قتل الأبناء: المأساة بين المرض النفسي والجريمة

استعراض أكاديمي مفصل لظاهرة قتل الأبناء (Filicide) من منظور الطب النفسي الشرعي وعلم الإجرام، متضمناً الدوافع والتصنيفات والتقييم السريري والوقاية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 20 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 20 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد قتل الأبناء من أشد الظواهر الإنسانية إثارة للفزع والغموض المعرفي، إذ يُمثل نقطة تصادم مروعة بين أعمق الغرائز البشرية الفطرية المتمثلة في حماية النسل، وبين أقصى درجات الانهيار النفسي والسلوكي. تضع هذه الجريمة التحليل النفسي والطب النفسي الشرعي والعلوم الاجتماعية أمام معضلات معقدة تتداخل فيها الاضطرابات الذهانية والاكتئابية مع الضغوط الاجتماعية والبيئية القاسية. يسعى هذا المقال الموسوعي إلى سبر أغوار هذه الظاهرة من منظور سيكولوجي وعلمي متكامل، وتفكيك دوافعها العميقة، ومساراتها التاريخية، وتطبيقاتها السريرية والقضائية.

قتل الأبناء

1. التعريف الموجز

يُعرَّف قتل الأبناء في الأدبيات النفسية والقضائية بأنه الإقدام العمدي أو الناجم عن إهمال جسيم من قِبل أحد الوالدين البيولوجيين أو غير البيولوجيين (كالأب البديل أو زوجة الأب) على إنهاء حياة ابنه أو ابنته أياً كانت مرحلته العمرية. يُمثل هذا الفعل خرقاً جسيماً للرابطة الوالدية الفطرية، ويصنَّف في إطار علم الإجرام والطب النفسي الشرعي كأحد أشكال القتل العائلي الأكثر تعقيداً في دراسة الدوافع الباطنة والأمراض العقلية المصاحبة.

يتفرع مفهوم قتل الأبناء سريرياً وفق الفئة العمرية للضحية؛ إذ يشمل المصطلح المظلي قتل الأبناء البالغين والقاصرين على حد سواء، بينما تختص مصطلحات أكثر دقة بوقائع القتل التي تستهدف الرضع والأجنة. ولا ينظر علماء النفس إلى هذا الفعل باعتباره مجرد جريمة جنائية تقليدية تنبع من دافع مكسب مادي محض، بل كظاهرة سيكودينامية متعددة الأبعاد تتراوح بين نوبات ذهان ما بعد الولادة الحاد، والاضطرابات الاكتئابية المصحوبة بضلالات نكران الذات، وديناميات الانتقام النرجسي، والعنف التراكمي المفرط.

2. التأثيل والأصل اللغوي

يعود الأصل اللغوي للمصطلح العلمي الغربي (Filicide) إلى اللغة اللاتينية، وهو لفظ مركب يجمع بين كلمتين: الأولى (filius) وتعني «الابن» أو (filia) وتعني «الابنة»، والثانية اللاحقة (caedere) أو (cida) التي تعني «القتل» أو «القاتل». وبذلك يدل المصطلح في أصله الحرفي على «قاتل النسل» أو «إبادة الفرع». استُخدم هذا التعبير بصورة رسمية في النصوص القانونية والطبية الإنجليزية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للتمييز بين قتل الغرباء والقتل الواقع داخل النطاق الأسري المباشر.

أما في المعاجم العربية، فإن اللفظ يتطابق مع التراكيب اللغوية الصريحة مثل «قتل الولد» أو «قتل الأبناء» و«وأد الأطفال». وقد تضمن الجذر اللغوي العربي مفردات ذات صلة تاريخية دقيقة كلفظ «الوَأْد» (وأد يئد وأداً)، والذي يشير في معجم لسان العرب إلى دفن المولود حياً خشية الإملاق أو العار الاجتماعي، وهو شكل ممنهج تاريخياً من أشكال قتل الأبناء الذي واجهته الشرائع السماوية بالتحريم القاطع. ودخل المصطلح الأوساط الأكاديمية السيكولوجية الحديثة ليعبر عن البنية السلوكية الوالدية الشاذة التي تقود إلى تدمير الذرية.

