يُمثل التماهي مع المعتدي إحدى أكثر الآليات الدفاعية النفسية تعقيداً وإثارة للجدل في التحليل النفسي الكلاسيكي والمعاصر، حيث يواجه الإنسان تهديداً وجودياً أو نفسياً ساحقاً عبر استدخال سمات المعتدي وسلوكه لحماية الذات من الانهيار التام. يُعد فهم هذا المفهوم حجر زاوية في تفكيك ديناميات الصدمة البينشخصية، والعنف الأسري، والتسلط المؤسسي، وسيكولوجية النجاة القسرية.
التماهي مع المعتدي
1. التعريف الدقيق والموجز
التماهي مع المعتدي (Identification with the Aggressor) هو آلية دفاعية لاواعية يعمد فيها الفرد، عند مواجهته لتهديد خارجي أو سلطة قاهرة أو إساءة بالغة، إلى تقمص سمات المعتدي، أو استدخال رموزه، أو محاكاة سلوكياته العدوانية وقيمه، كوسيلة لتحويل موقفه النفسي من موقع الضحية العاجزة إلى موقع الطرف المسيطر والقوي. تتضمن هذه الآلية تحويلاً بنيوياً في الأنا يهدف إلى تحييد الخوف عبر التواطؤ الرمزي أو الفعلي مع مصدر الخطر.
يتجاوز هذا المفهوم مجرد التقليد السلوكي الظاهري أو الاستسلام الإرادي للضغط؛ فهو يمثل صراعاً دينامياً عميقاً يعيد تشكيل العالم الداخلي للفرد. فمن خلال استدخال دور المعتدي، يخمد الضحية مشاعر الرعب، والضعف، والذل التي لا تطاق، مستبدلاً إياها بشعور زائف بالأمان أو القوة والسيطرة. وتعد هذه العملية شكلاً من أشكال الانشطار النفسي (Splitting)، حيث يُقمع الجزء المعذب والمهان في الذات، في حين يتم إعلاء وإبراز ملامح الشخصية المعتدية داخل بنية الأنا المتصدعة.
في سياق علم النفس المرضي والتحليل النفسي الإكلينيكي، يُنظر إلى التماهي مع المعتدي بوصفه رد فعل تكيفياً طارئاً في مواجهة الصدمات المتكررة؛ إلا أنه يتحول على المدى الطويل إلى نمط سلوكي ونفسي مدمر يعيد إنتاج العنف بصورة لاواعية، مما يدفع الناجي إلى إلحاق الأذى بالآخرين أو توجيه النقد الذاتي القاسي والمعاقبة العنيفة ضد نفسه في صورة أنا عليا سادية ومفرطة الصرامة.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يعود الأصل اللغوي لمفهوم التماهي إلى الجذر العربي (م-ه-و) أو ما يقاربه دلالياً في التماثل، لكنه شاع في الاصطلاح الفلسفي والنفسي العربي كترجمة دقيقة لمصطلح “Identification” المشتق من اللاتينية المتأخرة identificare، المكونة من identicus (مطابق أو متطابق) واللاحقة facere (يصنع أو يجعل)، أي جعل الشيء مطابقاً للآخر أو الاتحاد به وجدانياً ونفسياً. ويشير التماهي في التحليل النفسي إلى العملية النفسية التي يكتسب الفرد من خلالها جانباً أو خاصية من خصائص شخص آخر ويتحول كلياً أو جزئياً وفق نموذجه.
أما كلمة “المعتدي”، فتشتق من الجذر العربي (ع-د-و)، ومنه العدوان والاعتداء، وهو مجاوزة الحد وظلم الآخرين بغير حق. ويقابلها في اللغات الغربية مصطلح Aggressor المشتق من الفعل اللاتيني aggredi (بمعنى يقترب بعدوانية، يهاجم، أو يقتحم)، المتألف من البادئة ad- (نحو) وgradi (يخطو أو يسير).
وقد صيغ المصطلح تاريخياً في اللغة الألمانية تحت تعبير Identifizierung mit dem Angreifer، حيث استُخدم لأول مرة في الأدبيات التحليلية النفسية في ثلاثينيات القرن العشرين، ولا سيما في أعمال المحلل النفسي المجري ساندور فيرينزي (Sándor Ferenczi) ثم صاغته بشكل منهجي مفصل آنا فرويد في كتابها الرائد الصادر عام 1936 حول ميكانيزمات الدفاع.
