يمثل التوجه النسبي الذرائعي محطة مفصلية في مسار النمو الإدراكي والأخلاقي للإنسان، حيث ينتقل الفرد من مجرد الخوف البدائي من العقاب إلى إدراك البعد العملي والمنفعي للسلوك البشري. يعكس هذا النمط التفكيري صياغة مبكرة لمفهوم العدالة القائم على التبادلية النفعية ومبدأ “حك لي ظهري وأحك لك ظهرك”، مشكلاً حجر الزاوية في فهم الدوافع السلوكية لدى الأطفال وبعض البالغين في سياقات التفاعل الاجتماعي المختلفة. يقدم هذا الدليل الأكاديمي تحليلاً شاملاً وعميقاً لهذا المفهوم وفق أحدث الأطر النظرية والأبحاث التجريبية في علم النفس المعرفي والنمائي.
التوجه النسبي الذرائعي في علم النفس الأخلاقي
1. التعريف الدقيق والموجز
التوجه النسبي الذرائعي (Instrumental Relativist Orientation) هو المرحلة الثانية ضمن المستوى الأول (الأخلاق ما قبل التقليدية) في نظرية عالم النفس الأمريكي لورانس كولبرغ للنمو الأخلاقي. يُعرَّف هذا التوجه بأنه نسق معرفي يرى فيه الفرد أن الفعل الصائب أخلاقياً هو ذلك الفعل الذي يُشبع حاجات الذات في المقام الأول، وحاجات الآخرين بصورة ثانوية متى ما ترتب على ذلك نفع متبادل أو عائد ملموس.
يتجاوز هذا النمط الانصياع الأعمى للسلطة المباشرة، ليحل محله منطق ذرائعي براغماتي يعتبر القواعد الاجتماعية أدوات وظيفية قابلة للتفاوض والمساومة وليست ثوابت مطلقة. لا ينبع التعاون أو مساعدة الغير في هذه المرحلة من تعاطف وجداني أصيل أو ولاء قيمي عميق، بل يقوم على مفهوم مادي صرف للإنصاف والعدالة التعاقدية الشبيهة بقوانين السوق التجاري، حيث يُقاس الصواب والخطأ بحسابات التكلفة والعائد المادي والمعنوي المباشر.
من الناحية المعرفية، يفترض هذا التوجه إدراكاً أولياً بأن الأفراد الآخرين يمتلكون أيضاً رغبات واهتمامات متباينة عن رغبات الذات. غير أن هذا الإدراك يظل محكوماً بالنزعة الفردية؛ إذ لا يندمج الفرد في منظور جماعي أو معايير مجتمعية مشتركة، بل يرى العلاقات الإنسانية كساحة مفتوحة لتبادل المنافع وتجنب الخسائر الشخصية قدر المستطاع.
2. التأصيل الاشتقاقي واللغوي
يرتكز المصطلح في أصله الإنجليزي (Instrumental Relativist Orientation) على ثلاثة مفاهيم فلسفية ونفسية تأسيسية؛ فكلمة “Instrumental” مشتقة من اللاتينية instrumentum، والتي تعني الأداة أو الوسيلة، وتُترجم إلى العربية بـ “الذرائعي” أو “الأداتي”، في إشارة إلى النظر للأفعال والعلاقات بوصفها أدوات لتحقيق غايات ذاتية. أما كلمة “Relativist” فتنحدر من اللاتينية relativus بمعنى المنسوب أو المتصل، وتفيد النسبي، حيث يُنظر إلى الصواب والخطأ بوصفهما أمرين نسبيين يتحددان وفق موقع الفرد ومصالحه الآنية المتغيرة، دون وجود حقيقة أخلاقية موضوعية ثابتة لدى صاحب هذا التفكير.
