سلوك إشعال الحرائق: الدوافع النفسية والتقييم السريري

سلوك إشعال الحرائق: دراسة أكاديمية شاملة في علم النفس الجنائي والسريري حول دوافعه النفسية، أطره النظرية، وأساليب تقييمه وعلاجه.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 20 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 20 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل سلوك إشعال الحرائق ظاهرة نفسية وسلوكية معقدة تتقاطع فيها الدوافع الانفعالية المضطربة مع العوامل المعرفية والبيئية والبيولوجية، مما يجعله محط اهتمام واسع في مجالات الطب النفسي وعلم النفس الجنائي. تتراوح هذه السلوكيات بين الفضول الاستكشافي العابر لدى الأطفال والمراهقين، وصولاً إلى الأفعال التدميرية المتكررة والمرتبطة باضطرابات التحكم في الاندفاع أو اضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع. إن الفهم الدقيق للبنية النفسية الكامنة خلف هذا السلوك يعد ركيزة أساسية لتصميم برامج التقييم والتدخل العلاجي والوقائي، والحد من الخسائر المادية والبشرية الجسيمة المرتبطة به.

سلوك إشعال الحرائق (Fire-Setting Behavior)

1. التعريف الموجز والدقيق

يُعرَّف سلوك إشعال الحرائق في الأدبيات النفسية والسريرية بأنه أي فعل متعمد ينطوي على استخدام النار أو إضرامها في ممتلكات أو أشياء أو مساحات دون ترخيص أو مبرر مشروع، وبصرف النظر عن العواقب المترتبة على ذلك. ويمتد هذا المفهوم ليغطي طيفاً واسعاً يبدأ من العبث الفضولي بأدوات الاشتعال دون نية تخريبية، وينتهي بالإشعال المقصود والمتكرر المدفوع بتوترات انفعالية أو رغبات انتقامية أو ميول تخريبية حادة.

يتطلب الفهم الأكاديمي التفريق الجوهري بين سلوك إشعال الحرائق كعرض سلوكي عام، وبين التشخيصات النفسية النوعية مثل هوس إشعال الحرائق (Pyromania) أو اضطراب المسلك. فبينما يمثل المصطلح الأول وصفاً موضوعياً للنشاط الخارجي، ترتبط المسميات التشخيصية ببنى معرفية وانفعالية شديدة التحديد، حيث يُشترط لوجود الهوس النفسي غياب المكاسب المالية أو الأهداف السياسية أو الانتقامية، وحضور حالة من الاستثارة والتوتر المسبق يتبعها شعور بالارتياح والنشوة عند إضرام النار.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

يعود الأصل اللغوي للمصطلح في اللغة الإنجليزية (Fire-setting) إلى تركيب يجمع بين كلمتي (Fire) المشتقة من الجرمانية القديمة (Fōr) وتعني الاحتراق أو اللهب، و(Setting) المشتقة من الجرمانية (Satjan) بمعنى الوضع أو الإحداث أو التأسيس، ليصبح المعنى الحرفي هو إحداث النار أو وضعها عمداً. وقد بدأ استخدام هذا المركب اللفظي بصورة شائعة في كتابات الطب النفسي والعدلي خلال منتصف القرن العشرين للتمييز بين الفعل السلوكي الوصفي والتوصيف القانوني الجنائي المتمثل في مصطلح الحرق العمد (Arson).

أما في المعاجم العربية، فإن جذر الكلمة يعود إلى الفعل (شَعَلَ) يُقال شَعَلَ النارَ أي أوقدها وألهبها، واشتعل الشيء إذا توقد. وتُستخدم أيضاً مفردة (أَضْرَمَ) من الجذر (ضَرَمَ)، ويقال أضرم النار أي ألهبها بشدة وأوقد جمرها. وفي السياق النفسي الحديث، اعتُمد مصطلح “سلوك إشعال الحرائق” كترجمة علمية دقيقة ومحايدة تعبّر عن النشاط الإجرائي للسلوك دون إطلاق أحكام جنائية مسبقة، مما يتيح دراسته كظاهرة نفسية متسلسلة الأبعاد والأسباب.