3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية
يُنطق المصطلح باللغة العربية بفتح التاء والميم وكسر الهاء المشددة يليها ياء: التَّمَاهِي (at-tamāhī)، مع مراعاة أل التعريف الشمسية في “التماهي” و”المعتدي”. وتُعرب العبارة وفق موقعها الإعرابي، حيث يكون “التماهي” مبتدأً أو فاعلاً أو مفعولاً به، وهو مصدر مشتق من الفعل الخماسي “تَمَاهَى – يَتَمَاهَى – تَمَاهِياً”، وهو اسم منقوص تحذف ياؤه في حالتي الرفع والجر إذا نُوّن ولم يكن معرفاً بأل أو مضافاً (مثل: “حدثَ تَمَاهٍ مع…”)، وتثبت الياء في حال التعريف (التماهي) أو الإضافة أو النصب. وتأتي عبارة “مع المعتدي” كشبه جملة تتألف من ظرف المصاحبة “مع” والمضاف إليه المجرور “المعتدي”، وهو اسم فاعل مشتق من الفعل الخماسي “اعتدى – يعتدي”.
توجد في الأدبيات السيكولوجية العربية تنويعات اصطلاحية مترادفة، منها: “التوحد مع المعتدي”، و”التقمص الوجداني للمعتدي”، و”المماهاة بالمعتدي”. ورغم دلالة التوحد على الاندماج الكامل، فإن غالبية الأكاديميين والمترجمين في التحليل النفسي يفضلون مصطلح “التماهي” لكونه يعبر بدقة عن التغير الصيروري في بنية الذات دون إلغاء تام للوجود الفردي، في حين يميل مصطلح “التقمص” إلى التعبير عن تقليد ظاهري درامي قد يفتقر للعمق البنيوي اللاواعي.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
يعد التماهي مع المعتدي عملية لاواعية معقدة تهدف إلى إدارة الرعب الشديد الناجم عن الوقوع تحت رحمة قوة خارجية لا يمكن مقاومتها أو الهروب منها. عندما يجد الفرد نفسه عاجزاً عن الدفاع الجسدي أو النفسي ضد اعتداء مستمر، يواجه تهديداً بتفكك تكامل الأنا (Ego integration) وغرق الجهاز النفسي في قلق كارثي. ولمنع هذا الانهيار العصابي أو الذهاني، يلجأ الأنا إلى استراتيجية استباقية جذرية: بدلاً من الاستمرار في تجربة الخوف من المعتدي ككيان خارجي، يقوم الأنا بابتلاع صورة المعتدي ودمجها داخلياً، محولاً الصدمة من حدث يُعاني منه سلبياً إلى فعل يمارسه هو بإيجابية وسيطرة.
تتضمن هذه الدينامية مسارين نفسيين رئيسيين: تحويل السلبية إلى إيجابية (Passivity into Activity)، وانعكاس الأدوار (Role Reversal). في المسار الأول، يشعر الكائن البشري بالرعب المطلق عندما يكون متلقياً سلبياً للإيذاء والعدوان؛ ولذا يعيد الأنا صياغة التجربة بحيث يصبح هو مصدر الإرادة والفعل. أما في المسار الثاني، فيعزل الفرد مشاعره الخاصة بالضعف والألم ويسقطها خارجياً على أهداف أخرى—غالباً ما تكون أضعف منه—بينما يتقلد هو دور القوي والمعاقب. ومن ثم، فإن المعتدي لا يختفي من المسرح النفسي، بل يُستنسخ داخل الذات ليمارس سلطته من الداخل.
يختلف التماهي مع المعتدي من حيث النطاق والعمق باختلاف المرحلة النمائية وطبيعة الصدمة. في الطفولة المبكرة، يؤدي هذا التماهي إلى صدمة تطورية تؤثر على بناء الأنا والأنا العليا؛ فالطفل الذي يتعرض لإساءة المعاملة من قِبل الوالدين يجد نفسه أمام مأزق بيولوجي ونفسي مستحيل، إذ يحتاج إلى رعاية هؤلاء المعتدين من أجل البقاء. والسبيل الوحيد لحل هذا التناقض هو تبرئة الوالدين وإدانة الذات، مما يدفعه إلى استبطان قسوتهم وتوجيهها ضد ذاته أو محاكاتها مع أقرانه. أما لدى البالغين، فيظهر التماهي في بيئات القهر القصوى، مثل معسكرات الاعتقال، والسجون السياسية، والزيجات القائمة على العنف الشديد والممنهج.
