يمثل التواصل الإنساني الركيزة الجوهرية التي تقوم عليها بنية الوعي المشترك والتفاعل الاجتماعي، فهو ليس مجرد قناة لنقل المعلومات، بل هو الأداة السيكولوجية الأساسية التي يُبنى من خلالها المعنى وتتشكل بها الهوية الذاتية والعلائقية. تنبع أهمية دراسة التواصل في إطار علم النفس من كونه المرآة التي تعكس العمليات المعرفية، والوجدانية، والسلوكية للفرد في سياقه البيئي والثقافي، محولاً الخبرات الفردية المعزولة إلى تجارب إنسانية تشاركية غنية.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي للتواصل الإنساني
يُعرَّف التواصل في الأدبيات النفسية والسلوكية بأنه عملية ديناميكية معقدة ومستمرة، تتضمن تبادل الرسائل، والرموز، والإشارات، والمشاعر بين طرفين أو أكثر بهدف تكوين فهم مشترك أو التأثير المتبادل في السلوك والمعتقدات. يتجاوز هذا التعريف التصور الميكانيكي الساذج الذي يختزل التواصل في عملية إرسال واستقبال بسيطة؛ إذ ينطوي التواصل الإنساني على مستويات متعددة من التشفير وفك الرموز المعرفية، والتأويل الذاتي الذي يتأثر بالخلفية النفسية، والتجارب التراكمية، والحالة المزاجية لكل من المرسل والمستقبل على حد سواء.
من الناحية المعجمية والنظرية، ترجع جذور كلمة التواصل (Communication) في اللغات اللاتينية إلى الجذر “Communicare”، والذي يعني “المشاركة” أو “جعل الشيء عاماً ومشتركاً”. وفي علم النفس المعرفي، لا يُنظر إلى التواصل كعملية نقل فيزيائي للألفاظ، بل كبناء علائقي يتم فيه التفاوض على المعنى من خلال رموز لغوية وغير لغوية متفق عليها ضمن سياق بيئي محدد. هذا التفاوض الرمزي يتطلب حضوراً فاعلاً لآليات الإدراك والانتباه، حيث يقوم كل مشارك بإسقاط أطره المعرفية الخاصة على الرسائل المستقبلة، مما يجعل كل حدث تواصلي تجربة فريدة لا تتكرر بنفس الصورة.
علاوة على ذلك، يفرق علماء النفس بين مفهومي “الاتصال” بوصفه الإجراء التقني أو الوسيلة المادية المستخدمة لنقل الإشارات، و”التواصل” بوصفه التفاعل الإنساني الوجداني والمعرفي الذي يتضمن التغذية الراجعة والتعاطف والاستجابة المتبادلة. إن التواصل الحقيقي يتطلب مستوى من الحضور الذهني والشعوري يسمح بالاعتراف بكيان الآخر المستقل والمغاير، وهو ما يجعل منه شرطاً أساسياً للنمو النفسي السليم والصحة العقلية المتكاملة عبر مختلف مراحل الحياة.
التطور التاريخي والنماذج النظرية المفسرة للتواصل
شهدت دراسة التواصل تطوراً جذرياً عبر التاريخ العلمي، حيث انتقلت من النماذج الخطية الأحادية إلى النماذج التفاعلية التبادلية المعقدة. بدأت المحاولات التنظيرية الأولى بصياغة نماذج نقل المعلومات الكلاسيكية، مثل نموذج كلود شانون ووارن ويفر (Shannon & Weaver Model) في نهاية أربعينيات القرن العشرين، والذي ركز على الجوانب الهندسية والتقنية: المرسل، القناة، المستقبل، والضجيج. ورغم أن هذا النموذج كان مصمماً في الأصل لهندسة الاتصالات السلكية واللاسلكية، إلا أن علم النفس استفاد منه في فهم كيفية تشويه “الضجيج النفسي” للرسائل، رغم قصوره الواضح في تفسير الطبيعة الإنسانية التفاعلية غير الخطية.
