تمثل الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس إحدى أقدم وأبرز المنظمات المهنية والأكاديمية التي كرّست جهودها لتوحيد الرؤى والبحوث النفسية عبر القارتين الأمريكيتين، متجاوزةً الحدود الجغرافية واللغوية والثقافية المعقدة. تأسست هذه الهيئة العلمية لتكون فضاءً حوارياً جامعاً يلتقي فيه الباحثون والممارسون في أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية ومنطقة الكاريبي، بهدف صياغة علم نفس أصيل يعكس التنوع الإنساني والاجتماعي الفريد لتلك البقاع. ومن خلال مسيرتها التاريخية الممتدة لعقود، اضطلعت الجمعية بدور محوري في تفكيك التبعية المعرفية للنماذج الأحادية، وتعزيز الإنتاج العلمي المشترك، والدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان من منظور سيكولوجي رصين.
الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس (SIP)
1. التعريف الموجز والدلالة الاصطلاحية
تُعرّف الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس (المعروفة اختصاراً بـ SIP وفق تسميتها الإسبانية Sociedad Interamericana de Psicología والإنجليزية Interamerican Society of Psychology) بأنها منظمة علمية ومهنية دولية غير حكومية تأسست عام 1951، وتستهدف تعزيز التواصل الأكاديمي، وتطوير البحث العلمي، وتوطين الممارسات المهنية في مختلف مجالات علم النفس عبر بلدان نصف الكرة الغربي. وتشكل الجمعية المظلة الجامعة لعلماء النفس والمؤسسات الأكاديمية والمهنية في الأمريكتين، حيث تركز على سد الفجوات المفاهيمية والمنهجية بين التقاليد السيكولوجية الأنجلوسكسونية في الشمال والمدارس النقدية والتطبيقية في أمريكا اللاتينية والكاريبي.
ويمتد المعنى الجوهري للجمعية ليتجاوز مجرد التنسيق الإداري والمؤتمرات الدورية؛ إذ يُنظر إليها كمشروع إبستمولوجي وثقافي يهدف إلى صياغة علم نفس تعددي يحترم السياقات البيئية والاجتماعية للشعوب. إنها منصة تعمل على إثراء النظرية النفسية العالمية عبر إدماج التجارب الميدانية والظواهر السلوكية الخاصة بالمجتمعات النامية والمهمشة، مما يجعلها فاعلاً رئيسياً في بناء نظريات ومقاييس تتسم بالحساسية الثقافية والقدرة على تفسير الواقع الإنساني بعيداً عن التعميمات المعرفية الغربية التقليدية.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يتألف اسم الجمعية من شقين رئيسيين يحملان حمولة دلالية وتاريخية بالغة الأهمية. يبدأ المصطلح بكلمة «البين-أمريكية» أو «عبر الأمريكية» (المقابلة للبادئة اللاتينية Inter- المدمجة مع American)، وهي صيغة مشتقة تاريخياً من مبادئ «النزعة البين-أمريكية» (Pan-Americanism / Inter-Americanism) التي نشأت في الفكر السياسي والدبلوماسي منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، للدلالة على التعاون والتضامن والتبادل المتكافئ بين الدول المستقلة في الأمريكتين. وتدل هذه البادئة في السياق المعرفي على علاقة أفقية متبادلة، ترفض المركزية القطبية وتؤسس لمساحة مشتركة للحوار المعرفي بين مختلف أقاليم القارة.
أما الشق الثاني، وهو «علم النفس» (Psychology / Psicología)، فترجع جذوره اللغوية إلى الإغريقية القديمة من كلمتي «بسيخي» (Psyche) وتعني الروح أو النفس أو التنفس الحيوي، و«لوغوس» (Logos) وتعني الخطاب أو العلم أو الدراسة العقلانية. وقد دُشنت التسمية الرسمية للجمعية في أروقة المؤتمر العالمي للصحة النفسية في مكسيكو سيتي عام 1951، حيث صُمم الاسم بالإسبانية والإنجليزية والبرتغالية والفرنسية ليعكس الطابع التعددي اللغوي للمنطقة، متخذاً من التضامن القاري محركاً لدراسة النفس البشرية وتطبيقاتها السلوكية والمجتمعية.