تشمل حدود هذا المفهوم تمييزه عن التواطؤ الواعي أو النفاق النفعي؛ فالشخص الذي يتماهى مع المعتدي لا يتصنع السلوك بدافع الحسابات العقلانية لتحقيق مكاسب شخصية، بل يختبر تحولاً نفسياً حقيقياً في منظومته الإدراكية والوجدانية. كما أن التماهي لا يعني الرضا الأخلاقي الواعي عن العدوان، بل هو مناورة دفاعية يائسة لتفادي الفناء النفسي (Psychic Annihilation)، حيث يفضل الأنا أن يكون مذنباً ومسيطراً على أن يكون بريئاً وعاجزاً بالكامل أمام قوى ساحقة لا ضابط لها.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تعود الإرهاصات الأولى للمفهوم إلى رائد التحليل النفسي المجري ساندور فيرينزي، وتحديداً في ورقته العلمية الشهيرة والمثيرة للجدل لعام 1932/1933 بعنوان “ارتباك الألسنة بين البالغين والأطفال” (Confusion of the Tongues Between the Adults and the Child). رأى فيرينزي أن الطفل الذي يتعرض للإساءة الجنسية أو العاطفية من شخص بالغ، يُصاب برعب يشل مقاومته، فيتخلى عن استقلاليته النفسية ويخضع لرغبات المعتدي عبر التماهي التام معه؛ فيستشعر رغبات المعتدي ويستدخل مشاعر الذنب الخاصة به، ليتحول الطفل الضحية إلى حامل لأوزار المعتدي ومجسدٍ لأهوائه لحماية نفسه من الهجر أو القتل النفسي.
في عام 1936، التقطت آنا فرويد هذا الخيط وطورته بصورة نسقية في كتابها التأسيسي “الأنا وآليات الدفاع” (The Ego and the Mechanisms of Defence). خصصت آنا فرويد فصلاً كاملاً لـ “التماهي مع المعتدي”، واصفة إياه بأنه آلية دفاعية سوية ومرضية في آن واحد، تحمي الأنا من قلق الخصاء وقلق العقاب الخارجي. ضربت آنا فرويد أمثلة على أطفال يُقلدون المعلمين الصارمين بحركات وجه ساخرة أو عنيفة، مفسرة ذلك بأن الطفل يحول نفسه من مهدَّد إلى مهدِّد، ومن خلال تقمص خصائص المعتدي أو تقليد اعتداءاته، ينتقل من تجربة الألم إلى ممارسة السيطرة.
شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نضوجاً متزايداً للمفهوم؛ حيث استخدمه علماء النفس والاجتماع، مثل برونو بيتلهايم (Bruno Bettelheim) في تحليله لسلوك المعتقلين في معسكرات الاعتقال النازية، حيث لاحظ أن بعض السجناء القدامى أخذوا يتبنون شارات الحراس، ويسيرون مثلهم، ويعاملون رفاقهم من السجناء الجدد بذات القسوة السادية التي يعاملهم بها الغستابو. كذلك عمّق المحلل النفسي إريك فروم (Erich Fromm) المفهوم في دراسته للأنظمة التوتاليتارية في كتابه “الهروب من الحرية”، موضحاً كيف يتماهى الأفراد العاجزون مع الزعيم الديكتاتوري القاهر لتعويض شعورهم بالتضاؤل الذاتي.
مع بزوغ حركة علم صدمات الطفولة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ولا سيما أعمال ليونور تير (Lenore Terr) وجوديث هيرمان (Judith Herman)، تم ربط التماهي مع المعتدي بنظريات الصدمة المعقدة (Complex PTSD). وأضحى المفهوم يُفهم ليس فقط كآلية لحماية الأنا الفردية، بل كمحدد رئيسي لانتقال الصدمات عبر الأجيال (Transgenerational Trauma Transmission)، حيث يعيد الأفراد الذين عانوا من القهر تنفيذه تلقائياً ولاواعياً على أبنائهم وشركائهم كجزء من محاولات ترميم ذواتهم المحطمة.
6. الأسس والأطر النظرية
يستند مفهوم التماهي مع المعتدي إلى تضافر جملة من الرؤى والمدارس النفسية التي تقدم كل منها زاوية تحليلية فريدة:
منظور علم نفس الأنا (Ego Psychology): يرى هذا الاتجاه، بقيادة آنا فرويد وهينز هارتمان، أن الآلية تمثل محاولة وظيفية من قِبل الأنا للتكيف مع الواقع الصادم وخفض مستويات التوتر الناتجة عن الصراع بين الدوافع الغريزية والمحفزات الخارجية المرعبة. يستبدل الأنا شعور العجز الذاتي عبر التوحد مع المعتدي الخارجي، مستخدماً آليتي الإسقاط (Projection) والاستدخال (Introjection) في آن واحد؛ حيث يستدخل الأنا سلطة المعتدي ويُسقط مشاعر الضعف الذاتية على طرف ثالث خارجي، مما يحافظ على تماسك الأنا الهش من الاندثار.