3. النطق والصيغة الصرفية واللغوية

يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى: سُلُوك إِشْعَال الحَرَائِق (Sulūk Ish‘āl al-Harā’iq). ويتكون التركيب من ثلاثة عناصر صرفية متتابعة بنظام الإضافة: “سُلوك” وهو مصدر سماعي للفعل سَلَكَ، ويُقصد به في الاصطلاح المعاصر مجمل التصرفات والاستجابات الصادرة عن الكائن الحي؛ و”إشْعال” وهو مصدر قياسي على وزن (إفْعَال) مشتق من الفعل الرباعي المزيد بالهمزة (أَشْعَلَ)؛ و”الحَرَائِق” وهي صيغة جمع تكسير لمفردها (حَرِيقَة) أو (حَرِيق) على وزن فَعِيل بمعنى مَفعول.

يُستخدم هذا التركيب في السياق السريري كاسم مركب يشير إلى نمط سلوكي إجرائي، ويُعامل نحوياً كمعرفة بالإضافة. ويمكن اشتقاق صفات متنوعة في الأدبيات المتخصصة مثل: “سلوك إشعالي” أو “الشخص المشعل للحرائق” (Fire-setter). ويتميز التركيب بمرونته الوصفية، حيث يُستعمل في صيغ المفرد للدلالة على الظاهرة الجمعية، أو يضاف إلى محددات عمرية مثل “سلوك إشعال الحرائق لدى الأطفال والمراهقين” لتخصيص المجال البحثي بدقة.

4. الشرح المفاهيمي الموسع والحدود النظرية

يتجاوز سلوك إشعال الحرائق كونه مجرد نشاط مادي تدميري ليتحول إلى ظاهرة دينامية تعكس اضطراباً في التكيف النفسي، والقدرة على ضبط الاندفاعات، وإدارة المشاعر السلبية. ينظر التحليل النفسي الإكلينيكي إلى هذا السلوك بوصفه وسيلة تواصل غير لفظية أو استجابة غير تكيفية لضغوط بيئية أو مشاعر عجز وإحباط شديدة، حيث تمنح رؤية النيران وتحكم الفرد في قوتها الهائلة شعوراً مؤقتاً بالسيطرة والقوة الوهمية يفتقر إليه في تفاعلاته الاجتماعية والواقعية.

تتحدد أبعاد الظاهرة من خلال التفاعل المتشابك بين الاستعداد الفردي والبيئة المحيطة. فمن الناحية المعرفية، غالباً ما يُظهر الأفراد المنخرطون في إشعال الحرائق تشوهات معرفية تتعلق بالنار، مثل التقليل من شأن مخاطرها، أو إضفاء سمات سحرية وممتعة عليها، أو الإيمان بأن النار وسيلة مقبولة لحل الصراعات الشخصية. ومن الناحية الانفعالية، يعمل إشعال النار كآلية قسرية للتنظيم الانفعالي؛ حيث يسبق الفعل عادة تصاعد حاد في القلق والغضب والتوتر الداخلي، يليه شعور مفاجئ بالانفراج والهدوء عند تصاعد ألسنة اللهب، ما يؤدي إلى تعزيز هذا السلوك عبر آليات الارتباط الإجرائي الإيجابي والسلبي.

أما من حيث الحدود المفاهيمية، فيجب عزل سلوك إشعال الحرائق عن الأنماط التي لا ترتبط باضطراب نفسي وظيفي أصيل. يشمل ذلك الأفعال المرتبطة بالنزاعات العسكرية، والطقوس الثقافية أو الدينية المحددة تاريخياً، والجرائم النفعية البحتة التي يرتكبها الأفراد بهدف الاحتيال التأميني أو طمس الأدلة الجنائية دون وجود ارتباط وجداني مرضي بالنار. لذلك فإن الإطار السريري يركز على الحالات التي تكون فيها الدوافع الذاتية والانفعالية والمعرفية هي المحرك الرئيس للفعل.

