عض الشفاه: الأبعاد النفسية والسريرية

دليل سريري ونفسي شامل حول سلوك عض الشفاه المزمن (Morsicatio Labiorum): أبعاده العصبية، ونماذجه النظرية المفسرة، واستراتيجيات التقييم والعلاج السلوكي المعتمدة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد سلوك عض الشفاه من الظواهر الحركية الشائعة التي تتأرجح في تصنيفها بين مجرد استجابة فسيولوجية عابرة للتوتر اليومي واضطراب نفسي سريري مزمن يندرج تحت مظلة السلوكيات التكرارية المركزة على الجسد. ورغم أن قطاعاً واسعاً من الأفراد يمارس هذا الفعل بصورة لاواعية وغير ضارة في مواقف الضغط النفسي، إلا أن تحوله إلى نمط قهري مستمر يقود إلى تقرحات نسيجية وتشوهات ملموسة يعكس خللاً عميقاً في آليات التنظيم الانفعالي ومعالجة الإثارة العصبية داخل الدماغ البشري.

عض الشفاه (قضم الشفاه النفسي)

1. التعريف الدقيق والموجز

يُعرَّف عض الشفاه من المنظور النفسي والسريري بأنه سلوك حركي تكراري نمطي يتمثل في إطباق الأسنان على الأنسجة الرخوة للشفة العليا أو السفلى أو كلتيهما، بهدف القضم أو التمزيق أو الضغط المستمر. ويصنف هذا السلوك سريرياً حين يبلغ مرحلة الإزمان والضرر كأحد أنماط السلوكيات التكرارية المركزة على الجسد (Body-Focused Repetitive Behaviors – BFRBs)، حيث يتسم بعدم القدرة على المقاومة الواعية، وتكراره بصورة تؤدي إلى تآكل البشرة المخاطية وحدوث إصابات موضعية واضحة.

وفي إطار التصنيف التشخيصي للطب النفسي، يرتبط قضم الشفاه المزمن بفئة الاضطرابات ذات الصلة بالوسواس القهري (Obsessive-Compulsive and Related Disorders). ولا يقتصر هذا التعريف على الجانب الميكانيكي للحركة، بل يتعداه ليشمل البعد الوظيفي بوصفه آلية تنظيمية شاذة يلجأ إليها الجهاز العصبي للتخفيف من حدة الاستثارة الانفعالية السلبية، مثل القلق، والملل، والتوتر الإدراكي، أو لإشباع حاجة حسية ملموسة ناجمة عن عدم انتظام سطح الشفاه.

ويميز المتخصصون بين الشكل العابر أو الحركي العفوي لهذا السلوك، والذي لا يخلف تبعات طبية أو نفسية جسيمة، وبين الحالة المرضية المستمرة المعروفة طبياً بـ “عض الشفاه الرضحي المزمن”، والتي تترافق مع ضيق نفسي شديد، وتدهور في الأداء الاجتماعي والمهني، وعجز متكرر عن كبح هذا الدافع الحركي القهري.

2. أصل الكلمة والاشتقاق اللغوي

يعود الأصل اللغوي لمفردة “عَضّ” في المعاجم العربية إلى الجذر الثلاثي (ع-ض-ض)، وهو يدل في أصل وضعه اللغوي على الإمساك بالأسنان والضغط الشديد بها على الشيء، فيقال: عَضَّ على شفتيه ندماً أو حنقاً. وتتشارك معها مفردة “قَضْم” من الجذر (ق-ض-م)، والتي تشير بدقة أكبر إلى أكل الشيء اليابس أو أطراف الشيء بالأسنان الأمامية شيئاً فشيئاً، وهو الوصف التشريحي الأكثر مطابقة للحركة السلوكية المتبعة في نزع القشور الجلدية للشفاه.

أما من الناحية الاصطلاحية الطبية الغربية، فيعرف هذا السلوك بمصطلح Morsicatio labiorum، المشتق من اللاتينية الكلاسيكية؛ حيث تعود كلمة Morsicatio إلى الفعل اللاتيني mordere بمعنى “يعض” أو “يقضم مع إحداث خدش”، في حين تشير لفظة labiorum إلى الشفتين (جمع كلمة labium). وقد دخل المصطلح إلى الأدبيات الطبية والجلدية في بدايات القرن العشرين لوصف الإصابات النسيجية الذاتية الناجمة عن العادات الفموية القهرية.