3. النطق والصيغة الصرفية

يُنطق المصطلح في اللغة الإنجليزية على الهيئة الصوتية /ˈfɪlɪsaɪd/، ويُعامل نحوياً كاسم مجرد (Noun) دال على الجريمة كفعل، كما يُستخدم في السياقات الأكاديمية لوصف الفاعل نفسه (Filicide: القاتل). ويشتق منه النعت الوصفي (Filicidal) للدلالة على السلوكيات أو النزعات الفتاكة بالأبناء (Filicidal behavior/impulses).

وفي اللغة العربية، يُصاغ المصطلح كمركب إضافي: «قَتْلُ الأَبْنَاءِ»، حيث «قتلُ» مصدر ثلاثي مضاف مرفوع بحسب موقعه الإعرابي مشتق من الفعل «قَتَلَ يَقْتُلُ»، و«الأبناءِ» مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، وهو جمع تكسير مفرده «ابن». ويُستعمل أيضاً الجمع الصرفي للمصدر «أفعال قتل الأبناء»، ويُوصف الفعل بنعت المنسوب كقولنا: «السلوك الوالدي الإبادي»، أو «النزعة القاتلة للأبناء».

4. الشرح المفاهيمي المفصل

يتجاوز مفهوم قتل الأبناء التحديد القانوني المجرد للفظ «الجريمة»، ليمثل حقلاً بحثياً بالغ الخصوصية يتقاطع فيه التحليل النفسي المرضي مع سيكولوجيا العلاقات الأسرية. تنطلق خطورة هذا المفهوم من تفكيكه لافتراض بديهي في الطبيعة الحيوية، وهو الافتراض القائل بوجود حتمية غريزية تحفز الوالدين على حماية الأبناء وإيثار حياتهم على حساب الذات. إن انهيار هذه الغريزة يشير إلى وجود اضطراب وظيفي كارثي داخل الجهاز النفسي، أو تعرض الفرد لعوامل بيئية ونفسية طاغية تؤدي إلى كسر آليات الدفاع الطبيعية.

يشمل النطاق المفاهيمي لقتل الأبناء مستويات متباينة من التفاعلات؛ بدءاً من الأفعال الاندفاعية اللحظية المرتبطة باختلال التحكم في النزوات الحركية تحت وطأة الغضب الهستيري، وصولاً إلى الخطط المحسوبة بدقة والمدفوعة بمنظومات ضلالية راسخة. ويصنف الباحثون هذا السلوك وفق مستويين أساسيين: الأفعال الإيجابية (Commission) كاستخدام الخنق، التسميم، أو السلاح؛ والأفعال السلبية القائمة على الامتناع (Omission) كالحرمان المتعمد والمستمر من الغذاء، الماء، أو الرعاية الطبية الحيوية حتى حدوث الموت.

كما يتسع المفهوم ليشمل سياقات نفسية خاصة جداً، مثل «القتل بدافع الإيثار الشاذ» (Altruistic Filicide)، حيث يعتقد الوالد المكتئب اكتئاباً ذهانياً شديداً أن العالم مكان بائس وغير محتمل، وأن خلاص الطفل يكمن في إنهاء حياته لحمايته من معاناة مستقبلية حتمية، وغالباً ما يترافق ذلك مع محاولة لانتحار الوالد نفسه في إطار ما يعرف بالانتحار الموسع (Extended Suicide). في المقابل، يمتد المفهوم في نهايته الأخرى ليشمل القتل الناتج عن متلازمة الطفل المهتز أو العنف الانتقامي الناتج عن انهيار النرجسية الزوجية.

5. التطور التاريخي

عبر مسيرة التاريخ البشري، لم يكن التعامل مع قتل الأبناء موحداً؛ ففي العديد من الحضارات القديمة، كان يُنظر إلى الأبناء باعتبارهم ملكية خاصة خاضعة للسيادة المطلقة للأب. ففي القانون الروماني القديم، رسخ مبدأ «سلطة رب الأسرة» (Patria Potestas) حق الأب القانوني في التخلي عن طفله أو بيعه كعبد أو حتى إعدامه إن رأى في ذلك مصلحة للعائلة، دون أن يُعد ذلك جريمة يعاقب عليها القانون العام.