أما مصطلح “Orientation” المشتق من اللاتينية orientem، فيعبر لغوياً عن الوجهة أو التوجه، ويُقصد به في الاصطلاح النفسي المنحى المعرفي والوجداني المستقر الذي يوجه استجابات الفرد وأحكامه الأخلاقية. في الأدبيات السيكولوجية العربية، تُرجم المصطلح بعدة صيغ دقيقة من بينها: “التوجه النسبي الذرائعي”، و”توجه الغائية الذاتية النسبية”، و”مرحلة النزعة الفردية والتبادل النفعي” (Individualism and Exchange). وقد استقر المصطلح في القواميس الأكاديمية لوصف نمط من التعليل الأخلاقي يدمج بين النسبية المعرفية والمنفعية الأداتية في وزن القرارات السلوكية.
3. النطق والصيغة الصرفية واللغوية
يُصاغ المصطلح باللغة العربية كمركب وصفي مضاف، يتكون من الاسم الموصوف “التوجّه” (بضم التاء وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة، وهو مصدر قياسي مشتق من الفعل الخماسي تَوَجَّهَ)، يليه نعتان مشتقان: الأول “النِّسْبِيّ” (بكسر النون وسكون السين وكسر الباء مع ياء النسب المشددة)، والثاني “الذَّرَائِعِيّ” (بفتح الذال وفتح الراء وبعدها ألف فهمزة مكسورة على نبرة يليها عين مكسورة ثم ياء النسب المشددة المشتقة من الذريعة أو الوسيلة). يُستخدم المصطلح بوصفه اسماً علمياً مفرداً ومذكراً، ويُعرب حسب موقعه في الجملة التقريرية.
من حيث الاستخدام القواعدي في السياق الأكاديمي، يُستعمل المصطلح للدلالة على الإطار الإدراكي أو البنية المعرفية الحاكمة لتفكير الفرد، كأن يُقال: “يُظهر تفكير الطفل في هذه الحالة توجهًا نسبيًا ذرائعيًا واضحًا”. ويجوز استخدام مشتقات بديلة تحمل الدلالة ذاتها في البحوث المعربة، مثل: “التوجه الأداتي النسبي” أو “المرحلة النفعية التبادلية”، مع بقاء الصيغة الأولى هي الأكثر شيوعاً ودقة في ترجمة نصوص كولبرغ الأصلية المتداولة في الجامعات ومراكز الأبحاث النفسية.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
يمثل التوجه النسبي الذرائعي طفرة نوعية مقارنة بالمرحلة الأولى السابقة له (مرحلة التوجه نحو الطاعة والعقاب). في المرحلة الأولى، يكون الطفل عاجزاً عن التمييز بين منظوره الشخصي ومنظور السلطة الخارجية، فالسلطة هي التي تحدد الصواب المطلق، والعقاب هو المؤشر الوحيد على سوء الفعل. أما في مرحلة التوجه النسبي الذرائعي، فيحدث تحول معرفي حاسم؛ إذ يبدأ الفرد في استيعاب التعددية المنظورية؛ أي أن ما يراه هو صواباً قد لا يراه شخص آخر كذلك، وأن لكل إنسان رغباته ودوافعه الخاصة التي يسعى لإشباعها.
يترتب على هذا الإدراك التعددي مفهوم محدد للعدالة قوامه البراغماتية والمنفعة المتبادلة. لا يُنظر إلى العدل هنا بوصفه واجباً أخلاقياً مجرداً أو التزاماً بالخير العام، بل باعتباره صفقة تبادلية منصفة؛ فإذا ساعدني فلان، فمن العدل أن أساعده، وإذا أساء إليّ، فمن حقي الإضرار به بالمثل (تطبيق حرفي لناموس المعاملة بالمثل). تتجلى هذه النزعة في العلاقات اليومية من خلال الحسابات المادية الملموسة للأفعال؛ فالأفعال الخيرة ليست فضائل في ذاتها، بل استثمارات ينتظر صاحبها جني ثمارها عاجلاً أم آجلاً.
يتميز هذا المنطق بمرونة تفاوضية واضحة؛ فالقوانين والتعليمات ليست مقدسة، بل يمكن الالتفاف عليها أو تطويعها إذا كانت تخدم الغايات الفردية دون التسبب في أذى غير محسوب للذات. تقتصر حدود التفكير الأخلاقي في هذه المرحلة على البعد الفردي الضيق، حيث تعجز البنية الإدراكية عن إدراك المصالح الجمعية المعقدة أو الحفاظ على تماسك النظام الاجتماعي العام؛ فالنسق الاجتماعي بأكمله يُختزل إلى مجموعة من الأفراد المستقلين الذين يتفاوضون لتحقيق أقصى قدر من المنفعة الفردية المشتركة.
