يميل البشر بطبيعتهم التطورية والاجتماعية إلى البحث عن الانعكاس؛ فنحن ننجذب غريزياً إلى من يشبهوننا في المعتقدات، والخلفيات، والسمات الشخصية، والطبقات الاجتماعية. وتُعد هذه النزعة الإنسانية المتجذرة، والمعروفة في العلوم السلوكية بمصطلح التجانس الاجتماعي أو الهوموفيليا (Homophily)، إحدى أقوى القوى المنظمة للشبكات الاجتماعية والروابط البشرية عبر التاريخ. إن فهم هذه الظاهرة يسلط الضوء على الآليات النفسية الكامنة وراء تشكيل الصداقات، واختيار شريك الحياة، واستقطاب الآراء، وبناء التحالفات المؤسسية.
التجانس الاجتماعي (الهوموفيليا)
1. التعريف الدقيق والموجز
التجانس الاجتماعي (Homophily) هو المبدأ الهيكلي والنفسي الذي يصف ميل الأفراد إلى التفاعل، والتواصل، وبناء روابط شخصية وثيقة مع الآخرين الذين يتشاركون معهم سمات وخصائص متشابهة، ويُلخصه المثل الشعبي الشهير: «الطيور على أشكالها تقع». ويشير هذا المفهوم في التحليل النفسي والاجتماعي إلى أن التشابه في الخصائص الفردية يُعد المنبئ الأساسي بتكوين العلاقات الإنسانية واستمراريتها مقارنة بالاختلاف.
يتجاوز التجانس مجرد التفضيل العابر؛ فهو نمط نمطي منظم يوجه تدفق المعلومات، والدعم العاطفي، والموارد المادية داخل المجتمع. فعندما يرتبط الأفراد بأشباههم، تتشكل شبكات اجتماعية شديدة التماسك داخلياً لكنها قد تصبح معزولة عن المحيط الخارجي، مما يجعل التجانس قوة ذات حدين تعزز التضامن الفردي من جهة، وتكرس الانقسام الجمعي من جهة أخرى.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يعود الأصل اللغوي للمصطلح الإنجليزي (Homophily) إلى اللغة اليونانية القديمة، حيث يتكون من شقين رئيسيين: الأول هو السابقة homoios (ὁμοίως) وتَعني «المتشابه» أو «المماثل»، والثاني هو اللاحقة philia (φιλία) وتَعني «الحب الأ Mint» أو «المودة» أو «الصداقة العميقة». وبالتالي، فإن المعنى الحرفي للكلمة هو «حب المتشابهين» أو «الميل نحو المماثل».
دخل المصطلح رسمياً إلى المعجم الأكاديمي لعلم النفس والاجتماع في منتصف القرن العشرين على يد عالمي الاجتماع الأمريكيين بول لازارسفيلد وروبرت كينج ميرتون في دراستهما الرائدة عام 1954 حول الإسكان المجتمعي والعلاقات الشخصية، حيث صاغا المصطلح لوصف النزعة التجزيئية في تكوين الروابط وفق معايير التماثل القيمي والمكانة الاجتماعية.
3. النطق والصيغة الصرفية
يُنطق المصطلح في سياقه المعرب بكسر التاء وفتح الجيم وتخفيف النون: «التَّجَانُس الِاجْتِمَاعِيّ»، وتُصنف الكلمة صرفياً على أنها مصدر قياسي من الفعل الخماسي «تَجَانَسَ» على وزن «تَفَاعُل»، وتدل دلالة صريحة على المشاركة والتماثل الذاتي المتبادل. ويُستخدم النعت منها فيقال: «علاقة تجانسية»، أو «شبكة متجانسة».