وفي الأدبيات النفسية المعاصرة، يتم دمج هذا المصطلح تحت مسميات أوسع، مثل “التهاب الشفاه الاصطناعي” (Cheilitis artefacta) أو التمزيق القهري للشفاه، مما يبرز المنشأ النفسي الحركي للإصابة العضوية ويفصلها عن الأمراض الجلدية الرثوية أو العدوائية المستقلة بذاتها.

3. النطق والبنية الصرفية والنحوية

تُلفظ العبارة في اللغة العربية الفصحى بصيغة المصدر المضاف: “عَضُّ الشِّفَاهِ” (بفتح العين وتشديد الضاد المضمومة في حالة الرفع، وكسر الشين وفتح الفاء المخففة في المفردة المضافة إليها). وتصنف صرفياً كمركب إضافي يتكون من مصدر لفعل متعدٍ ثلاثي (عَضَّ يَعَضُّ عَضّاً) ومفعوله الأصلي في التركيب وهو “الشفاه” (جمع تكسير مفرده شَفَة).

ويشيع في الاستخدام السريري استعمال مصطلح بديل هو “قَضْمُ الشِّفَاهِ” (بفتح القاف وسكون الضاد)، حيث يفضل بعض الباحثين استخدام “القضم” للدلالة على السلوك النمطي المستمر الذي يستهدف إزالة الأنسجة البارزة، في حين يدل “العض” على مجرد الضغط الفيزيائي بالأضراس أو القواطع. ومن الناحية النحوية، يعامل المصطلح كاسم مفرد معرف بالإضافة يقع في مختلف المواقع الإعرابية (مبتدأ، فاعل، مفعول به) وفق سياق الجملة الطبية، ويشتق منه اسم الفاعل “عاضّ الشفاه” لوصف المريض الممارس لهذا النمط السلوكي.

4. الشرح المفاهيمي التفصيلي

يمثل عض الشفاه في جوهره ظاهرة معقدة تقع عند التقاطع الدقيق بين طب النفس، وطب الأعصاب، وطب الأسنان والجلدية. فالشفاه تعد من أكثر مناطق الجسد البشري كثافة في النهايات العصبية الحسية، وتحظى بتمثيل واسع النطاق في القشرة الحسية الجسدية داخل المخ (المعروف بتمثيل القزم الحسي أو Sensory Homunculus). هذا الثراء العصبي يجعل منطقة الفم والشفاه مهيأة وظيفياً لتكون وسيطاً أولياً لتفريغ الشحنات الانفعالية وتعديل مستويات الاستثارة القشرية.

ينقسم قضم الشفاه السريري إلى نمطين وظيفيين رئيسيين: النمط التلقائي (Automatic Biting)، والنمط المركّز (Focused Biting). يحدث النمط التلقائي دون وعي إدراكي مسبق من الفرد، وغالباً ما يظهر أثناء فترات الخمول الحركي المقترنة بالتركيز الذهني المكثف، كالقراءة أو الدراسة أو العمل المكتبي، أو في حالات الملل الشديد؛ حيث يعمل السلوك كأداة تحفيز حسي ذاتي لمنع انخفاض النشاط العصبي. في المقابل، ينشأ النمط المركّز بدافع واعٍ ومباشر للاستجابة لحالة انفعالية داخلية حادة كالتوتر أو الغضب أو الشعور بالإحباط، أو كاستجابة لإحساس حسي مزعج ناتج عن جفاف الشفة أو وجود قشرة جلدية غير متجانسة، مما يدفع الفرد إلى ملاحقتها بالأسنان لـ “تسوية” الملمس، وهو ما يقود paradoxically إلى مزيد من التلف الجلدي والتقشر المستمر.

وتتجاوز الآثار المترتبة على هذا السلوك النطاق الجسدي المتمثل في النزف المزمن، والتقرحات المؤلمة، والتورم، والتندب النسيجي، إلى عواقب نفسية واجتماعية ملحوظة. فالمرضى الذين يعانون من قضم الشفاه الشديد غالباً ما يشعرون بخجل عميق من مظهر شفاههم المشوهة، مما يؤدي إلى تجنب التفاعل الاجتماعي المباشر، وتغطية الفم باليد أثناء التحدث، واستخدام مفرط لمستحضرات التجميل أو المراهم لإخفاء الضرر. يولد هذا العجز المتكرر عن التوقف شعوراً متنامياً بتدني الكفاءة الذاتية وتراجع احترام الذات، مما يغذي دائرة مفرغة تتكون من التوتر، يتبعه العض لتهدئة التوتر، ثم الشعور بالذنب والخجل، مما يرفع منسوب القلق ويدفع نحو تكرار السلوك مجدداً.

