تُمثّل اللامساواة الاجتماعية والطبقية واحدةً من أعقد الظواهر الإنسانية التي استوقفت علماء النفس والاجتماع؛ فكيف تتمكّن المجتمعات غير المتكافئة من الحفاظ على استقرارها واستمرارها لقرون دون أن تواجه ثورات دائمة من الفئات المستضعفة والمهمشة؟ تكمن الإجابة الجوهرية في المنظومات الفكرية والرمزية التي تصنع قبولاً طوعياً وإذعاناً نفسياً للتمايز الطبقي والعرقي والنوعي، وهو ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بمفهوم أساطير إضفاء الشرعية على التراتبية الهرمية (Hierarchy-Legitimizing Myths).
أساطير إضفاء الشرعية على التراتبية الهرمية
1. التعريف الدقيق والموجز
تُعرَّف أساطير إضفاء الشرعية على التراتبية بأنها نسق مركب من القيم، والمعتقدات، والاتجاهات، والقوالب النمطية، والفرضيات الأيديولوجية المشتركة ثقافياً، والتي تُوظَّف لتقديم تبرير أخلاقي وفكري وعقلاني للبنى الهرمية القائمة وتكريس التفاوت في توزيع الموارد والمكانة والحقوق بين الجماعات الاجتماعية. تؤدي هذه الأساطير وظيفة نفسية واجتماعية مزدوجة: فهي تُخفف من الشعور بالذنب لدى الجماعات المهيمنة، وتُضعف دافع التمرد والاحتجاج لدى الجماعات الخاضعة عبر تصوير اللامساواة على أنها قدر محتوم، أو نتيجة عادلة، أو وضع طبيعي لا مناص منه.
وفي إطار نظرية الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Theory)، لا يُقصد بكلمة “أسطورة” بالضرورة زيف المعتقد من الناحية الواقعية أو التاريخية فحسب، بل يُقصد بها طبيعته الوظيفية كـ”سردية تأسيسية” مُشبعة بالتوافق الاجتماعي تُعامل كحقائق بديهية ومُسلّمات غير قابلة للنقاش لتثبيت التفوق الطبقي أو الجندري أو العرقي.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
ينحدر المصطلح الأجنبي (Hierarchy-Legitimizing Myths) من ثلاثة جذور لغوية ومعرفية متكاملة؛ فكلمة (Hierarchy) مشتقة من الإغريقية القديمة (Hierarkhia)، المكونة من (Hieros) وتعني “مقدس” و(Arkhein) وتعني “حكم” أو “رئاسة”، وكان يشير المصطلح تاريخياً إلى التراتب الكهنوتي الحاكم، ثم تطور ليدل على أي بناء اجتماعي مدرج تنظيمياً من القمة إلى القاعدة. أما مصطلح (Legitimizing) فيعود للجذر اللاتيني (Legitimus) المشتق من (Lex) أي “القانون” أو “المشروعية السائدة”. في حين تعود كلمة (Myth) إلى الإغريقية (Mythos)، والتي تعني القصة التفسيرية الشاملة أو الرواية المعيارية التي تمنح المعنى للتجربة الإنسانية المشتركة.
وقد صيغ هذا المفهوم بتركيبته السيكولوجية الدقيقة داخل علم النفس المعاصر على يد عالمي النفس الاجتماعي جيمس سيدانيوس (Jim Sidanius) وفيليسيا براتو (Felicia Pratto) في مطلع تسعينيات القرن العشرين، حيث قاما بدمج المفاهيم الماركسية حول الأيديولوجيا والهيمنة الثقافية مع مناهج التحليل الإمبريقي السيكولوجي لتفسير كيفية صياغة وتداول السرديات التي تصنع التمايز القائم على القوة.