في وقت لاحق، برزت النماذج التفاعلية والدائرية، مثل نموذج ويلبر شرام (Wilbur Schramm)، الذي أدخل مفاهيم بالغة الأهمية سيكولوجياً مثل “مجال الخبرة المشترك” (Field of Experience) و”التغذية الراجعة” (Feedback). افترض شرام أن نجاح التواصل يتناسب طردياً مع حجم التداخل في المجالات الإدراكية والثقافية والوجدانية بين أطراف العلاقة؛ فإذا انعدم التداخل في مجال الخبرة، أصبحت عملية التفاهم مستحيلة عملياً، حتى لو كانت الكلمات المستخدمة واضحة في بنيتها اللغوية السطحية، مما فتح الباب واسعاً أمام التحليل النفسي الثقافي للرسائل البشرية.
توج هذا التطور بالنموذج التبادلي (Transactional Model) لدين بارنلوند (Dean Barnlund)، الذي يعتبر التواصل عملية مستمرة ومتزامنة يكون فيها كل فرد مرسلاً ومستقبلاً في اللحظة ذاتها. في هذا النموذج، لا توجد بداية أو نهاية محددة للموقف التواصلي، بل ينغمس الأفراد في شبكة من المعاني المتغيرة التي يصنعونها تشاركياً من خلال الإشارات اللفظية وغير اللفظية وسياق البيئة المحيطة، وهو الإطار الذي تتبناه غالبية المدارس النفسية المعاصرة في تحليل العلاقات الشخصية والعلاج النفسي الأسري والجمعي.
ولا يمكن إغفال الإسهام المحوري الذي قدمته مدرسة “بالو ألتو” (Palo Alto School) بقيادة عالم النفس والفيلسوف بول واتزلاويك وزملاؤه من خلال نظرية التواصل البشري. صاغ واتزلاويك بديهيات التواصل الشهيرة، وعلى رأسها البديهية الأساسية: “لا يمكن للمرء ألا يتواصل” (One cannot not communicate)؛ حيث اعتبر أن كل سلوك بشري، بما في ذلك الصمت والانسحاب والجمود، يحمل قيمة رسالية وتواصلية تُفسر حتماً من قبل الآخرين في المجال التفاعلي، مؤكداً أن التواصل يتألف دائماً من جانبين: جانب المحتوى وجانب العلاقة الذي يحدد كيف ينبغي فهم ذلك المحتوى.
الأبعاد النفسية والمعرفية لعملية التواصل
يرتبط التواصل ارتباطاً وثيقاً بالبنية المعرفية الداخلية للجهاز العصبي البشري؛ إذ تتدخل العمليات المعرفية العليا مثل الانتباه الانتقائي، والتشفير الدلالي، والاسترجاع من الذاكرة طويلة المدى، في كل مرحلة من مراحل صياغة الرسالة واستقبالها. يميل الأفراد عادة إلى تصفية المعلومات القادمة عبر مرشحاتهم المعرفية الذاتية (Cognitive Filters)، مستندين إلى معتقداتهم المسبقة ومخططاتهم العقلية (Schemas)، الأمر الذي يقود في كثير من الأحيان إلى التفسير الانتقائي أو التحريف غير الواعي لمعاني الكلمات والإشارات بما يتوافق مع منظومة التوقعات الداخلية.
تمثل نظرية العقل (Theory of Mind) ركيزة سيكولوجية محورية أخرى في فهم كفاءة التواصل؛ حيث تعبر عن قدرة الفرد على إدراك الحالات العقلية للآخرين (مثل نواياهم، ومعتقداتهم، ورغباتهم، ومشاعرهم) والتنبؤ بسلوكياتهم بناءً على هذا الإدراك. يمكن التواصل الفعال الفرد من اتخاذ منظور الآخر (Perspective-taking)، مما يخفف من حدة التمركز حول الذات ويسمح بضبط الرسائل التواصلية لتناسب الحالة الذهنية والانفعالية للمتلقي، وهو قصور يظهر جلياً في اضطرابات طيف التوحد وبعض الاضطرابات الشخصية حيث تتأثر هذه القدرة سلباً.
تلعب الانحيازات المعرفية وعمليات العزو السببي (Attribution Processes) دوراً حاسماً في تشكيل طبيعة التفاعل التواصلي؛ فخطأ العزو الأساسي (Fundamental Attribution Error) يقود الأفراد غالباً إلى إرجاع سلوكيات الآخرين وألفاظهم الحادة إلى سمات شخصية داخلية ثابتة ونوايا خبيثة، متجاهلين الضغوط البيئية والسياقية التي يمر بها الطرف الآخر. في المقابل، يميل الفرد إلى تبرير أخطائه التواصلية بالظروف الخارجية القاهرة، مما يخلق فجوات سوء الفهم وسوء التأويل التي تشعل الصراعات بين الأفراد وداخل الجماعات.