ومن المنظور العصبي الحيوي، يُعتقد أن قضم الشفاه ينجم عن خلل في الحلقات العصبية التي تربط بين القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن الكبح الإرادي (Inhibitory Control) والنوى القاعدية (Basal Ganglia) المسؤولة عن تكوين العادات والأفعال الحركية الآلية. عندما يضعف هذا الكبح الأمامي تحت وطأة الضغوط البيئية أو الإرهاق المعرفي، تنطلق هذه الأنماط الحركية البدائية للتخفيف من التوتر بصورة شبه ذاتية، مما يجعل التراجع عنها مجرد مسألة إرادة أمراً شبه مستحيل دون تدخلات علاجية هيكلية.

5. التطور التاريخي للمفهوم

شهد مفهوم عض الشفاه تحولات جذرية عبر تاريخ الممارسة النفسية والطبية؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تعاملت الأدبيات الجلدية مع الظاهرة من منظور موضعي بحت تحت مظلات مثل “التقرح الرضحي الذاتي”. وكان يُنظر إلى المريض حينها على أنه يمارس عادة سيئة أو تخريباً متعمداً للأنسجة، دون فهم للدوافع الإدراكية والعصبية الكامنة وراء هذا التصرف.

ومع صعود مدرسة التحليل النفسي بقيادة سيغموند فرويد، تحول الاهتمام نحو البعد الرمزي للسلوك؛ حيث فُسر عض الشفاه بوصفه نكوصاً إلى “المرحلة الفموية” من التطور النفسي الجنسي، أو تعبيراً عن عدوانية حبيسة تم ارتدادها نحو الذات نتيجة كبت الدوافع الغريزية. ورغم أن هذا التفسير وفر إطاراً لفهم الارتباط بين السلوك والصراع الانفعالي، إلا أنه افتقر إلى الدليل التجريبي ولم يقدم حلولاً علاجية قياسية فعالة.

وفي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أحدثت المدرسة السلوكية ثورة في مقاربة هذه العادات الفموية، لا سيما مع أبحاث ناثان أزرين وجون نان اللذين قادا تطوير بروتوكول “التدريب على عكس العادة” (Habit Reversal Training) في عام 1973 لعلاج التشنجات اللاإرادية وعادات قضم الأظافر والشفاه. حيث تم نزع الصبغة الغيبية عن السلوك، وإعادة تعريفه كاستجابة شرطية مكتسبة يتم تعزيزها بآليات التعزيز السلبي (إزالة التوتر الداخلي).

أما في الحقبة المعاصرة، وتحديداً مع صدور الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5) الصادر عن الرابطة الأمريكية للطب النفسي في عام 2013، فقد تم إدراج السلوكيات الشبيهة بعض الشفاه (مثل قطف الجلد وهوس نتف الشعر) بشكل رسمي ضمن فئة وسواسية مستقلة، واعتُرف بعض الشفاه كأحد الأشكال المحددة سريرياً لما يُعرف بـ “السلوكيات التكرارية المركزة على الجسد الأخرى المحددة وغير المحددة”، مما مهد الطريق لأبحاث التصوير العصبي والوراثة الجزيئية الحديثة لفهم الأساس البيولوجي لهذه الظاهرة.

6. الأسس والنظريات النفسية المفسرة

تتعدد النماذج النظرية التي حاولت تفكيك المحركات الديناميكية لسلوك عض الشفاه، ويأتي في مقدمتها النموذج السلوكي الإجرائي؛ الذي يفسر السلوك عبر نظرية خفض التوتر والتعزيز السلبي. وفق هذا المنظور، يعاني الفرد من تصاعد تدريجي في الاستثارة الفيزيولوجية والانفعالية غير المريحة (حالة من القلق أو الضيق أو الحكة المعرفية). يؤدي فعل العض إلى إحداث ألم خفيف وتركيز حسي مباشر يقطع حبل الأفكار المقلقة، مما ينتج عنه راحة مؤقتة وهبوط فوري في حدة التوتر. هذا الانخفاض اللحظي يمثل تعزيزاً سلبياً هائلاً يثبت السلوك في الذاكرة الإجرائية، مما يجعله الخيار التلقائي الأول للجهاز العصبي عند مواجهة أي ضغط مستقبلي.