3. الضبط الصوتي والصياغة الصرفية والنحوية
تُضبط عبارة «الْجَمْعِيَّةُ الْبَيْنَ-أَمْرِيكِيَّةُ لِعِلْمِ النَّفْسِ» وفق قواعد اللسان العربي المعاصر بتركيب وصفي مضاف إلى جار ومجرور؛ فكلمة «الجمعية» اسم مؤنث مشتق من الجذر (ج-م-ع) على وزن «فَعْلِيَّة»، وتُعرب حسب موقعها في السياق، وتتبعها صفة مركبة تركيباً مزجياً أو إضافياً من خلال الظرف «بين» والمنسوب «أمريكية»، للدلالة على الطبيعة العابرة للحدود الجغرافية والسياسية (Inter-American). ويأتي شبه الجملة «لعلم النفس» لبيان الاختصاص، حيث تُعرب «علم» اسماً مجروراً، و«النفس» مضافاً إليه مجروراً بالكسرة الظاهرة.
ومن حيث الاستخدام المعياري في الكتابات الأكاديمية العربية، يُشار إليها بعدة صيغ ترادفية مقبولة، منها: «الجمعية الأمريكية للعلوم النفسية المشتركة»، أو «جمعية علم النفس عبر الأمريكيتين»، إلا أن مصطلح «الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس» هو الأكثر دقة وترجمة مباشرة للاسم المعتمد دولياً. ويُفضل دوماً كتابة الاختصار الشائع (SIP) إلى جوار الاسم التعريبي تيسيراً للتوثيق وللربط بالفهارس الببليوغرافية الدولية.
4. الشرح المفاهيمي المعمق والأبعاد المؤسسية
تمثل الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس نموذجاً فريداً للمؤسسات العلمية التي واجهت الانقسام البنيوي في المعرفة النفسية العالمية. يرتكز المفهوم المؤسسي للجمعية على فكرة مفادها أن النظريات النفسية لا يمكن فصلها عن بيئاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ فالأفراد في مناطق أمريكا اللاتينية والكاريبي يواجهون تحديات وجودية وهيكلية—مثل الفقر التاريخي، والاضطرابات السياسية، والتبعية الاقتصادية، وتعدد الأعراق والألسن—تتطلب استجابات نظرية وميدانية لا توفرها دائماً النماذج السلوكية والمعرفية التي تطورت في الجامعات الأوروبية والشمال أمريكية المعزولة عن تلك الإكراهات.
ينطوي النطاق الوظيفي للجمعية على ثلاثة مسارات متوازية: المسار الأول هو «المسار الأكاديمي الإبستمولوجي»، المعنيّ بإعادة تقييم النظريات النفسية السائدة وملاءمتها للسياق الثقافي المحلي، وهو ما أسهم تاريخياً في بزوغ تخصصات مثل علم النفس عبر الثقافي وعلم النفس المجتمعي في بلدان القارة. أما المسار الثاني فهو «المسار التواصلي الشبكي»، الذي يربط بين الجامعات والمختبرات ومراكز الأبحاث في أكثر من ثلاثين دولة، عبر كسر العزلة الأكاديمية التي كان يعاني منها باحثو الجنوب إزاء نظائرهم في الشمال. وأخيراً، يبرز «المسار الحقوقي والاجتماعي»، حيث تبنت الجمعية موقفاً أخلاقياً يدعو إلى استخدام علم النفس كأداة لتحقيق التحرر الإنساني، والرفاه النفسي والاجتماعي، ودعم ضحايا الانتهاكات السياسية وتوطيد قيم الديمقراطية.
وتحدد الجمعية حدود نشاطها عبر النأي بنفسها عن التمحور حول مدرسة فكرية واحدة؛ فهي ليست جمعية تحليلية بحتة، ولا سلوكية ضيقة، ولا معرفية إجرائية، بل هي كيان تعددي يحتضن كافة التيارات والمدارس النفسية المعترف بها علمياً، شريطة التزامها بالمعايير المنهجية الرصينة ومبادئ الأخلاقيات المهنية. وتشمل دائرة اهتمامها علم النفس العيادي، وعلم النفس الإرشادي، وعلم النفس التربوي، والقياس النفسي، وسيكولوجيا الصحة، فضلاً عن الأبحاث التجريبية والفسيولوجية المتطورة.
