نموذج المساعدة: سيكولوجية العطاء والدعم

استكشف مفهوم نموذج المساعدة في علم النفس والإرشاد النفسي؛ تعرف على أسسه المعرفية، وديناميات اتخاذ قرار العون، ونظريات بريكمان وإيغان وأثر المارة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 24 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 24 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثل فهم الدوافع والآليات المعرفية والسلوكية الكامنة وراء مد يد العون للآخرين أحد أعمق التساؤلات التي شغلت الفكر الإنساني عموماً وعلم النفس خصوصاً، إذ يتجاوز تقديم العون مجرد كونه تصرفاً عفوياً ليغدو عملية نفسية واجتماعية معقدة تتداخل فيها الحسابات العقلانية، والاستجابات الانفعالية، والمعايير الثقافية. يُشكل استيعاب نماذج المساعدة مدخلاً جوهرياً لفك شفرة الإيثار البشري وكيفية تفاعل الأفراد في أوقات الأزمات والشدائد، مما يفتح آفاقاً واسعة لتصميم التدخلات المجتمعية والعيادية التي تعزز التعاضد والتكافل الإنساني.

نموذج المساعدة (Helping Model)

1. التعريف الدقيق والموجز

يُعرَّف نموذج المساعدة في العلوم النفسية والاجتماعية بأنه إطار نظري وتطبيقي يُفسر المراحل الإدراكية، والدوافع الانفعالية، والمتغيرات السياقية التي تُحدد متى وكيف ولماذا يقرر الفرد تقديم الدعم أو العون لشخص آخر يمر بموقف ضاغط أو حاجة ملحة. يشمل هذا المصطلح أيضاً في سياق الإرشاد والعلاج النفسي النماذج الهيكلية المنظمة للعلاقة المهنية بين المرشد والمسترشد، والتي ترسم خطوات التغيير وبناء التحالف العلاجي الفعال.

يتناول النموذج بوصفه مفهوماً متعدد المستويات شبكة التفاعلات المعقدة التي تبدأ بإدراك وجود شخص في محنة، مروراً بتقييم المسؤولية الأخلاقية والشخصية، وحساب التكاليف والعوائد المترتبة على التدخل، وصولاً إلى اختيار نمط المساعدة المناسب وتنفيذه. لا يقتصر نموذج المساعدة على التفسير السببي للمواقف الإسعافية الطارئة، بل يمتد ليشمل ديناميات الرعاية طويلة الأمد، والسلوك الاجتماعي الإيجابي المنظم، والعلاقات التعاونية التي تدعم التكيف البشري وتحد من العزلة والوهن النفسي.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي

ينحدر مفهوم المساعدة لغوياً في اللسان العربي من الجذر الثلاثي (س ع د)، والذي يدل في أصله على القوة، واليُمن، وتيسير الأمور؛ ويقال “ساعده على الأمر مساعدةً وسِعاداً” أي عاونه وظاهره وشد عضده في بلوغ مأربه ورفع المشقة عنه. أما لفظ “النموذج” فأصله معرب عن الفارسية (نمودَه)، ويشير إلى المثال الذي يُقتدى به، أو الصيغة المجردة والصورة المصغرة التي توضح بنية نظام ما وكيفية عمله.

في الفكر الغربي، يرجع مصطلح (Helping Model) إلى الأصل الجرماني القديم للفعل الإنجليزي (Help)، والذي يحمل معنى الإغاثة والتخفيف والشفاء. ارتبط المصطلح أكاديمياً في منتصف القرن العشرين بميدان علم النفس الاجتماعي عند دراسة سلوك التدخل (Helping Behavior)، ثم اكتسب دلالة إرشادية وتوجيهية محددة مع تطوير جيرارد إيغان لنماذج التدخل السلوكي والمعرفي ووضعه مؤلفه المرجعي عن “المساعد الماهر” (The Skilled Helper)، لتتبلور بذلك التسمية المزدوجة التي تصف سلوكيات النجدة المجتمعية من جهة، وأساليب الإسناد الاستشاري من جهة أخرى.