3. الصيغة النحوية والتلفظ والاستعمال
يُصنّف المصطلح في اللغة العربية كمركب نعتي وإضافي؛ فأساطير هي جمع تكسير لمفردة “أسطورة”، متبوعة بالمصدر الصريح المضاف “إضفاء الشرعية”، متبوعاً بحرف الجر والاسم المجرور “على التراتبية” ونعتها “الهرمية”. ويُشتق الفعل من “شَرَعَ” أي جعل الشيء مقبولاً ومسنوناً، ومن “رَتّبَ” أي نظّم تتابعاً زمنياً أو مكانياً أو قيمياً.
يُستعمل المصطلح في الأدبيات السيكولوجية والسياسية بوصفه اسماً دالاً على بُعد أيديولوجي مُحرّك للمواقف؛ حيث يعمل في النماذج الإحصائية للعلوم السلوكية بوصفه متغيراً وسيطاً (Mediating Variable) أو متغيراً مُعدِّلاً (Moderating Variable) يربط بين الخصائص الشخصية العامة (مثل التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية) والسلوكيات التمييزية الفعلية تجاه الأقليات والفئات الاجتماعية الضعيفة.
4. الشرح المفاهيمي الموسع
تعمل أساطير إضفاء الشرعية على التراتبية الهرمية كأداة ضبط نفسي واجتماعي فائقة الفاعلية؛ فهي تُحوّل العلاقات غير المتكافئة والقائمة في الأصل على موازين القوى المادية والإكراه الصلب إلى علاقات تحظى برضى الأطراف الفاعلة من خلال التوافق الرمزي. إن غياب هذه الأساطير يجعل صيانة الأنظمة التراتبية باهظة التكلفة وعرضة للانهيار المستمر، لأنها ستعتمد حصراً على البطش الأمني والمراقبة المادية، بينما يؤدي تبني هذه الأساطير إلى جعل الأفراد يتبنون مواقعهم الدونية طواعية بموجب قناعات داخلية راسخة.
يتضح هذا المفهوم في ثلاث آليات نفسية متزامنة: الأولى هي “عقلنة اللامساواة” عبر ربط المكانة الاجتماعية بصفات فردية مثل الجدارة، أو الذكاء، أو العمل الجاد، مما يعني أن الفقر أو الاضطهاد هو نتاج خلل ذاتي لدى الضحية. والآلية الثانية هي “التطبيع الثقافي” الذي يجعل الامتيازات الممنوحة للفئات المتسيدة تبدو كجزء لا يتجزأ من النظام الكوني أو الإرادة الإلهية أو التطور البيولوجي. أما الآلية الثالثة فهي “الإخفاء البنيوي” للظلم الممنهج، عبر نقل محور النقاش من الهياكل المؤسسية المجحفة إلى اللوم الفردي والاستحقاق الشخصي.
ومن منظور سيكولوجي، تشير نظرية الهيمنة الاجتماعية إلى أن المجتمعات البشرية التي تمتلك فائضاً اقتصادياً تتشكل بنيوياً على هيئة تراتبيات قائمة على ثلاث ركائز كبرى: نظام العمر (هيمنة البالغين على الأطفال)، ونظام النوع الاجتماعي (هيمنة الرجال على النساء أو البطريركية)، ونظام الفئات التعسفية (Arbitrary-Set Systems) مثل العرق، والطبقة، والقبيلة، والقومية، والدين. وتتدخل أساطير تبرير التراتبية في كافة هذه النظم لتقدم الغطاء المعرفي الداعم لتفوق جماعة وتهميش أخرى، محولة الصراع القيمي إلى استقرار سكوني.
5. التطور التاريخي
تعود الجذور الفكرية لمفهوم الأساطير المشرعنة إلى أطروحات الفلسفة السياسية الكلاسيكية؛ حيث ناقش كارل ماركس وفريدريك إنجلز في القرن التاسع عشر دور “الأيديولوجيا السائدة” باعتبارها انعكاساً لأفكار الطبقة الحاكمة التي تصنع “وعياً زائفاً” لدى البروليتاريا. ثم طور المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي هذه الفكرة في مطلع القرن العشرين من خلال مفهوم الهيمنة الثقافية (Hegemony)، موضحاً كيف تستخدم النخب الحاكمة المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية لترسيخ رؤيتها للعالم كأمر طبيعي ومسلم به لدى سائر فئات الشعب.