5. التطور التاريخي والمسار الزمني للتأسيس
نشأت فكرة الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في ظل مناخ دولي كان يسعى إلى بناء جسور التعاون وتفادي النزاعات العالمية عبر الدبلوماسية العلمية والثقافية. في السابع عشر من ديسمبر عام 1951، وخلال انعقاد المؤتمر العالمي للصحة النفسية في مدينة مكسيكو سيتي، اجتمعت نخبة من كبار رواد علم النفس والطب النفسي في الأمريكتين—من بينهم فيرنر وولف (Werner Wolff)، وإدواردو كرابف (Eduardo Krapf)، وغييرمو دافيلا (Guillermo Dávila)، وأوزوالدو روبلس (Oswaldo Robles)، وكارلوس ألبرتو سيغين (Carlos Alberto Seguín)—وقرروا تأسيس رابطة مهنية تجمع شمل المشتغلين بعلم النفس في هذا النطاق الجغرافي الواسع.
شهدت السنوات الأولى للمنظمة جهوداً دؤوبة لترسيخ تقاليد العمل المشترك، وتُوجت هذه الجهود بعقد المؤتمر البين-أمريكي الأول لعلم النفس (CIP) في سانتو دومينغو بجمهورية الدومينيكان عام 1953. ومنذ ذلك الحين، تحول هذا المؤتمر إلى موعد أكاديمي يُعقد كل عامين متنقلاً بين عواصم ومدن الأمريكتين، ليكون المنبر الأبرز لعرض النظريات ومناقشة قضايا التنمية والبحث الميداني. وفي عام 1967، خطت الجمعية خطوة تاريخية أخرى بتأسيس مجلتها العلمية الرسمية المجلة البين-أمريكية لعلم النفس (Revista Interamericana de Psicología / Interamerican Journal of Psychology)، التي نشرت آلاف الأبحاث المحكمة متعددة اللغات وصارت مرجعاً أساسياً في الأدبيات السيكولوجية الدولية.
خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، واجهت الجمعية مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد؛ إذ مرت العديد من دول أمريكا اللاتينية بأنظمة ديكتاتورية عسكرية وانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان. في تلك الحقبة، تبلور داخل الجمعية وعي نقدي حاد قاده مفكرون مثل إغناسيو مارتين-بارو (Ignacio Martín-Baró) وغيره من علماء علم النفس الاجتماعي والعيادي، مما دفع بالجمعية إلى اتخاذ مواقف علنية ضد القمع السياسي والتعذيب، وتبني رؤية تعتبر الصحة النفسية جزءاً لا يتجزأ من العدالة والحرية المجتمعية. ومع مطلع الألفية الثالثة، وسعت الجمعية شبكاتها البحثية لتركز على قضايا العولمة، والهجرة القسرية، وتغير المناخ، والتحول الرقمي وتأثيراته النفسية.
6. الأسس النظرية والمرجعيات الفكرية
تستند الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس في منطلقاتها المعرفية إلى مزيج تركيبي ثري من المدارس السيكولوجية والاجتماعية والفلسفية. ويأتي في مقدمة هذه الأسس تيار «علم النفس عبر الثقافي»، الذي ازدهر بفضل أعمال باحثين بارزين مثل روخيليو دياز-غيريرو (Rogelio Díaz-Guerrero) وواين هولتزمان (Wayne Holtzman) وهاري تريانديس (Harry Triandis)، الذين أسهموا بفاعلية في مؤتمرات الجمعية. يرتكز هذا الإطار على دراسة التفاعل بين البنية الثقافية والتشكل النفسي للشخصية، مؤكداً أن المفاهيم النفسية المستقاة من المجتمعات الفردانية الغربية لا تنطبق تلقائياً على المجتمعات الجمعية في أمريكا اللاتينية دون إعادة فحص منهجي.
