يُعد مفهوم الهروب إلى الصحة من أكثر الظواهر السريرية تعقيداً وإثارة للجدل في مجال التحليل النفسي والعلاج النفسي التحليلي المعاصر؛ إذ يقدم المريض مظهراً زائفاً للتعافي المفاجئ كوسيلة لاواعية للهروب من قلق الاستبصار ومواجهة الصراعات الدفينة. يمثل هذا التراجع الدفاعي تحدياً مهنياً كبيراً للمعالج السريري، لأنه يخفي تحت عباءة الشفاء مقاومة صلبة تعطل تفكيك البنى العصابية الأساسية.
الهروب إلى الصحة في التحليل النفسي والعيادة السريرية
1. التعريف الدقيق والموجز
يُعرَّف الهروب إلى الصحة (Flight into Health) في الأدبيات السريرية بأنه آلية دفاعية ومظهر من مظاهر المقاومة النفسية اللاواعية، يظهر من خلالها تحسن مفاجئ ومفاجئ وغير مبرر سريرياً في الأعراض النفسية التي كان يعاني منها المريض، وذلك بهدف التهرب من مشقة العملية العلاجية وتجنب فحص الصراعات النفسية العميقة أو مواجهة تحويلية مؤلمة داخل إطار العلاج.
يتسم هذا الشفاء الظاهري بأنه درامي وسريع، حيث يُعلن العميل أنه أصبح معافى تماماً ولم يعد بحاجة إلى تلقي الدعم النفسي، وغالباً ما يتزامن هذا الإعلان مع اقتراب الجلسات من كشف مواد لاواعية مكبوتة تنطوي على شحنات انفعالية مؤلمة مثل الذنب الشديد، أو الخزي، أو الصدمات المبكرة. إن الشفاء هنا ليس نتاج عمل نفسي تكاملي واكتساب استبصار داخلي حقيقي، بل هو هروب استباقي يرمي إلى حماية التوازن الدفاعي الهش للأنا من خطر التفكك أو إعادة تجربة الألم الصادم.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق
يعود الأصل المصطلحي لتعبير الهروب إلى الصحة إلى الترجمة الإنجليزية للمصطلح الألماني الأصلي (Flucht in die Gesundheit)، وهو المصطلح الذي سكه رواد مدرسة التحليل النفسي في أوائل القرن العشرين، ولا سيما ضمن السياق الفرويدي في تتبع أشكال المقاومة الإكلينيكية المتعددة. يقابل هذا المفهوم في التحليل النفسي الكلاسيكي مصطلحاً نظيراً هو الهروب إلى المرض (Flucht in die Krankheit)، والذي يصف لجوء المريض إلى الانتكاس العرضي لاتقاء متطلبات الواقع أو الهروب من التزامات الحياة اليومية.
في الاشتقاق الدلالي العربي، تجمع عبارة “الهروب إلى الصحة” بين فعل الهروب الذي يفيد التملص والفرار من تهديد وشيك، ولفظ “الصحة” الذي يعبر عن التوافق والاتزان الحيوي والنفسي. يكتسب التركيب طابعه المتناقض مجازياً وسريرياً؛ حيث تصبح “الصحة” المزعومة غطاءً وملاذاً دفاعياً للفرار من الحقيقة النفسية الباطنية، بدلاً من أن تكون غاية وجودية متحققة عن طريق النضج المعرفي والانفعالي.
3. النطق والصيغة الصرفية واللغوية
يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى بصيغة المركب الإضافي وحرف الجر: “الهُرُوبُ إِلَى الصِّحَّةِ” (بضم الهاء وضم الراء ومد الواو في الهروب، وكسر الصاد وتشديد الحاء المفتوحة في الصحة). يُصنف التعبير نحوياً كمركب اسمي مجرور، يُعامل في السياق السريري كاسم علم دال على مفهوم نفسي إجرائي محدد.
يُستخدم المصطلح في الحقل العلاجي كاسم مفرد لا يُجمع عادة، ويُقال سريرياً: “أظهر المفحوص هروباً إلى الصحة بمجرد البدء في تحليل مشاعر التحويل السلبي”، أو “يمثل تعافي العميل المفاجئ نموذجاً صريحاً للهروب إلى الصحة”. ومن تنويعاته التعبيرية الأقل شيوعاً في المطبوعات العربية: “الفرار نحو العافية” أو “الشفاء الدفاعي التعويضي”، وإن ظل مصطلح “الهروب إلى الصحة” هو الأكثر اعتماداً وشيوعاً بين الأكاديميين والممارسين.