منظور نظرية العلاقات الموضوعية (Object Relations Theory): يُفسر علماء مثل ميلاني كلاين ودبليو. آر. دي. فيربيرن المفهوم من خلال تكوين البنيات الموضوعية الداخلية. فعندما يكون الوالد أو الموضوع الأساسي للرعاية موضوعاً سيئاً ومضطهِداً (Persecutory Object)، لا يستطيع الجهاز النفسي الهش تحمّل كراهية هذا الموضوع الذي يعتمد عليه للبقاء. ونتيجة لذلك، يتم شطر الذات إلى جزء مضطهَد وجزء مضطهِد؛ حيث يتم التماهي الإسقاطي (Projective Identification) مع الموضوع المعتدي للحفاظ على رابط الارتباط الحياتي، وهو ما يؤدي إلى بناء عالم داخلي يسوده الاضطهاد والقسوة الشديدة التي تتغلغل في النواة المركزية للهوية النفسية.
المنظور النفسي العصبي ونظرية التعلق (Attachment & Neurobiology): في إطار نظرية التعلق لجون بولبي، يُعد التماهي مع المعتدي مظهراً من مظاهر “التعلق غير المنظم” (Disorganized Attachment)، حيث يكون مقدم الرعاية هو نفسه مصدر الرعب ومصدر الملاذ الآمن الوحيد. بيولوجياً، يؤدي فرط إفراز هرمونات الضغط النفسي ونشاط اللوزة الدماغية (Amygdala) إلى شلل في وظائف قشرة الفص الجبهي، مما يعطل التقييم العقلي الواعي ويدفع الجهاز العصبي إلى استجابات التواطؤ، والتجمد، والمحاكاة لتهدئة المهاجم، والتي تترسخ عصبياً عبر آليات الخلايا العصبية المرآتية بوصفها مساراً بيولوجياً لتفادي الموت الفعلي.
7. المكونات الرئيسية والأبعاد والأنماط
يتألف التماهي مع المعتدي من شبكة دينامية معقدة من العناصر والأشكال التي تتمايز وفق السياق وشدة الصدمة:
- الاستدخال السيكولوجي (Psychological Introjection): ابتلاع خصائص، ولغة، ونبرة، وقيم المعتدي وإسكانها داخل البناء النفسي للضحية حتى تصبح جزءاً لا يتجزأ من هويته الداخلية ونظرته إلى العالم.
- تحويل السلبية إلى إيجابية (Reversal from Passive to Active): انتقال الضحية اللاواعي من موقع المتلقي العاجز للضربات أو الإهانة إلى موقع الفاعل المبتدئ بالعدوان، وهو ما يمنحه شعوراً تعويضياً بالقدرة والسيطرة.
- التبرئة والإسقاط الأخلاقي (Moral Justification & Projection): تبرير أفعال المعتدي وتبني منطقه القمعي، مع إسقاط الضعف والنقص والعار على الضحايا الآخرين وتجريدهم من الإنسانية لتبرير سحقهم.
- النمط الجسدي/الحركي (Somatic & Behavioral Mimicry): تقليد الإيماءات، ونبرات الصوت الصارمة، وطريقة المشي والجلوس الخاصة بالمعتدي، والتي تظهر بوضوح في الأطفال كاستجابة فورية للقلق.
- النمط الأخلاقي/الأنا العليا المتوحشة (Sadistic Super-Ego): تحول سلطة المعتدي إلى جزء من الأنا العليا للضحية، مما يفرز نقداً ذاتياً مدمراً واحتقاراً مستمراً للذات عند إبداء أي مظهر من مظاهر اللين أو الضعف.
- النمط الإسقاطي الخارجي (Externalized Aggression): البحث الدائم عن أهداف كبش فداء ضعيفة لممارسة القهر والعدوان عليها، محاكاةً لما فعله المعتدي الأصلي به.