كما تُعد الجمعية المهد الأكاديمي الذي نما فيه وازدهر تيار علم نفس التحرير (Psychology of Liberation)، الذي أسسه مارتين-بارو استلهاماً من لاهوت التحرير وفلسفة باولو فريري التربوية. يدعو هذا الإطار النظري إلى توجيه البحث النفسي لخدمة الأغلبية المقهورة والمستبعدة اجتماعياً، واستبدال النظرة التي تعتبر المشكلات النفسية اضطرابات فردية محضة برؤية سياقية تفكك جذور المعاناة الناتجة عن العنف الهيكلي والفقر والاستبداد.
إلى جانب ذلك، تحتل «النظرية الاجتماعية النقدية» والمنظور البيئي في علم النفس التنموي (وفق نموذج برونفنبرنر) موقعاً جوهرياً في الدراسات التي تتبناها الجمعية. يتم التعامل مع السلوك الإنساني باعتباره نتاجاً لشبكة معقدة من التفاعلات بين الأنظمة الصغرى (الأسرة، والمدرسة) والأنظمة الكبرى (السياسات العامة، والهياكل الاقتصادية، والتحولات الثقافية)، مما أسس لمقاربات تدخلية تعتمد على تمكين المجتمعات المحلية وبناء قدراتها الذاتية بدلاً من فرض حلول خارجية جاهزة.
7. الهيكل التنظيمي والمكونات والأقسام الرئيسية
تعتمد الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس على هيكل تنظيمي ديمقراطي ولامركزي يضمن تمثيل مختلف المناطق الجغرافية والتخصصات المعرفية في القارتين. ويشمل الهيكل العناصر والمحاور التنظيمية التالية:
- المجلس التنفيذي (Executive Committee): الهيئة القيادية العليا المنتخبة، وتضم الرئيس الحالي، والرئيس المنتخب، والرئيس السابق، والأمين العام، وأمين الصندوق، وممثلين إقليميين عن أمريكا الشمالية، والمكسيك، وأمريكا الوسطى، ومنطقة الكاريبي، والأنديز، والمخروط الجنوبي.
- المؤتمر البين-أمريكي لعلم النفس (Congreso Interamericano de Psicología – CIP): الملتقى العلمي الأضخم الذي يُعقد كل سنتين، ويجمع آلاف العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم لتقديم الأوراق البحثية، وورش العمل، والندوات التخصصية.
- المجلة البين-أمريكية لعلم النفس (Revista Interamericana de Psicología): المنبر النشر العلمي المحكم للجمعية، وهي مجلة مجانية مفتوحة الوصول تصدر بعدة لغات (الإسبانية، والإنجليزية، والبرتغالية، والفرنسية)، ومفهرسة في أهم قواعد البيانات الدولية.
- مجموعات العمل التخصصية (Grupos de Trabajo – GT): لجان دائمة تضم باحثين متخصصين في مجالات دقيقة، مثل: مجموعة عمل علم النفس المجتمعي، ومجموعة عمل علم النفس السياسي وحقوق الإنسان، ومجموعة القياس والتقييم النفسي، ومجموعة التنوع الجندري، ومجموعة علم النفس العيادي والصحي.
- شبكة الطلاب والباحثين الشباب (Student Network): قطاع حيوي يهدف إلى إدماج طلاب الدراسات العليا والباحثين في مقتبل مسارهم الأكاديمي، وتوفير فرص التوجيه البحثي وورش التدريب وتيسير حضور المؤتمرات عبر المنح والجوائز.
8. النماذج التطبيقية والحالات التوضيحية البارزة
تتجلى بصمات الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس بوضوح في معالجة الأزمات الإنسانية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها القارة عبر دراسات حالة وتدخلات واقعية رائدة. من أبرز هذه النماذج مساهمة علماء النفس التابعين للجمعية في توثيق الآثار النفسية طويلة المدى للتعذيب والاختفاء القسري إبان فترات الحكم العسكري في تشيلي والأرجنتين والبرازيل خلال سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم. لم تكتفِ الدراسات بتشخيص اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) كحالة فردية، بل صاغت نماذج للعلاج النفسي والاجتماعي القائم على التعافي الجماعي واستعادة الذاكرة التاريخية كشرط جوهري للشفاء النفسي.