وفي منتصف القرن العشرين، نقل علماء النفس الاجتماعي هذه التساؤلات إلى المختبرات والدراسات الميدانية؛ فظهرت أبحاث غوردون ألبورت (Gordon Allport) حول طبيعة التعصب عام 1954، تلتها نظريات التنافر المعرفي لليون فيستينغر، ونظرية الاعتقاد بعدالة العالم لميلفن ليرنر عام 1980. غير أن التأسيس المنهجي الدقيق لأساطير تبرير التراتبية حدث عام 1999 عندما أصدر جيمس سيدانيوس وفيليسيا براتو مؤلفهما المرجعي الأساسي: Social Dominance: An Intergroup Theory of Social Hierarchy and Oppression. استطاع المؤلفان صياغة نظرية متكاملة وضعت الأساطير المشرعنة في صلب النموذج التفسيري لتفاعل الفرد مع مؤسسات الدولة والسياقات الجمعية.
6. الأسس والأطر النظرية
تستند هذه المنظومة إلى شبكة من النظريات السيكولوجية الرصينة، يقع في مقدمتها:
نظرية الهيمنة الاجتماعية (SDT): تفترض أن التفاوت بين الجماعات يعتمد على الصراع بين قوى تعزز التراتبية وتدعمها، وقوى تسعى إلى تفكيكها وتخفيف حدتها. وتُصنف الأيديولوجيات الاجتماعية إلى قطبين: أساطير مكرسة للتراتبية وأساطير مخففة لها (Hierarchy-Attenuating Myths).
نظرية تبرير النظام (System Justification Theory): صاغها جون جوست وماهزارين باناجي (John Jost & Mahzarin Banaji)، وتذهب إلى أن الأفراد يمتلكون دافعاً نفسياً فطرياً للدفاع عن الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة وتبريرها، حتى وإن كانت تلك الأنظمة تضر بمصالحهم المباشرة، وذلك تقليلاً للشعور بعدم اليقين والتهديد الوجودي.
نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory): طورها هنري تاجفيل وجون تيرنر، وتُفسر كيف يحاول الأفراد تعزيز تقديرهم لذواتهم عبر التماهي مع جماعتهم الداخلية (In-group)، حيث توظف الجماعات المتفوقة الأساطير التبريرية لحماية تميز هويتها الجمعية وتبرير استئثارها بالمكاسب الرمزية والمادية.
7. المكونات الأساسية والأنواع والأبعاد
تتنوع أساطير إضفاء الشرعية على التراتبية الهرمية وتتخذ أشكالاً وصيغاً مختلفة بحسب السياق الثقافي والزماني، ومن أهم مظاهرها وأبعادها:
- أسطورة الجدارة والاستحقاق الفردي (Meritocracy): الاعتقاد بأن النجاح والمكانة الاقتصادية في المجتمع يعتمدان كلياً على الجهد والموهبة الفردية، مما يقود حتماً إلى نتيجة نفسية مؤداها أن الفقراء يستحقون فقرهم بسبب الكسل أو ضعف الكفاءة.
- العنصرية والتمييز العرقي المؤسسي (Racism & White Supremacy): معتقدات تدعي تفوق أعراق معينة عقلياً وحضارياً، مما يمنحها الحق التاريخي في قيادة وإخضاع سائر الأعراق.
- النزعة الذكورية والتمييز الجندري (Sexism & Internalized Misogyny): الأفكار التي تروج لأن الفروق البيولوجية بين الجنسين تقتضي حصر النساء في الأدوار الرعائية وحرمانهن من القيادة وصنع القرار.