5. التطور التاريخي والمحطات المفصلية

يعود التاريخ العلمي لدراسة إشعال الحرائق المرضي إلى أوائل القرن التاسع عشر؛ ففي عام 1833، صاغ الطبيب النفسي الفرنسي مارك (C.C. Marc) مصطلح Pyromania لوصف دافع قهري غامض يدفع الفرد لإشعال النار دون مبرر عقلاني. واعتبرت المدرسة الفرنسية في تلك الحقبة هذا السلوك شكلاً من أشكال “الجنون الجزئي” (Monomania)، حيث يُصاب الفرد بخلل في جانب واحد من وظائفه العقلية مع احتفاظه بالقدرة على التفكير السليم في بقية المجالات.

مع صعود نظرية التحليل النفسي في أوائل القرن العشرين، طرح سيغموند فرويد (Sigmund Freud) في مقالته الشهيرة عام 1932 حول “اكتساب النار والسيطرة عليها” تفسيراً يربط السيطرة على النار بالرغبات الجنسية الطفولية وتسامي طاقة الليبيدو، معتبراً إطفاء النار بالتبول تنافساً رمزياً قديماً بين الإنسان وقوى الطبيعة. وفي منتصف القرن العشرين، برزت فرضية “ثالوث ماكدونالد” (Macdonald Triad) عام 1963، والتي اقترحت أن الجمع بين إشعال الحرائق، والقسوة على الحيوانات، والتبول اللاإرادي المستمر في الفراش، يمثل مؤشراً تنبؤياً لظهور السلوك العنيف والإجرامي البالغ في مراحل لاحقة من العمر، ورغم الانتقادات المنهجية التي وجهت لهذا الثالوث لاحقاً، إلا أنه فتح الباب واسعاً أمام الدراسات الطولية للسلوك.

في العقود الأخيرة، انتقل التركيز من التفسيرات الغريزية إلى النماذج المعرفية السلوكية والتكاملية. وقد ساهمت أبحاث باحثين بارزين مثل فينليشاوس وبيلتز (Fineman, 1980; Kolko & Kazdin, 1986) ثم النموذج التكاملي متعدد المسارات الذي طورته تيريزا غانون وزملاؤها (Gannon et al., 2012) في بناء فهم شامل يجمع بين العوامل البيولوجية، والتجارب الطفولية الصادمة، والتشوهات المعرفية المتعلقة بالنار، مما أحدث نقلة نوعية في منهجيات التدخل والعلاج الموجه.

6. الأسس والأطر النظرية المفسرة

تتعدد الأطر النظرية التي حاولت تفسير آليات سلوك إشعال الحرائق، ومن أبرزها:

النموذج المعرفي السلوكي والتنظيم الانفعالي: يفترض هذا التوجه أن إشعال النار هو سلوك متعلم يتم اكتسابه وتعزيزه من خلال آليات التكييف الإجرائي. فالنار تولد مدخلات حسية قوية (حرارة، ضوء، أصوات تكسير، حركة سريعة) تجذب الانتباه بشدة. وإذا وجد الفرد أن إشعال النار يخفف من التوتر الداخلي، أو يفرغ شحنات الغضب، أو يمنحه إحساساً مؤقتاً بالقدرة في مواجهة مشاعر العجز، فإن السلوك يتعزز سلبياً بوصفه آلية للهروب الانفعالي. كما يركز هذا الإطار على “النظريات الضمنية” والتشوهات الفكرية التي تجعل الفرد يرى النار ككائن حي يمكن مصادقته أو كأداة شرعية للسيطرة على البيئة.