كما يُستخدم المصطلح الصوتي المعرب مباشرة «الهوموفيليا» كاسم علم اصطلاحي مؤنث، ويقابله في الكتابات النفسية والأنثروبولوجية مصطلحات مترادفة مثل «نزعة التشابه»، أو «عشق المتماثلين»، أو «التوافق التماثلي»، إلا أن مصطلح «التجانس الاجتماعي» يظل الأكثر رصانة واستقراراً في الكتابات الأكاديمية العربية الحديثة.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
يقوم التجانس الاجتماعي على افتراض سيكولوجي محوري مفاده أن التفاعل بين شخصين يتشاركان نفس المعتقدات، أو السمات الديموغرافية، أو الأنماط السلوكية، يتطلب جهداً إدراكياً أقل بكثير مقارنة بالتفاعل مع شخص مختلف جذرياً. هذا الانخفاض في التكلفة المعرفية يولد شعوراً أولياً بالارتياح والأمان النفسي؛ إذ إن الآخر المشابه لا يشكل تهديداً للهوية الذاتية ولا يتحدى المسلمات العقلية للشخص، بل يقدم تصديقاً مستمراً (Social Validation) على صحة تصوراته للعالم.
من الناحية النفسية العميقة، يمارس التجانس وظيفة تعزيز الأنا، فحين نرى شخصاً يشبهنا في الخيارات الفكرية والذوقية، فإننا نرى فيه تأكيداً خارجياً على صواب خياراتنا، مما يرفع تقدير الذات ويقلل من القلق الوجودي المرتبط بالشك المعرفي. كما أن التواصل مع المتشابهين يتيح قدراً كبيراً من سهولة التنبؤ السلوكي، حيث تستند التفاعلات إلى أرضية مشتركة ورموز تواصلية مفرداتها مفهومة ضمناً بين الطرفين دون الحاجة إلى تفسيرات مجهدة.
يمتد نطاق التجانس الاجتماعي ليشمل مختلف أبعاد التفاعل الإنساني؛ بدءاً من العلاقات الدقيقة مثل الزواج والصداقة الحميمة، وصولاً إلى العلاقات الكلية مثل التجمعات العمالية، والأحزاب السياسية، والتكتلات الاستيطانية والسكنية. وتُظهر الحدود المفاهيمية للتجانس أنه ليس مجرد رغبة واعية، بل هو بنية بيئية حتمية تفرضها الجغرافيا والتراتبية الطبقية التي تضع المتشابهين في أماكن متقاربة جغرافياً ووظيفياً.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تعود الجذور الفلسفية الأولى للتجانس إلى الفكر اليوناني القديم؛ حيث أشار الفيلسوف أرسطو في كتابه الشهير «الأخلاق النيقوماخية» إلى أن «الصداقة تقوم بين أولئك المتشابهين»، مشدداً على أن الحب الحقيقي يتطلب تماثلاً في الفضيلة والميول. كما أشار أفلاطون في محاورة فيدروس إلى أن المساواة والتشابه يولد كل منهما الصداقة، مما يوضح أن الفكرة كانت حاضرة كحدس فلسفي عميق عبر القرون.
مع نشأة علم الاجتماع الحديث في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأ التحول نحو التأسيس العلمي للظاهرة؛ فرأى غابرييل تارد في قوانين المحاكاة أن الأفراد يحاكون من يتشابهون معهم في المكانة، وركز إميل دوركهايم على التضامن الآلي النابع من التماثل التام بين أفراد المجتمعات التقليدية. لكن القفزة الكبرى تجسدت عام 1954 مع لازارسفيلد وميرتون اللذين قننا المفهوم إمبريقياً عبر التمييز بين تجانس المكانة وتجانس القيم.
في عام 2001، نشر الباحثون ميلر ماكفيرسون، ولين سميث-لوفين، وجيمس كوك ورقتهم المفصلية بعنوان «طيور على أشكالها: التجانس في الشبكات الاجتماعية»، والتي وحدت عقوداً من الدراسات وقدمت إطاراً تحليلياً متكاملاً أثبت أن التجانس هو المبدأ الأكثر تجذراً وتنظيماً للشبكات الإنسانية كافة، مما مهد الطريق لنقله إلى العصر الرقمي ودراسة تأثير خوارزميات مواقع التواصل في خلق غرف الصدى الفكرية.
6. الأسس والأطر النظرية المفسرة
تستند سيكولوجية التجانس إلى حزمة متكاملة من النظريات النفسية الرصينة، يأتي في مقدمتها نموذج الانجذاب القائم على التشابه الذي صاغه عالم النفس دون بيرن (Donn Byrne) في ستينيات القرن العشرين. يجادل بيرن بأن التشابه في الاتجاهات الفكرية يعمل كمعزز إيجابي كلاسيكي، حيث يؤدي توافق الآراء إلى توليد مشاعر إيجابية ترتبط مباشرة بالشخص المتفاعل، في حين يثير الاختلاف تنافراً إدراكياً ومشاعر نفور غير مريحة.