8. أمثلة وحالات توضيحية واقعية وسريرية
تتعدد تجليات هذا المفهوم في الحياة اليومية والعيادات النفسية والسياقات الاجتماعية والتاريخية؛ ومن أبرز هذه النماذج:
حالة سريرية (الناجي من العنف الأسري): راجع شاب يبلغ من العمر ثلاثين عاماً العيادة النفسية بسبب نوبات غضب غير مبررة واندفاعات عنيفة ضد زوجته وطفله الصغير كلما أظهر الطفل خوفاً أو بكاءً. في جلسات التحليل النفسي، استعاد الشاب ذكريات طفولته المروعة مع والد مدمن كان يضربه بقسوة مفرطة ويسخر من دموعه واصفاً إياه بـ “الجبان والأنثى”. تبين أن الشاب، دون وعي، لا يستطيع تحمل رؤية بكاء طفله لأن ذلك البكاء يحيي فيه صورة “الطفل العاجز والمرعوب” التي استقر في لاوعيه مقتها ودفنها؛ ومن ثم يتماهى لاإرادياً مع صوت والده المعتدي ونهجه الصارم لإسكات الطفل، مقتنعاً بالمنطق الواهي ذاته بأن “القسوة هي السبيل الوحيد لصناعة الرجال”.
حالة الأطفال المتنمرين في المدارس: تشير الملاحظات النفسية التربوية إلى أن كثيراً من الأطفال الذين يمارسون التنمر المدرسي العنيف هم في الأصل ضحايا لإساءة المعاملة والإذلال اليومي داخل أسرهم أو من قِبل إخوة أكبر سناً. يعجز الطفل في المنزل عن إبداء أي اعتراض لئلا يتعرض لبطش أشد؛ فيقوم في المدرسة بابتلاع شخصية والده أو معاقبه ومحاكاتها باحتراف، محولاً زملاءه الضعفاء في الفصل إلى نسخ منه كضحايا، ليمارس عليهم القهر الذي يعانيه ليلاً.
الظاهرة في الأنظمة الشمولية والسجون: تكشف الدراسات الإنسانية حول السجون ومعسكرات العمل القسري عن ظاهرة “الكابو” (Kapo) في معسكرات الاعتقال، حيث كان بعض السجناء يُمنحون صلاحيات أمنية لإدارة رفاقهم. بدلاً من التضامن مع رفاق المحنة، كان هؤلاء في كثير من الأحيان أكثر سادية ووحشية من الحراس الفعليين، مدفوعين بتماهٍ دفاعي تام مع الجلاد يهدف إلى إقناع أنفسهم وحراسهم بأنهم لا ينتمون إلى فئة الضحايا المحكوم عليهم بالهلاك.
9. القياس والتقييم السريري
نظراً لكون التماهي مع المعتدي آلية دفاعية لاواعية وبناءً نفسياً عميقاً، فإن قياسه لا يتم عادةً عبر مقياس نفسي مباشر ووحيد يحمل اسمه، بل يعتمد المعالجون والأطباء النفسيون على منظومة متعددة الأوجه من الأدوات الإكلينيكية والمقاييس النفسية الدينامية:
المقابلات الإكلينيكية المعمقة وتاريخ الصدمة: يتم تقييم الآلية عبر تتبع تاريخ الصدمات الشخصية وأنماط العلاقات، واستخدام “مقابلة التعلق للبالغين” (Adult Attachment Interview – AAI) التي تكشف حالات عدم انتظام المشاعر والتفكك الذهني والانشطار، خاصة عند سرد أحداث العنف المتبادل مع مقدمي الرعاية، وملاحظة التبرير غير المبرر للقسوة التي تعرض لها المسترشد في صغره.
استبيانات ومقاييس آليات الدفاع: تُستخدم أدوات قياس الدفاعات النفسية المقننة، مثل “استبيان أسلوب الدفاع” (Defense Style Questionnaire – DSQ-40) لتقييم الاعتماد على آليات الدرجة غير الناضجة مثل الإسقاط، والانشطار، والتمثيل الخارجي (Acting Out). كما يوظف مقياس الصدمة المعقدة المعتمد في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11 Trauma Scale) للكشف عن أعراض اضطراب الهوية واضطراب العلاقات التي تشكل حاضنة لهذا التماهي.