من زاوية أخرى، يقدم النموذج السلوكي الشامل (Comprehensive Behavioral Model – ComB) الذي طوره تشارلز مانسويتو وزملاؤه، إطاراً تحليلياً يدمج خمسة مسارات متباينة تحفز وتحافظ على قضم الشفاه؛ وهي: المسار الحسي (البحث عن ملمس معين أو تنعيم حواف الشفة الخشنة)، والمسار المعرفي (المعتقدات المتعلقة بضرورة إزالة التموجات الجلدية)، والمسار الانفعالي (التعامل مع المشاعر السلبية كالضيق والوحدة)، والمسار الحركي (انخراط الفرد في وضعيات جسدية تسهل العض كإسناد الذقن على اليد)، وأخيراً المسار البيئي (التواجد في أماكن محفزة كالجلوس أمام الحاسوب أو المرآة). يُظهر هذا النموذج أن عض الشفاه ليس سلوكاً أحادي البعد، بل هو نتاج تضافر شبكة معقدة من المثيرات الداخلية والخارجية.

وتقترح نظرية التنظيم العاطفي والمعالجة الحسية أن الأفراد الذين ينخرطون في هذه السلوكيات يعانون مما يسمى “خلل التنظيم الانفعالي” وحساسية مفرطة للمثيرات البيئية؛ فلديهم نافذة تحمل منخفضة للتناقض الوجداني وعدم اليقين. بالتالي، يعمل العض كمنظم حسي خارجي (External Sensory Regulator) يماثل وظيفة المصاصة لدى الرضع؛ فهو يهدئ الجهاز العصبي السمبثاوي وينشط الجهاز العصبي الباراسمبثاوي عبر استثارة الفم والشفاه، موفراً نقطة ارتكاز حسية تعزل الفرد مؤقتاً عن فيض المؤثرات المربكة في محيطه.

7. المكونات والأنماط والأبعاد السلوكية

يتألف سلوك عض الشفاه من منظومة من الأبعاد السريرية التي تتفاوت حدتها بين الحالات الخفيفة والأشكال الشديدة المشوهة للأنسجة، وتتحدد هذه الأبعاد وفق ما يلي:

  • البعد الحركي والإجرائي: يشمل الحركات الميكانيكية التي يقوم بها الفك واللسان، والتي تبدأ عادة بمسح استكشافي باللسان (Oral tactile scanning) لتحديد النتواءات والجلد الجاف، يتبعه سحب الشفة إلى الداخل بين القواطع العلوية والسفلية، ثم الضغط أو القضم الحركي المنظم لاقتلاع جزء من النسيج المخاطي.
  • البعد الإدراكي والوعي: ينقسم إلى نمطين جوهريين: عض واعٍ مركّز تسبقه رغبة ملحة ونزوع لا يقاوم يستحوذ على التفكير، وعض غير واعٍ أو لاإرادي يحدث أثناء شرود الذهن أو الانهماك في مهام أخرى دون تخطيط مسبق.
  • البعد الانفعالي والوجداني: يرتبط بالحالة المزاجية التي تسبق وتلي الفعل؛ حيث يتسم الطور السابق بالسخط، التململ، الحزن، أو القلق، بينما يتلو الفعل شعور لحظي بالسكينة يتبدد سريعاً ليحل محله الندم، الخزي، والخوف من اكتشاف الآخرين للضرر الجلدي.
  • البعد النسيجي والجسدي: يتراوح بين تسحجات سطحية طفيفة في الطبقة المتقرنة (Keratinized layer)، وتشققات نازفة، وتقرحات عميقة قد تصل إلى الغدد اللعابية الملحقة في الشفة السفلية متسببة في تشكل ما يعرف بالقيلة المخاطية (Mucocele)، فضلاً عن الالتهابات الميكروبية الثانوية وتصلب النسيج المزمن.