نموذج التعلم الاجتماعي والبيئي: يركز هذا المنظور على دور البيئة الأسرية والمجتمعية ونمذجة السلوك. فالأطفال الذين ينشأون في بيئات تفتقر إلى الإشراف الوالدي، أو تتسم بالإهمال والعنف المنزلي، أو يشهدون استخداماً غير منضبط للنار من قِبل البالغين، يكونون أكثر عرضة لتبني هذا السلوك. ووفقاً لنظرية التعلم الاجتماعي لـ ألبرت باندورا، يتعلم الطفل سلوكيات إشعال النار من خلال الملاحظة والتقليد في ظل غياب التوجيه والتغذية الراجعة التصحيحية حول المخاطر الكامنة.

النموذج التكاملي متعدد المسارات (M-TFN): يُعد نموذج غانون وزملائها (Multi-Trajectory Theory of Adult Fire-setting) الإطار النظري الأكثر شمولاً في الوقت الحاضر لتفسير السلوك لدى البالغين. يحدد هذا النموذج تفاعلات معقدة بين العوامل السابقة للنمو (مثل الاضطرابات البيولوجية والارتباط غير الآمن والإيذاء في الطفولة)، ومحفزات الموقف الراهن، والسمات المعرفية والانفعالية غير المتكيفة. ويميز النموذج بين خمسة مسارات تمايزية تدفع الفرد نحو إشعال الحرائق، مثل مسار الرغبة في التعبير عن الضيق، ومسار القوة والهيمنة، ومسار الافتتان الحسي بالنار.

7. المكونات الأساسية والأنماط والأبعاد

يمكن تصنيف سلوك إشعال الحرائق عبر عدة أبعاد بنائية وأنماط سلوكية متمايزة:

  • إشعال الحرائق الفضولي (Curiosity/Exploratory): يشيع بصورة رئيسية بين الأطفال الصغار دون سن السابعة، ويكون دافعه الاستكشاف الحسي والمعرفي لخصائص النار دون رغبة واعية في التخريب أو إيذاء الذات والآخرين، وغالباً ما ينتج عن سهولة الوصول إلى الكبريت والولاعات وغياب الإشراف.
  • إشعال الحرائق كصرخة استغاثة (Cry for Help): نمط يُمارس لجذب انتباه الوالدين أو المجتمع لوجود أزمة نفسية أو صدمة أو إساءة داخل الأسرة، ويكون إشعال النار هنا محاولة للتعبير عن العجز والقهر العاطفي الشديد.
  • إشعال الحرائق التخريبي والانتقامي (Revenge/Retaliation): نمط يُشاهد لدى المراهقين والبالغين ذوي السمات السيكوباتية أو اضطرابات المسلك، وتُستخدم النار فيه كسلاح موجه ضد أفراد محددين أو مؤسسات بهدف إلحاق الأذى المادي والمعنوي وتسوية النزاعات.
  • إشعال الحرائق بدافع الإثارة والتشويق (Sensation-Seeking): سلوك يرتبط بالحاجة المرتفعة إلى التحفيز العصبي وكسر الملل والبحث عن المشاهد المثيرة (حضور سيارات الإطفاء، الفوضى، صفارات الإنذار)، وقد يشارك الجاني في عمليات الإطفاء ليظهر كبطل مصطنع أمام المجتمع.
  • إشعال الحرائق الذهاني أو العضوي (Psychotic/Organic): يحدث نتيجة استجابة لهلاوس سمعية آمرة، أو ضلالات اضطهادية أو دينية، أو نتيجة تدهور معرفي حاد ناجم عن إصابات دماغية أو خرف أو إعاقة ذهنية.
  • هوس إشعال الحرائق النمطي (Pyromania): وهو اضطراب نفسي نادر يتميز بفشل متكرر في مقاومة الاندفاع نحو إشعال النيران، مصحوباً بتوتر داخلي يسبق الفعل وافتتان وارتياح عميقين أثناء المشاهدة والمتابعة.