وفي المجتمعات الإغريقية، وخاصة في إسبرطة، كانت الدولة تشرف على فحص الأطفال الرضع والتخلص من ذوي الإعاقات أو الضعاف عبر إلقائهم من قمة جبل تايغيتوس للحفاظ على النقاء والقوة العسكرية للمجتمع. كما مارست بعض القبائل في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وأد الإناث خوفاً من العار أو الفقر حتى ألغى الإسلام هذه الممارسة تماماً وشدد على حرمة النفس الإنسانية. ومع حلول العصور الوسطى في أوروبا، أخذت الكنيسة موقفاً صارماً يدين قتل الأبناء كخطيئة كبرى، وبدأت القوانين في تجريم هذا الفعل لكنها كانت تتعامل معه كجريمة قسوة أخلاقية دون وعي بالاضطرابات النفسية المرافقة كـ اكتئاب ما بعد الولادة.

شهد القرن العشرين تحولاً جذرياً في الفهم الطبي والنفسي للجريمة؛ حيث ساهم صدور قانون قتل الرضع في بريطانيا عام 1922 وتعديلاته عام 1938 في إدراك فكرة «المسؤولية الجنائية المنقوصة» للأمهات اللاتي يقتلن أطفالهن في مراحل الرضاعة نتيجة التغيرات البيولوجية والنفسية التالية للولادة. ثم جاءت المحطة الفارقة عام 1969 حين نشر الطبيب النفسي فيليب ريسنيك (Phillip J. Resnick) ورقته التاريخية التي أسست لأول تصنيف علمي سيكولوجي لدوافع قتل الأبناء، مما نقل الظاهرة من حيز الإدانة الأخلاقية البحتة إلى فضاء التحليل السريري والتشخيص النفسي الجنائي الدقيق.

6. الأسس والنظريات النفسية

تتضافر مدارس علم النفس المتعددة لتقديم تفسيرات تأصيلية لظاهرة قتل الأبناء، انطلاقاً من زوايا متباينة:

تنظر نظرية التحليل النفسي، المستندة إلى أطروحات سيغموند فرويد وميلاني كلاين، إلى هذه الظاهرة من منظور إسقاط الصراعات اللاشعورية العميقة؛ فالطفل قد يمثل في اللاشعور الوالدي تجسيداً لجزء مكروه من الذات، أو امتداداً لشخصية شريك منبوذ أو والد معتدٍ في الماضي. تفترض كلاين أن فشل الأم في اجتياز «الموقف الاكتئابي» يعيق قدرتها على إدراك الطفل ككائن متكامل مستقل، مما يجعلها تسقط عليه مشاعر التدمير الفطرية، أو تعامله كرمز للتهديد النفسي الداخلي.

من جهة أخرى، يقدم علم النفس التطوري، عبر أبحاث مارتن دالي ومارجو ويلسون، إطاراً يعتمد على مفهوم «الاستثمار الوالدي» ونظرية الجينات الأنانية لريتشارد دوكينز. يوضح هذا التوجه ما يُعرف باسم «تأثير سندريلا» (Cinderella Effect)، والذي يظهر إحصائياً أن احتمالية تعرض الأطفال للقتل أو الأذى الشديد تتضاعف بصورة حادة على أيدي الآباء غير البيولوجيين (أزواج الأمهات) مقارنة بالآباء البيولوجيين؛ نظراً لغياب الحافز الجيني التطوري الذي يدفع نحو التضحية من أجل نجاة النسل غير المرتبط وراثياً.