وفي دراسة مقارنة واسعة النطاق أشرف عليها باحثون منتسبون للجمعية بالتعاون بين جامعات في المكسيك والولايات المتحدة والبرازيل، تم فحص أساليب التنشئة الأسرية وتأثيرها على مفهوم «احترام الذات» و«الكفاءة الذاتية» لدى الأطفال. أظهرت النتائج أن المفاهيم التقليدية حول «الاستقلالية الفردية» المعمول بها في النماذج السيكولوجية الأمريكية لا تشكل بالضرورة مؤشراً أحادياً على التوافق النفسي في المجتمعات اللاتينية؛ بل تلعب قيم مثل «التكافل الأسري» (Familismo) والصلات القرابية دوراً وقائياً حاسماً يخفف من آثار الضغوط الاقتصادية والاضطرابات السلوكية لدى الناشئة.
وفي سياق آخر، قادت مجموعات العمل التابعة للجمعية جهود التدخل السيكولوجي السريع في أعقاب الكوارث الطبيعية المدمرة، كالزلزال المروع الذي ضرب هايتي عام 2010 وزلازل المكسيك المتعاقبة. ركزت فرق الجمعية على تطبيق «الإسعافات الأولية النفسية» وتدريب القادة المجتمعيين المحليين بدلاً من الاعتماد الحصري على فرق إغاثة أجنبية لا تدرك الفروق الثقافية في التعبير عن الفقد والحزن، مما أرسى نموذجاً مستداماً للرعاية المجتمعية وقت الأزمات.
9. معايير التقييم والاعتماد والمؤشرات الأكاديمية
تتبنى الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس منظومة صارمة للتقييم الأكاديمي وضبط الجودة العلمية، تتجسد في مسارات متعددة تشمل اعتماد العضويات، ومراجعة الأبحاث المنشورة، ومنح الجوائز التقديرية الرفيعة. تنقسم العضوية في الجمعية إلى فئات دقيقة (عضو عامل، عضو منتسب، عضو طالب، وعضو فخري)، وتخضع طلبات الانضمام للفحص من قِبل لجنة متخصصة لتقييم المؤهلات العلمية، والإنتاج البحثي، والالتزام الصارم بميثاق الأخلاقيات المهنية.
أما على صعيد الإنتاج المعرفي، فإن المجلة التابعة للجمعية تطبق معيار «التحكيم المزدوج الأعمى» (Double-blind peer review)، وتلزم الباحثين باتباع معايير النزاهة العلمية المعترف بها دولياً. وتشترط الجمعية في الدراسات الميدانية المقدمة الحصول على موافقة لجان أخلاقيات البحث البشري (IRB)، وتشدد على ضرورة التحقق من الموثوقية السيكومترية لأدوات القياس المستخدمة، خاصة عند تعريب أو نقل المقاييس من لغات وبيئات ثقافية مغايرة، عبر التحقق من الصدق العاملي والتكافؤ اللغوي والمفهومي.
وعلاوة على ذلك، ترعى الجمعية واحدة من أرفع الجوائز التقديرية في القارة، وهي «الجائزة البين-أمريكية لعلم النفس» (Interamerican Psychology Award)، التي تُمنح كل سنتين لعالمين جليلين—أحدهما من أمريكا الشمالية والآخر من أمريكا اللاتينية أو الكاريبي—تقديراً لإسهاماتهما الاستثنائية التي غيرت مجرى البحث النفسي وخدمت التنمية البشرية وحقوق الشعوب، مما يشكل معياراً مرجعياً للتميز والريادة في هذا الحقل.
10. التطبيقات الميدانية والأهمية العملية
لا تقتصر أهمية الجمعية على التنظير الأكاديمي المجرد، بل تنعكس بصورة مباشرة على الواقع العملي والميداني في قطاعات حيوية متعددة عبر أرجاء القارة. ففي مجال «السياسات العامة والصحة النفسية»، تعمل الجمعية كجهة استشارية تقدم توصيات علمية للحكومات ومنظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO)، للمساعدة في صياغة استراتيجيات وطنية للوقاية من الانتحار، ومكافحة الإدمان، والتصدي للعنف الأسري، وإعادة هيكلة أنظمة الرعاية النفسية الأولية لتكون في متناول الفئات الأكثر هشاشة.