على الرغم من النزعة الذاتية الطاغية في هذا التوجه، فإنه يُعد تقدماً نمائياً إيجابياً مقارنة بالخضوع السلبي التام للقوة القاهرة. يمثل التوجه النسبي الذرائعي خطوة أولى نحو استقلال الإرادة، وبناء القدرة على المساومة الاجتماعية، واستيعاب مفهوم الحقوق الفردية التبادلية، مما يمهد الطريق لاحقاً للانتقال إلى المستوى الأخلاقي التقليدي الذي يدمج الفرد في النسيج الاجتماعي الأوسع ومعايير الجماعة المتسامية.
5. التطور التاريخي للمفهوم
تعود الجذور التاريخية لهذا المفهوم إلى الأبحاث الرائدة التي أجراها عالم النفس السويسري جان بياجيه في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، ولا سيما كتابه المنشور عام 1932 بعنوان “الحكم الأخلاقي عند الطفل”. ميز بياجيه بين طورين رئيسيين: الأخلاق التبعية (Heteronomous) الخاضعة لأوامر الكبار، والأخلاق المستقلة (Autonomous) القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون. وقد لاحظ بياجيه مرحلة وسطية يبدأ فيها الطفل بإدراك أن القواعد ليست صلبة، بل اتفاقات يمكن تغييرها بالاتفاق المشترك لتحقيق منفعة اللعب الجماعي.
في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً في أطروحته للدكتوراه بجامعة شيكاغو عام 1958، وسّع لورانس كولبرغ نموذج بياجيه وصاغ نموذجه الشهير المكون من ست مراحل موزعة على ثلاثة مستويات. وقد وضع كولبرغ التوجه النسبي الذرائعي في المرحلة الثانية (Stage 2)، معرفاً إياها بأنها المرحلة التي يصبح فيها العمل الصحيح هو ما يلبي احتياجات الفرد بشكل فعال. استند كولبرغ في ذلك إلى دراسته الطولية الشهيرة على عينة مكونة من 72 فتى من ضواحي شيكاغو، حيث عُرضت عليهم معضلات أخلاقية افتراضية لتحليل بنيتهم الاستدلالية.
خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، خضع النموذج لتعديلات منهجية دقيقة بمشاركة باحثين بارزين مثل آن كولبي (Anne Colby) وإليوت توريل (Elliot Turiel). أدت هذه المراجعات إلى إعادة تسمية المرحلة في بعض الأدبيات بـ “الفردية، الغائية الأداتية، والتبادل” (Individualism, Instrumental Purpose, and Exchange)، وذلك لتقليل الالتباس بين معنى النسبية الفلسفية وبين الإدراك العملي لتعدد الرغبات الفردية. ومنذ ذلك الحين، بات هذا التوصيف معياراً كلاسيكياً راسخاً في دراسات علم نفس النمو المعرفي والمناهج التعليمية المقارنة.
6. الأسس النظرية والأطر المرجعية
يرتكز التوجه النسبي الذرائعي على أسس نظرية تنتمي إلى المدرسة المعرفية البنائية (Cognitive Constructivism)؛ فالفرد لا يتلقى المعايير الأخلاقية بصورة سلبية من محيطه، بل يبني منظومته الأخلاقية عبر تفاعله النشط مع بيئته المادية والاجتماعية. يستند هذا التوجه نظرياً إلى مرحلة “العمليات المادية” (Concrete Operational Stage) في نظرية النمو المعرفي لبياجيه؛ حيث يستطيع الطفل التفكير منطقياً ولكن في حدود الموضوعات والأفعال الحسية الملموسة، وهو ما ينعكس بدقة على تصوره المادي التبادلي للأخلاق.
