيكولوجية المتشابكة:

  • المعرفة الإجرائية (Operative Knowledge): المعرفة التي تهتم بالقوانين والعمليات الديناميكية التي تحول الأشياء وتغيرها وتفسر سببية العالم؛ بينما تقتصر المعرفة التصويرية على تثبيت وتمثيل الحالات السكونية ومظاهر الأشياء دون آليات تحولها.
  • المعرفة الصريحة (Explicit/Declarative Knowledge): هي المعرفة اللفظية الواعية التي يمكن صياغتها في عبارات وحقائق لغوية دقيقة؛ بينما قد تكون المعرفة التصويرية متجسدة في صور ومشاعر وتناظرات حسية صعبة الصياغة اللفظية المباشرة.
  • المعرفة الإجرائية المهارية (Procedural Knowledge): تشير إلى معرفة “كيفية أداء المهام” الحركية (مثل قيادة الدراجة أو العزف)، وهي تعتمد على الذاكرة العضلية والأفعال الآلية، في حين تركز المعرفة التصويرية على التمثيلات المشهدية والرمزية.
  • المعرفة الدلالية (Semantic Knowledge): ترتبط بشبكة المعاني المجردة للكلمات وتصنيفاتها المفاهيمية العامة، وتعد المعرفة المجازية تطويراً دلالياً يربط المفاهيم الحركية بالتصورات المجردة.

15. ملخص وخلاصة ختامية

تجسد المعرفة التصويرية والمجازية إحدى أروع مهارات التطور المعرفي البشري؛ فهي ليست مجرد انعكاس جامد لصور العالم الحسي في مرآة العقل، بل هي لغة مشهدية ورمزية تمكننا من التقاط جماليات الواقع، واستحضار الماضي، واستشراف آفاق المستقبل عبر التخيل الإبداعي. ورغم أنها تبدو في مظهرها الإنمائي الأولي خاضعة لحدود الحواس والتمثيلات المكانية الساكنة، إلا أنها بارتباطها بالبنى الإجرائية والاستعارات المفاهيمية تصبح أداة التفكير البشري الأقوى لبناء الفلسفة، وإنتاج الفنون، وصياغة النظريات العلمية المعقدة بأسلوب مجسد يتطابق مع طبيعتنا الإنسانية.

المراجع

  • Piaget, J., & Inhelder, B. (1971). Mental imagery in the child: A study of the development of imaginal representation. Routledge & Kegan Paul.
  • Lakoff, G., & Johnson, M. (1980). Metaphors we live by. University of Chicago Press.
  • Paivio, A. (1986). Mental representations: A dual coding approach. Oxford University Press.
  • Kosslyn, S. M. (1994). Image and brain: The resolution of the imagery debate. MIT Press.
  • Barsalou, L. W. (1999). Perceptual symbol systems. Behavioral and Brain Sciences, 22(4), 577-660.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 20). المعرفة التصويرية: نافذة العقل على الصور والرموز. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/figurative-knowledge/
looti, Mohammed. “المعرفة التصويرية: نافذة العقل على الصور والرموز.” عرب سايكلوجي, 20 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/figurative-knowledge/.
looti, Mohammed. “المعرفة التصويرية: نافذة العقل على الصور والرموز.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 20, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/figurative-knowledge/.