الاختبارات الإسقاطية (Projective Tests): يوفر اختبار بقع الحبر لرورشاخ (Rorschach Inkblot Test) واختبار تفهم الموضوع (Thematic Apperception Test – TAT) نوافذ حيوية لرصد التماهي مع المعتدي. فمن خلال قصص الـ TAT، يميل الأفراد الذين يعتمدون هذا الدفاع إلى صياغة سرديات يندمج فيها البطل مع الشخصيات المستبدة، مع إبداء تعاطف صفري مع الشخصيات الضحية، وتبرير التدمير والبطش بوصفهما الوسيلة الطبيعية الوحيدة لضمان البقاء.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحمل استيعاب ديناميات التماهي مع المعتدي قيمة إكلينيكية وعملية حاسمة في ميادين متعددة تشمل:
العلاج النفسي وتحليل الصدمات: يساعد فهم هذا الميكانيزم المعالج في تجنب الوقوع في فخ “اللوم الأخلاقي” للمسترشدين الذين يعيدون تمثيل سلوكيات المعتدين عليهم. يركز العلاج التحليلي ونموذج “نظم الأسرة الداخلية” (Internal Family Systems – IFS) والعلاج السلوكي الجدلي (DBT) على مساعدة الناجي على إدراك أن الجزء العنيف أو الناقد السادي بداخله كان في الأصل محاولة يائسة لحماية الذات الهشة من الموت، مما يمهد السبيل لنزع السلاح النفسي، وفصل هوية الناجي الحقيقية عن شبح المعتدي الذي يسكنه.
العمل الاجتماعي وحماية الأسرة والطفل: يوفر المفهوم فهماً حاسماً لـ “حلقة العنف الأسري” المفرغة (Cycle of Abuse)، حيث يُظهر سبب تكرار الأمهات أو الآباء المعنفين لسيناريوهات الإساءة ذاتها ضد أطفالهم رغم معاناتهم الشديدة منها في الماضي. يسهم هذا الفهم في تصميم برامج التدخل المبكر التي لا تقتصر على تقديم الدعم المادي، بل تفكك التماهيات اللاواعية الهدامة وتعيد تدريب الأبوين على التعاطف واحتواء الضعف البشري.
الوساطة وحل النزاعات المجتمعية: في المجتمعات الخارجة من ويلات الحروب، والنزاعات العرقية، والاستعمار، يساعد المفهوم في تفسير أسباب تحول جماعات مضطهدة تاريخياً إلى قوى قمعية جديدة ضد جيرانها أو أقلياتها فور وصولها إلى السلطة؛ إذ تقلد الأنظمة الوليدة ذات الترسانة التشريعية والوحشية البوليسية للمستعمر أو النظام البائد كإثبات لعصمتها من العودة إلى موقع الضعف.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية والعيادية
حظي المفهوم باهتمام تجريبي ونظري متزايد على مر العقود، حيث سعت الأبحاث المعاصرة إلى سبر أغوار الترابط بين التعرض للإساءة وممارسة الاعتداء:
أكدت دراسات رائدة أجرتها الباحثة كاثي سباتز ويدوم (Cathy Spatz Widom) في الثمانينيات والتسعينيات حول فرضية “حلقة العنف” (Cycle of Violence) أن الأطفال الذين تعرضوا للإيذاء الجسدي والإهمال الموثق تزيد احتمالية تورطهم في جرائم عنف في الكبر بنسبة تفوق بكثير أقرانهم الذين نشأوا في بيئات آمنة. وقدمت ويدوم أدلة تجريبية على أن نسبة معتبرة من هؤلاء الضحايا يطورون آليات تماهٍ معرفية تؤدي إلى تطبيع السلوك العدواني واعتباره نمط الاستجابة التلقائي للأزمات الشخصية.
في دراسة كلاسيكية أخرى للمحلل والباحث روبرت ستولورو وفريقه في مجال الصدمة العلائقية المشتركة (Intersubjective Trauma)، تبيّن أن التماهي مع المعتدي ليس مجرد تقليد أعمى، بل هو آلية تفكك إدراكي ناتجة عن انعدام وجود “محيط متفهم ومتجاوب” (Responsive Witness). وأظهرت الأبحاث الإكلينيكية أن غياب شخص راشد يوفر الأمان للطفل المعنف يجعل التماهي مع الشخص المعتدي الخيار الدفاعي الوحيد المتاح لمنع الانهيار الذهاني الشامل.