كما يرتبط المفهوم فلسفياً بنظرية المنفعة (Utilitarianism) ونماذج الفردانية الأداتية في الفلسفة السياسية (كما صاغها توماس هوبز في مفهوم العقد البدائي القائم على المصلحة الذاتية). يرى الفرد في هذه المرحلة العالم وفق معادلات نفعية صريحة: تجنب الألم وتحقيق أكبر قدر من الإشباع الحسي والرمزي. وتلتقي هذه الرؤية مع نظريات التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory) في علم النفس الاجتماعي، التي تقترح أن العلاقات الإنسانية محكومة بحسابات المقايضة بين المكافآت والتكاليف المتوقعة.
تتضمن البنية الإدراكية لهذا التوجه أيضاً بداية تبلور “نظرية العقل” (Theory of Mind) بدرجة متقدمة من التعقيد، تتيح للشخص أن يعي استقلال دوافع الآخرين عن دوافعه. غير أن التنسيق بين هذه المنظورات لا يتم بدافع التضامن القيمي، بل عبر التوافق البراغماتي الخارجي؛ وبذلك يمثل هذا الإطار الأساس المعرفي الذي لا غنى عنه لصعود الفرد نحو المراحل الأخلاقية اللاحقة، مثل مرحلة العلاقات الشخصية المتبادلة (المرحلة الثالثة) حيث تتحول الرغبة في التبادل المادي إلى رغبة أسمى في كسب القبول الاجتماعي والحب المتبادل.
7. المكونات والأبعاد والأنماط الرئيسية
ينطوي التوجه النسبي الذرائعي على حزمة من الخصائص والأبعاد البنيوية المحددة التي يمكن تفكيكها تحليلياً إلى النقاط التالية:
- النزعة الفردية الصرفة (Individualism): الاعتقاد بأن لكل فرد الحق المشروع في السعي وراء مصالحه ورغباته الخاصة، وأن الصواب الأخلاقي يتطابق دائماً مع ما يحقق مصلحة الفاعل.
- الذرائعية الوظيفية (Instrumentality): النظر إلى المواقف الاجتماعية، والقوانين، وحتى الأشخاص الآخرين، بوصفهم أدوات ووسائل لتحقيق أهداف محددة وليسوا غايات في حد ذاتهم.
- النسبية الواقعية (Pragmatic Relativism): الإيمان بأن القيم تختلف وتتبدل بحسب المصلحة اللحظية والسياق المادي، دون الإقرار بوجود واجب أخلاقي مطلق يسري على الجميع في كل زمان.
- التبادلية المتكافئة والإنصاف المادي (Strict Reciprocity): تبني صيغة ملموسة وحرفية من الإنصاف (إذا فعلت لي خيراً سأرده لك، وإذا ألحقت بي ضرراً سأرد بالمثل)، وهو ما يسمى بعدالة التعامل بالمثل الخالية من التعاطف الداخلي.
- المساومة والتفاوض البراغماتي (Bargaining & Negotiation): الميل إلى حل النزاعات وتجاوز العقبات الاجتماعية من خلال تقديم التنازلات التبادلية والصفقات المنفعية بدلاً من الامتثال للمبادئ أو التماس رضا الجماعة.
- تجاوز الخوف من العقاب المباشر: على عكس المرحلة الأولى، لا يُخشى العقاب لذاته كبرهان على الذنب، بل يُعامل كـ “تكلفة متوقعة” ضمن صفقة خاسرة يسعى الفرد إلى تجنبها بالحيلة أو التفاوض.
8. أمثلة وحالات توضيحية من الواقع
لتوضيح هذا التوجه، يُعد استدعاء استجابة الأفراد لمعضلة “هاينز” (Heinz Dilemma) الشهيرة في تجارب كولبرغ مثالاً نموذجياً؛ ففي هذه المعضلة يسرق الزوج دواءً باهظ الثمن لإنقاذ حياة زوجته المريضة. يقدم الفرد في مرحلة التوجه النسبي الذرائعي تبريراً براغماتياً مثل: “كان على هاينز أن يسرق الدواء لأنه يحب زوجته ويريدها أن تبقى معه لتعد له الطعام وترعى شؤون المنزل، وسيكون حزيناً لو ماتت”، أو على النقيض: “لا يجب عليه سرقة الدواء لأن الصيدلي يطلب سعره وهو محق في جني المال، وإذا سُجن هاينز فلن تنفعه زوجته بشيء وهو قابع خلف القضبان”. يلاحظ هنا أن كلا التعليلين يرتكز على ما يعود على هاينز من نفع أو خسارة شخصية مباشرة.