8. أمثلة توضيحية ودراسات حالة إكلينيكية

الحالة الأولى (إشعال الحرائق الفضولي): طفل يبلغ من العمر 5 سنوات، وجد ولاعة سجائر متروكة بإهمال على منضدة الصالون. بدافع الفضول الشديد لمعرفة كيف يخرج اللهب، بدأ بتجريبها في غرفته خلف الأريكة، مما أدى إلى اشتعال الستائر وحدوث حريق محدود تم تداركه. أظهر الفحص النفسي عدم وجود أي مشاعر عدائية أو رغبة تخريبية لدى الطفل، بل مجرد نقص إدراكي حاد لمفهوم انتشار النار وغياب الإشراف المنزلي، وتم علاجه ببرنامج تثقيفي حول السلامة من الحرائق وتدريب الوالدين على تقييد الوصول لأدوات الاشتعال.

الحالة الثانية (إشعال الحرائق بدافع الانتقام والتعبير عن الضيق): فتى في سن الخامسة عشرة، يعاني من تدني تقدير الذات وتاريخ طويل من التعرض للتنمر المدرسي المستمر وإهمال الأسرة. بعد حادثة إهانة علنية من زملائه، أقدم ليلاً على إضرام النار في مبنى الأنشطة الرياضية بالمدرسة. كشف التقييم الإكلينيكي عن وجود اضطراب مسلك غير مشخص، وتشوهات معرفية عميقة تتمحور حول فكرة “أن القوة لا يمكن استعادتها إلا بالتدمير الشامل”. كانت النار وسيلته الوحيدة الملموسة لتوليد مشاعر القوة وكسر الإحساس بالقهر والخضوع.

الحالة الثالثة (هوس إشعال الحرائق السريري): رجل يبلغ من العمر 28 عاماً، عاطل عن العمل، لديه تاريخ من إشعال النيران في صناديق القمامة والمباني المهجورة يمتد لسنوات. وصف حالته بأنه يشعر بضغط عصبي وتوتر متصاعد لا يُطاق يستمر لأيام، ولا يجد له أي مهرب سوى رؤية لهب النيران. بعد إشعال الحريق، يبقى قريباً في موقع الحادث يراقب تدفق رجال الإطفاء بابتهاج ونشوة عارمة، نافياً وجود أي عداوة شخصية مع أصحاب الممتلكات أو الرغبة في الاستفادة المادية. تم تشخيصه رسمياً باضطراب هوس إشعال الحرائق وخضع لبرنامج علاج معرفي سلوكي مكثف لمنع الانتكاس وضبط الاندفاعات.

9. القياس والتقييم السريري والتشخيصي

يتطلب تقييم سلوك إشعال الحرائق نهجاً تشخيصياً شاملاً ومتعدد الأبعاد يدمج بين المقابلات الإكلينيكية، ومقاييس التقرير الذاتي، وأدوات تقييم المخاطر الجنائية. تهدف عملية التقييم إلى تحديد الوظيفة النفسية التي تؤديها النار للفرد، ومستوى الخطورة المستقبلية على نفسه وعلى المجتمع.

من أبرز الأدوات المتخصصة في هذا المجال مقياس استثارة النار (Fire Stigmatization and Fire Interest Scales)، واستبيان كولكو لإشعال الحرائق لدى الأطفال (Kolko Fire-Setting Risk Assessment Questionnaire)، وأداة تقييم التدخل في إشعال الحرائق (FIRA). وتستند هذه المقاييس إلى قياس شدة الافتتان بالنار، ومستوى الفهم لقواعد السلامة، والدافعية الموجهة للفعل، ودرجة الاستجابة الانفعالية للمثيرات الحارقة.

علاوة على ذلك، توظف الممارسة السريرية الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الإصدار الخامس (DSM-5-TR) لاستبعاد وتحديد الاضطرابات المصاحبة؛ كاضطراب السلوك، واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، واضطرابات المزاج، والذهان، واضطراب هوس إشعال الحرائق الذي يُصنف ضمن اضطرابات التحكم في الاندفاع والمسلك، ويتطلب استيفاء معايير صارمة تتضمن الإشعال المتكرر والواعي، والتوتر السابق للفعل، والانجذاب الحسي والوجداني للنار، وغياب المكاسب الخارجية.