كما تناولت الأبحاث العصبية المقارنة الحديثة، مثل دراسات بيسل فان دير كولك (Bessel van der Kolk) حول بيولوجيا الصدمة، ظاهرة انطفاء التعاطف (Empathy Blunting) لدى المعنفين. وأثبتت فحوصات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن تكرار التهديد في سن مبكرة يدرب الدماغ على قمع دوائر المعالجة الوجدانية المسؤولة عن تأنيب الضمير والخوف تلقائياً وتفعيل مسارات السيطرة الحركية والعدوان، وهو ما يطابق تشريحياً ما وصفه التحليل النفسي بالتماهي مع المعتدي واستبدال العجز بالفعل الحركي المسيطر.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافية
يتأثر ظهور التماهي مع المعتدي وطرق التعبير عنه بالسياق الثقافي والاجتماعي المحيط بالضحية:
في الثقافات الجمعية والبطريركية (الأبوية)، قد يُسبغ على التماهي مع المعتدي غطاءٌ قيمي وديني مستحب تحت مسميات مثل “البر”، أو “احترام تقاليد الأسرة”، أو “الرجولة الحازمة”. فالابن الذي يُعنفه والده قد يُجبر ثقافياً على عدم الاعتراف بأي غضب تجاه والده، بل يتشرب أسلوبه بالكامل بوصفه النموذج الأعلى للسلطة والأخلاق؛ ومن ثم يمارسه بفخر واعتزاز مع زوجته وأبنائه مستقبلاً دون أن يستشعر أي ذنب أو استنكار مجتمعي.
أما في الثقافات الفردانية الغربية، فإن المعتدي قد لا يأخذ بالضرورة شكل الشخص الجسدي المباشر، بل يتجلى في مؤسسات تنافسية شرسة، أو مقاييس جمال مجحفة، أو نظم عمل رأسمالية استغلالية. هنا يتماهى الفرد مع “المعتدي الرأسمالي” أو متطلبات العمل القاسية فيرهق ذاته بالعمل القهري (Workaholism)، محتقراً احتياجات جسده وراحته ونفسه بوصفها نقاط ضعف غير مقبولة، مجسداً قسوة النظام الاقتصادي في جلده لذاته.
علاوة على ذلك، أظهرت دراسات ما بعد الاستعمار (Post-Colonial Studies)، خاصة أعمال فرانز فانون (Frantz Fanon) في كتابه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”، كيف يتماهى المستعمَر مع المستعمِر؛ حيث يتبنى المضطهَد لغة المستبد، ولباسه، وفلسفته، وينظر باحتقار إلى ثقافته الأصلية وإلى أبناء جلدته، متوهماً أنه بذلك يتخلص من دونيته المفروضة عليه قهراً.
13. الانتقادات والمناقشات والحدود النظرية
رغم العمق التفسيري الكبير الذي يوفره مفهوم التماهي مع المعتدي، فإنه واجه عدة انتقادات ونقاشات حادة داخل المجتمع الأكاديمي والتحليلي:
خطر لوم الضحية (Victim Blaming): يرى تيار من علماء النفس النسوي والناشطين الحقوقيين أن التوسع في استخدام المفهوم، خاصة في سياق العنف ضد المرأة أو العنف الجنسي، قد يُساء استخدامه لتبرئة الجناة وتصوير الضحايا كمتواطئين نفسياً مع معذبيهم. يُجادل هؤلاء بأن الخضوع والاستسلام الظاهري للمعتدي في كثير من الأحيان ليس تماهياً سيكولوجياً حقيقياً مع قيمه، بل هو حساب دقيق وغريزي للنجاة وتفادي القتل (Fawning Response)، وإلصاق تهمة التماهي به يُمثل إعادة اعتداء على الضحية بتجريدها من حق الغضب والمظلومية.
الغموض المفاهيمي وصعوبة التمييز: وجه بعض المنظرين، مثل جان لابلانش (Jean Laplanche)، نقداً للفروق الغامضة بين صياغة فيرينزي وصياغة آنا فرويد للمصطلح. فبينما رأى فيرينزي التماهي استسلاماً كلياً يبتلع فيه الطفل رغبة وشعور ذنب البالغ ليصبح طائعاً، رأته آنا فرويد هجوماً معاكساً يتقمص فيه الطفل سلطة المعتدي ليرهب الآخرين. هذا التعارض في الاتجاه (الاستسلام الداخلي في مقابل الهجوم الخارجي) أوجد التباساً في الاستخدام الإكلينيكي وجعل المفهوم مظلة فضفاضة قد تُطلق على سلوكيات متناقضة تماماً.