كما تشكل نظرية الهوية الاجتماعية لهنري تاتجفيل وجون تيرنر ركيزة أساسية لفهم التجانس؛ فالأفراد يصنفون أنفسهم والآخرين إلى مجموعات داخلية (In-groups) ومجموعات خارجية (Out-groups). ويسعى الإنسان إلى تعزيز احترامه لذاته عبر تفضيل أعضاء مجموعته الداخلية الذين يشاركونه الهوية ذاتها، مما يدفع تلقائياً نحو حصر العلاقات الوثيقة داخل دائرة الشبيهين، وتهميش أو نبذ المختلفين.
من زاوية علم النفس المعرفي، تفسر نظرية التوازن المعرفي لفريتز هايدر كيف يسعى العقل الإنساني إلى التناغم؛ فحين يتشارك شخصان مشاعر مشتركة تجاه قضية ما، يتحقق التوازن الذهني ويسود الانسجام. أما إذا اختلفا، ينشأ توتر غير متوازن يدفع الفرد إما إلى تعديل موقفه، أو التأثير في الآخر، أو الأسهل نفسياً: قطع العلاقة والبحث عن بديل متشابه يتوافق مع منظومته الذهنية.
7. الأبعاد والأنماط الرئيسية للتجانس
ينقسم التجانس الاجتماعي إلى تصنيفات وأبعاد متعددة تميز طبيعة المتغيرات التي يحدث حولها التشابه، وتتلخص في الآتي:
- تجانس المكانة (Status Homophily): يشير إلى التشابه في الخصائص الاجتماعية والديموغرافية المحددة، مثل العرق، والجنس، والطبقة الاقتصادية، والمستوى التعليمي، والعمر، والمهنة.
- تجانس القيم (Value Homophily): يركز على التشابه في التوجهات الداخلية، كالقيم الأخلاقية، والمواقف السياسية، والخيارات الدينية، والسمات الشخصية، وأساليب الحياة.
- التجانس الأساسي أو المعياري (Baseline Homophily): يعبر عن التشابه الذي تفرضه التركيبة الديموغرافية للبيئة المحيطة وفرص اللقاء المتاحة؛ فإذا كان الحي السكني يتكون من 90% من عرق معين، فإن الصداقات ستكون متجانسة بحكم الضرورة الإحصائية وليس بمحض التفضيل النفسي.
- التجانس التزاوجي أو التفضيلي (Inbreeding Homophily): يمثل الميل المتعمد والواعي للأفراد لاختيار شبيهيهم بما يتجاوز النسب الإحصائية المتوقعة عشوائياً في البيئة، وهو ما يعكس انحيازاً نفسياً خالصاً للتماثل.
- التجانس المستحث (Induced Homophily): ينتج عن الانخراط في بيئات وأنشطة موحدة (مثل المدارس الخاصة، والنوادي المغلقة، وأماكن العمل المتخصصة) التي تُصفي الأفراد وتجمعهم معاً بناءً على اهتمامات مسبقة.
8. أمثلة وحالات واقعية
تتجلى تجارب التجانس الاجتماعي في مختلف مفاصل الحياة اليومية؛ ففي بيئات العمل، كشفت دراسات سلوك المنظمات أن المديرين التنفيذيين يميلون دون وعي إلى توظيف وترقية مرشحين يتشاركون معهم نفس الخلفيات الأكاديمية أو الهوايات أو حتى الأنماط التعبيرية، وهي ظاهرة تُعرف بـ «الاستنساخ الاجتماعي» وتعيق التنوع الحقيقي داخل الشركات.
وفي العلاقات الزوجية، يُعد الزواج المتكافئ (Assortative Mating) تجلياً ساطعاً للتجانس؛ إذ تشير الإحصاءات العالمية إلى أن الغالبية العظمى من الأفراد يختارون شركاء حياة يوازونهم في التحصيل العلمي، والانتماء الديني، والطبقة الاقتصادية. كما تظهر الحالات العيادية أن الصداقات التي تستمر لعقود طويلة هي التي تحتفظ بقدر عالٍ من تجانس القيم والتوجهات الأخلاقية الأساسية.