وفي قطاع «التعليم والتأهيل الأكاديمي»، أسهمت الجمعية إسهاماً كبيراً في توحيد المعايير الدنيا لكفاءات خريجي كليات علم النفس عبر جامعات أمريكا اللاتينية والشمالية. وتدعم الجمعية مشاريع التعليم المستمر وبرامج التبادل الطلابي والأساتذة الزائرين، مما يتيح للدارسين التعرف الميداني على بيئات علاجية وبحثية متنوعة وتجاوز الانغلاق المحلي.
أما في «المنظمات المجتمعية وبيئات العمل»، فإن الأدوات والمقاربات التي طورتها أفرقة الجمعية تُستخدم على نطاق واسع في تحسين بيئات العمل، وتطوير برامج الدمج ومناهضة التمييز القائم على العرق أو الجنس في الشركات والمؤسسات، وإدارة التوترات الناجمة عن الهجرات الجماعية العابرة للحدود، مثل موجات الهجرة الفنزويلية والوسط-أمريكية، من خلال توفير برامج التكيف النفسي والاجتماعي ودعم اندماج اللاجئين في المجتمعات المضيفة.
11. الإنتاج البحثي والأدلة الإمبراطورية المنشورة
يعد التراث البحثي الذي أنتجته الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس على مدار أكثر من سبعة عقود مرجعاً إمبريقياً ضخماً وثّق التحولات النفسية والسلوكية في مجتمعات الأمريكتين. كشفت مئات الدراسات المنشورة في المجلة البين-أمريكية لعلم النفس عن فروق جوهرية في الديناميات المعرفية والانفعالية المرتبطة بالبنى الثقافية؛ حيث بيّنت أبحاث واين هولتزمان وزملاؤه في المقارنات الكبرى بين الطلاب المكسيكيين والأمريكيين وجود اختلافات دالة إحصائياً في أنماط الاستجابة للاختبارات الإسقاطية، ومستويات القلق، والتكيف مع معايير السلطة الأبوية والمجتمعية.
كما شكّلت الجمعية المنصة الأساسية لنشر أبحاث التثاقف (Acculturation) وضغوط التثاقف لدى المهاجرين اللاتينيين في الولايات المتحدة وكندا، مستندةً إلى نماذج جون بيري والباحثين المتأثرين به، حيث أثبتت الأدلة الإمبريقية أن إدماج الهوية الأصلية مع مهارات التكيف مع المجتمع المضيف (نموذج التكامل) يرتبط بأعلى مستويات الرفاه النفسي وأقل معدلات الاكتئاب والانحراف لدى الشباب المهاجرين مقارنة بنماذج الاستيعاب القسري أو التهميش.
وفي أبحاث العنف المجتمعي والجريمة، وثقت دراسات مستفيضة شارك فيها باحثون من كولومبيا والمكسيك والسلفادور والبرازيل الآثار النفسية العصبية للتعرض المزمن للعنف في مرحلة الطفولة، مؤكدة أن الاضطرابات الناتجة تتجاوز البعد الانفعالي لتؤثر في الوظائف التنفيذية للدماغ والتحصيل الدراسي، مما دفع نحو ابتكار برامج تدخلية تعتمد على تقنيات «اليقظة الذهنية» وإعادة الهيكلة المعرفية المبنية على السياق الاجتماعي لتقليل السلوكيات العدوانية لدى المراهقين.
12. الاعتبارات الثقافية والدراسات المقارنة عبر الثقافات
تكتسب الاعتبارات الثقافية في الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس صدارة مطلقة تسبق أي تطبيق نظري أو إكلينيكي؛ إذ تأسست الجمعية بالأساس كاحتجاج معرفي ضد الهيمنة الأحادية لنماذج علم النفس الشمال-أمريكي والأوروبي التي طالما اعتبرت مجتمعات «الرجل الأبيض، المتعلم، الصناعي، الثري، الديمقراطي» (WEIRD Societies) هي المعيار العالمي العام للإنسانية، متجاهلةً التنوع الهائل في بقية أصقاع الأرض.