4. الشرح المفاهيمي الموسع
ينطوي الهروب إلى الصحة على مناورة سيكولوجية معقدة يقوم بها الجهاز النفسي لحماية نفسه من اجتياح القلق الناجم عن انهيار الحيل الدفاعية التقليدية. عندما تبدأ الجلسات العلاجية في ملامسة بؤر الصراع اللاشعوري—سواء كانت رغبات محظورة أو ذكريات صادمة—يشعر الأنا بتهديد كياني وشيك. ولمنع هذه المحتويات المهددة من الوصول إلى حيز الوعي، يقوم العقل بحل العَرَض السطحي مؤقتاً بصورة إعجازية، وكأنه يقول للمعالج: “لقد زال السبب الذي جئت من أجله، وبالتالي لم يعد هناك مبرر للاستمرار في النبش أو الحفر النفسي”.
تتميز هذه الحالة بهشاشة لافتة وتناقض وجداني دفين؛ فالشخص الذي كان يعاني بالأمس القريب من كآبة عميقة أو أعراض وسواسية شالة، يظهر فجأة بحالة من الحيوية والنشاط المفرط والتفاؤل غير الواقعي، مؤكداً استعادته الكاملة للسيطرة على حياته. إلا أن هذا التوازن المصطنع يفتقر إلى الركائز الهيكلية المتينة؛ إذ إنه لا يستند إلى إعادة تنظيم في بنية الشخصية أو نمو في آليات التكيف الناضجة، بل يقوم على قمع مكثف وتكذيب للواقع الباطني، مما يجعل المريض عرضة لانتكاسات مدمرة بمجرد تعرضه لأي ضغط خارجي بعد إنهاء العلاج المتسرع.
علاوة على ذلك، يرتبط الهروب إلى الصحة ارتباطاً وثيقاً بديناميات التحويل والتحويل المضاد. فقد ينبع التعافي الزائف من رغبة غير واعية في إرضاء المعالج والظهور بمظهر “المريض النموذجي” لكسب حبه واستحسانه السريع، أو على النقيض من ذلك، قد يعكس محاولة عدائية لإفراغ تدابير المعالج من قيمتها وسلب سلطته العلاجية عبر إثبات أن المريض يستطيع شفاء نفسه بمفرده دون مساعدة، وبذلك يتجنب مشاعر التبعية والهشاشة التي يثيرها الموقف العلاجي الأصيل.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تعود الجذور التاريخية لهذا المفهوم إلى بدايات التحليل النفسي مع كتابات سيغموند فرويد، ولا سيما في تحليله الشهير لحالة “دورا” (Ida Bauer) عام 1905 وحالات الهستيريا المبكرة. لاحظ فرويد أن المرضى غالباً ما يعلنون توقف الأعراض فجأة عندما يقترب التحليل من الكشف عن مصادر رغباتهم المكبوتة وعقدهم الأوديبية غير المحلولة، واصفاً هذا التحسن التكتيكي بأنه ضرب من ضروب المقاومة السلبية لإنهاء العلاج وحرمان الطبيب من سبر أغوار البنية اللاشعورية.
في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، طوّر محللو الأنا مثل آنا فرويد وهاينز هارتمان هذا الطرح، حيث صُنفت الظاهرة باعتبارها استراتيجية دفاعية ينسقها الأنا لتفادي إعادة تنشيط صراعات النزوات غير المحتملة. وأكدت آنا فرويد في دراساتها حول آليات الدفاع أن الشفاء التظاهري يخدم وظيفة الحفاظ على التوازن النفسي الداخلي في وجه خطر التفسيرات التحليلية التي يُنظر إليها كغزو يهدد سلامة الذات.