10. التطبيقات العملية والأهمية الإكلينيكية والقضائية

تحظى دراسة سلوك إشعال الحرائق بتطبيقات جوهرية في المنظومات العلاجية والقضائية والوقائية. في الجانب الإكلينيكي، يُبنى العلاج على برامج التدخل المعرفي السلوكي المتخصصة مثل برنامج مكافحة إشعال الحرائق (FIP-MO / FIP-A)، حيث يتم العمل على تفكيك المعتقدات الداعمة لاستخدام النار، وتحسين مهارات حل المشكلات والتنظيم الانفعالي، واستبدال الأنماط السلوكية الاندفاعية باستجابات تكيفية بديلة لإدارة الضغوط والتوترات.

أما في المجال الجنائي والطب الشرعي القضائي، فإن تقييم الفروق النفسية بين الجريمة النفعية والحرق القهري يحدد بوضوح مسألة الأهلية القانونية، والمسؤولية الجنائية، وتقدير احتمالية تكرار الجريمة (Recidivism Risk). وتساعد هذه التقييمات المحاكم وهيئات الإصلاح في اتخاذ قرارات مدروسة تتعلق بنوعية الإيداع (في مصحات علاجية أو مؤسسات إصلاحية) وتحديد شروط الإفراج المشروط والإشراف القضائي.

وفي مجال الصحة العامة والسلامة المجتمعية، تُترجم هذه المعارف إلى برامج وقائية مدرسية ومجتمعية تنفذها أجهزة الإطفاء بالتعاون مع الأخصائيين النفسيين، وتهدف إلى توعية الأطفال بمخاطر الحريق، وتدريب المعلمين وأولياء الأمور على رصد العلامات التحذيرية المبكرة المتمثلة في اللعب المستمر بأعواد الثقاب أو وجود بقع حرق صغيرة في ملابس الطفل وغرفته قبل تفاقم السلوك إلى كوارث خطيرة.

11. الأبحاث والدلائل التجريبية المعاصرة

أكدت الدراسات التجريبية الحديثة أن سلوك إشعال الحرائق ليس ناتجاً عن عامل فردي منعزل، بل هو محصلة لتفاعل بيولوجي عصبي وبيئي معقد. فقد أظهرت أبحاث التصوير العصبي الوظيفي وجود خلل في دوائر الدماغ المسؤولة عن تثبيط الاستجابة والمكافأة لدى مشعلي الحرائق المتكررين، ولا سيما في قشرة الفص الجبهي الأمامي (Prefrontal Cortex) ونواة اللوزة (Amygdala)، مما يرتبط بضعف عام في السيطرة على الاندفاعات والبحث المفرط عن الإثارة الحسية.

وعلى الصعيد السريري، أوضحت دراسات المتابعة الطولية التي أجراها باحثون في مجال علم النفس الجنائي وجود تلازم وبائي مرتفع بين إشعال الحرائق واضطرابات إساءة معاملة الأطفال؛ حيث أظهرت النتائج أن وجود تاريخ من الصدمات النفسية والإهمال الشديد يزيد بنسبة دالة إحصائياً من احتمالية اللجوء إلى إشعال الحرائق في مرحلتي الطفولة والمراهقة كآلية تعبيرية عن الغضب العاجز.

علاوة على ذلك، كشفت المقارنات الإحصائية بين مرتكبي جرائم الحرق العمد والمجرمين مرتكبي الجرائم العنيفة الأخرى أن مشعلي الحرائق يسجلون مستويات أعلى بكثير من العزلة الاجتماعية، وانخفاض المهارات الحازمة (Assertiveness)، والخلل في التعبير اللفظي عن المشاعر، مما يدعم الفرضية المعرفية السلوكية القائلة بأن النار تعمل بالنسبة لهم كبديل للتواصل الإنساني الطبيعي وللتعبير الصريح عن الاحتجاج والانفعال.