أما في العصر الرقمي، فيبرز التجانس بوضوح عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث يقود الأفراد رغبتهم النفسية بمتابعة والتفاعل مع أصحاب الآراء المتوافقة، ما يفرز ما يُعرف بظاهرة غرفة الصدى الفكرية التي تختفي فيها الرؤى المخالفة، ويتضخم داخلها الشعور بأن العالم بأسره يتبنى نفس التوجه.
9. القياس والأدوات البحثية
يستخدم باحثو علم النفس الاجتماعي وعلم تحليل الشبكات مناهج دقيقة لقياس درجة التجانس، حيث يُقاس معامل التجانس من خلال مقارنة احتمالية نشوء رابطة بين شخصين متشابهين باحتمالية نشوئها عشوائياً بين شخصين مختلفين. ويُعد معامل التطابق الشبكي (Assortativity Coefficient) الذي طوره مارك نيومان الأداة الرياضية الأبرز لقياس هذه النزعة في الرسوم البيانية للشبكات الاجتماعية.
تعتمد الدراسات التجريبية على استبيانات قياس التوافق والتشابه المدرك (Perceived Similarity Scales)، حيث يُطلب من المشاركين تقييم مدى تشابه أصدقائهم أو شركائهم معهم في جوانب متعددة. كما تُستخدم نماذج الرسوم البيانية العشوائية الأسية (Exponential Random Graph Models – ERGMs) لفصل تأثير التجانس الاختياري عن تأثير العوامل الهيكلية مثل القرب الجغرافي وحجم المجموعة المتاحة.
بالإضافة إلى ذلك، توظف الأبحاث المعاصرة تقنيات تعدين البيانات الضخمة (Big Data Mining) لتحليل الملايين من التفاعلات الرقمية على منصات مثل فيسبوك وإكس، واستخراج معدلات التفاعل القائم على الانتماء الحزبي أو الديموغرافي بدقة كمية بالغة التعقيد.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحمل فهم آليات التجانس قيمة تطبيقية كبرى في ميادين متنوعة. ففي الصحة النفسية والتدخلات العيادية، تستثمر مجموعات الدعم النفسي (مثل مجموعات التعافي من الإدمان، أو التكيف مع الصدمات) مبدأ التجانس لتسريع التشافي؛ إذ يجد المريض في رفاقه الذين يشاركونه المعاناة نفسها بيئة آمنة تماماً خالية من إطلاق الأحكام، مما يسهل الإفصاح الذاتي ويخفض مستويات القلق والعزلة.
وفي المجال التنظيمي والإداري، تستعين إدارات الموارد البشرية بالوعي بالتجانس لتصميم فرق العمل؛ فرغم أن الفرق شديدة التجانس تظهر تماسكاً وتوافقاً سريعاً، إلا أنها تكون عرضة لـ «التفكير الجماعي» (Groupthink) وتفتقر إلى الإبداع. لذا تعمد القيادات الواعية إلى فرض التباين البناء للتغلب على سلبيات التجانس المفرط وتحفيز التفكير الابتكاري.
أما في السياسات العامة والتعليم، فإن فهم التجانس يساعد في وضع استراتيجيات الحد من الاستقطاب الطائفي والعرقي، من خلال تصميم برامج مدرسية ومجتمعية تخلق فرصاً للتفاعل المتكافئ بين الفئات المختلفة وفق «فرضية الاتصال» لغوردون ألبورت، لكسر الحواجز النفسية التي يبنيها الانجذاب الحصري للمتشابهين.
11. الأدلة البحثية والدراسات التجريبية
أكدت مئات الدراسات الإمبريقية صلابة مبدأ التجانس؛ ففي الدراسة الميدانية التاريخية التي أجراها نيودومب (Theodore Newcomb) عام 1961 حول طلاب السكن الجامعي، أظهرت النتائج أن أفضل مؤشر لتكوين صداقات حميمة ومستقرة عبر فصول السنة الدراسية لم يكن الامتزاج العشوائي، بل التماثل المسبق في الاتجاهات الفكرية والسياسية الذي اكتشفه الطلاب تدريجياً.