مع صعود نظريات العلاقات الموضوعية في الستينيات والسبعينيات، ولا سيما من خلال أعمال رونالد فيربيرن وميلاني كلاين ودونالد وينيكوت، اتسع فهم الهروب إلى الصحة ليشمل الهروب من العلاقة العلاجية نفسها. اعتُبر التحسن الدفاعي مناورة لحماية “الذات الحقيقية” الهشة من أن تسحقها التبعية لموضوع خارجي (المعالج)، أو وسيلة لاواعية للفرار من مشاعر الكراهية والحسد الشديدين التي قد يشعر بها العميل تجاه من يعالجه، وبذلك تحول التركيز من مجرد صراع نزوي داخلي إلى أزمة تتعلق بالارتباط والأمن البينشخصي.
6. الأسس والمنطلقات النظرية
يقوم تفسير ظاهرة الهروب إلى الصحة على عدة أسس نظرية متداخلة تنتمي إلى مدارس فكرية متنوعة داخل منظومة علم النفس المعاصر:
أولاً: منظور نظرية المقاومة والتحويل التحليلي: ترى المدرسة الفرويدية الكلاسيكية أن العرض النفسي ليس مجرد علامة مرضية، بل هو تسوية تفاوضية (Compromise Formation) بين نزوات الهو المحظورة ودفاعات الأنا ومحاكمات الأنا الأعلى. وعندما يهدد التحليل النفسي هذا التوازن العُصابي الحذر، يلجأ الجهاز النفسي إلى التضحية بالعرض مؤقتاً عبر الادعاء بالصحة، لحماية المكبوت من الانكشاف؛ إذ يمثل الانكشاف خطراً يفوق ألم العرض ذاته.
ثانياً: منظور دفاعات الهوس (Manic Defenses) لدى مدرسة العلاقات الموضوعية: تربط ميلاني كلاين هذا السلوك بالدفاع الهوسي الذي يلجأ إليه الفرد لنفي اعتماده النفسي على الآخر ونفي مشاعر العجز والاكتئاب الكامنة. من خلال إعلان الشفاء والقدرة الكلية، يمارس المريض آليات الإنكار والسيطرة الكلية (Omnipotent Control)، متجنباً الحزن الضروري لإدراك نقائصه وخساراته النمائية.
ثانياً: المنظور المعرفي السلوكي ومنظومة الأمان غير المتكيفة: على الرغم من أن المصطلح ذو صبغة تحليلية، فإن المقاربات المعرفية تفسر هذه الظاهرة بسلوكيات التجنب المعرفي والسلوكي (Cognitive and Behavioral Avoidance). يعتبر العميل زوال الأعراض المؤقت وسيلة للهروب من التعرض للمثيرات الشرطية المسببة للقلق الداخلي، مفضلاً تبني معتقدات طمأنة زائفة بدلاً من خوض غمار إعادة الهيكلة المعرفية المعقدة.
7. المكونات والأنماط والأبعاد الرئيسية
يمكن تفكيك ظاهرة الهروب إلى الصحة إلى مجموعة من الأنماط الديناميكية والمكونات السريرية التي تتجلى في الممارسة العملية وفق الأبعاد التالية:
- البُعد الزمني المفاجئ: يتميز التحسن بالحدوث المباغت الذي لا يتناسب مع طبيعة الاضطراب المزمنة أو مسار التغيير النفسي التدريجي، وغالباً ما يظهر بعد جلسة استكشافية حاسمة أو بعد عدد قليل جداً من المقابلات.
- نمط التجنب الإنهائي (The Avoidant-Terminating Pattern): يرافقه إصرار قاطع من المريض على إنهاء مسار الجلسات فوراً، مع رفض مناقشة خطة التوقف أو حضور جلسات المتابعة والتقييم.
- الإنكار العاطفي والتسطيح الوجداني: استبدال المشاعر العميقة بالبهجة المصطنعة والحديث المعمم عن الإيجابية، مع تجنب تام لإظهار الحزن أو الغضب أو القلق الذي طغى على المقابلات الأولى.
- الدافع التحويلي الاسترضائي: رغبة لاواعية في الظهور بمظهر “الناجح” لانتزاع مديح المعالج وتجنب خيبة أمله المتوقعة، أو لإثبات كفاءة المعالج بصورة مبالغ فيها تخفي عدواناً سلبياً.
- الإعلاء الدفاعي والنشاط المفرط: الانهماك المفاجئ في مشاريع جديدة، أو اتخاذ قرارات مصيرية متسرعة لتأكيد العافية والانشغال الحياتي الكامل بهدف غلق المساحة التأملية.