12. الاعتبارات الثقافية والعبر-ثقافية

تتباين مستويات التسامح والمعاني الرمزية المرتبطة بالنار وسلوك إشعالها عبر الثقافات والمجتمعات المختلفة. ففي المجتمعات الريفية والتقليدية، حيث تُستخدم النيران المفتوحة بصورة يومية في إعداد الطعام والتدفئة وتطهير الأراضي الزراعية، يكتسب الأطفال مهارات التعامل مع أدوات الاشتعال في سن مبكرة جداً تحت إشراف الأسرة، مما يقلل نسبياً من حوادث اللعب الفضولي الخفي، بينما يرتفع معدل الحوادث في المجتمعات الحضرية نتيجة حظر التعامل مع النار وعزلها التام، مما يثير فضولاً سرياً مكثفاً لدى الطفل.

كما تلعب المعتقدات الثقافية والروحية دوراً في توجيه التفسيرات السريرية؛ ففي بعض البيئات الشعبية، قد يُعزى إشعال الحرائق الغامض أو المتكرر من قِبل المراهقين إلى قوى خارقة أو مس شيطاني، مما يؤخر طلب التدخل النفسي المبكر ويفاقم من خطورة السلوك وتدهور الحالة العقلية للفرد. من هذا المنطلق، يشدد المتخصصون على ضرورة أخذ الحساسية الثقافية بالحسبان أثناء التقييم، وتحديد ما إذا كان إشعال النار يمثل خرقاً صريحاً للمعايير الاجتماعية للمجتمع المحلي أم مجرد سوء تقدير في بيئة تتساهل مع استخدام النيران المكشوفة.

13. الانتقادات والجدل والقيود المنهجية

تثير الأبحاث النظرية والإكلينيكية في مجال إشعال الحرائق عدداً من الانتقادات المنهجية والخلافات المستمرة بين الباحثين. من أبرز هذه الانتقادات ما يتعلق بمصداقية وصلاحية مفهوم “هوس إشعال الحرائق” (Pyromania) في أدلة التشخيص النفسي؛ حيث يرى فريق من علماء النفس والطب الشرعي أن المعايير الحالية شديدة الندرة والصرامة إلى درجة تجعل التشخيص غير عملي، بينما يجادل آخرون بأن تبرير الجرائم المادية بوجود هوس مرضي قد يُساء استخدامه قانونياً للتهرب من العقاب والمسؤولية الجنائية.

ومن القيود المنهجية الجوهرية أيضاً هيمنة العينات الجنائية ونزلاء السجون ومصحات الطب النفسي القضائي على غالبية الدراسات المتاحة. يؤدي هذا التحيز في اختيار العينات إلى إغفال شريحة واسعة من مشعلي الحرائق الذين لم يتم القبض عليهم أو الذين يمارسون إشعال الحرائق الطفيف في بيئاتهم الخاصة دون أن يقعوا تحت طائلة القانون، مما يجعل تعميم النتائج على المجتمع العام أمراً محفوفاً بالشكوك المنهجية.

بالإضافة إلى ذلك، واجهت الفرضيات التقليدية، كفرضية “ثالوث ماكدونالد”، موجة من الانتقادات الإحصائية التي بينت ضعف قوتها التنبؤية عند تطبيقها على عينات واسعة ومحايدة، حيث تبيّن أن اجتماع التبول اللاإرادي والقسوة على الحيوانات وإشعال الحرائق ليس حتمياً ولا يمثل مساراً خطياً قاطعاً نحو الجريمة المتسلسلة، بل هو مجرد انعكاس لحجم التفكك والخلل البيئي والأسري الشديد المحيط بالطفل.