أما النظريات البيولوجية العصبية، فتركز على اختلال التوازن الكيميائي والهرموني الحاد؛ حيث رُبطت الحالات المرتبطة بالأمهات بانهيار مستويات هرمونات الإستروجين والبروجسترون بعد المخاض، واضطراب نشاط النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، مما يؤدي إلى نوبات ذهان حادة وفقدان القدرة على تمييز الواقع واختلال وظائف الفص الجبهي المسؤول عن كبح النزوات الاندفاعية والحكم الرشيد على العواقب.

7. المكونات والأنماط والتصنيفات

يعد تصنيف الطبيب النفسي فيليب ريسنيك (Phillip Resnick) لعام 1969 حجر الزاوية المعتمد عالمياً في الطب النفسي الشرعي لتصنيف دوافع قتل الأبناء، ويتفرع إلى خمس فئات رئيسية:

  • القتل بدافع الإيثار الشاذ (Altruistic Filicide): يقدم فيه الوالد على قتل طفله انطلاقاً من نية واهمة بحمايته من مصير أليم أو عذاب محتوم؛ ويتفرع إلى قتل مصحوب بالانتحار للتخلص الجماعي من المعاناة، أو قتل لتجنيب الطفل آلاماً متخيلة، وغالباً ما يرتبط بالاكتئاب السوداوي والضلالات الذهانية.
  • القتل الناجم عن الذهان الحاد (Acutely Psychotic Filicide): ينفذ فيه الوالد الجريمة تحت وطأة هلاوس سمعية آمرة (كأن يسمع صوتاً يأمره بقتل الطفل) أو أفكار اضطهادية غريبة (مثل الاعتقاد بأن الطفل ممسوس من قوى شيطانية)، دون دافع عقلاني واضح.
  • قتل الطفل غير المرغوب فيه (Unwanted Child Filicide): يحدث عادة عندما يُنظر إلى الطفل كعائق أمام طموحات الوالد أو بسبب التكلفة المادية والاجتماعية، أو كونه نتاج علاقة غير شرعية، ويندرج تحت هذا النمط معظم حالات قتل حديثي الولادة.
  • القتل العرضي الناجم عن سوء المعاملة المفرطة (Fatal Maltreatment): لا يكون الموت هنا هو الهدف المبدئي للوالد، ولكنه ينجم كأثر مأساوي للعنف المنزلي المتكرر والضرب المبرح أو ما يعرف بمتلازمة الرضيع المهتز في سياق فقدان السيطرة على الانفعال وتأديب الطفل بعنف غير مبرر.
  • القتل بدافع الانتقام من الشريك (Spouse Revenge Filicide): يُعرف أيضاً بـ «متلازمة ميديا» (Medea Complex)؛ وفيه يُقتل الطفل عمداً كوسيلة لمعاقبة الشريك الآخر وإلحاق أقصى درجات الألم النفسي به إثر خلافات زوجية أو خيانة أو نزاعات طلاق مريرة.

8. أمثلة وحالات توضيحية

تزخر سجلات الطب الشرعي بقضايا شهيرة سلطت الضوء على الطبيعة المتناقضة لقتل الأبناء، وأثبتت الحاجة إلى التمييز بين الإجرام العمدي والمرض النفسي الذهاني:

تُعد قضية الأمريكية أندريا ييتس (Andrea Yates) عام 2001 في ولاية تكساس من أشهر الأمثلة على القتل الذهاني بدافع الإيثار المرضي. قامت ييتس بإغراق أطفالها الخمسة في حوض الاستحمام، وكشفت التقييمات النفسية القضائية أنها كانت تعاني من ذهان ما بعد الولادة واكتئاب حاد مصحوب بضلالات سمعية وبصرية، حيث اعتقدت جازمة أن الشيطان قد استحوذ عليها وأن الطريقة الوحيدة لإنقاذ أرواح أطفالها من الهلاك الأبدي هي قتلهم وهم في سن البراءة قبل أن يفسدهم الشيطان، وقد أدى هذا الفهم إلى إلغاء الحكم الأولي بإدانتها وإيداعها مستشفى للأمراض النفسية والعقلية نظراً لغياب الأهلية الجنائية.