3. النطق والبنية الصرفية

تُلفظ العبارة في الفصحى بضم النون وفتح الميم والواو وكسر الذال: نُمُوذَج (Nu-mū-dhaj)، وتُتبع بلفظ المساعدة بضم الميم وكسر العين: المُسَاعَدَة (Al-Musā‘adah)، وهي مصدر مشتق من الفعل الرباعي المزيد بحرف “ساعدَ” على وزن “فاعَلَ – يُفاعِلُ – مُفاعَلَة”. تدل صيغة المفاعلة في اللغة العربية غالباً على المشاركة والتفاعل بين طرفين، وهو ما ينسجم بدقة مع الماهية النفسية للمساعدة بوصفها عملية تفاعلية ثنائية القطب تضم المُعين والمُستعين، ولا تتكامل أركانها بجهد أحادي الجانب بمعزل عن استجابة الطرف الآخر وقبوله للدعم.

4. الشرح المفاهيمي التفصيلي

ينبني نموذج المساعدة على فرضية مركزية مفادها أن الاستجابة لحاجة إنسان آخر ليست منعكساً عصبياً بسيطاً، بل هي مسار معرفي وانفعالي متعدد المحطات. ينظر علماء النفس إلى هذا النموذج بوصفه شجرة قرارات ديناميكية؛ حيث يقف الإنسان أمام مدخلات بيئية متباينة تحضه على التوفيق بين متطلبات البقاء الذاتي ومصالح الجماعة. تنطلق هذه المعالجة من تقييم شدة الموقف، ومدى استحقاق المستفيد للمساعدة، واستشعار المشاعر البديلة كالحزن والضيق المشترك أو التعاطف الوجداني المجرد.

يتسع نطاق النموذج ليميز بوضوح بين أشكال العون المختلفة: فهناك المساعدة العفوية غير المخططة التي تفرضها الطوارئ الفجائية، والمساعدة المخططة والمستدامة كالانخراط في العمل التطوعي ومساندة ذوي الإعاقة والأمراض المزمنة. كما يفرق علماء النفس المعاصرون بين المساعدة التي ترتكز على التمكين المستقل (Autonomy-oriented help)، والتي تهدف إلى إكساب المحتاج أدوات حل مشكلاته بنفسه، وبين المساعدة التبعية (Dependency-oriented help)، التي تقدم حلاً جاهزاً وتُبقي متلقي العون عاجزاً ومرتهناً لإرادة المانح، مما قد يفرز آثاراً عكسية على تقديره لذاته.

وعلى مستوى العلاقات الإرشادية والمهنية، يُفصّل النموذج الخطوات الإجرائية التي يتبعها الاختصاصي النفسي لنقل العميل من حالة التشوش والعجز إلى مرحلة الاستبصار والفعل الواقعي. تتأسس هذه المنهجية على الجمع بين البيئة الآمنة، والتحليل المنطقي للأهداف، والتفكيك المرحلي للعقبات، مما يجعل نموذج المساعدة مرادفاً لاستراتيجية التعافي والنمو الشخصي المدروس وليست مجرد نصيحة عابرة أو تعاطف رومانسي سطحي.

5. التطور التاريخي والمسار الزمني

تعود البدايات التاريخية لبناء النماذج التجريبية للمساعدة إلى الستينيات من القرن العشرين، وتحديداً عقب حادثة مقتل الشابة كيتي جينوفيز (Kitty Genovese) عام 1964 في نيويورك، والتي شهدت عدم تدخل عشرات الجيران رغم سماعهم لاستغاثاتها المتكررة. هذه المأساة دفعت الباحثين بيب لاتانيه (Bibb Latané) وجون دارلي (John Darley) عام 1968 و1970 إلى تأسيس “نموذج التدخل المعرفي لشهود العيان”، كأول صياغة علمية تشرح لماذا يمتنع الناس عن تقديم العون في أوقات الحوادث، واضعين بذلك الأساس النظري لمفهوم تشتت المسؤولية وأثر المارة (Bystander Effect).

شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات توسعاً نوعياً في بنية النماذج؛ فظهر “نموذج الاستثارة: التكلفة والعائد” لبيليافين وزملائه (Piliavin et al., 1981) الذي أدخل العوامل الفسيولوجية والتكلفة المادية والنفسية في معادلة اتخاذ القرار. تلا ذلك السجال الفكري الشهير بين دانيال باتسون (Daniel Batson) بنموذجه القائم على فرضية “التعاطف-الإيثار” (Empathy-Altruism Hypothesis) عام 1991، وروبيرت سيالديني (Robert Cialdini) بنموذج “تخفيف الحالة السلبية الذاتية”، والذي جادل بأن المساعدة ما هي إلا سعي أناني غير مباشر لتسكين الانزعاج الشخصي المتولد عن رؤية مأساة الآخرين.