كما تؤثر الحالة الانفعالية والوجدانية الراهنة (Affective State) على الكيفية التي تُبنى وتُفكك بها الرسائل؛ فالأفراد الواقعون تحت وطأة القلق المزمن أو الاكتئاب يظهرون حساسية مفرطة للإشارات السلبية الغامضة ويفسرون الكلمات الحيادية بوصفها تهديدات أو انتقادات موجهة لذواتهم، وتعرف هذه الظاهرة بالتحيز السلبي في معالجة المعلومات التواصلية. في المقابل، تسهم المشاعر الإيجابية والأمان النفسي في توسيع المدارك المعرفية، مما يعزز مرونة التفكير، والقدرة على الاستماع النشط، والتسامح مع الغموض في التفاعلات اليومية المعقدة.
مستويات التواصل: اللفظي، غير اللفظي، وفوق اللفظي
يتألف التواصل الإنساني من منظومات متعددة تعمل في تضافر وتزامن دقيق، ويأتي في مقدمتها التواصل اللفظي (Verbal Communication) القائم على الكلمات المكتوبة والمنطوقة. تمثل اللغة أعظم إنجاز رمزي للإنسان، حيث تتولى نقل الأفكار التجريدية والمفاهيم المعقدة والخطط المستقبلية بدقة فائقة. ومع ذلك، فإن اللغة ليست مجرد ألفاظ مجردة، بل تتأثر بالدلالات الرمزية العاطفية التي يخلعها الأفراد على الكلمات، وهو ما يفسر حدوث سوء التفاهم حتى عندما يتحدث الطرفان اللغة ذاتها ويستخدمان القواميس اللغوية المتطابقة.
يشكل التواصل غير اللفظي (Nonverbal Communication) الحيز الأكبر والأكثر صدقاً في التعبير عن المشاعر والحالات الوجدانية العميقة، وقد أكدت أبحاث علماء النفس السلوكي مثل بول إكمان على عالمية تعبيرات الوجه الأساسية السبعة (السعادة، الحزن، الخوف، الغضب، المفاجأة، الاشمئزاز، والازدراء). تنقل لغة الجسد، والإيماءات، والاتصال البصري (Eye Contact)، والحركات التعبيرية رسائل لاشعورية تفوق في قوتها التأثيرية الكلمات المنطوقة، وغالباً ما يلجأ الدماغ البشري إلى تصديق الإشارات غير اللفظية عند حدوث تعارض أو تناقض بينها وبين الكلمات اللفظية.
يتضمن التواصل غير اللفظي أيضاً علم استخدام الفضاء المكاني والحيز الشخصي، أو ما يعرف بالبروكسيميكس (Proxemics)، الذي وضعه عالم الأنثروبولوجيا إدوارد هال. ينظم الإنسان مسافاته المكانية مع الآخرين استناداً إلى طبيعة العلاقة النفسية والأمان الوجداني، مقسماً الحيز إلى مسافات حميمة، وشخصية، واجتماعية، وعامة؛ ويؤدي انتهاك هذه المسافات المادية والنفسية دون استئذان إلى إثارة استجابات التوتر والتهديد في الجهاز العصبي المستقل، مما ينعكس سلباً وفوراً على جودة التواصل واستجابة المتلقي.
أما المستوى فوق اللفظي أو ما وراء اللغة (Paralanguage)، فيشمل الخصائص الصوتية المصاحبة للكلام مثل نبرة الصوت، وسرعة الإلقاء، ودرجة الحدة، ومستويات الارتفاع والانخفاض، والتوقفات التعبيرية (الصمت). يضفي هذا المستوى البعد النغمي العاطفي على الجمل، وهو القادر على تحويل عبارة مجاملة لفظية ظاهرة إلى استهزاء لاذع أو تهديد مبطن اعتماداً على النغمة المستخدمة؛ مما يجعل دراسة التواصل في علم النفس متطلبة لتفكيك هذه المستويات الثلاثة مجتمعة ومترابطة لا منعزلة.