- أخلاق العمل البروتستانتية المتطرفة (Protestant Work Ethic): الربط المعنوي بين الفضيلة الدينية والتراكم المالي، حيث يُنظر إلى الغنى كعلامة على رضا الخالق، والفقر كعلامة على الخطيئة والانحلال.
- الداروينية الاجتماعية (Social Darwinism): تطبيق مبدأ “البقاء للأصلح” على المجتمعات البشرية لتبرير إبادة أو إفقار الفئات المستضعفة بحجة التطور الطبيعي.
- القدرية الدينية والطبقية التناسخية (Karma/Caste Ideologies): كما في النظام الطبقي التقليدي الذي يبرر شقاء الفئات المنبوذة بأنه عقاب على خطايا اقترفوها في حيوات سابقة.
8. أمثلة وحالات توضيحية
تظهر تطبيقات هذه الأساطير في مواقف وتجارب تاريخية ومعاصرة واضحة:
الحالة الأولى: سردية “عبء الرجل الأبيض” أثناء الاستعمار: خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بررت القوى الاستعمارية الأوروبية نهب ثروات آسيا وإفريقيا وإبادة شعوبها الأصلية عبر نشر أسطورة أخلاقية تدعي أن الأوروبي يتحمل مسؤولية إنسانية وحضارية تقتضي “تمدين الشعوب المتخلفة”، فتحولت الجريمة الاستعمارية إلى واجب أخلاقي مشروع.
الحالة الثانية: تبرير فجوة الأجور بين الجنسين: في بيئات العمل المعاصرة، يُجابَه تفاوت الرواتب بين الرجال والنساء بأساطير نفسية تدعي أن النساء “أقل قدرة على تحمل الضغوط التنافسية” أو “يفضلن العائلة على العمل”، متجاهلين التحيزات البنيوية في التوظيف والترقية والفرص التدريبية.
الحالة الثالثة: سردية “المتشرد الكسول” في سياسات الرفاه: تعتمد حملات تقليص الإنفاق على شبكات الأمان الاجتماعي على أسطورة مفادها أن متلقي الإعانات متواكلون يستغلون أموال دافعي الضرائب؛ مما يُجرد الفئات المهمشة من التعاطف الجمعي ويجعل الفقر وصمة عار فردية لا مشكلة اقتصادية بنيوية.
9. أدوات القياس والتقييم النفسي
ابتكر علماء النفس أدوات قياس سيكومترية دقيقة لتقييم مدى تبني الأفراد لأساطير إضفاء الشرعية، ومن أبرزها مقياس التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation Scale – SDO)، وتحديداً النسخة السابعة (SDO-7) التي تقيس بُعدين أساسيين: الهيمنة الصريحة القائمة على الإخضاع الإجباري، والتوجه الداعم للامساواة القائم على رفض العدالة التوزيعية.
كما يُقاس القبول بالأساطير عبر مقاييس متخصصة مثل: مقياس العنصرية الحديثة (Modern Racism Scale)، ومقياس التمييز الجنسي المتناقض (Ambivalent Sexism Inventory) لبيتر جليك وسوزان فيسكي، ومقياس الاعتقاد بعدالة العالم (Belief in a Just World Scale)، واستبيانات تقييم الالتزام بأيديولوجيا الجدارة (Meritocratic Ideology Scale). تُظهر التحليلات الإحصائية أن الدرجات المرتفعة على هذه المقاييس ترتبط طردياً مع معارضة سياسات التمييز الإيجابي والمساعدات الدولية وتأييد النظم العقابية الصارمة والتسلط العسكري.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحمل فهم هذه الأساطير أهمية كبرى في ميادين متعددة:
السياسات العامة والقانون: يساعد الكشف عن الأساطير التبريرية المشرعين على إعادة صياغة القوانين الجنائية والمدنية التي ترتكز على تحيزات تاريخية مبطنة، وضمان عدم تحيز القرارات القضائية ضد الفئات الهشة تحت ذرائع زائفة.
