الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي: ريادة علمية عالمية

استكشف الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي (IAAP)؛ أقدم منظمة عالمية في علم النفس، وتعرف على تاريخها، وفروعها التخصصية، ومجلاتها، وأثرها في التنمية والسياسات الدولية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي حجر الزاوية المؤسسي والتاريخي الذي قاد حركة تحويل النظريات السيكولوجية المجردة إلى تطبيقات عملية فاعلة تسهم في حل المشكلات الإنسانية المعقدة. تأسست هذه الهيئة العريقة لتكون منبراً عالمياً يوحّد جهود الباحثين والمهنيين في شتى بقاع الأرض، مؤسسةً بذلك مساراً مهنياً وأكاديمياً غير مسبوق تجاوز الحدود الجغرافية والأيديولوجية لخدمة البشرية وتطوير بيئات العمل والتعليم والصحة والسياسة العامة.

الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي (IAAP)

1. التعريف الموجز والدقيق

الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي (International Association of Applied Psychology – IAAP) هي أقدم منظمة دولية مهنية وأكاديمية متخصصة في مجالات علم النفس، تأسست عام 1920 بهدف تعزيز وتطوير علم النفس التطبيقي على المستوى العالمي، وتيسير قنوات الاتصال والتعاون العلمي بين علماء النفس والممارسين في جميع أنحاء العالم.

تتمحور الرسالة الجوهرية للجمعية حول تسخير النظريات والمنهجيات السيكولوجية الرصينة للتعامل مع التحديات الحياتية المعقدة، مثل تحسين الإنتاجية في بيئات العمل، وتطوير الأنظمة التعليمية، ودعم الصحة النفسية والرفاه الذاتي، وحماية البيئة، والتعامل مع الأزمات المجتمعية والصحية. كما ترتبط الجمعية بصفة استشارية رسمية مع الأمم المتحدة، مما يمنحها ثقلاً دبلوماسياً وعلمياً في صياغة السياسات الدولية ذات الصلة بالتنمية المستدامة وحقوق الإنسان وجودة الحياة.

2. التأثيل والنشأة اللغوية

تعود الجذور اللغوية لمصطلح علم النفس التطبيقي (Applied Psychology) إلى اللفظ الإغريقي "Psyche" (ψυχή) الذي يشير إلى الروح أو العقل أو النفس، و"Logos" (λόγος) التي تعني دراسة أو علم، مقترناً بمفهوم "التطبيق" المشتق من اللاتينية "Applicare"، والتي تعني ربط الشيء بالواقع أو وضعه موضع التنفيذ. وقد دخل هذا التوصيف الأكاديمي إلى القاموس العلمي ليميز بين المعرفة النفسية المختبرية النظرية وبين الممارسة الميدانية التي تعالج قضايا الإنسان الواقعية.

أما على الصعيد التاريخي المؤسسي، فقد أُنشئت الجمعية في البداية تحت المسمى الفرنسي Association Internationale de Psychotechnique (الرابطة الدولية للتقنية النفسية أو السيكوتقنية)، وهو مصطلح صاغه عالم النفس الألماني ويليام شتيرن في مطلع القرن العشرين للإشارة إلى الاستخدام الفني العملي لعلم النفس في التوجيه المهني والاختبارات الإنسانية. وفي مؤتمر لندن لعام 1955، صوّت الأعضاء رسمياً على تعديل الاسم ليصبح "الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي" (International Association of Applied Psychology)، وذلك لعكس الاتساع الشامل والتنوع الموضوعي الذي شهده الحقل خارج الحدود الضيقة للتقنية النفسية الصناعية.