في البيئة المدرسية اليومية للأطفال (بين سن السابعة والعاشرة غالباً)، تتجلى هذه المرحلة بوضوح شديد؛ كأن يرفض طفل إعارة قلمه الملون لزميله إلا بشرط محدد: “أعطيك قلمي إذا أعطيتني شطيرتك أثناء الفسحة”. وإذا سُئل الطفل عن سبب عدم دفعه أو ضربه لزميله في الملعب، فإنه قد يجيب: “إذا ضربته، سيضربه أخي الأكبر لاحقاً أو سيشتكيني للمعلم ولن يعطيني ألعابه غداً”، حيث يُدار القرار الأخلاقي بمنطق المنفعة والحسابات المادية المتبادلة دون استبطان لمفهوم الأذى أو الإيذاء في ذاته.
حتى في عالم الراشدين، تبرز هذه المرحلة في سياقات تفاوضية معينة كبيئات الأعمال التجارية الصرفة؛ فعندما يلتزم مدير تنفيذي بشروط السلامة المهنية بدقة لا اقتناعاً بحرمة حياة العمال، بل لتفادي الغرامات المالية وللحفاظ على سمعة الشركة بما يرفع من قيمة أسهمها، فإن هذا التفكير يعكس بوضوح استمرار حضور التوجه النسبي الذرائعي كنمط تفكيري سلوكي حاكم للأداء والقرارات الاستراتيجية.
9. أدوات القياس والتقييم السيكولوجي
يُقاس التوجه النسبي الذرائعي من خلال عدة أدوات قياس إسقاطية وبنائية معتمدة في علم النفس التنموي. تأتي في مقدمتها “مقابلة الحكم الأخلاقي” (Moral Judgment Interview – MJI) التي صممها كولبرغ وفريقه، وهي مقابلة شبه مقننة تُعرض خلالها معضلات أخلاقية شفهية، وتُسجل إجابات المفحوصين وتُحلل بواسطة دليل ترميز شديد التفصيل (Standard Issue Scoring Manual) لتحديد المرحلة المعرفية السائدة استناداً إلى طبيعة الحجج والبنى الاستدلالية وليس محتوى القرار بحد ذاته.
من الأدوات الموضوعية الشائعة أيضاً “اختبار تحديد القضايا” (Defining Issues Test – DIT) الذي طوره الباحث جيمس ريست في جامعة مينيسوتا؛ وهو استبيان كمي متعدد الخيارات يقدم مواقف معقدة ويطلب من المستجيب ترتيب أهمية مجموعة من القضايا الأخلاقية. يتيح هذا الاختبار قياس مؤشرات التفكير ضمن مستويات كولبرغ المختلفة، وتحديد النسبة المئوية لاستخدام المفحوص لمنطق المرحلة الثانية (الذرائعي الفردي) مقارنة بالمراحل العليا.
كما يُستخدم في أبحاث علم نفس الأطفال مقاييس الرصد المباشر للسلوك القائم على المشاركة ومواقف التفاوض واللعب التجريبي؛ مثل “لعبة الإنذار” (Ultimatum Game) و”لعبة الدكتاتور” في حقل الاقتصاد السلوكي، حيث تُلاحظ قرارات توزيع الموارد وتحليل ما إذا كان سلوك المشاركة نابعاً من التزام بالقيمة أو ناشئاً عن الخوف من الرفض التبادلي السلبي؛ مما يعكس بدقة البنية الذرائعية المفاهيمية المقاسة ميدانياً.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يمتلك فهم التوجه النسبي الذرائعي أهمية استثنائية في المجال التربوي والتعليمي؛ إذ يساعد المعلمين والآباء على تصميم استراتيجيات توجيهية ملائمة للمستوى النمائي للطفل. إن مطالبة طفل في سن الثامنة بالتعاطف الصرف المجرد أو الإيثار المطلق غالباً ما تبوء بالفشل المعرفي؛ لذا يُعد استخدام أسلوب “التعاقد السلوكي” (Behavioral Contracting) ونظام المكافآت المتبادلة والاتفاقات المشتركة أداة فعالة لتحفيز السلوك التكيفي، استناداً إلى طبيعة تفكيره الذرائعية دون مصادمتها.