14. المصطلحات المقترنة والفروق الجوهرية

لتفادي الخلط المفاهيمي الشائع في السياقات السريرية والقانونية، ينبغي إبراز الفروق الجوهرية بين المصطلحات ذات الصلة:

  • الحرق العمد (Arson): مصطلح قانوني وجنائي بحت يُعرّف بأنه الإتلاف أو التدمير المتعمد والمقصود للممتلكات الخاصة أو العامة باستخدام النار أو المواد الحارقة، ويكون محكوماً بالعقوبات الجنائية بصرف النظر عن الحالة النفسية للمرتكب، في حين أن “سلوك إشعال الحرائق” هو وصف نفسي سلوكي يشمل الأبعاد المرضية والاستكشافية والعرضية.
  • هوس إشعال الحرائق (Pyromania): اضطراب نفسي تشخيصي دقيق يُشترط فيه وجود دافع متكرر وقاهر لإشعال النار مصحوباً بمتعة وارتياح داخلي مع غياب الدوافع النفعية أو الانتقامية، ويمثل نسبة محدودة جداً من مجمل حالات سلوك إشعال الحرائق.
  • اضطراب المسلك (Conduct Disorder): اضطراب يبدأ في الطفولة أو المراهقة ويتسم بنمط مستمر من انتهاك حقوق الآخرين والمعايير الاجتماعية، ويكون إشعال النار فيه واحداً من بين سلوكيات تخريبية متعددة كالسرقة، والاعتداء، والهروب من المنزل، والاعتداء على ممتلكات الآخرين.
  • التخريب المتعمد (Vandalism): سلوك يهدف إلى الإتلاف العشوائي للممتلكات دون وجود تركيز وجداني خاص أو افتتان نوعي بالنار، حيث تكون النار مجرد وسيلة بين وسائل تخريبية أخرى كالتحطيم أو الرش بالدهانات.

15. الخلاصة وأهم الاستنتاجات العامة

يمثل سلوك إشعال الحرائق ظاهرة متعددة المستويات تمتد من مجرد حب الاستطلاع والاستكشاف الحسي المفتقر للوعي لدى صغار السن، إلى كونه عرضاً لاضطرابات انفعالية ونفسية عميقة، أو وسيلة تدميرية في سياق السلوك الإجرامي والانتقامي. يتطلب التعامل الرشيد مع هذه الظاهرة تجاوز النظرة التبسيطية التي تختزل الفعل في البعد الجنائي التخريبي، والتركيز بدلاً من ذلك على فك شفرات الدوافع النفسية والوظائف الانفعالية التي تؤديها النيران بالنسبة للمرتكب.

تُجمع الدراسات المعاصرة على أن التدخل الفعال يستند إلى التقييم الشامل للتشوهات المعرفية، والعجز في مهارات التنظيم الوجداني، والخلل في البيئات الأسرية والاجتماعية الداعمة. ومن خلال التنسيق بين خدمات الصحة النفسية، والمنظومات القضائية والتربوية، وأجهزة الدفاع المدني، يمكن بناء استراتيجيات وقائية وتداخلية متقدمة تحد من خطورة السلوك وتكفل حماية الأفراد والمجتمعات من عواقبه الكارثية.

المراجع

Gannon, T. A., Ó Ciardha, C., Doley, R. M., & Alleyne, E. (2012). The Multi-Trajectory Theory of Adult Firesetting (M-TFN). Aggression and Violent Behavior, 17(5), 411–421. https://doi.org/10.1016/j.avb.2012.05.003

Kolko, D. J., & Kazdin, A. E. (1986). A conceptualization of firesetting in children and adolescents. Journal of Abnormal Child Psychology, 14(1), 49–61. https://doi.org/10.1007/BF00917223

American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787

Fritzon, K., Doley, R., & Holloway, P. (2014). Firesetting: An exploration of the psychological literature. Psychiatry, Psychology and Law, 21(5), 685–698. https://doi.org/10.1080/13218719.2013.879745

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 20). سلوك إشعال الحرائق: الدوافع النفسية والتقييم السريري. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/fire-setting-behavior/
looti, Mohammed. “سلوك إشعال الحرائق: الدوافع النفسية والتقييم السريري.” عرب سايكلوجي, 20 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/fire-setting-behavior/.
looti, Mohammed. “سلوك إشعال الحرائق: الدوافع النفسية والتقييم السريري.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 20, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/fire-setting-behavior/.