8. أمثلة وحالات سريرية توضيحية

لتوضيح التباين في التظاهرات السريرية لهذا السلوك، نستعرض الحالتين الافتراضيتين التاليتين المستمدتين من واقع الممارسة العيادية النفسية:

الحالة الأولى: النمط التلقائي غير الواعي (قضم مرتبط بالتركيز والملل)
سارة، طالبة دراسات عليا تبلغ من العمر 24 عاماً، تقدمت بطلب للاستشارة النفسية بعد أن لاحظت والدتها وأصدقاؤها استمرار نزف شفتها السفلية أثناء فترات كتابة أطروحتها الأكاديمية. تصف سارة حالتها بأنها لا تشعر بفعل القضم أثناء حدوثه؛ إذ تبدأ بالتحسس التلقائي لشفتها بأسنانها أثناء قراءة الأوراق البحثية، وفجأة تشعر بطعم الدم في فمها لتكتشف أنها أزالت طبقات عميقة من جلد الشفة. لم تكن سارة تعاني من نوبات قلق حادة، بل ارتبط سلوكها بفترات العبء المعرفي المرتفع والجمود الحركي، حيث مثل القضم نشاطاً ميكانيكياً يبقيها في حالة تيقظ ذهني.

الحالة الثانية: النمط المركّز الواعي (قضم مرتبط بالوسواس والتنظيم الانفعالي)
طارق، مهندس برمجيات يبلغ من العمر 32 عاماً، يعاني من قضم شديد للشفاه يمتد منذ فترة المراهقة. يعاني طارق من انزعاج حسي شديد تجاه أي جفاف أو عدم انتظام في ملمس الشفتين؛ فعندما يستشعر وجود قشرة نافرة بلسانه، تتولد لديه رغبة ملحة وقهرية لا يمكن دفعها بضرورة إزالتها حتى تصبح الشفة “ملساء تماماً”. يذهب طارق أمام المرآة ويستخدم قواطعه وأحياناً يديه لمطاردة تلك الحواف النسيجية، ولا يتوقف حتى تسيل الدماء ويشعر بألم حارق يمنحه إحساساً مؤقتاً بالاكتمال (Just right feeling). تسبب هذا النمط في تجنبه للاجتماعات المهنية المباشرة خجلاً من منظر شفتيه المتورمتين والمصبوغتين بآثار النزف.

9. أدوات القياس والتقييم السريري

نظراً لعدم وجود مقياس تشخيصي مخصص حصراً لعض الشفاه كاضطراب منعزل في أغلب الأدلة التشخيصية، يعتمد الأطباء والمعالجون النفسيون على تكييف المقاييس القياسية المعتمدة للسلوكيات التكرارية المركزة على الجسد واضطراب قطف الجلد (Excoriation Disorder). من أبرز هذه الأدوات:

مقياس ماساتشوستس العام لقطف الجلد (MGH-SPS) المُعدّل: وهو استبيان تقرير ذاتي يقيم شدة السلوك من خلال محاور رئيسية تشمل: قوة الرغبة الملحة، والوقت المستغرق في القضم يومياً، ودرجة التحكم في المقاومة، وحجم الضيق النفسي المصاحب، والتأثير السلبي على الحياة اليومية.

مقياس الشدة السريرية للسلوكيات التكرارية المركزة على الجسد المعتمد على المقابلة الإكلينيكية: مثل أداة تقييم نكش الجلد المراجعة (Skin Picking Scale-Revised – SPS-R)، التي تفصل ببراعة بين درجتين: درجة الشدة العضوية والسلوكية، ودرجة العجز النفسي والوظيفي. كما يتم استخدام تقنية “المراقبة الذاتية الفورية” (Self-Monitoring Logs)؛ حيث يُطلب من المريض تدوين كل حادثة عض فور وقوعها في سجل يومي يوضح التوقيت، والمحفز الانفعالي، والنمط (تلقائي أم مركز)، ووجود إصابة نسيجية من عدمه.

ويكتمل التقييم السريري بالفحص الفموي والجلدي المباشر؛ لاستبعاد أسباب عضوية أولية، مثل اضطرابات المفصل الصدغي الفكي (TMJ disorders)، وسوء إطباق الأسنان (Malocclusion)، والتهابات الشفاه التماسية التحسسية التي قد تدفع المريض للحك والقضم كاستجابة لحكة حسية فيزيائية.