3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية

تُلفظ التسمية باللغة العربية الفصحى: "الجَمْعِيَّةُ الدَّوْلِيَّةُ لِعِلْمِ النَّفْسِ التَّطْبِيقِيّ"، وتختصر في الأوساط الأكاديمية بالاسم المستعار الإنجليزي "IAAP" الذي يُنطق حرفياً بالإنجليزية (آي-إيه-إيه-بي). تتركب التسمية نحوياً من جملة اسمية مركبة تبدأ بلفظ "الجمعية" (اسم مؤنث يدل على هيئة نظامية ذات غاية مشتركة)، متبوعاً بنعت "الدولية" المنسوب إلى الدولة للإفادة بصفة العالمية وشمول العضوية للأقطار المتعددة، ثم شبه جملة متعلقة هي "لعلم النفس" مضافاً إليها النعت التخصصي "التطبيقي" الذي يحدد الطبيعة الوظيفية لهذا التخصص الأكاديمي لتمييزه عن العلوم النفسية الخالصة أو التجريبية البحتة.

4. الشرح المفاهيمي التفصيلي

تُمثل الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي المظلة الكبرى التي تجمع تحت لوائها المعارف السيكولوجية الموجهة لمعالجة المشكلات السلوكية والوجدانية والمعرفية في السياقات الواقعية المتنوعة. ولا يقتصر دورها على كسر العزلة العلمية بين الباحثين في الأقطار المختلفة فحسب، بل يمتد ليشمل تحديد الأطر الأخلاقية، وتوحيد المعايير المنهجية، وضمان ترجمة نتائج الأبحاث المخبرية إلى سياسات قابلة للتطبيق في المصانع، والمستشفيات، والمدارس، ومؤسسات العدالة الجنائية، والمنظمات الحكومية وغير الحكومية.

يتسم النطاق المفاهيمي للجمعية بالشمولية والتعددية التخصصية؛ إذ ترفض الرؤية الأحادية التي تختزل علم النفس التطبيقي في العيادة النفسية فقط أو إدارة الموارد البشرية وحدها. إنها تنظر إلى التطبيق النفسي بوصفه منظومة متكاملة تتقاطع فيها مجالات علم النفس البيئي، وعلم نفس المرور، وعلم النفس الرياضي، والشيخوخة التطبيقية، وعلم النفس الاقتصادي، وعلم النفس القانوني والسياسي، معتبرة أن أي نشاط بشري يتطلب فهماً معمقاً للديناميكيات السلوكية لتحقيق الفعالية المثلى والانسجام الجمعي.

وتحدد الجمعية حدود ممارستها من خلال التأكيد الصارم على منهجية "الممارس-العالم" (Scientist-Practitioner Model)، وهو إطار يؤكد أن أي تدخل أو استشارة أو تقييم مهني يجب أن يستند حصرياً إلى براهين تجريبية متينة، مما يقيم جداراً فاصلاً بين علم النفس التطبيقي الحقيقي والتطبيقات الشعبية الزائفة أو التنمية البشرية غير الخاضعة للتمحيص العلمي، ويجعل من الجمعية حارساً لمعايير الدقة والمصداقية المعرفية على المستوى الكوكبي.

5. التطور التاريخي والمسار الزمني

انبثقت الجمعية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً في عام 1920 في مدينة جنيف بسويسرا، بمبادرة من الرائدين السويسريين إدوارد كلاباريد (Édouard Claparède) وبيير بوفيه (Pierre Bovet). جاءت الفكرة مدفوعة بالحاجة الملحة لتوظيف القياسات والمهارات السيكولوجية للمساعدة في إعادة إعمار المجتمعات وتوجيه القوى العاملة بعد الدمار الواسع الذي خلفته الحرب، وعقدت جمعيتها العمومية التأسيسية التي دشنت انطلاق حركة السيكوتقنية الدولية.