محدودية الحتمية التكرارية: تُشكك دراسات الصمود النفسي (Psychological Resilience) في الحتمية التي تفترض أن كل من تعرض للاعتداء محكوم عليه بالتماهي مع معتديه وإعادة إنتاج العنف. تشير الأرقام والإحصائيات الحديثة إلى أن الغالبية العظمى من ضحايا العنف لا يتحولون إلى معتدين، بل إن كثيراً منهم يطورون حساسيات تعاطف استثنائية (Hyper-Empathy) وكرهاً عميقاً للظلم والاستبداد، مما يؤكد أن التماهي مع المعتدي ليس مساراً حتمياً بل هو استجابة مشروطة بعوامل جينية، وبيئية، ونفسية معقدة تتطلب تدقيقاً متأنياً.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
تتداخل مع التماهي مع المعتدي جملة من المفاهيم السيكولوجية التي تشترك معه في بعض الملامح وتفارقه في الجوهر، ومنها:
- متلازمة ستوكهولم (Stockholm Syndrome): تُمثل حالة ترتبط فيها الضحية عاطفياً بالخاطف أو المعتدي وتتعاطف معه وتسعى لحمايته، لكن الفارق الجوهري أن متلازمة ستوكهولم تركز أساساً على مشاعر الحب والمودة والتحالف الإيجابي الموجه نحو المعتدي الخارجي لضمان الأمان، في حين أن التماهي مع المعتدي يتضمن تحولاً داخلياً في بنية الأنا يتقمص فيه الفرد عدوانية وقسوة المعتدي ليصبح هو نفسه معتدياً أو قاسياً على ذاته أو الآخرين.
- التماهي الإسقاطي (Projective Identification): مصطلح كلايني يُشير إلى آلية دفاعية يُسقط فيها الفرد جزءاً غير مرغوب فيه من ذاته على شخص آخر، ثم يتعامل مع ذلك الشخص بطريقة تجبره فعلياً على التصرف وفق ذلك الجزء المسقط. بينما في التماهي مع المعتدي، يقوم الفرد بعملية استدخال للأجزاء المخيفة من الشخص الخارجي إلى داخل ذاته بدلاً من مجرد إخراج أجزائه هو.
- المحاكاة أو التقليد السلوكي (Behavioral Modeling): سلوك واعي أو شبه واعي مستند إلى نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) لـ ألبرت باندورا، يكتسب فيه الفرد سلوكاً معيناً عبر الملاحظة والتعزيز الخارجي، دون أن يرتبط بالضرورة بصراع لاواعي أو رعب وجودي من التفكك والفناء النفسي كما هو الحال في التماهي مع المعتدي.
- التكوين العكسي (Reaction Formation): ميكانيزم دفاعي يواجه فيه الأنا دافعاً غير مقبول عبر تبني النقيض التام له (مثل إظهار مفرط للمحبة لإخفاء كراهية دفينة). أما في التماهي مع المعتدي، فإن الفرد لا يتبنى نقيض العدوان، بل يتبنى العدوان ذاته ويعيد توجيهه للتخلص من الضعف.
15. خلاصة واستنتاجات ختامية
يظل التماهي مع المعتدي دليلاً ساطعاً على المدى الذي يمكن أن يبلغه الجهاز النفسي البشري في المناورة من أجل الحفاظ على بقائه وسط الظروف المهددة والمروعة. يُمثل هذا الدفاع مأساة سيكولوجية عميقة؛ إذ يشتري فيه الفرد خلاصه المؤقت من الرعب والشعور بالعجز بثمن باهظ يتجلى في التنازل عن براءته، وتشظي أناه، وتبني ذات اليد الآثمة التي أوقعته في الألم والظلم. إن فك طلاسم هذه الآلية لا يضيء المسارات الوعرة لعلاج ضحايا الصدمات المروعة في العيادات النفسية فحسب، بل يمنح المجتمعات أداة بصيرة لا غنى عنها لكسر متواليات العنف، والتسلط، والقهر التاريخي التي لا تني تعيد تدوير نفسها عبر الأجيال ما لم تواجه بالوعي، والتعاطف، والمساءلة الأخلاقية العميقة.
المراجع
- Freud, A. (1936). The Ego and the Mechanisms of Defence. Hogarth Press. https://www.worldcat.org/title/ego-and-the-mechanisms-of-defence/oclc/559868
- Ferenczi, S. (1949). Confusion of the tongues between the adults and the child: The language of tenderness and of passion. International Journal of Psycho-Analysis, 30, 225-230. https://www.pep-web.org/document.php?id=ijp.030.0225a
- Herman, J. L. (1992). Trauma and Recovery: The Aftermath of Violence—From Domestic Abuse to Political Terror. Basic Books. https://www.worldcat.org/title/trauma-and-recovery/oclc/25008585
- Widom, C. S. (1989). The cycle of violence. Science, 244(4901), 160-166. https://doi.org/10.1126/science.2704995
- van der Kolk, B. A. (2014). The Body Keeps the Score: Brain, Mind, and Body in the Healing of Trauma. Viking. https://www.worldcat.org/title/body-keeps-the-score-brain-mind-and-body-in-the-healing-of-trauma/oclc/861778107