في الإرشاد النفسي وعلاج الاضطرابات المسلكية، يفيد إدراك هذا التوجه في العمل مع الأطفال والمراهقين الذين يعانون من اضطراب التحدي المعارض (ODD) أو بدايات اضطراب المسلك (Conduct Disorder). يُظهر هؤلاء الأفراد أحياناً تعطلاً في الانتقال من التوجه الذرائعي إلى المستويات الاجتماعية الأعلى؛ ويساعد استخدام برامج تدريب المهارات الاجتماعية وحل النزاعات التي تتحدث بلغة “المصالح المشتركة” (Win-Win Strategies) على ترويض النزعات العدوانية وإعادة توجيهها نحو سلوكيات تعاونية منتجة.
أما في علم النفس التنظيمي والإداري، فيوفر هذا المفهوم إطاراً تفسيرياً لبناء نظم الحوافز وتقييم الأداء. تسهم معرفة أن بعض الموظفين تحركهم دوافع ذرائعية مرحلية في تصميم عقود عمل شفافة توازن بدقة بين متطلبات المنظمة والمكتسبات الشخصية الملموسة للموظف، مما يقلل من الصراعات الوظيفية ويعزز الكفاءة الإنتاجية عبر التوفيق بين المصلحة الذاتية والهدف المؤسسي العام.
11. الأبحاث والبيانات التجريبية
أكدت الدراسات التتبعية الطولية التي أجراها كولبرغ وزملاؤه (مثل دراسة كولبي وآخرين المنشورة عام 1983 في سلسلة دراسات جمعية أبحاث نماء الطفل) صحة التسلسل الارتقائي للمراحل الأخلاقية. أظهرت النتائج أن التوجه النسبي الذرائعي يبلغ ذروته لدى الأطفال في الفئة العمرية ما بين 7 إلى 10 سنوات، قبل أن يبدأ بالانحسار التدريجي ليحل محله تفكير المرحلة الثالثة (المطابقة مع معايير الأقران) مع الدخول في مرحلة المراهقة المبكرة، مع ندرة العودة إلى هذه المرحلة لمن تخطاها بنجاح.
في سياق متصل، أجرى باحثون مثل إليوت توريل دراسات موسعة ضمن نظرية المجالات الاجتماعية (Social Domain Theory)، مشيرين إلى أن الأطفال، حتى في ظل سيادة التفكير الذرائعي، يستطيعون التمييز بوضوح بين الأعراف الاجتماعية القابلة للمساومة والصفقات، وبين التعديات الأخلاقية الجوهرية (مثل إيذاء الآخرين عمداً). أثبتت هذه الدراسات التجريبية أن التفكير الذرائعي لا يعني بالضرورة غياب الحساسية الأخلاقية، بل يعكس نمطاً خاصاً في صياغة مبررات القرارات في المواقف التنافسية وتوزيع الموارد.
كما بينت الدراسات المقارنة في علم الأعصاب المعرفي والاجتماعي، باستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، أن المحاكمات الأخلاقية القائمة على حسابات التكلفة والمنفعة الذاتية تنشط مناطق دماغية مرتبطة بالتقييم الحسابي والمكافأة (مثل القشرة الجبهية الحجاجية والنواة المتكئة)، بخلاف المحاكمات الأخلاقية الأكثر نضجاً والتي تشرك شبكات عصبية معقدة مرتبطة بالتعاطف العقلي والاجتماعي؛ وهو ما يدعم الأساس البيولوجي المعرفي لخصائص هذه المرحلة النمائية.