وفي المسار الإكلينيكي والاستشاري المتوازي، أحدث فيليب بريكمان (Philip Brickman) وزملاؤه عام 1982 ثورة في فهم تطبيقات الدعم بتقديمهم دراسة رائدة صنفت نماذج المساعدة والتعامل مع المشكلات إلى أربعة أنماط وفق مسألة المسؤولية عن المشكلة والحل. بالتزامن مع ذلك، رسخ جيرارد إيغان (Gerard Egan) النموذج الإرشادي ثلاثي المراحل، والذي غدا معياراً تعليمياً يربط الإصغاء الفعال بتحديد الأهداف والعمل التنفيذي، مما حول مفهوم المساعدة من إطار تنظيري وصفي إلى بروتوكول علاجي تطبيقي خاضع للقياس والتدريب.

6. الأسس والأطر النظرية

يستند نموذج المساعدة إلى منظومة متكاملة من المرجعيات الفكرية، تتصدرها نظرية التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory)، التي تفترض أن البشر يعالجون قرارات العطاء ضمن مصفوفة اقتصادية-نفسية تهدف إلى تعظيم المكاسب (كالمديح، والرضا عن الذات، والامتنان) وتقليل الخسائر (كالجهد، والوقت، والخطر الجسدي، واللوم الاجتماعي). بموجب هذا المنظور، لا يقدم الفرد على العون إلا إذا كان العائد النفسي أو المادي راجحاً على التكلفة المفترضة للتدخل.

في المقابل، تؤسس النظرية التطورية لأبعاد المساعدة عبر مفهومين أساسيين: “اصطفاء الأقارب” (Kin Selection) لوليم هاملتون، الذي يبرهن أن التضحية والمساعدة موجهتان لضمان بقاء الجينات المشتركة، و”الإيثار المتبادل” (Reciprocal Altruism) لروبرت تريفرز، والذي ينص على أن مساعدة الغرباء تترسخ تطورياً عندما يتوقع الفرد تلقي مساعدة مقابلة في المستقبل عند تبدل الظروف.

وعلى الصعيد الاجتماعي المعياري، ترتكز النماذج على قواعد السلوك الجمعي، وأهمها “معيار المسؤولية الاجتماعية” (Social Responsibility Norm) الذي يُلزم الإنسان أخلاقياً بإغاثة العاجز والضعيف دون انتظار مكافأة، و”معيار المعاملة بالمثل” (Reciprocity Norm). تتفاعل هذه النظريات لتشكل نسيجاً تفسيرياً يجمع بين الحتميات البيولوجية، والمحاسبة المعرفية الذاتية، والضوابط الثقافية الموجهة للضمير الجمعي.

7. المكونات، والأنواع، والأبعاد الرئيسة

تتنوع نماذج المساعدة وفقاً للزاوية التحليلية التي تُقارب من خلالها الظاهرة، ويمكن إبراز أهم أبعادها وهياكلها من خلال التصنيفات المعتمدة الآتية:

  • مراحل نموذج القرار المعرفي (لاتانيه ودارلي):
    • ملاحظة الحدث: إدراك المثيرات الحسية الدالة على وجود طارئ، والتغلب على تشتت الانتباه الحضري وانشغال الذهن.
    • تفسير الموقف كأزمة: تصنيف ما يجري بوصفه خطراً يتطلب تدخلاً فعلياً وتجاوز ظاهرة “الجهل الجمعي”، حيث يقيس الفرد الخطر بمدى هدوء المحيطين به.
    • تحمل المسؤولية الشخصية: استشعار الفرد بأنه معني بالتحرك مباشرة، وليس الاتكال على الآخرين (كسر تشتت المسؤولية).
    • معرفة أسلوب المساعدة: توافر الكفاءة والمهارة الإسعافية أو المعرفية اللازمة لتقديم الحل الناجع.
    • تنفيذ قرار المساعدة: تخطي الخوف من التقييم الاجتماعي السلبي أو الإحراج والشروع في الفعل المادي.
  • نماذج بريكمان الأربعة للمساعدة والتعامل مع المشكلات (Brickman’s Models):
    • النموذج الأخلاقي (Moral Model): يُحمّل الشخص مسؤولية وقوع المشكلة ومسؤولية حلها؛ حيث يُنظر للمستعين بأنه كسول يحتاج إلى تحفيز وإلزام شخصي وليس شفقة.
    • النموذج الطبي (Medical Model): يُعفي الشخص من مسؤولية حدوث المشكلة ومن مسؤولية حلها؛ حيث يُعامل كـ”مريض” أو ضحية عاجزة تحتاج لتشخيص وعلاج حصريين من خبير خارجي.
    • نموذج التنوير (Enlightenment Model): يرى الشخص مسؤولاً عن نشوء المشكلة والذنب ولكنه عاجز بمفرده عن حلها؛ فيلزمه الخضوع لسلطة عليا أو جماعة دعم (مثل برامج علاج الإدمان ذات الـ 12 خطوة).
    • النموذج التعويضي (Compensatory Model): لا يُحمّل الفرد ذنب حدوث مشكلته (يرى الأسباب بنيوية أو بيئية)، ولكنه يحمله المسؤولية الكاملة والقدرة على ابتكار الحلول والتغيير (تمكين الاستقلالية).
  • مراحل نموذج المساعد الماهر في الإرشاد (جيرارد إيغان):
    • المرحلة الأولى (استكشاف الحاضر): توضيح المشكلات الواقعية، والفرص غير المستغلة عبر الإصغاء اليقظ والاستجواب الاستكشافي المفتوح.
    • المرحلة الثانية (صياغة الأهداف): تحديد السيناريو المفضل والمستقبل المنشود، ومساعدة العميل على وضع أهداف قابلة للقياس والتحقيق.
    • المرحلة الثالثة (تنفيذ الاستراتيجيات): تخطيط العمل، واختيار التكتيكات الواقعية الملائمة، ووضع خطة لتجاوز الانتكاسات وتثبيت الإنجاز.

8. الأمثلة وحالات دراسية واقعية

لتوضيح مسار نموذج القرار في الحياة اليومية، لنفترض تعرض مسافر لانزلاق مفاجئ على رصيف محطة قطارات مزدحمة وسقوطه فاقداً للوعي. في حال انشغال الحاضرين بهواتفهم وتفادي التقاء الأعين، تفشل المرحلة الأولى (الملاحظة). وإذا لاحظ البعض السقوط ولكنهم رأوا الجميع يمضون بلا مبالاة، فسيُفسر الموقف بأنه أمر هين أو نوم عابر (فشل التفسير). أما إن أدركوا الخطر ولكن فكر كل فرد بأن الآخرين سيتصلون بالإسعاف حتماً، فستتوقف العملية عند عتبة تشتت المسؤولية، ولا يُنقذ المصاب إلا حين يعي شخص بعينه واجبه الفردي، ويمتلك مهارة الإسعاف الأولي، ويتدخل فاعلاً.

وفي دراسة حالة من الواقع الإرشادي، استقبلت عيادة نفسية مراجعاً يعاني من قلق مهني مزمن وشعور مستمر بالإحباط لعدم قدرته على إنجاز مهامه الإدارية. إذا طُبق عليه “النموذج الطبي”، فسيُنظر إليه كضحية لاختلال كيميائي يُكتفى معه بوصف المهدئات، مما يكرس اعتماده الدوائي. أما بتطبيق “النموذج التعويضي” المنبثق من استراتيجيات إيغان، فإن المعالج يقر بأن ضغوط العمل وثقافة الشركة (عوامل خارجية) هي سبب تفاقم القلق، لكنه في الوقت ذاته ينقل زمام المبادرة للمراجع، فيصيغان معاً استراتيجيات إدارة الوقت والتفاوض ووضع الحدود المهنية، ليتولد لدى العميل شعور بالكفاءة الذاتية والاقتدار الشخصي.