وفي مجال علم الأوبئة النفسي-الاجتماعي، أثبتت أبحاث نيكولاس كريستاكيس وجيمس فاولر المنشورة في دورية New England Journal of Medicine أن سلوكيات وأمزجة الأفراد (كالابتهاج، ومشاعر الاكتئاب، وحتى السلوك الغذائي) تتركز في كتل شبكية متجانسة؛ حيث يرتبط الأفراد غالباً بمن يوازونهم في الأنماط السلوكية والحالات المزاجية، مما يؤكد أن التجانس لا يقتصر على السمات الثابتة بل يمتد للأعراض النفسية.
كما بينت أبحاث ماكفيرسون وسميث-لوفين (2001) أن العرق والإثنية يمثلان أقوى حدود التجانس الاجتماعي وأكثرها صرامة في المجتمعات الحديثة، يليهما مستوى التعليم والطبقة الاجتماعية، في حين يأتي التجانس الديني والعمري بدرجات متفاوتة تتأثر بالسياق الجغرافي والسياسي السائد.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للمجتمعات
تتباين حدة وطبيعة التجانس الاجتماعي بصورة ملحوظة باختلاف الثقافات والمجتمعات؛ ففي المجتمعات الجمعية (Collectivist Cultures) ككثير من المجتمعات العربية والآسيوية، يرتكز التجانس بقوة على الهويات الموروثة مثل العائلة الممتدة، والقبيلة، والمذهب الديني، وتكون الروابط خاضعة للواجب الاجتماعي والاندماج الجماعي المعياري.
في المقابل، يميل التجانس في المجتمعات الفردية (Individualist Cultures) الغربية إلى أن يكون تجانساً قائماً على الهوايات، والمهنة، وأساليب الحياة، والمواقف السياسية الفردية؛ إذ يتمتع الأفراد بحرية أكبر في اختيار من يشبههم خارج دائرة الأقارب والروابط العضوية الأولية، وفقاً لما تمليه رغباتهم النفسية المستقلة.
كما تلعب «الصرامة الثقافية» (Cultural Tightness) دوراً فاصلاً؛ فالمجتمعات ذات المعايير الصارمة تفرض ضغوطاً هائلة للتوافق والتجانس وتنبذ المخالفين بشدة، بينما تتيح المجتمعات ذات الثقافة الفضفاضة (Loose Cultures) مساحة أرحب لتقبل التباين ونشوء روابط غير متجانسة عبر الفئات المتمايزة.
13. الانتقادات والجدالات والحدود
على الرغم من القوة التفسيرية للتجانس، إلا أنه يواجه معضلة إبستيمولوجية كبرى تُعرف في الإحصاء وعلم الاجتماع بـ مشكلة الانعكاس (The Reflection Problem) التي صاغها الاقتصادي تشارلز مانسكي عام 1993: هل ينجذب الأفراد لبعضهم لأنهم متشابهون أصلاً (التجانس القائم على الاختيار)، أم أنهم يتشابهون بمرور الوقت بسبب تأثير المعاشرة والتفاعل المستمر (العدوى الاجتماعية والتأثير المتبادل)؟ يظل الفصل بين هذين العاملين تحدياً منهجياً قائماً.
وينتقد علماء النفس الاجتماعي النزعة المفرطة للتجانس باعتبارها الحاضنة الأساسية للتعصب، والعنصرية، وتكريس اللامساواة؛ إذ يؤدي حصر التفاعل بين المتشابهين إلى حرمان الفئات الأقل حظاً من الوصول إلى رأس المال الاجتماعي والمعلومات الحيوية المتداولة داخل شبكات النخب المتجانسة، مما يعيد إنتاج التفاوت الطبقي بصورة هيكلية خفية.
كما يُجادل نقاد آخرون بوجود نزعة إنسانية موازية للتجانس لا تحظى بالاهتمام الكافي، وتتمثل في البحث عن الحداثة والفضول الإدراكي، حيث يجد الإنسان في التعامل مع المختلفين ثراءً يوسع آفاق الوعي ويقيه من الملل والركود الذهني الناجم عن التعامل الحصري مع أشباهه.