12. الاعتبارات الثقافية وتعدد السياقات
أثار تطبيق مفهوم التوجه النسبي الذرائعي عبر الثقافات المختلفة نقاشات أنثروبولوجية وسيكولوجية واسعة النطاق. ورغم أن كولبرغ أكد أن تسلسل المراحل هو مسار إنساني كوني (Universal) عابر للثقافات، فإن وتيرة المرور بهذه المرحلة وأساليب التعبير عنها تتأثر بشدة بالبنية الاجتماعية السائدة؛ إذ ينتشر التفكير الذرائعي التبادلي المادي بوضوح أكبر في المجتمعات الفردانية (Individualistic Cultures) التي تشجع المبادرة الشخصية والمنافسة والمقايضة الحرة منذ الصغر.
في المقابل، أظهرت الدراسات الميدانية التي أجريت في مجتمعات تقليدية وجماعية (Collectivistic Cultures)، مثل بعض المجتمعات الآسيوية والأفريقية والريفية في العالم العربي، أن أبعاد هذه المرحلة قد تبدو مقيدة بضوابط صلة الرحم والتضامن الجماعي؛ فالتبادل في تلك البيئات لا يرتدي دائماً طابع الصفقات الفردية المنعزلة، بل يتبلور في صورة واجبات تضامنية متبادلة داخل العائلة الموسعة أو العشيرة، حيث يُدمج مفهوم المنفعة الشخصية تلقائياً ضمن مصالح الجماعة المرجعية القريبة.
علاوة على ذلك، تلعب السياقات الاجتماعية-الاقتصادية دوراً حاسماً في إطالة أمد هذا التوجه أو تجاوزه مبكراً؛ فالبيئات التي تتسم بندرة الموارد وغياب سيادة القانون قد تجعل الأفراد (حتى في سن الرشد) يركنون إلى التوجه النسبي الذرائعي كاستراتيجية تكيفية للبقاء؛ حيث تصبح مقايضة المنافع والتحالفات البراغماتية هي الضامن الفعلي للأمان الفردي في مواجهة انعدام اليقين المحيط بهم.
13. الانتقادات والمناقشات والقيود المعرفية
واجه التوجه النسبي الذرائعي، ومنظومة كولبرغ برمتها، انتقادات منهجية ونظرية لاذعة على مر العقود. كانت أبرز هذه الانتقادات ما قدمته عالمة النفس النسوية كارول غيليغان في كتابها ذائع الصيت “بصوت مختلف” (In a Different Voice) عام 1982؛ حيث رأت أن نموذج كولبرغ بُني في الأصل على عينة ذكورية حصرية، مما جعل معياره للنمو يتمحور حول مفاهيم الحقوق، الفردية، والعدالة التعاقدية الذرائعية، متجاهلاً ما أسمته بـ “أخلاقيات الرعاية” (Ethics of Care) والارتباط الوجداني التي تنشأ عليها الإناث غالباً في سن مبكرة.
انتقاد جوهري آخر ركز على الهوة الكبيرة بين “الحكم الأخلاقي اللفظي” (Moral Judgment) و”السلوك الأخلاقي الواقعي” (Moral Action)؛ فالشخص الذي يُعبر شفهياً عن تفكير نسبي ذرائعي قد يمارس سلوكيات إيثارية مدهشة في مواقف عملية معينة تثير تعاطفه الحسي، والعكس صحيح؛ إذ قد يُظهر راشدون قدرة على التحدث بلغة المبادئ المجردة العليا بينما تعكس أفعالهم الفعلية أنانية ذرائعية محضة، وهو قصور يصعب على الاختبارات المقننة تجاوزه بالكامل.
من جانب آخر، جادل علماء النفس السلوكيون والاجتماعيون بأن كولبرغ ركز بشكل مفرط على الاستدلال المعرفي الواعي، مغفلاً الدور الحاسم للحدس الأخلاقي (Moral Intuition) والانفعالات العاطفية اللحظية اللاواعية (كالاشمئزاز والغضب والتعاطف)، والتي تُحدد القرار السلوكي قبل أن يبدأ العقل في نسج تبريراته الذرائعية أو المبدئية اللاحقة، مما يجعل توصيف المرحلة مقتصراً على شكل التبرير وليس على أصل الدافع البشري.