التطوير التنظيمي وإدارة الموارد البشرية: يُسهم في مراجعة سياسات التوظيف والتقييم، واكتشاف كيف تمنع أسطورة الجدارة غير المنضبطة فئات الملونين والنساء من الوصول إلى المواقع القيادية، مما يدعو إلى تأسيس آليات توظيف عمياء وموضوعية.
التربية والتعليم: يتيح تفكيك المناهج الدراسية التي تنقل سرديات استعلائية أو تطمس دور الفئات المهمشة في التاريخ الحضاري، واستبدالها بمناهج نقدية تعزز التفكير المستقل والتعاطف والتنوع الثقافي.
11. الأدلة التجريبية والبحوث العلمية
أكدت مئات الدراسات الميدانية والتجريبية صحة فروض نظرية الهيمنة الاجتماعية فيما يخص الأساطير المشرعنة. ففي دراسة كلاسيكية موسعة أجراها سيدانيوس وزملاؤه شملت عشرات الآلاف من المشاركين في دول عدة، تبيّن أن أفراد الجماعات المهيمنة يسجلون دائماً مستويات أعلى من التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية ويظهرون تأييداً أقوى للأساطير المبررة للتراتبية مقارنة بأفراد الجماعات المهمشة.
وأظهرت تجارب جون جوست المخبرية في سياق نظرية تبرير النظام ظاهرة غريبة تُعرف بـ “التفضيل التلقائي للجماعة المتفوقة من قبل أفراد الجماعات الدونية” (Outgroup Favoritism)؛ حيث وُجد أن أعضاء الجماعات المحرومة يتبنون لا شعورياً الصور النمطية السلبية عن أنفسهم ويمنحون تقييمات إيجابية للجماعات المسيطرة، مما يثبت تغلغل أساطير تبرير التراتبية عميقاً في البنية الإدراكية اللاواعية للأفراد لتقليل الصراع المعرفي مع الواقع الصعب.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافية
تتباين طبيعة أساطير تبرير التراتبية بوضوح وفقاً للسياق الثقافي والمجتمعي. ففي المجتمعات الغربية الفردانية (مثل الولايات المتحدة وبريطانيا)، تتخذ الأساطير شكلاً يركز على الفردانية والجدارة الشخصية وحرية الاختيار المطلقة كغطاء للامساواة. في المقابل، تتخذ الأساطير في المجتمعات الجمعية شكلاً يدور حول المحافظة على النظام الأسري، والواجب الطائفي، والانسجام الاجتماعي، والخضوع للسلطة الأبوية باعتبار التمرد خطيئة تهدد استقرار الجماعة برمتها.
كما تختلف فاعلية هذه الأساطير باختلاف درجة مرونة الحراك الاجتماعي؛ ففي المجتمعات ذات الحدود الطبقية المغلقة تاريخياً، تعتمد الأساطير على السرديات الميتافيزيقية كالتناسخ والقدر، في حين تنتقل في المجتمعات الصناعية الحديثة إلى السرديات التقنية والبيولوجية كالتفوق الجيني أو الكفاءة التكنولوجية.
13. الانتقادات والجدل العلمي والحدود
رغم الرصانة المعرفية للمفهوم، فإنه واجه عدة انتقادات علمية ونظرية:
الحتمية والتشاؤمية الإنسانية: انتقد بعض الباحثين من مدرسة علم النفس الإنساني والماركسي نظرية الهيمنة الاجتماعية لاحتوائها على نبرة حتمية تُصور الهرمية والاستعلاء كخصائص شبه متأصلة في التطور البشري، مما قد يُستخدم بشكل ارتدادي لتبرير عجز محاولات التغيير الثوري.