8. أمثلة وحالات سريرية توضيحية
الحالة الأولى: الهروب من الصدمة البينشخصية
راجع رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره عيادة نفسية يعاني من نوبات هلع مستمرة وعلاقات عاطفية فاشلة. في الجلسة السادسة، بدأ المعالج بربط خوفه من التخلي بذكريات مؤلمة تتعلق بإهمال والده له في الطفولة المبكرة. أظهر المريض توتراً شديداً خلال الجلسة. وقبل موعد الجلسة السابعة بساعات، بعث برسالة نصية مقتضبة يشكر فيها المعالج، معلناً أن نوبات الهلع تلاشت تماماً بنسبة مئة بالمئة وأنه استعاد طاقته وشعر بنور داخلي مفاجئ ولم يعد بحاجة لأي استشارة. يوضح هذا المثال هروباً واضحاً إلى الصحة تفرضه الرغبة في التملص من ألم استحضار صورة الوالد الغائب ومشاعر الدونية المرتبطة بها.
الحالة الثانية: المناورة الدفاعية ضد التحويل السلبي
سيدة في الأربعينيات تعاني من مشاعر خواء واكتئاب مزمن، بدأت تبدي مشاعر استياء مبطنة من دقة مواعيد المعالج واعتبرتها دليلاً على بروده العاطفي. وحين حاول المعالج استكشاف هذه المشاعر الموجهة نحوه بوصفها انعكاساً لعلاقتها بأم مسيطرة، أطلت المريضة في الجلسة التالية بابتسامة عريضة وثياب زاهية، معلنة أنها فهمت كل شيء وشُفيت تماماً من الاكتئاب، وأثنت على مهارة المعالج الفائقة بأسلوب مبالغ فيه. كان هذا التحول محاولة لاواعية لقمع غضبها وعدوانها تجاه المعالج خشية أن يُقدم على تدمير الرابطة العلاجية أو التخلي عنها.
9. القياس والتقييم السريري
لا يخضع الهروب إلى الصحة لمقاييس استبيانية تقريرية تقليدية، نظراً لطبيعته الدفاعية القائمة على الإنكار الواعي واللاواعي للأعراض؛ فإذا طُبق مقياس للاكتئاب مثل قائمة بيك للاكتئاب على مريض في حالة هروب إلى الصحة، ستكون درجاته في أدنى مستوياتها مما يشير كاذباً إلى السلامة النفسية التامة.
يعتمد التقييم السريري التشخيصي على الفطنة الإكلينيكية والملاحظة الميكروسكوبية لسلوك المريض عبر مؤشرات محددة:
- التناقض بين الخطاب اللفظي وغير اللفظي: يعلن المريض عن سعادته وراحته المطلقة، بينما تظهر ملامح وجهه وجسده توتراً عضلياً وتجنباً للتواصل البصري المباشر.
- غياب الاستبصار التفصيلي: عجز المريض عن شرح الكيفية التي أدت إلى هذا التغيير أو تحديد الآليات الذهنية التي مكنته من تجاوز الصراع بهذه السرعة.
- مقياس تحالف العمل العلاجي (WAI): الملاحظة الحذرة لتذبذبات التحالف؛ فالارتفاع المصطنع وغير المتدرج في تقييم العلاقة قد ينبئ بانسحاب دفاعي وشيك.
- تحليل الاستجابات الإسقاطية: استخدام اختبارات إسقاطية مثل اختبار بقع الحبر لرورشاخ (Rorschach)، حيث تكشف البروفايلات الإسقاطية عن وجود قلق دفين وتصدع في البنية الدفاعية لا ينعكس في الإفادات الذاتية للمفحوص.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تحظى معرفة دينامية الهروب إلى الصحة بأهمية بالغة في الإرشاد والعلاج النفسي لتقليل معدلات التسرب غير المخطط له (Premature Termination). إن عدم إدراك المعالج لهذه الظاهرة قد يدفعه إلى مشاركة المريض وهم الشفاء وتهنئته المبكرة، مما يؤدي إلى انتكاسة سريعة وفقدان المريض ثقته في جدوى التدخلات العلاجية برمّتها.