9. أدوات القياس والتقييم السيكولوجي

تخضع متغيرات نماذج المساعدة لمنهجيات قياس كمية وكيفية صارمة لضمان موثوقيتها العيادية والتجريبية. في ميدان علم النفس الاجتماعي، تستخدم مقاييس السلوك الاجتماعي الإيجابي (Prosocial Behavior Scales)، ومن أبرزها “مقياس نزعات المساعدة والتعاطف” (Prosocial Tendencies Measure – PTM) الذي وضعه كارلو وراندال (Carlo & Randall)، ويقيس ستة أنماط من سلوك العون: العلني، والمجهول، والإيثاري، والمستجيب للأزمات، والوجداني، والامتثالي لضغوط الأقران.

كما يُعتمد على أدوات قياس الاستجابة العاطفية مثل “مؤشر الاستجابة التفاعلية” (Interpersonal Reactivity Index – IRI) لمارك ديفيس، والذي يفصل بين أربعة أبعاد: التعاطف الإدراكي (تبني وجهات النظر)، والاهتمام التعاطفي، والضيق الشخصي، والخيال. وفي سياق التحالف الإرشادي، يُقاس نجاح نموذج تقديم المساعدة عبر “مقياس تحالف العمل المساعد” (Helping Alliance Questionnaire – HAQ) الذي يقيم درجة الانسجام والاتفاق على الأهداف والشعور بالأمان بين المساعد والمستفيد.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تمتد التطبيقات الميدانية لنماذج المساعدة إلى مساحات مجتمعية وصحية واسعة. في مجال الصحة العامة والتدريب على الطوارئ، تستفيد فرق الإسعاف والدفاع المدني من تفكيك ظاهرة المارة بتدريب المدنيين على “تخصيص المسؤولية الفردية” في الحوادث، كأن يشير المسعف بسبابته إلى شخص محدد ويقول بنبرة حازمة: “أنت ذو السترة الزرقاء، اتصل بالإسعاف حالاً!”، وهي ممارسة تكسر آلية تشتت المسؤولية الجمعية بصورة لحظية وفعالة للغاية.

وفي البيئات المدرسية والتعليمية، ساعدت هذه النماذج في تصميم برامج مناهضة التنمر (Anti-bullying programs) المبنية على تحويل المتفرجين الصامتين إلى “متدخلين إيجابيين”، من خلال تعليم الطلاب آليات التفسير الأخلاقي للحدث والخطوات الآمنة للتدخل أو طلب مساعدة الكبار. أما في عالم الأعمال والإدارة، فتُستخدم النماذج في بناء برامج المساندة الزميلية والقيادة الخدمية التي تخلق بيئات عمل آمنة نفسياً، يشعر فيها الموظف أن طلب العون دليل على الشجاعة والحرص على الجودة، وليس وصمة نقص وضعف مهني.

11. الأبحاث والأدلة الإمبراطورية

أكدت عقود من البحوث التجريبية المصداقية التنبؤية لنماذج المساعدة؛ حيث وثقت دراسة التحليل التلوي الكلاسيكية التي أجراها فيشر وزملاؤه (Fischer et al., 2011) وشملت أكثر من 105 دراسات تجريبية شارك فيها الآلاف، أن تأثير المارة وتراجع وتيرة المساعدة يتناقص بصورة جوهرية عندما يُدرك الحاضرون أن الموقف يمثل حالة خطر داهم وعنيف يهدد الحياة مقارنة بالمواقف الغامضة أو ذات الخطورة المتدنية، مما يثبت صحة فرضية نموذج التكلفة-العائد في تقييم الأولويات والسرعة الانفعالية للتصرف.

وعلى صعيد أبحاث العلوم العصبية الحديثة، كشفت الدراسات القائمة على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي قادتها الباحثة تانيا سينغر (Tania Singer) أن مجرد مشاهدة ألم الآخرين ينشط شبكة عصبية مشتركة تشمل القشرة الحزامية الأمامية والجزيرة الأمامية (Anterior Insula). وتوصلت النتائج إلى أن الأفراد الذين يتحول هذا النشاط العصبي لديهم إلى مسار تدفق الدوبامين في الجهاز الحوفي وقشرة الفص الجبهي البطنية هم أكثر ميلاً لتنفيذ سلوك المساعدة الفعلي، وهو ما يمنح دعماً بيولوجياً قوياً لنماذج التعاطف الإيثاري وتجاوز الاقتصار على مجرد التفادي الدفاعي للضيق.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات

تتباين استجابات نماذج المساعدة جذرياً بين المجتمعات وفق البنى القيمية الحاكمة؛ ففي الثقافات الجماعية (Collectivist Cultures) كالمجتمعات العربية والآسيوية، يرتفع معدل المساعدة بصورة تلقائية وعالية الكثافة إذا كان المحتاج ينتمي إلى “الجماعة الداخلية” (In-group) كالأسرة أو العشيرة أو الحي، بدافع الواجب العرفي وصلة الرحم، في حين قد تنخفض هذه النزعة تجاه الغرباء وأفراد الجماعات الخارجية. وعلى العكس من ذلك، تميل الثقافات الفردانية (Individualist Cultures) إلى ترجيح مساعدة الغرباء استناداً إلى الحقوق الفردية المجردة والمعايير العالمية للعدالة، مع ميل ملحوظ للحفاظ على المسافة الشخصية وعدم التدخل الفضولي في شؤون الآخرين.

علاوة على ذلك، يختلف مفهوم “قبول المساعدة” ذاته من بيئة إلى أخرى؛ فبينما يُنظر إلى تلقي الدعم في بعض المجتمعات كدليل تكافل وترابط صحي، قد يُفسر في ثقافات أخرى تتسم بالتنافسية الاستقلالية كضربة لكرامة الفرد واستقلاليته. يفرض هذا التباين على العاملين في الإغاثة الدولية والمستشارين النفسيين تعديل افتراضات النموذج لتلائم الحساسية الثقافية للمستفيدين، وتجنب فرض أنماط مساعدة فوقية قد تفجر آليات مقاومة ونفور داخلي غير مقصود.

13. الانتقادات والجدل والحدود المعرفية

رغم الرصانة المنهجية التي تتمتع بها نماذج المساعدة، إلا أنها واجهت انتقادات نقدية لاذعة؛ حيث يرى أصحاب الاتجاه النقدي في علم النفس أن نماذج القرار مثل نموذج لاتانيه ودارلي تفرط في عقلنة السلوك الإنساني وتفترضه كائناً حاسوبياً يحلل البدائل منطقياً في ثوانٍ معدودة، متجاهلة قوة الاندفاع الغريزي غير الواعي والتأثير الصادم للمواقف العنيفة التي تشل التفكير المنطقي. كما انتُقدت نماذج التكلفة-العائد لاصطباغها بنزعة مادية نفعية مستعارة من علم الاقتصاد، مما يفرغ السلوك الأخلاقي من معانيه الروحية والوجدانية النقية.

ومن جهة أخرى، يبرز جدل عيادي حول مخاطر “إدمان المساعدة” وظاهرة “عقدة المنقذ” (White Knight Syndrome)؛ حيث يقع المساعد في فخ المنح المرضي الذي يهدف إلى تغذية شعوره بالتفوق والسيطرة واستدرار الشعور بالذات، مما يؤدي إلى خنق استقلالية المسترشد وخلق علاقات اعتمادية مريضة تُعطل الشفاء الحقيقي. يفرض هذا القصور الحاجة الدائمة إلى إعادة فحص الدوافع الخفية وضبط الحدود المهنية في أي عملية إسناد نفسي.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

لتجنب اللبس الاصطلاحي الشائع، يجب التفريق بين نموذج المساعدة والمفاهيم المتداخلة معه عبر المحددات الآتية:

  • السلوك الاجتماعي الإيجابي (Prosocial Behavior): مظلة تصنيفية واسعة تضم كل فعل يهدف إلى نفع الآخرين أو المجتمع برمته، كالتبرع بالمال ومراعاة القوانين، بصرف النظر عن الدوافع أو وجود أزمة، بينما يركز نموذج المساعدة تحديداً على عمليات التدخل والإسناد المباشر لتلبية حاجة آنية أو إرشادية.
  • الإيثار (Altruism): دافع نفسي خالص يهدف إلى إعلاء رفاهية شخص آخر حتى وإن ترتب على ذلك ضرر وتكلفة شخصية للمؤثر دون أي توقع للمكافأة؛ لذا فالإيثار يمثل نوعاً نقياً وخاصاً من المساعدة، بينما تتضمن المساعدة عموماً دوافع متباينة قد تشمل المصالح المشتركة أو الامتثال للواجب.
  • التعاطف (Empathy): استجابة وجدانية ومعرفية تسمح للفرد بمشاركة وفهم مشاعر الآخرين ومعاناتهم، ويُعد التعاطف محركاً ومحفزاً أساسياً في نماذج المساعدة، ولكنه ليس شرطاً حتمياً لحدوثها؛ إذ يمكن للفرد تقديم المساعدة بدافع عقلي مجرد أو امتثالاً لقانون ما دون معايشة مشاعر المحتاج.
  • التحالف العلاجي (Therapeutic Alliance): الرابطة التشاركية التعاونية بين المعالج والمسترشد داخل الجلسات النفسية، وهو يمثل التطبيق الإكلينيكي المباشر لنماذج المساعدة المهنية المنظمة، متميزاً عن العون غير التخصصي الذي يمارسه العامة.