في المقابل، تمثل قضية سوزان سميث (Susan Smith) عام 1994 نموذجاً لقتل الطفل غير المرغوب فيه الممزوج بنرجسية استغلالية؛ حيث قامت بإغراق طفليها في بحيرة داخل سيارتها لكي تتمكن من إقامة علاقة عاطفية مع رجل ثري لم يكن يرغب في الارتباط بامرأة لديها أطفال. اختلقت سميث في البداية قصة اختطاف عنصرية كاذبة، ولم يثبت الفحص النفسي وجود أي اضطراب ذهاني يمنعها من إدراك طبيعة فعلها الشنيع، مما أدى إلى الحكم عليها بالسجن المؤبد لارتكابها جريمة قتل عمدية مع سبق الإصرار والترصد.

9. القياس والتقييم النفسي الجنائي

يمثل التقييم النفسي الشرعي في قضايا قتل الأبناء تحدياً فائق التعقيد يهدف إلى الإجابة عن سؤالين جوهريين: هل كان الجاني يتمتع بالأهلية العقلية الكاملة وقت ارتكاب الفعل؟ وهل كان قادراً على إدراك كنه تصرفاته والتمييز بين الصواب والخطأ وفقاً لـ قواعد إم ناغتن (M’Naghten Rules) القانونية؟

يتضمن بروتوكول التقييم أدوات متعددة، من أهمها:

  • المقابلات السريرية التشخيصية المعمقة: لتقييم تاريخ الحالة التنموي والنفسي، واستقصاء وجود اضطرابات المزاج ثنائية القطب أو الذهان النفاسي قبل وأثناء الجريمة.
  • اختبارات الشخصية الموضوعية والإسقاطية: مثل اختبار الشخصية متعدد الأوجه لمينيسوتا (MMPI-2) للكشف عن التمارض أو تزييف الأعراض، واختبار بقع الحبر لرورشاخ لتقييم البنية الدفاعية وتفكك التفكير.
  • مقاييس الاكتئاب والانتحار: كمقياس بيك للاكتئاب ومقياس مخاطر الانتحار، خاصة وأن رغبة الوالد في تدمير نفسه تترافق كثيراً مع هذا النمط من الجرائم.
  • الفحص العصبي الفيزيولوجي: استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي وتخطيط أمواج الدماغ (EEG) لاستبعاد وجود أورام دماغية أو بؤر صرعية في الفص الصدغي أو الجبهي قد تكون دفعت إلى تفريغ انفعالي عنيف وغير متحكم به.

10. التطبيقات والأهمية السريرية والعملية

تتجلى الأهمية السريرية لدراسة ظاهرة قتل الأبناء في تطوير استراتيجيات الكشف المبكر والوقاية الأولية لدى مراكز الرعاية الصحية الأولية وعيادات التوليد. يُعد الفحص الروتيني للأمهات الجدد باستخدام أدوات تقييم معيارية، مثل مقياس إدنبرة للاكتئاب ما بعد الولادة (EPDS)، إجراءً بالغ الأهمية لرصد مؤشرات الاكتئاب والاضطرابات الوجدانية قبل تفاقمها إلى أوهام وضلالات فتاكة بالطفل.

علاوة على ذلك، يُسهم التدخل السريري المبكر في توفير حماية حاسمة عبر دعم الروابط والارتباط الآمن بين الأم والرضيع، وتقديم العلاج الدوائي المضاد للذهان ومثبتات المزاج عند ظهور أولى علامات الهلاوس السمعية أو الأفكار الوسواسية الدخيلة الموجهة ضد الطفل. وفي مجالات الخدمة الاجتماعية وحماية الطفل، تساعد معرفة المؤشرات التحذيرية لقتل الأبناء (مثل تاريخ العنف الأسري، تعاطي المخدرات، الانفصال العاطفي التام عن الرضيع، وزيارات الطوارئ المتكررة لإصابات غامضة) في التدخل القضائي وسحب الحضانة مؤقتاً لحماية حياة القاصرين.