توالت المؤتمرات الدولية بشكل منتظم، متنقلة بين الحواضر الأوروبية الكبرى كباريس، وبرشلونة، وميلانو، وبراغ، حيث كانت المؤتمرات ساحة لتبادل الرؤى حول أجهزة قياس زمن الرجع، ومقاييس الذكاء، وأساليب الانتقاء المهني في الجيوش والسكك الحديدية والمنشآت الصناعية. ورغم التحديات الجسيمة وتوقف النشاط مؤقتاً بسبب الحرب العالمية الثانية، استعادت الجمعية زخمها بقوة عام 1951 مع انعقاد مؤتمر غوتنبرغ في السويد، مؤكدة إصرار المجتمع الأكاديمي الدولي على استئناف التعاون المشترك ومحو آثار الشقاق السياسي.

في عام 1955، اتخذت الجمعية قرارها التاريخي بتعديل اسمها ليعكس اتساع نطاق أهدافها، وفي مطلع السبعينيات أطلقت مجلتها الرائدة عالمياً Applied Psychology: An International Review. وتواصلت مسيرة العولمة بانتخاب رؤساء من مختلف قارات العالم، وعقد المؤتمر الدولي لعلم النفس التطبيقي (ICAP) كل أربع سنوات في دول خارج القارة الأوروبية، وصولاً إلى تعزيز شراكاتها الدائمة مع الهيئات التابعة للأمم المتحدة للمساهمة المباشرة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ومناهضة التمييز وتغير المناخ.

6. الأسس النظرية والأطر الفكرية

تستند الجمعية في رؤيتها الفكرية إلى إبستمولوجيا وضعية وتجريبية راسخة تؤمن بأن السلوك البشري قابل للدراسة العلمية والقياس الدقيق، وأنه يمكن التنبؤ به وضبطه لتحسين الشروط المعيشية والمهنية. تتكامل هذه الفلسفة مع التوجه البراغماتي الكلاسيكي الذي أسسه فلاسفة وعلماء نفس مثل ويليام جيمس وجون ديوي، والقائم على أن قيمة المعرفة تُقاس بقدرتها الوظيفية على إحداث فارق ملموس في تجربة الإنسان اليومية.

كما تعتمد الجمعية على النموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي (Biopsychosocial Model) إطاراً تفسيرياً ناظماً، والذي يقر بأن الظواهر السلوكية والمشكلات التطبيقية هي محصلة تفاعل معقد بين الاستعدادات البيولوجية العصبية، والعمليات العقلية المعرفية، والسياقات الثقافية والمجتمعية المحيطة. هذا الطرح يضمن عدم الانزلاق نحو الاختزالية البيولوجية أو التعسف السوسيولوجي في دراسة سلوك الفرد والجماعة.

علاوة على ذلك، تتبنى الجمعية نظرية النظم العامة (General Systems Theory)، التي تفترض أن المؤسسات التعليمية والصناعية والصحية هي منظومات مفتوحة وديناميكية، حيث يؤثر أي تدخل سيكولوجي على مستوى الفرد في استقرار وتوازن المنظومة الجمعية بأسرها، مما يستلزم تصميماً دقيقاً للسياسات الإرشادية والتدخلات التنظيمية لتكون مستدامة وذات أثر إيجابي شامل.

7. المكونات الهيكلية، الفروع والأبعاد

تتميز الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي بهيكل تنظيمي متطور ينقسم إلى أقسام (Divisions) علمية متخصصة تتيح للأعضاء الانخراط في مجالاتهم الدقيقة مع الحفاظ على الرؤية التكاملية العامة، وتضم هذه الفروع:

  • علم النفس الصناعي والتنظيمي (القسم 1): يُعنى بدراسة القيادة، والانتقاء المهني، والرضا الوظيفي، وبيئة العمل ومحركات الإنتاجية المؤسسية.
  • التقييم والقياس النفسي (القسم 2): يختص بنظريات القياس، وبناء وتطوير الاختبارات والمقاييس السيكومترية وضمان موثوقيتها العابرة للثقافات.
  • علم النفس الإرشادي (القسم 16): يركز على مساندة الأفراد في اجتياز الأزمات النمائية والمهنية والحياتية، وبناء المرونة النفسية.
  • علم النفس البيئي (القسم 4): يدرس العلاقة التبادلية بين السلوك البشري والبيئة الطبيعية والمشيدة، بما يشمل سياسات التنمية المستدامة والتغير المناخي.
  • علم النفس التربوي والمدرسي (القسم 5): يهتم بأساليب التعلم المعرفي، ودافعية الطلاب، وبناء البيئات الصفية المحفزة للنمو الذهني.
  • علم النفس العيادي والصحي المجتمعي (القسم 6 والقسم 8): يُعنى بصياغة استراتيجيات تعزيز العافية العاطفية، والوقاية من الاضطرابات النفسية وتصميم برامج الرعاية الصحية الشاملة.
  • علم نفس الشيخوخة التطبيقي (القسم 7): يدرس مظاهر التقدم في السن، ومواجهة التدهور المعرفي، وتطوير جودة حياة كبار السن.
  • علم النفس القانوني والسياسي (القسم 10 والقسم 11): يغطي شهادة الشهود، وسيكولوجيا الجريمة والعدالة الجنائية، والسلوك السياسي وصناعة القرار.
  • علم النفس الاقتصادي وحركة المرور والرياضة (الأقسام 9 و12 و13): مجالات تركز على سلوكيات المستهلك، والسلامة على الطرق وسلوك السائقين، وتعزيز الأداء الرياضي الأقصى.

8. الأمثلة الواقعية ودراسات الحالة

تتضح فاعلية الجمعية من خلال مبادراتها الميدانية عبر العقود؛ فعلى سبيل المثال، أدت فرقة العمل التابعة للجمعية حول اللاجئين والمهاجرين دوراً حاسماً في وضع أدلة عمل لتقييم الصدمات وتقديم الدعم النفسي الأولي للمشردين قسراً جراء الصراعات المسلحة في مناطق الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، مما وفر للمنظمات الإغاثية بروتوكولات علمية مصممة لاحترام الخصوصية الثقافية للمستفيدين.

وفي مجال الصحة العامة والأوبئة العالمية، أسهم باحثو الجمعية خلال جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) في إعداد دراسات موسعة ترصد استجابة الجماهير للتعليمات الصحية، والتردد في أخذ اللقاحات، ومستويات الإنهاك الوظيفي (Burnout) لدى العاملين في الخطوط الأمامية للقطاع الصحي. نتجت عن ذلك حزم إرشادية طبقتها هيئات صحية وطنية لتعزيز صمود الكوادر الطبية وضمان استمرار فاعلية النظم العلاجية تحت الضغط الشديد.

9. آليات القياس والتقييم والمعايير المهنية

تولي الجمعية اهتماماً مركزياً لسلامة أدوات القياس السيكومتري؛ حيث تتعاون باستمرار مع الهيئة الدولية للاختبارات (ITC) لوضع وتحديث المعايير العالمية لترجمة وتكييف الاختبارات عبر الثقافات، وضمان حماية بيانات المفحوصين، والحد من التحيزات الطبقية أو العرقية داخل الاختبارات المعرفية والشخصية المستخدمة في التوظيف والتعليم.

وتدعو الجمعية إلى ضرورة إخضاع أي أداة تشخيصية أو استبيان وظيفي لاختبارات الصدق البنائي والصدق التنبؤي وحساب معاملات الاتساق الداخلي والموثوقية وفق نظرية القياس الكلاسيكية (CTT) ونظرية الاستجابة للمفردة (IRT). وتشدد الجمعية في مدوناتها الأخلاقية على تجريم استخدام أدوات التقييم النفسي كأدوات للإقصاء الوظيفي أو التمييز الأكاديمي، مشددة على أن الاختبار وسيلة لتمكين الإنسان وتوجيهه إلى المسار الذي يزدهر فيه لا أداة لتهميشه.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تتجلى الأهمية العملية للجمعية في قدرتها على تشكيل السياسات الاستراتيجية العامة على الصعيد الدولي؛ حيث يشارك ممثلوها في اجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لمنظمة الأمم المتحدة (ECOSOC)، مقدّمين أوراقاً بيضاء وأدلة علمية توجه برامج القضاء على الفقر، والتعليم الجيد، والمساواة بين الجنسين، وتمكين ذوي الإعاقة، من خلال التركيز على المحركات السلوكية والدوافع الذاتية.