10. التطبيقات والأهمية الإكلينيكية والعملية

تكمن الأهمية السريرية لفهم ورصد سلوك عض الشفاه في كونه مؤشراً حيوياً على وجود ضائقة نفسية غير معالجة؛ إذ غالباً ما يكون هذا السلوك بمثابة قمة جبل الجليد لاضطرابات أخرى خفية كاضطراب القلق العام، والاكتئاب الشديد، واضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، حيث يلجأ الدماغ غير المتوازن كيميائياً للبحث عن منافذ حركية بديلة لتنظيم طاقته.

وعلى صعيد التدخلات العلاجية، أثبتت الأبحاث أن التدخل الذهبي للتعامل مع هذا السلوك هو علاج عكس العادة المنظم (HRT)، والذي يتضمن ثلاثة عناصر متسلسلة:

  • التدريب على زيادة الوعي (Awareness Training): مساعدة المريض على إدراك العلامات الجسدية المنذرة بقرب حدوث السلوك، مثل حركة الفك الأولية أو ملامسة اللسان للشفاه.
  • تطوير الاستجابة البديلة المتنافسة (Competing Response Training): تدريب المريض على أداء فعل حركي يتعارض فسيولوجياً مع عض الشفاه لمدة تتراوح بين دقيقة إلى دقيقتين بمجرد شعوره بالرغبة الملحة، مثل إطباق الشفتين بلطف والضغط الخفيف عليهما للخارج، أو تطبيق مرطب شفاه طبي غير مهيج، أو وضع واقٍ فموي سيليكوني مخصص.
  • الضبط البيئي وتعديل المثيرات (Stimulus Control): إزالة العوامل التي تحفز السلوك كالتخلص من المرايا المكبرة، واستخدام مرطبات مستمرة تمنع تكون القشور الجافة التي تستفز الأسنان للبدء في القضم.

إلى جانب التدخلات السلوكية، يتم تطبيق علاج القبول والالتزام (ACT) لمساعدة الفرد على تقبل المشاعر السلبية دون محاولة تفريغها القهري عبر إيذاء الجسد، واستبدال ذلك بسلوكيات تتماشى مع قيمه الحياتية. وفي الحالات المقاومة والشديدة، قد يلجأ الطبيب النفسي إلى التدخل الدوائي عبر استخدام مضادات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، أو مكمل ن-أسيتيل سيستئين (N-Acetylcysteine – NAC) الذي أظهرت الدراسات قدرته على تعديل مستويات الغلوتامات في النواة المتكئة، مما يحد من الدوافع السلوكية القهرية التكرارية.

11. الأدلة البحثية والدراسات التجريبية

أظهرت الدراسات الوبائية والتجريبية التي قادها باحثون متخصصون في السلوكيات التكرارية المركزة على الجسد، مثل دوغلاس وودز (Douglas Woods) وجون غرانت (Jon Grant)، أن نسبة انتشار هذه العادات القهرية في المجتمع العام تتراوح بين 1.4% إلى 5.4%، مع ميل أكبر للظهور لدى الإناث مقارنة بالذكور بنسبة تقارب 3 إلى 1 في العينات السريرية، على الرغم من أن هذه الفجوة تضيق في الدراسات الاستقصائية العامة مجهولة الهوية.

وفي دراسة محورية أجراها شتاين وزملاؤه ونُشرت في الدورية الأمريكية للطب النفسي، تم استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لفحص أدمغة الأفراد الذين يعانون من سلوكيات تكرارية متقدمة؛ وأظهرت النتائج نقصاً في كثافة المادة الرمادية في المناطق الجبهية المدارية المخططة (Frontostriatal circuits) المسؤولة عن تثبيط الاستجابات الحركية غير الملائمة. أكدت هذه الدراسات أن عض الشفاه المزمن ليس مجرد “نقص في قوة الإرادة”، بل يرتبط باختلافات بنيوية ووظيفية قابلة للقياس في الشبكات الدماغية المعنية بالتحكم في الاندفاعات.

كما بينت التجارب السريرية العشوائية المزدوجة التعمية فعالية مركب ن-أسيتيل سيستئين (NAC) بجرعات تتراوح بين 1200 إلى 2400 ملغ يومياً في خفض الرغبة الملحة لقضم الأنسجة الجسدية مقارنة بالدواء الوهمي؛ حيث عزى الباحثون ذلك إلى استعادة التوازن الغلوتاماتي في المشابك العصبية القشرية المخططة، مما يعزز التحكم التنازلي (Top-down control) للقشرة المخية على السلوكيات الحركية التلقائية.