14. المصطلحات المتشابهة والفروق الجوهرية
لتجنب اللبس المفاهيمي في الدراسات الأكاديمية، ينبغي التمييز الدقيق بين التوجه النسبي الذرائعي ومجموعة من المفاهيم السيكولوجية والأخلاقية المتقاربة:
- توجه الطاعة والعقاب (المرحلة الأولى لكولبرغ): ينصاع الفرد في المرحلة الأولى للقوة القاهرة تجنباً للأذى الجسدي دون فهم لوجهات النظر الأخرى؛ أما في المرحلة الذرائعية، فيدرك الفرد المصالح المتعددة ويتصرف بدافع تحصيل المكاسب والتفاوض لا مجرد الخوف السلبي.
- توجه “الولد اللطيف / الفتاة الحسنة” (المرحلة الثالثة لكولبرغ): يسعى الفرد في المرحلة الثالثة إلى نيل القبول الاجتماعي، والاندماج الوجداني، ومطابقة توقعات الأقران والعائلة؛ بينما ينحصر الدافع في المرحلة الذرائعية ضمن العائد المادي والتبادل الملموس دون مبالاة حقيقية بمشاعر الآخرين أو سمعة الذات الأخلاقية المجردة.
- الميكيافيلية (Machiavellianism): سمة شخصية ترتبط بالخداع والتلاعب المتعمد بالآخرين لتحقيق مكاسب شخصية دون رادع؛ في حين أن التوجه النسبي الذرائعي هو مرحلة نمو إدراكية طبيعية يمر بها الأطفال تفتقر إلى النوايا الخبيثة المعقدة، وتقوم على مبدأ تبادلي منصف ومعلن: “أنا أعطيك لأنك تعطيني”.
- الأنانية الأخلاقية الفلسفية (Ethical Egoism): مذهب فلسفي صريح يرى أن الواجب الوحيد للإنسان هو تعظيم منفعته الخاصة؛ أما التوجه الذرائعي فهو بنية تفكير نفسي واقعية وعفوية تظهر في مراحل الطفولة التطورية وليست مذهباً فلسفياً تنظيرياً مؤسساً.
15. ملخص وخاتمة
يجسد التوجه النسبي الذرائعي مرحلة ارتقائية بالغة الأهمية في مسيرة النضج الإنساني، ينتقل بها الطفل من التبعية السلبية الخائفة إلى المبادرة التبادلية الواعية. يُختزل هذا التوجه في الرؤية النفعية للأخلاق: الفعل الجيد هو ما يحقق مصلحة الفاعل ويخدم حاجاته، والعدالة هي مقايضة متكافئة ومنصفة للمنافع تضمن عدم استغلال الذات. ورغم طابعه المادي البراغماتي ومحدوديته الإيثارية، فإنه يشكل المعبر المعرفي الضروري نحو استيعاب المنظومات الاجتماعية الأكثر رقياً وتجريداً، مؤكداً أن النمو الأخلاقي ليس قفزة فورية إلى الفضيلة، بل رحلة بنائية تصاعدية تبدأ من إدراك المنفعة الذاتية لتنتهي بتبني العدالة الإنسانية الشاملة.
المراجع
Colby, A., Kohlberg, L., Gibbs, J., & Lieberman, M. (1983). A longitudinal study of moral judgment. Monographs of the Society for Research in Child Development, 48(1-2), 1–124. https://doi.org/10.2307/1165935
Gilligan, C. (1982). In a different voice: Psychological theory and women’s development. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674445444
Kohlberg, L. (1981). The philosophy of moral development: Moral stages and the idea of justice. Harper & Row. https://openlibrary.org/books/OL4114421M/The_philosophy_of_moral_development
Piaget, J. (1932). The moral judgment of the child. Kegan Paul, Trench, Trubner & Co. https://archive.org/details/moraljudgmentoft00piag
Rest, J. R. (1986). Moral development: Advances in research and theory. Praeger Publishers. https://psycnet.apa.org/record/1986-98188-000