15. الخلاصة وأبرز النتائج

يمثل نموذج المساعدة صرحاً علمياً متعدد الأوجه يكشف عن الجذور العميقة للتفاعل والتعاضد البشري، مبرهناً على أن قرار الوقوف إلى جوار إنسان آخر يخضع لمعادلة دقيقة تتضافر فيها المعرفة، والإدراك الحسي، والانفعال، والقيم المجتمعية. تتلخص أهم ركائز هذا المفهوم في النقاط المحورية التالية:

  • المساعدة ليست مجرد اندفاع عاطفي، بل هي مسار معرفي يتطلب الانتباه، والتفسير الدقيق للمحنة، وتحمل المسؤولية الأخلاقية الفردية.
  • يُعد تجاوز ظاهرة المارة وكسر تشتت المسؤولية حجر الزاوية في تفعيل الاستجابة المجتمعية للمواقف الإسعافية والطارئة.
  • تقدم نماذج بريكمان وإيغان خريطة طريق متكاملة لتقديم الدعم التمكيني الذي يعزز كفاءة الفرد وقدرته على حل أزماته واستقلاليته دون الوقوع في التبعية.
  • تؤدي المتغيرات الثقافية والبيولوجية دور الموجه الأساسي لمعادلة التكلفة والعائد وتقدير استحقاق الآخرين لمد يد العون.

في الختام، يظل ترسيخ ثقافة المساعدة الواعية والمنهجية المدخل الأساسي لبناء مجتمعات مرنة ومترابطة نفسياً وإنسانياً، حيث يتحول الفهم العلمي للنوازع البشرية إلى ممارسات عملية تعيد للمجتمع تضامنه، وللإنسان طمأنينته واستقراره الوجودي.

المراجع

Batson, C. D. (1991). The altruism question: Toward a social-psychological answer. Lawrence Erlbaum Associates.

Brickman, P., Rabinowitz, V. C., Karuza, J., Coates, D., Cohn, E., & Kidder, L. (1982). Models of helping and coping. American Psychologist, 37(4), 368–384. https://doi.org/10.1037/0003-066X.37.4.368

Cialdini, R. B., Schaller, M., Houlihan, D., Arps, K., Fultz, J., & Beaman, A. L. (1987). Empathy-based helping: Is it selflessly or selfishly motivated? Journal of Personality and Social Psychology, 52(4), 749–758. https://doi.org/10.1037/0022-3514.52.4.749

Egan, G. (2002). The skilled helper: A problem-management and opportunity-development approach to helping (7th ed.). Brooks/Cole.

Fischer, P., Krueger, J. I., Greitemeyer, T., Vogrincic, C., Kastenmüller, A., Frey, D., Heene, M., Wicher, M., & Kainbacher, M. (2011). The bystander-effect: A meta-analytic review on bystander intervention in dangerous and non-dangerous emergencies. Psychological Bulletin, 137(4), 517–537. https://doi.org/10.1037/a0023304

Latané, B., & Darley, J. M. (1970). The unresponsive bystander: Why doesn’t he help? Appleton-Century-Crofts.

Piliavin, J. A., Dovidio, J. F., Gaertner, S. L., & Clark, R. D. (1981). Emergency intervention. Academic Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 24). نموذج المساعدة: سيكولوجية العطاء والدعم. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/helping-model/
looti, Mohammed. “نموذج المساعدة: سيكولوجية العطاء والدعم.” عرب سايكلوجي, 24 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/helping-model/.
looti, Mohammed. “نموذج المساعدة: سيكولوجية العطاء والدعم.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 24, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/helping-model/.