وفي القطاع التنظيمي والصناعي، تزود مخرجات الجمعية المؤسسات العالمية بأحدث النماذج الهيكلية لإعادة هندسة بيئات العمل لتكون صديقة للصحة النفسية، والتصدي للتنمر الوظيفي، وتطوير أساليب التحفيز غير المادية، والتعامل مع تحديات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتأثيرها على رفاهية العاملين، مما يرفع من الكفاءة الاقتصادية مع صون الكرامة الإنسانية في الوقت ذاته.

11. الأبحاث والدلائل التجريبية والمؤتمرات العلمية

تنشر الجمعية مجلتين مصنفتين ضمن أعلى المراتب العلمية في فهارس المجلات المحكمة؛ الأولى هي مجلة علم النفس التطبيقي: مراجعة دولية (Applied Psychology: An International Review)، والثانية هي مجلة علم النفس التطبيقي: الصحة والرفاه (Applied Psychology: Health and Well-Being)، وكلاهما يعد مرجعاً عالمياً رئيسياً لنشر البحوث التجريبية والتلويحات التحليلية البعدية (Meta-Analyses).

يُعد المؤتمر الدولي لعلم النفس التطبيقي (ICAP)، الذي تنظمه الجمعية بصفة دورية منتظمة، أكبر تجمع أكاديمي عالمي في هذا الميدان، حيث تلتقي آلاف الأوراق البحثية لمناقشة أحدث النتائج المستخلصة من عينات سكانية متباينة، وتوثيق نماذج التدخل الحديثة التي تسهم في تطوير المعرفة النفسية ونقلها إلى خطط عمل قابلة للتنفيذ الميداني من قِبل الدول والحكومات والمجتمعات المحلية.

12. الاعتبارات الثقافية والعالمية

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وضعت الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي مسألة تفكيك "المركزية الغربية" في العلوم الإنسانية على رأس أولوياتها الاستراتيجية. وقد تزايد الإدراك الأكاديمي بأن غالبية النظريات السيكولوجية الكلاسيكية تم بناؤها بناءً على عينات تنتمي إلى المجتمعات الغربية المتعلمة والتصنيعية والغنية والديمقراطية (عينات WEIRD)، مما أضعف من قدرتها التفسيرية عند إسقاطها على مجتمعات الجنوب العالمي أو السياقات الشرقية.

ولمعالجة هذا القصور المنهجي، أنشأت الجمعية مجموعات بحثية تركز على "علم النفس الأصيل" (Indigenous Psychology) وعلم النفس العابر للثقافات، مفسحة المجال للباحثين من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي لتطوير أطر مفاهيمية تنبع من نسيجهم الثقافي والاجتماعي الخاص، مما يعزز الفهم الشامل للسلوك الإنساني في تعدديته وتنوعه الفريد بدلاً من تعميم رؤية نمطية موحدة.

13. الانتقادات والجدالات والقيود

رغم مكانتها التاريخية المرموقة، لم تسلم الجمعية من الانتقادات الأكاديمية والجدالات المنهجية؛ فقد وجه نقاد ينتمون إلى تيار علم النفس النقدي لوماً للجمعية خلال فترات تاريخية معينة لتركيزها الزائد على التكيف الفردي مع بيئات العمل المستغِلة والأنظمة الرأسمالية بدلاً من تفكيك الهياكل المؤسسية غير العادلة التي تسبب الإجهاد والاضطراب أصلاً.