إشكالية وصف المعتقدات بـ “الأسطورة”: جادل بعض علماء الاجتماع بأن مصطلح “أسطورة” يحمل حكماً قيمياً مضمراً من الباحث ينزع العلمية والموضوعية عن التحليل النفسي ويفترض مسبقاً بطلان قضايا قد تكون محل نزاع فكري حقيقي (مثل الجدارة الفردية).
المبالغة في دور التبرير النفسي: يرى نقاد آخرون أن استقرار النظم التراتبية قد يعود في كثير من الأحيان إلى المصالح المادية المباشرة، أو القمع والخوف الأمني، دون الحاجة لوجود اقتناع أيديولوجي حقيقي بالأساطير، معتبرين أن نظرية تبرير النظام تبالغ في تصوير خضوع المستضعفين كحالة نفسية طوعية.
14. المفاهيم المرتبطة والتمايزات
تتقاطع أساطير إضفاء الشرعية مع مفاهيم أخرى، غير أن الفروق بينها جوهرية:
- أساطير تخفيف التراتبية (Hierarchy-Attenuating Myths): هي النقيض المباشر لها؛ وتشمل الأيديولوجيات التي تدعو إلى المساواة وتفكيك الهرمية وتكافؤ الفرص، مثل الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان والاشتراكية والنسوية الراديكالية.
- التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Orientation): سمة شخصية وموقف عام يقيس رغبة الفرد في أن تسود جماعته الداخلية، بينما تمثل الأساطير المشرعنة الأدوات الثقافية والأيديولوجية المشتركة التي يستخدمها الفرد لتبرير هذا التوجه وتمريره.
- القوالب النمطية (Stereotypes): تمثل تعميمات معرفية مسبقة عن جماعة معينة قد تكون سلبية أو إيجابية، لكنها لا تتحول إلى أسطورة مبررة للتراتبية إلا حين تُنسج داخل سردية سياسية أو اجتماعية تؤسس لاحتكار القوة والتفوق.
- الوعي الزائف (False Consciousness): مفهوم ماركسي فلسفي يركز على عجز الطبقات الكادحة عن إدراك استغلالها الاقتصادي، بينما يقدم مفهوم الأساطير المشرعنة نموذجاً سيكولوجياً سلوكياً دقيقاً مدعوماً بأدوات قياس كمية وتجريبية.
15. ملخص وخلاصة ختامية
تُمثل أساطير إضفاء الشرعية على التراتبية الهرمية حجر الزاوية في استمرار واستقرار اللامساواة الإنسانية عبر التاريخ. فمن خلال صياغة سرديات تقنع القوي باستحقاقه للسيادة والمستضعف باستحقاقه للخضوع، تحمي هذه الأساطير الأنظمة الطبقية والاجتماعية من التفكك وتمنحها مسحة من العدالة الطبيعية والأخلاقية. إن تفكيك هذه الأساطير من خلال النقد العلمي والتربية والتحليل النفسي الاجتماعي هو الخطوة الحتمية الأولى نحو بناء مجتمعات أكثر عدالة وإنصافاً وكرامة لجميع أفرادها.
المراجع
Jost, J. T., & Banaji, M. R. (1994). The role of stereotyping in system-justification and the production of false consciousness. British Journal of Social Psychology, 33(1), 1–27. https://doi.org/10.1111/j.2044-8309.1994.tb01008.x
Lerner, M. J. (1980). The belief in a just world: A fundamental delusion. Plenum Press. https://doi.org/10.1007/978-1-4684-3602-0
Pratto, F., Sidanius, J., Stallworth, L. M., & Malle, B. F. (1994). Social dominance orientation: A personality variable predicting social and political attitudes. Journal of Personality and Social Psychology, 67(4), 741–763. https://doi.org/10.1037/0022-3514.67.4.741
Sidanius, J., & Pratto, F. (1999). Social dominance: An intergroup theory of social hierarchy and oppression. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781139175043