يتطلب التعامل السريري الحكيم مع هذه الظاهرة إيقاعاً متزناً وتفسيراً دقيقاً؛ فلا ينبغي للمعالج مهاجمة دفاعات المريض بعدوانية أو التشكيك الفج في تحسنه، لأن ذلك قد يدفعه نحو الانغلاق التام، بل يتعين عليه التحقق من مشاعره بفضول تعاطفي عبر عبارات مثل: “من الرائع أن تشعر بهذا القدر من الارتياح الآن، لكن دعنا نتأمل معاً كيف حدث هذا التحول السريع وما إذا كانت هناك مخاوف ما زالت تنتظر منا الفحص في الأيام القادمة”.
في بيئات العمل المؤسسية ومراكز علاج الإدمان، يحمل المفهوم بعداً تطبيقياً حرجاً؛ حيث يُبدي العديد من المتعافين الجدد حماساً مفرطاً وتأكيداً زائفاً على التخلص النهائي من الرغبة القهرية في التعاطي بعد أيام قليلة من سحب السموم (ما يُعرف بالعامية الإكلينيكية بمرحلة “شهر العسل”). يفضي فهم الهروب إلى الصحة إلى وضع برامج وقاية من الانتكاس تعيد تأطير هذا التعافي الهش بوصفه إنكاراً لحجم التحدي الحقيقي.
11. الأبحاث والدلائل التجريبية
واجه الهروب إلى الصحة صعوبات في التوثيق الإمبيريقي الوضعي بسبب صعوبة عزل المتغيرات اللاواعية، إلا أن الأبحاث الحديثة في علم النفس الإكلينيكي ركزت على دراسة ظاهرة التوقف المبكر عن العلاج وظاهرة “التحسن الوهمي السريع”. أظهرت دراسات لورانس وبيتلر (Beutler et al.) حول مقاومة المرضى أن المرضى الذين يتميزون بنمط دفاعي تجنبي عالٍ يميلون إلى إظهار انخفاض سريع في الأعراض في الجلسات الأولى يليه انقطاع مفاجئ عن العلاج، مع تسجيل معدلات انتكاس مرتفعة خلال متابعة استمرت ستة أشهر مقارنة بأقرانهم الذين أظهروا تحسناً تدريجياً مصحوباً بالاستبصار.
كما بينت دراسات التحالف العلاجي للباحث هورفاث (Horvath) وزملاؤه أن التحسن غير المتطابق مع عمق العمل العلاجي يرتبط بنمط تعلق غير آمن (تجنبي بالأساس)، حيث يستخدم العميل ادعاء الاستقلالية والشفاء لمنع الاقتراب الوجداني الحميم مع المعالج. تدعم هذه النتائج الفرضية القائلة بأن الهروب إلى الصحة يمثل استراتيجية علائقية منظمة لحماية الذات وليست مجرد وهم ذاتي عابر.
12. الاعتبارات الثقافية والعبر-ثقافية
تؤثر السياقات الثقافية بدرجة عميقة في تمظهرات الهروب إلى الصحة؛ ففي المجتمعات الجمعية والمحافظة التي تعاني من وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي، يتعرض الأفراد لضغوط مجتمعية هائلة تدفعهم لإثبات سلامتهم العقلية بسرعة. هنا، يتشابك الهروب إلى الصحة مع الرغبة في التخلص من تصنيف “المريض النفسي” والعودة السريعة للاندماج في الأدوار الوظيفية والعائلية المقبولة.
في المقابل، قد يُصبغ الهروب إلى الصحة بصبغة روحانية أو دينية في بعض الثقافات العربية والإسلامية؛ حيث يعزو العميل شفاءه المفاجئ إلى “قوة الإيمان المطلق” أو خضوعه لطقس شفائي سريع، متخذاً من ذلك مبرراً للتوقف عن العلاج السريري ومواجهة المشكلات النفسية والعلائقية التي تحتاج إلى تفكيك منهجي صبور. يجب على المعالج المتمرس أن يفرق بدقة بين الاستناد الإيجابي إلى القيم الروحية كعامل دعم، وبين توظيفها اللاواعي كآلية هروب دفاعية ضد استبصار الصراعات الكامنة.