وقد بلورت الجمعية رؤية منهجية تؤكد على «النسبية الثقافية المقيدة»؛ حيث لا تُرفض القوانين البيولوجية والسلوكية العامة للبشر، ولكن يُنظر إلى الثقافة كمتغير وسيط وفاعل يعيد تشكيل الإدراك، والتعبير عن الانفعال، واللغة الوجدانية. وعلى سبيل المثال، تبرز دراسات الجمعية ظاهرة «المتلازمات المرتبطة بالثقافة» (Culture-Bound Syndromes) الشائعة في الثقافة اللاتينية، مثل «نوبة الهلع الثقافية» (Ataque de nervios) أو مرض «الرعب» (Susto)، وهي حالات تعبير جسدي ونفسي عن الضغوط الحادة تتطلب فهماً أنثروبولوجياً وسيكولوجياً متكاملاً يتجاوز مجرد تصنيفها الجاهز ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM).
علاوة على ذلك، تدعم الجمعية بنشاط حركات «السيكولوجيا الأصلية» (Indigenous Psychologies) التي تستلهم معارف وفلسفات الشعوب الأصلية في الأمريكتين (مثل شعوب المايا، والناهوا، والإنكا، ومابوتشي)، ودمج مفاهيمهم التضامنية مع الطبيعة والجماعة في نماذج تعزيز الصحة الشاملة، وهو ما يقدم إسهاماً غنياً لعلم النفس الإيكولوجي العالمي.
13. الانتقادات والتحديات والجدل الأكاديمي
على الرغم من النجاح التاريخي للجمعية البين-أمريكية لعلم النفس، إلا أنها لم تسلم من الانتقادات والخلافات المنهجية والأيديولوجية الحادة عبر مسيرتها. تمثل أبرز هذه الانتقادات في «الجدل اللغوي وعدم التكافؤ المادي»؛ حيث وُجهت اتهامات متكررة للجمعية في بعض مراحلها التاريخية بالخضوع غير المباشر للنفوذ المالي والأكاديمي للجامعات الكبرى في الولايات المتحدة، نظراً لفارق الميزانيات المخصصة للبحث العلمي بين الشمال والجنوب، مما كان يجعل الباحثين من الدول اللاتينية يشعرون أحياناً بوجود هيمنة أنجلوسكسونية في صياغة الأجندات البحثية للمؤتمرات العامة.
من جهة أخرى، احتدم الجدل بين الجناح التجريبي الأكاديمي الصارم (الذي يصر على الالتزام الصارم بالمنهجية الوضعية، والمعالجة الإحصائية المتقدمة، والتجارب المخبرية المضبوطة) والجناح الاجتماعي النقدي الذي يتبنى علم نفس التحرير والبحوث النوعية التشاركية. اعتبر الفريق الأول أن الإغراق في التسييس وقضايا النشاط الاجتماعي يُفقد علم النفس طابعه العلمي المحايد ويحوله إلى أيديولوجيا، بينما رد الفريق النقدي بأن الادعاء بالحياد في ظل مجتمعات تعاني من الفقر والقمع الهيكلي هو في حد ذاته انحياز للوضع القائم وإفراغ للعلم من مسؤوليته الأخلاقية.
وتواجه الجمعية في العصر الحديث تحديات بنيوية تتعلق بالحفاظ على جاذبيتها للأجيال الشابة من الباحثين في ظل انتشار الجمعيات التخصصية الدقيقة للغاية (مثل جمعيات العلوم العصبية السلوكية، والجمعيات الدولية للذكاء الاصطناعي والإدراك)، فضلاً عن التحديات اللوجستية والمالية المرتبطة بتنظيم مؤتمرات ضخمة في بلدان تواجه أزمات اقتصادية متكررة وقيوداً صارمة على التأشيرات والتنقل الدولي.
14. المصطلحات المقارنة والتمايزات المفاهيمية
لتحديد الهوية المؤسسية والمعرفية للجمعية بدقة، يجب توضيح الفروق الجوهرية بينها وبين الكيانات والمنظمات النفسية الدولية والإقليمية المشابهة عبر النقاط التالية:
- الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA): بينما تعد APA المنظمة الوطنية الأضخم لعلماء النفس داخل الولايات المتحدة وتركز بالأساس على الشأن المهني والقوانين المحلية الأمريكية، فإن الجمعية البين-أمريكية (SIP) منظمة دولية عابرة للحدود تغطي القارتين، وتتبنى التعددية اللغوية والثقافية كركيزة بنيوية.