التواصل في سياق علم النفس الإكلينيكي والعلاقات الإنسانية
يحتل التواصل مكانة محورية في التشخيص والعلاج النفسي؛ إذ إن العديد من الاضطرابات النفسية تنشأ أو تتفاقم نتيجة لأنماط تواصلية مشوهة داخل البيئة التنشئية الأولى. قدم عالم الإنسانيات غريغوري بيتسون مفهوم “الارتباط المزدوج” (Double Bind Theory) لتفسير كيفية تسبب الرسائل التواصلية المتناقضة داخلياً والصادرة من الآباء (مثل إظهار النفور الجسدي مع التلفظ بكلمات الحب في آن واحد دون السماح للطفل بالتعليق على هذا التناقض) في خلق ارتباك معرفي وانفصال عن الواقع قد يمهد لتطور اضطرابات ذهانية أو تفككية حادة.
في مجال العلاج الأسري، طورت المعالجة النفسية فيرجينيا ساتير (Virginia Satir) تصنيفاً شاملاً لأنماط التواصل تحت الضغط، موضحة أربعة أساليب غير متوافقة يلجأ إليها الأفراد كدفاعات نفسية ضد مشاعر الدونية وفقدان الأمان: الاسترضاء (Placating) حيث يلغي الفرد مشاعره لإرضاء الآخر، واللوم (Blaming) حيث يسقط الفرد أخطاءه على الآخرين بعدوانية، والتعقل الفائق أو الحسابي (Computing) حيث يجرد الفرد نفسه من العواطف ويلجأ للمنطق البارد، والتشتيت (Distracting) حيث يتجاهل الفرد الواقع عبر سلوكيات عبثية، مقابل نمط خامس هو “التواصل المتوافق” (Congruent Communication) الصحي الذي تتناغم فيه الكلمات مع المشاعر الداخلية والحقائق السياقية.
وفي إطار تعزيز العلاقات الإنسانية والصحة النفسية الجمعية، برز نموذج “التواصل اللاعنفي” (Nonviolent Communication – NVC) الذي ابتكره عالم النفس مارشال روزنبرغ. يرتكز هذا النموذج على أربعة مكونات أساسية: الملاحظة الموضوعية المجردة دون إصدار أحكام تقييمية، والتعبير الصادق عن المشاعر الدفينة، وتحديد الاحتياجات النفسية غير الملباة التي تولد تلك المشاعر، وصياغة طلبات ملموسة وقابلة للتنفيذ. يثبت هذا المنهج فعاليته في خفض الدفاعات النفسية لدى الأطراف المتنازعة وإحلال التعاطف والتفهم مكان العدوان والجمود الفكري.
كما يعتمد نجاح العلاج النفسي بمختلف مدارسه على تأسيس ما يسمى “التحالف العلاجي” (Therapeutic Alliance)، وهو مبني بالكامل على كفاءة التواصل اللفظي وغير اللفظي بين المعالج والعميل. يمثل الاستماع النشط (Active Listening)، والانعكاس الوجداني غير المشروط، والتعاطف الأصيل أدوات تواصلية يمارسها المعالج لتوفير بيئة نفسية آمنة تتيح للمستبصر تفكيك تجاربه الصادمة واستعادة توازنه الوجداني والمعرفي.
معوقات التواصل والتشوهات الإدراكية
تواجه عملية التواصل الإنساني منظومة واسعة من المعوقات النفسية والمعرفية والسلوكية التي تمنع انتقال المعنى بنقاء، وتأتي “الحواجز النفسية” (Psychological Barriers) في مقدمة هذه العقبات. عندما يشعر الفرد بالتهديد، ينشط جهازه الدفاعي النفسي بصورة لاواعية من خلال ميكانيزمات مثل الإنكار، والإسقاط، والعدوان السلبي، والتبرير؛ مما يدفعه إلى التحصن خلف جدران دفاعية تركز على حماية الذات وتأكيد صوابيتها بدلاً من الانفتاح على الفهم المتبادل وإدراك حقيقة رسالة الطرف الآخر.