13. الانتقادات والنقاشات وحدود المفهوم
تعرض مفهوم الهروب إلى الصحة لعدة انتقادات، خاصة من قِبل رواد العلاج المتمركز حول الشخص والمدرسة الإنسانية التي أسسها كارل روجرز. يرى النقاد الإنسانيون أن المفهوم ينطوي على نزعة تشكيكية أبوية من جانب المعالج النفسي؛ فبدلاً من الثقة بقدرات العميل الذاتية وطاقته الكامنة على النمو والشفاء التلقائي، يُفترض سلفاً أن كل تحسن سريع هو زائف ومقاومة غير واعية، مما يرسخ وصاية المعالج الاحتكارية على مفهوم “الشفاء الحقيقي”.
من جهتهم، يرى بعض الباحثين السلوكيين أن افتراض وجود صراعات خفية وراء الشفاء يمثل نوعاً من الجدل الدائري غير القابل للدحض تجريبياً (Unfalsifiable)؛ فإذا استمرت أعراض المريض اعتُبر مريضاً، وإذا شُفي فجأة اعتُبر هارباً إلى الصحة! يحذر هؤلاء من استخدام هذا المفهوم كتبرير لفشل المعالج في استثمار التحسن الأولي للمريض أو إطالة أمد العلاج دون مبرر موضوعي.
14. المصطلحات المقارنة والتمايزات المفاهيمية
لتجنب اللبس النظري والخلط التشخيصي، من الضروري التمييز بين الهروب إلى الصحة والمفاهيم السريرية القريبة منه عبر المقارنات الآتية:
- الهروب إلى المرض (Flight into Illness): نقيضه المباشر؛ حيث يتشبث المريض بالأعراض العصابية ويغالي فيها للهروب من متطلبات الحياة الواقعية واكتساب مكاسب أولية وثانوية، بينما في الهروب إلى الصحة يتخلى عن الأعراض ظاهرياً لحماية الصراع من الانكشاف.
- التحسن المفاجئ الحقيقي (Sudden Gain): ظاهرة مثبتة في العلاج المعرفي السلوكي تتضمن انخفاضاً حاداً ودائماً في الأعراض بين جلستين متتاليتين، لكنها تتميز باقترانها باستبصار معرفي واضح وقدرة العميل على صياغة التغيير وتطبيقه سلوكياً دون تجنب الاستمرار في برنامج العلاج.
- الدفاع الهوسي (Manic Defense): حالة وجدانية تتميز بارتفاع المزاج، والتطاير الفكري، والعظمة للهروب من المشاعر الاكتئابية، في حين أن الهروب إلى الصحة قد لا ترافقه أعراض هوسية بالضرورة، بل يقتصر على ادعاء التوازن والتوافق السوي.
- المطاوعة الزائفة (False Compliance): تظاهر المريض بالموافقة على تفسيرات المعالج وتنفيذ توجيهاته شكلياً لنيل رضاه، مع بقاء بنيته النفسية دون تغيير، وتعتبر خطوة ممهدة للهروب إلى الصحة.
15. ملخص وخلاصة ختامية
يظل الهروب إلى الصحة ظاهرة سريرية محورية تكشف عن تعقيد الأجهزة الدفاعية النفسية وقدرتها المدهشة على المناورة حتى عبر توظيف قناع التعافي ذاته. إن مواجهة هذا التحدي لا تقتضي نفي ارتياح المريض أو التقليل من مشاعره الإيجابية، بل تتطلب توجيه دفة العلاج برفق نحو استكشاف التهديد اللاشعوري الذي استدعى هذا القناع، لضمان تحويل التعافي الهش إلى نضج نفسي متكامل ومستدام يصمد أمام تقلبات الحياة الواقعية ومحنها.
المراجع
Freud, S. (1905). Fragment of an analysis of a case of hysteria. Standard Edition, 7, 1-122.
Gabbard, G. O. (2014). Psychodynamic psychiatry in clinical practice (5th ed.). American Psychiatric Publishing.
Greenson, R. R. (1967). The technique and practice of psychoanalysis. International Universities Press.
Horvath, A. O., & Symonds, B. D. (1991). Relation between working alliance and outcome in psychotherapy: A meta-analysis. Journal of Counseling Psychology, 38(2), 139–149.
Malan, D. H. (1995). Individual psychotherapy and the science of psychodynamics (2nd ed.). Butterworth-Heinemann.