14. المفاهيم المرتبطة والفروق الدقيقة
تتقاطع عدة مفاهيم نفسية واجتماعية مع التجانس، ومن الضروري تفكيك الفروق بينها لضبط الاستخدام العلمي:
- تغاير الانجذاب (Heterophily): النقيض المباشر للتجانس، ويعبر عن ميل الأفراد إلى التفاعل والانجذاب نحو من يختلفون عنهم في الخصائص أو وجهات النظر، وغالباً ما يحفزه الفضول الإدراكي أو البحث عن مهارات تكميلية.
- الانحياز للمجموعة الداخلية (In-group Favoritism): ميل تقييمي وسلوكي لتفضيل أعضاء المجموعة التي ينتمي إليها الشخص؛ بينما يمثل التجانس «نمطاً شبكياً واقعياً»، فإن الانحياز للمجموعة هو «آلية نفسية تقييمية» تدعم ذلك النمط.
- التقارب الجغرافي أو المكاني (Propinquity): نزعة تكوين الروابط مع الأشخاص القريبين مكانياً، ويُعتبر عاملاً ميسراً للتجانس الأساسي، لكنه يقتصر على المسافة الفيزيائية ولا يشترط التماثل القيمي أو النفسي.
- الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias): نزعة معرفية داخلية للبحث عن المعلومات التي تؤكد المعتقدات السابقة وتفسيرها لصالحها؛ ويعمل التجانس الاجتماعي كمعادل علائقي لهذا الانحياز، حيث يحيط الفرد نفسه بأشخاص يمثلون تأكيداً بشرياً حياً لأفكاره.
15. خلاصة ونقاط جوهرية
يمثل التجانس الاجتماعي ظاهرة محورية تحكم الهندسة الخفية للروابط الإنسانية، ويمكن إيجاز حقائقه الجوهرية في النقاط التالية:
- التجانس هو الميل الطبيعي للانجذاب نحو الشبيهين في السمات الديموغرافية (المكانة) أو المعتقدات والطباع (القيم).
- يمنح التجانس الإنسان أماناً نفسياً، وتخفيضاً للجهد الإدراكي، وتأكيداً مستمراً على الهوية الذاتية وصحة المواقف.
- ينتج التجانس عن تضافر التفضيلات النفسية الفردية مع المحددات الهيكلية والجغرافية التي تفرض التقاء المتشابهين.
- تتسبب المبالغة في التجانس في نشوء غرف الصدى الرقمية، والتعصب الجماعي، وتجميد الإبداع، وتكريس التفاوت الاجتماعي.
- تتطلب استدامة المجتمعات المعاصرة وحيويتها موازنة نزعة التجانس الفطرية ببناء جسور واعية نحو التنوع والانفتاح على الاختلاف.
في الختام، يظل التجانس الاجتماعي ركيزة تطورية كبرى ضمنت التضامن والبقاء البشري عبر العصور، لكنه في عالم اليوم شديد التعقيد والترابط يفرض تحدياً وجودياً؛ إذ إن الاكتفاء بمرآة الشبيه يُفقر التجربة الإنسانية، بينما يكمن النمو الحقيقي والابتكار الأخلاقي في الجرأة على مد الجسور نحو الآخر المختلف ومصافحته.
المراجع
- Byrne, D. (1971). The Attraction Paradigm. Academic Press.
- Christakis, N. A., & Fowler, J. H. (2007). The spread of obesity in a large social network over 32 years. New England Journal of Medicine, 357(4), 370–379. https://doi.org/10.1056/NEJMsa066082
- Lazarsfeld, P. F., & Merton, R. K. (1954). Friendship as a social process: A substantive and methodological analysis. In M. Berger, T. Abel, & C. H. Page (Eds.), Freedom and Control in Modern Society (pp. 18–66). Van Nostrand.
- McPherson, M., Smith-Lovin, L., & Cook, J. M. (2001). Birds of a feather: Homophily in social networks. Annual Review of Sociology, 27(1), 415–444. https://doi.org/10.1146/annurev.soc.27.1.415
- Newman, M. E. (2003). Mixing patterns in networks. Physical Review E, 67(2), 026126. https://doi.org/10.1103/PhysRevE.67.026126
- Tajfel, H., & Turner, J. C. (1979). An integrative theory of intergroup conflict. In W. G. Austin & S. Worchel (Eds.), The Social Psychology of Intergroup Relations (pp. 33–47). Brooks/Cole.