تعد التشوهات المعرفية (Cognitive Distortions)، كما بينها آرون بيك في إطار العلاج المعرفي السلوكي، من أبرز مسببات الفشل التواصلي بين البشر. تشمل هذه التشوهات “قراءة الأفكار” (Mind Reading)، حيث يفترض الشخص معرفته التامة بنوايا الآخرين الخفية وسوء طواياهم دون أدلة موضوعية، و”التعميم المفرط” (Overgeneralization) باستخدام عبارات قطعية مثل “أنت دائماً تفعل ذلك” أو “أنت لا تفهمني أبداً”، مما يولد مقاومة فورية وتصلباً انفعالياً لدى الطرف المستمع، محولاً الحوار إلى سجال عقيم.
تتفرع المعوقات أيضاً لتشمل “الضجيج الدلالي واللغوي” و”الضجيج البيئي”؛ فالاستخدام المفرط للمصطلحات التخصصية الغامضة أو التباين الحاد في المرجعيات المعرفية واللغوية يحول دون بناء الفهم المتطابق للرسالة. يضاف إلى ذلك العوامل البيئية المحيطة كالتشتت السمعي والبصري وضغوط الوقت، والتي تستنزف طاقة الانتباه والذاكرة العاملة وتمنع الأفراد من معالجة المعاني بعمق وتأنٍّ كافيين.
كما تشكل الأحكام المسبقة، والقولبة النمطية (Stereotyping)، والتعصب للجماعة الداخلية عوائق بنيوية تحجب الإدراك الموضوعي للأفراد كذوات متفردة، حيث يُختزل المتحدث في قالب جامد ويُعامل بناءً على صور ذهنية نمطية متوارثة، الأمر الذي يجهض أي إمكانية لبناء جسور تواصل حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالكرامة الإنسانية لكل فرد خارج التصنيفات الجاهزة.
التواصل في العصر الرقمي والتأثيرات السيكولوجية المعاصرة
أحدثت الثورة الرقمية والتطور الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الذكية تحولاً جذرياً غير مسبوق في طبيعة التواصل الإنساني وبنيته السيكولوجية. انتقال التفاعل من الفضاء الواقعي الجسدي إلى الفضاء الافتراضي عبر التواصل المعتمد على الحاسوب (Computer-Mediated Communication) أدى إلى تغييب شبه كلي للإشارات الجسدية غير اللفظية وللنغمات الصوتية، محولاً التفاعل في كثير من الأحيان إلى نصوص مقتضبة ورموز تعبيرية مجردة تفقد الرسائل ثراءها الوجداني العميق.
أدى هذا التجريد الجسدي إلى بروز ظاهرة نفسية خطيرة تعرف بـ “تأثير زوال التثبيط عبر الإنترنت” (Online Disinhibition Effect)؛ حيث يشعر الأفراد بنوع من التحرر المزيف من الرقابة الاجتماعية والأخلاقية بسبب الشعور باللاتماثل أو إخفاء الهوية والغياب المادي للمتلقي. يقود ذلك غالباً إلى تفشي خطابات الكراهية، والتنمر الرقمي، وسرعة الاستقطاب الفكري والعدوان اللفظي غير المبرر، وهي ممارسات يتردد الفرد ذاته في ممارستها خلال التفاعل الواقعي وجهاً لوجه.
من ناحية أخرى، أفرز التواصل الرقمي تحديات معرفية ونفسية معاصرة مثل “إرهاق التواصل الرقمي” (Digital Communication Fatigue)، والتشتت المستمر للانتباه نتيجة الإشعارات المتلاحقة، وظاهرة “الخوف من فوات الشيء” (FOMO). هذا الضغط المتواصل للبقاء متصلاً يقود إلى استنزاف طاقة المعالجة المعرفية، ويعيق القدرة على الانخراط في محادثات عميقة تتطلب صبراً، وتركيزاً، واستيعاباً للتفاصيل الدقيقة والتعقيدات الإنسانية، مما زاد من معدلات الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية رغم الاتصال الرقمي المستمر.
رغم هذه التحديات، يوفر التواصل الرقمي أيضاً فرصاً غير مسبوقة للتقارب الإنساني، وتجاوز الحدود الجغرافية، وتكوين مجتمعات دعم نفسي تخصصية لم تكن متاحة في السابق. يتوقف التأثير النفسي لهذه الوسائل على الكيفية التي يوظفها بها الفرد؛ فبينما يؤدي الاستخدام السلبي والاستعراضي إلى تآكل الثقة بالنفس وزيادة المقارنة الاجتماعية المدمرة، يمكن للتواصل الرقمي الواعي والمتوازن أن يثري شبكات الدعم الاجتماعي ويوفر قنوات فعالة للتعبير عن الذات وتخفيف العزلة الوجدانية.