12. الاعتبارات الثقافية والاجتماعية

تختلف النظرة إلى عض الشفاه وظيفياً ورمزياً باختلاف السياقات الثقافية والاجتماعية؛ ففي الثقافة الشعبية الغربية، غالباً ما يتم تصوير عض الشفاه في الأفلام والوسائط الإعلامية كإشارة إلى الانجذاب الجنسي أو الإغراء أو الحيرة والتردد، مما قد يدفع البعض إلى التقليل من خطورة الجانب المرضي القهري للظاهرة وتطبيعه باعتباره لغة جسد غير ضارة.

في المقابل، يرتبط عض الشفاه في العديد من المجتمعات العربية والشرقية دلالياً بمشاعر الندم الشديد، أو كظم الغيظ، أو كبح الغضب؛ حيث يُقال في التعبير المجازي الدارج “عَضَّ على شفتيه غيظاً”. وتواجه الإناث في هذه المجتمعات وصمة اجتماعية وضغوطاً مضاعفة تتعلق بمعايير الجمال وتناسق المظهر الخارجي، حيث تُعتبر الشفاه المتشققة والنازفة دليلاً على الإهمال الذاتي أو عدم الاستقرار النفسي، مما يدفع المصابات إلى التستر على السلوك وممارسته في الخفاء، متأخرات في طلب الاستشارة التخصصية خوفاً من إطلاق الأحكام السلبية.

كما تؤثر الفروق بين الجنسين في معدلات الإبلاغ عن السلوك؛ فالرجال يميلون إلى اعتبار تشققات الشفاه الناتجة عن القضم مسألة بيئية ترتبط بالطقس الجاف أو الإجهاد البدني، متجنبين ربطها بالصحة النفسية، في حين تُظهر النساء وعياً أكبر بالارتباط الانفعالي لهذا السلوك، لكنهن يعانين بمستويات أعلى من مشاعر الخزي وتشوه صورة الجسد المقترنة بالتقرحات الظاهرة.

13. الانتقادات والجدل العلمي والقيود

يحيط بسلوك عض الشفاه عدد من التساؤلات والمناظرات السريرية التي لم تُحسم بصورة قاطعة في الأوساط الأكاديمية حتى الآن؛ ويتمحور أبرز هذه الجدالات حول الموقع التصنيفي الدقيق للسلوك: هل يجب اعتباره اضطراباً مستقلاً تماماً بذاته وله محدداته التشخيصية الخاصة داخل التصنيفات العالمية، أم ينبغي التعامل معه كعرض ثانوي يتبع مظلة اضطراب قطف الجلد (Excoriation Disorder) أو طيف الوسواس القهري؟

يجادل بعض الباحثين بأن قضم الشفاه يمتلك خصوصية تشريحية وحسية تجعله مختلفاً عن قطف جلد الذراعين أو الوجه بالأصابع؛ إذ تشترك فيه حاسة التذوق والأعصاب القحفية الفموية، ويكون الفم هو الفاعل والمستهدف في آن واحد دون استخدام أدوات خارجية أو أصابع اليدين في أغلب الأحيان. ومن جهة أخرى، يرى نقاد التشخيص النفسي المفرط أن إدراج مثل هذه السلوكيات تحت مظلات مرضية رسمية قد يقود إلى “مرضنة” (Medicalization) سلوكيات بشرية شائعة وردود أفعال تكيفية طبيعية تجاه ضغوط الحياة لا تستدعي وسم الفرد باضطراب نفسي.

وهناك جدل علمي آخر يدور حول تصنيف السلوك كأحد أشكال “الإدمان السلوكي” الموجه بالمكافأة (Reward-driven behavior)، مقارنة بتصنيفه كاضطراب وسواسي قهري موجه بالرغبة في التخلص من التهديد والانزعاج (Relief-driven behavior). هذا التناقض المفاهيمي يلقي بظلاله على المقاربات العلاجية؛ فبينما يركز فريق على استخدام حاصرات مستقبلات الأفيون مثل النالتريكسون لتقليل النشوة الحسية المصاحبة للعض، يركز الفريق الآخر على مضادات الاكتئاب وتعديل القلق لخفض الدوافع القهرية.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة

لتجنب اللبس السريري بين عض الشفاه ومجموعة الظواهر المشابهة التي تصيب المنطقة الفموية والوجهية، نوضح الفروق الأساسية عبر النقاط التالية:

  • عض الخد من الداخل (Morsicatio buccarum): يشترك مع عض الشفاه في الآلية الحركية الفموية، ولكنه يستهدف الغشاء المخاطي المبطن للوجنتين من الداخل، وغالباً ما يترافق مع آفات جلدية بيضاء مزمنة تسمى “التقرن الرضحي”، وهو أقل ظهوراً للعيان مقارنة بعض الشفاه مما يجعله يحمل وصمة اجتماعية أقل وضوحاً.
  • قضم الأظافر (Onychophagia): سلوك تكراري يركز على صفيحة الظفر والأنسجة المحيطة بها باستخدام الأسنان. ورغم تشاركه مع عض الشفاه في الاستجابة للتوتر، إلا أنه يوجه العدوان الحركي من الفم نحو أطراف الأطراف بدلاً من إيقاعه على الفم ذاته.
  • اضطراب قطف الجلد (Excoriation / Dermatillomania): يتضمن النبش المتكرر للجلد باستخدام أظافر اليدين أو ملاقط وأدوات حادة، مستهدفاً غالباً الوجه والذراعين والظهر، بينما يعتمد عض الشفاه كلياً أو بشكل رئيسي على التفاعل الميكانيكي بين الأسنان وأنسجة الشفتين.
  • التشنجات الحركية اللاإرادية الفموية (Motor Tics): حركات لاإرادية مباغتة وخاطفة تصيب الفم والفك، وتختلف عن عض الشفاه في أنها تفتقر إلى الهدف الحسي المعقد والنزوع نحو إزالة الأنسجة أو تنعيم الملمس، وتحدث بانفصال تام عن السياق الإدراكي للتهدئة الذاتية.

15. ملخص وخلاصة ختامية

يمثل عض الشفاه ظاهرة سلوكية وسريرية متعددة الطبقات تتجاوز كونها مجرد عادة عارمة؛ إذ تجسد استجابة معقدة لاختلال آليات التنظيم الانفعالي والتوازن الحسي العصبي. تتراوح الحالة بين نمط تلقائي يصاحب التركيز الذهني والملل، ونمط واعٍ مركز يهدف إلى تنفيس التوتر الداخلي أو استهداف عيوب الملمس الجلدي، مما يولد دائرة مفرغة من التلف النسيجي والندم النفسي والعزلة الاجتماعية.

يتطلب التعامل السريري الفعال مع هذه الحالات مقاربة شمولية تكاملية لا تقتصر على الحلول الجلدية الموضعية، بل تمتد لتشمل التدخلات النفسية المبنية على الأدلة وفي مقدمتها التدريب على عكس العادة (HRT) وتعديل البنية الإدراكية للتعامل مع الضغوط، مع إمكانية الاستعانة بالعلاجات الدوائية المنظمة للناقلات العصبية في الحالات المستعصية، مما يعيد للفرد قدرته على كبح هذا الدافع واستعادة سلامته النفسية والجسدية.

المراجع

  • American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing.
  • Azrin, N. H., & Nunn, R. G. (1973). Habit-reversal: A method of eliminating nervous habits and tics. Behaviour Research and Therapy, 11(4), 619–628.
  • Grant, J. E., & Stein, D. J. (2014). Body-focused repetitive behavior disorders in ICD-11. Revista Brasileira de Psiquiatria, 36(Suppl 1), 59–64.
  • Mansueto, C. S., Stemberger, R. M., Thomas, A. M., & Golomb, R. G. (1997). A comprehensive model for behavioral treatment of trichotillomania. Cognitive and Behavioral Practice, 4(1), 107–125.
  • Woods, D. W., & Twohig, M. P. (2008). Trichotillomania: An ACT-enhanced behavior therapy approach. Oxford University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 1). عض الشفاه: الأبعاد النفسية والسريرية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/idtirab-add-al-shifah-al-nafsi/
looti, Mohammed. “عض الشفاه: الأبعاد النفسية والسريرية.” عرب سايكلوجي, 1 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/idtirab-add-al-shifah-al-nafsi/.
looti, Mohammed. “عض الشفاه: الأبعاد النفسية والسريرية.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/idtirab-add-al-shifah-al-nafsi/.