- الاتحاد الدولي للعلوم النفسية (IUPsyS): يمثل IUPsyS اتحاداً دولياً للمنظمات الوطنية لعلم النفس حول العالم بعضوية تمثيلية رسمية للدول، بينما تتبع الجمعية البين-أمريكية (SIP) نموذج العضوية الفردية والمؤسسية المباشرة، مما يمنحها مرونة حوارية أكبر وتواصلاً أكثر قرباً من الباحثين الميدانيين.
- اتحاد أمريكا اللاتينية لجمعيات علم النفس (ULAPSI): يقتصر ULAPSI على دول أمريكا اللاتينية فقط بهدف بلورة هوية نفسية لاتينية خالصة، في حين تحرص SIP على إبقاء جسور الحوار المعرفي قائمة ومفتوحة دائماً بين أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية الناطقة بالإنجليزية والفرنسية.
- علم النفس الغربي العام مقابل علم النفس البين-أمريكي: ينطلق الأول غالباً من فرضيات شمولية تفترض ثبات السلوك الإنساني عالمياً، في حين يركز الأخير على التثاقف، والتفاعل البيئي، والتنوع الإبستمولوجي كمنطلق لفهم السلوك البشري.
15. الخلاصة والاستنتاجات الجوهرية
تظل الجمعية البين-أمريكية لعلم النفس (SIP) معلماً تاريخياً ومؤسسياً متفرداً في تاريخ العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة؛ فقد استطاعت على امتداد ما يزيد عن سبعين عاماً أن تكسر العزلة بين مجتمعات علمية متباينة، وأن تؤسس لتقاليد علمية تحترم الخصوصية الثقافية وتلتزم بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للعلماء. إن رؤيتها التعددية جعلت منها بيئة خصبة لولادة حركات فكرية رائدة، كعلم نفس التحرير وعلم النفس المجتمعي، وأسهمت في إثراء الحقل العالمي بنماذج قياس ودراسات إمبريقية تحاكي نبض الواقع المعاش.
وفي عصرنا الراهن الذي يتسم بالتحولات الرقمية المتسارعة والأزمات البيئية والتفاوتات الاجتماعية العالمية، تبرز الحاجة إلى نموذج الجمعية البين-أمريكية أكثر من أي وقت مضى؛ بوصفها تجربة رائدة في الدبلوماسية الأكاديمية وبناء الجسور الإنسانية المتكافئة، متيحةً لعلم النفس أن يؤدي رسالته السامية كعلم يسعى لفهم الإنسان وتحرير طاقاته الإيجابية وتعزيز رفاهه المجتمعي الشامل في شتى بقاع الأرض.
المراجع
- Gallegos, M. (2012). La historia de la Sociedad Interamericana de Psicología a través de sus congresos (1953–2009). Revista Interamericana de Psicología/Interamerican Journal of Psychology, 46(1), 119–134. https://www.redalyc.org/articulo.oa?id=28424858012
- Holtzman, W. H., Díaz-Guerrero, R., & Swartz, J. D. (1975). Personality development in two cultures: A cross-cultural longitudinal study of school children in Mexico and the United States. University of Texas Press. https://doi.org/10.7560/764250
- Martín-Baró, I. (1994). Writings for a liberation psychology (A. Aron & S. Corne, Eds.). Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674962477
- Pick, S., & Givaudan, M. (2010). Interamerican Society of Psychology. In I. B. Weiner & W. E. Craighead (Eds.), The Corsini Encyclopedia of Psychology (4th ed.). John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9780470479216.corpsy0461
- Salas, G., Scholten, H., Noriega, M. V., & Ramos-Vera, C. (2021). Setenta años de la Sociedad Interamericana de Psicología (1951–2021): Una aproximación historiográfica. Revista Interamericana de Psicología/Interamerican Journal of Psychology, 55(3), e1757. https://doi.org/10.30849/ripijp.v55i3.1757