استراتيجيات تطوير الكفاءة التواصلية والذكاء التواصلي
تعد الكفاءة التواصلية مهارة نفسية وسلوكية مكتسبة وليست مجرد موهبة فطرية ثابتة، وتتطلب في جوهرها تطويراً مستمراً لما يعرف بـ “الذكاء التواصلي” المرتبط بالذكاءين العاطفي والاجتماعي. تأتي مهارة الاستماع النشط في مقدمة هذه الاستراتيجيات، وهي تنطوي على الإنصات بكامل الحواس، وتأجيل الأحكام النقدية، وإعادة صياغة ما قاله الطرف الآخر للتأكد من صحة الفهم، وإظهار الاهتمام الحقيقي من خلال الإشارات غير اللفظية المشجعة كالاتصال البصري والإيماء بالرأس.
تشمل الكفاءة التواصلية كذلك تنمية مهارة “توكيد الذات” (Assertiveness)، والتي تقف في موقع التوازن الصحي بين السلوكين العدواني والاستسلامي السلبي. يسمح توكيد الذات للفرد بالتعبير الصريح والمباشر عن آرائه، ومشاعره، واحتياجاته، وحدوده الشخصية باحترام وبدون خوف، وفي الوقت نفسه دون التعدي على حقوق الآخرين أو إهانتهم، وهي مهارة تزيد من تقدير الذات وتحد من مشاعر الاحتقان الوجداني والاغتراب النفسي في العلاقات الشخصية والمهنية.
تتطلب الكفاءة المتقدمة أيضاً تعزيز المرونة المعرفية (Cognitive Flexibility) لدى الفرد، وهي القدرة على تعديل الأسلوب التواصلي وتطويعه وفقاً لطبيعة الموقف وشخصية الطرف الآخر وسياق الحديث؛ فالمرونة المعرفية تجنب الفرد التمسك الصارم برؤية أحادية وتجعله أكثر استعداداً للاستماع إلى وجهات النظر المتباينة وفحصها بموضوعية، فضلاً عن إتقان إدارة الصراعات وتوجيهها نحو الحلول التشاركية البناءة بدلاً من التحول إلى معارك شخصية مدمرة للعلاقات.
في الختام، يظهر التواصل الإنساني بوصفه شريان الحياة النفسية والاجتماعية، والنسيج الحيوي الذي يربط بين الذوات الفردية ليصنع منها مجتمعات متماسكة وذات معنى. إن فهم الآليات المعرفية، والوجدانية، والسلوكية المعقدة التي تحكم تفاعلاتنا التواصلية، والعمل الدؤوب على تجاوز معوقاتها وتطوير كفاءاتنا الشخصية في التعبير والإنصات، هو السبيل الأضمن لتحقيق الصحة النفسية المتكاملة، وتعميق الروابط الإنسانية الأصيلة، والارتقاء بجودة الحياة في عالم تتزايد فيه التحديات والتعقيدات يوماً بعد يوم.
المراجع
- Watzlawick, P., Bavelas, J. B., & Jackson, D. D. (2011). Pragmatics of human communication: A study of interactional patterns, pathologies, and paradoxes. W. W. Norton & Company.
- Ekman, P. (2007). Emotions revealed: Recognizing faces and feelings to improve communication and emotional life. Henry Holt and Company.
- Rosenberg, M. B. (2015). Nonviolent communication: A language of life (3rd ed.). PuddleDancer Press.
- Hall, E. T. (1990). The hidden dimension. Anchor Books.
- Satir, V. (1988). The new peoplemaking. Science and Behavior Books.
- Shannon, C. E., & Weaver, W. (1949). The mathematical theory of communication. University of Illinois Press.
- Barnlund, D. C. (2008). A transactional model of communication. In C. D. Mortensen (Ed.), Communication theory (2nd ed., pp. 47-57). Routledge.
- Bandura, A. (1986). Social foundations of thought and action: A social cognitive theory. Prentice-Hall.