11. الأدلة التجريبية والبحوث العلمية

أظهرت الدراسات الوبائية واسعة النطاق اختلافات ديموغرافية وسلوكية بارزة بين الآباء والأمهات الذين يرتكبون هذه الجريمة. في مراجعة شاملة أجراها فريدمان وزملاؤه (Friedman et al., 2005)، تبين أن الأمهات اللاتي يقمن بقتل أبنائهن غالباً ما يكن في أعمار أصغر، ويعانين من عزلة اجتماعية حادة، ويسجلن نسباً أعلى للإصابة بالاكتئاب وذهان ما بعد الولادة، وغالباً ما تكون وسيلة القتل خالية من الأسلحة النارية وتعتمد على الخنق أو الإغراق أو الجرعات الزائدة من الأدوية.

على النقيض من ذلك، تشير أبحاث ديفيد مارويك (David Bourget et al., 2007) إلى أن الآباء (الذكور) الذين يرتكبون قتل الأبناء يميلون لاستخدام وسائل أكثر عنفاً كالسلاح الناري أو الضرب، وترتبط دوافعهم بنسب أكبر بالانتقام من الزوجة أو الانهيار المالي الشديد مع اتخاذ قرار مسبق بالانتحار الأسري التام (Familicide). كما وثقت الأبحاث أن نحو 70% إلى 80% من مرتكبي القتل بدافع الإيثار الشاذ أظهروا أعراضاً اكتئابية واضحة وتحدثوا عن أفكار انتحارية لأفراد عائلاتهم أو أطبائهم خلال الأشهر السابقة للجريمة دون أن يلقوا التدخل العلاجي الكافي.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات

تتباين مستويات ومحددات قتل الأبناء بشكل ملحوظ تبعاً للبيئات الثقافية والضغوط الاقتصادية والتشريعات المحلية؛ ففي بعض الثقافات الآسيوية التقليدية والمجتمعات الريفية التي تسود فيها ثقافة تفضيل الذكور، وُثقت معدلات أعلى لقتل الإناث من حديثي الولادة أو الإجهاض الانتقائي القائم على جنس الجنين، بدافع تجنب تكاليف المهور أو الحفاظ على النسب العائلي.

وفي المقابل، نجد في بعض المجتمعات الغربية أن تفكك شبكات الدعم العائلي الممتدة والاعتماد الكامل على الفردانية يعزز من عزلة الأمهات الجدد، مما يضاعف من وطأة ضغوط رعاية الأطفال ويقود إلى حالات الانهيار النفسي السريع. كما أن بعض الأيديولوجيات الدينية المتطرفة أو المعتقدات الخرافية في بعض المناطق الإفريقية والنامية تفسر بعض السلوكيات المرضية أو الإعاقات الذهنية لدى الأطفال على أنها «مس شيطاني» يستوجب «التطهير» العنيف الذي قد يفضي إلى الوفاة تحت غطاء الممارسات الطقسية الخاطئة.

13. الانتقادات والنقاشات المعاصرة

يثير تصنيف قتل الأبناء نقاشات حامية بين الأطباء النفسيين وفقهاء القانون، لا سيما حول مفهوم «جنون ما بعد الولادة». يرى بعض الحقوقيين أن القوانين الخاصة بقتل الرضع في بعض الدول، والتي تخفف العقوبة تلقائياً عن الأمهات، تنطوي على تمييز جنساني وتفترض مسبقاً وبصورة مفرطة وجود اضطراب هرموني يسلب الإرادة دون فحص سريري فردي صارم، بينما يحذر أطباء نفسيون شرعيون من مغبة التراجع عن هذه القوانين لما يترتب عليه من سجن أمهات عانين من انهيار ذهاني بيولوجي خارج عن إرادتهن بدلاً من توفير العلاج النفسي لهن.