كما واجهت الجمعية نقاشات ساخنة تتعلق ببطء نقل نتائج الأبحاث المنشورة في دورياتها المتخصصة إلى صانعي السياسات الميدانيين، فضلاً عن ارتفاع تكاليف العضوية والمشاركة في مؤتمراتها العالمية بالنسبة للباحثين الشباب في الدول النامية، وهو ما حدا بالجمعية في السنوات الأخيرة إلى تدشين برامج منح دراسية ودعم مالي لتيسير مشاركة علماء النفس من جميع البيئات الاقتصادية رغبةً في تحقيق عدالة الوصول المعرفي.

14. المصطلحات المقارنة والفروق الدقيقة

لتجنب اللبس المفاهيمي والمؤسسي الشائع، ينبغي إيضاح الفروق الجوهرية بين الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي وعدد من الهيئات العلمية الأخرى ذات التسميات المشابهة:

  • الاتحاد الدولي للعلوم النفسية (IUPsyS): منظمة دولية تركز على علم النفس في بعده الأكاديمي والأساسي وتمثل اتحادات وطنية ونقابات رسمية كأعضاء، بينما تعتمد IAAP على العضوية الفردية وتولي جل اهتمامها للجانب التطبيقي والمهني.
  • جمعية علم النفس الأمريكية (APA): هي هيئة وطنية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، ورغم تأثيرها العالمي الضخم ومعاييرها المعتمدة دولياً، إلا أنها تُعنى في المقام الأول بتنظيم المهنة في أمريكا الشمالية، خلافاً لـ IAAP ذات النزعة الدولية التأسيسية.
  • الجمعية الدولية لعلم النفس المقارن (ISCP): تركز حصراً على دراسة سلوك الحيوان وتطوره مقارنة بالسلوك البشري من منظور تطوري وبيولوجي، ولا تتقاطع مع الاهتمامات المجتمعية والصناعية والتنظيمية الواسعة لـ IAAP.

15. الخلاصة وأبرز النتائج

تظل الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي (IAAP) الرائدة عالمياً في تجسير الهوة بين النظرية النفسية والتطبيق الحياتي منذ أكثر من قرن من الزمان؛ إذ نجحت من خلال أقسامها المتعددة، ومجلاتها العلمية الرصينة، ومؤتمراتها الدورية، وشراكتها مع الأمم المتحدة، في إرساء دعائم ممارسة سيكولوجية أخلاقية تضع رفاه الإنسان وتنمية المجتمع في صلب غاياتها، مؤكدة أن علم النفس ليس مجرد تنظير أكاديمي منعزل، بل هو أداة تحول حيوية تسهم في بناء مستقبل عالمي أكثر عدالة وصحة واستدامة.

المراجع

فيما يلي أبرز المصادر والمراجع الأكاديمية الموثقة حول تاريخ وأهداف ودور الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي:

  • American Psychological Association. (2020). Applied psychology across borders: Contributions of international organizations. APA Books.
  • Claparède, É. (1920). L’orientation professionnelle: Ses problèmes et ses méthodes. Association Internationale de Psychotechnique, 1(1), 1–25.
  • Frese, M., & Gelfand, M. J. (2012). Applied psychology around the world: The enduring impact of the International Association of Applied Psychology. Applied Psychology, 61(4), 519–529. https://doi.org/10.1111/j.1464-0597.2012.00520.x
  • International Association of Applied Psychology (IAAP) Official Website. (n.d.). Historical archives and mission statements.
  • Pickren, W. E., & Rutherford, A. (2010). A history of modern psychology in context: Incorporating social, political, and economic trends. John Wiley & Sons.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 30). الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي: ريادة علمية عالمية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/international-association-of-applied-psychology/
looti, Mohammed. “الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي: ريادة علمية عالمية.” عرب سايكلوجي, 30 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/international-association-of-applied-psychology/.
looti, Mohammed. “الجمعية الدولية لعلم النفس التطبيقي: ريادة علمية عالمية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/international-association-of-applied-psychology/.