كما يحتدم الجدل النظري حول تصنيف دافع «الإيثار»؛ إذ ينتقد العديد من الباحثين إطلاق لفظ «إيثاري» على جريمة قتل بشعة، معتبرين أن التسمية قد تضفي طابعاً نبيلاً على فعل تدميري، ويقترحون استبدالها بمصطلحات أكثر دقة سريرياً مثل «القتل المصحوب بالضلالات الإنقاذية» (Delusional Pseudo-Altruistic Filicide) لمنع أي التباس بين الرغبة الحقيقية في حماية الطفل وبين التدمير النابع من الضلالات المرضية.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق المفاهيمية

تستخدم في الأدبيات الجنائية والنفسية مصطلحات فرعية دقيقة تتمايز عن قتل الأبناء وفقاً للعمر والسياق والدوافع:

  • قتل حديثي الولادة (Neonaticide): قتل الطفل الرضيع خلال أول 24 ساعة من ولادته، وغالباً ما تنفذه أمهات شابات غير متزوجات أنكرن الحمل بالكامل ولم يعانين بالضرورة من ذهان سريري بل من رعب العار الاجتماعي والعجز التام.
  • قتل الرضع (Infanticide): إنهاء حياة الطفل خلال السنة الأولى من عمره، وغالباً ما يرتبط بمضاعفات اضطرابات المزاج النفاسية الشديدة لدى الأمهات.
  • إبادة العائلة (Familicide): قيام أحد أفراد الأسرة (الأب في الغالب) بقتل الشريك والأبناء جميعاً ثم الانتحار، ويرتبط غالباً بالأزمات المالية الكارثية وجنون الشك والاضطهاد.
  • متلازمة مونشهاوزن بالوكالة (Munchausen Syndrome by Proxy): شكل خطير من سوء المعاملة يفتعل فيه الوالد أمراضاً وهمية للطفل لإخضاعه لفحوص وتدخلات طبية غير ضرورية لنيل الاهتمام، وقد ينتهي هذا السلوك بقتل غير مقصود للطفل جراء التسميم أو الإجراءات الطبية المفرطة.

15. الخلاصة والنتائج الرئيسية

يظل قتل الأبناء من أكثر السلوكيات البشرية تعقيداً وصدمة للضمير الجمعي، وهو فعل لا يمكن اختزاله في قالب الشر المجرد أو القسوة الفجة؛ بل تتشابك في تكوينه خيوط دقيقة من الاضطرابات النفسية الذهانية، والانهيارات الاكتئابية الحادة، والعزلة الاجتماعية والضغوط الأسرية الساحقة. إن الوقاية من هذه المأساة تستلزم بناء منظومات صحية متيقظة تزيل وصمة العار عن الاضطرابات النفسية المرافقة للإنجاب وتوفر الدعم النفسي المكثف للأسر الهشة، جنباً إلى جنب مع نظام قضائي يمتلك رؤية سريرية مستنيرة توازن بدقة متناهية بين مقتضيات العدالة وحماية الأرواح وبين مراعاة انعدام الأهلية الناتج عن الاضطراب العقلي الجسيم.

المراجع

  • Bourget, D., Grace, J., & Whitehurst, L. (2007). A review of maternal and paternal filicide. The Journal of the American Academy of Psychiatry and the Law, 35(1), 74–82. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/17389348/
  • Friedman, S. H., Horwitz, S. M., & Resnick, P. J. (2005). Child murder by mothers: A critical analysis of the current state of knowledge and research agenda. The American Journal of Psychiatry, 162(9), 1578–1587. https://doi.org/10.1176/appi.ajp.162.9.1578
  • Resnick, P. J. (1969). Child murder by parents: A psychiatric review of filicide. The American Journal of Psychiatry, 126(3), 325–334. https://doi.org/10.1176/ajp.126.3.325
  • West, S. G., & Friedman, S. H. (2008). Mothers who kill their children: Understanding the postpartum psychiatric disorders involved. Psychiatric Times, 25(12), 48–53. https://www.psychiatrictimes.com/

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 20). قتل الأبناء: المأساة بين المرض النفسي والجريمة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/filicide-psychology-causes/
looti, Mohammed. “قتل الأبناء: المأساة بين المرض النفسي والجريمة.” عرب سايكلوجي, 20 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/filicide-psychology-causes/.
looti, Mohammed. “قتل الأبناء: المأساة بين المرض النفسي والجريمة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 20, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/filicide-psychology-causes/.