السلوك الإقليمي داخل الجماعة: ديناميات المكان والهوية

دراسة نفسية وسلوكية معمقة لمفهوم السلوك الإقليمي داخل الجماعة، ودوافعه النظرية، وآليات الترسيم المكاني والدفاع، وتأثيراته على فرق العمل والتفاعل الاجتماعي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 31 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 31 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل السلوك الإقليمي داخل الجماعة أحد أكثر الظواهر النفسية والاجتماعية تعقيداً في دراسة التفاعل الإنساني، حيث تتداخل فيه رغبة الأفراد الفطرية والمكتسبة في فرض السيطرة والامتلاك المكاني والنفسي مع متطلبات الاندماج والتعاون الجمعي. يُعبّر هذا السلوك عن مجموع الممارسات التي يعمد من خلالها العضو داخل نسق اجتماعي أو مهني محدد إلى ترسيم حدوده وتثبيت ملكيته المؤقتة أو الدائمة لمساحات مادية أو أفكار أو أدوار وظيفية تجاه أقرانه في النسق ذاته. إن دراسة هذه الظاهرة تكشف النقاب عن التوازنات الدقيقة بين الحاجة الفردية للأمان والخصوصية والحاجة الجماعية إلى التماسك والتكامل الوظيفي.

السلوك الإقليمي داخل الجماعة

1. التعريف الموجز والدقيق

يُعرَّف السلوك الإقليمي داخل الجماعة (Intragroup Territorial Behavior) بأنه نمط سلوكي وموقفي يُعبّر من خلاله عضو أو مجموعة فرعية داخل جماعة منتمية إلى إطار موحد عن الارتباط والملكية والسيطرة الدفاعية أو التعبيرية على حيّز مكاني أو مادي أو معرفي تجاه باقي أفراد الجماعة نفسها. يشمل ذلك وضع علامات دالة على الحيازة، ومراقبة الحدود الفاصلة، ومقاومة أي اختراق أو تعدٍّ غير مرغوب فيه يصدر عن الزملاء أو الشركاء.

ويمتد هذا المفهوم في الدراسات السيكولوجية الحديثة ليتجاوز مجرد الحيز الفيزيائي المباشر (مثل المكتب أو المقعد أو غرفة الاجتماعات) ليشمل الحيازات الرمزية والنفسية، كالأدوار الوظيفية داخل الفريق، وحقوق الإشراف على مشاريع محددة، والمسارات الإبداعية والمعرفية. يُمارَس هذا السلوك لخدمة وظائف نفسية أساسية تتمثل في إشباع الحاجة إلى الأمان، والتحكم الذاتي، وبناء الهوية الذاتية، وإبراز المكانة الاجتماعية دون الانفصال التام عن البنية الجمعية التي ينتمي إليها الفرد.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

يعود الأصل اللغوي لمفهوم «الإقليمية» في السياقات النفسية والبيولوجية إلى المصطلح الإنجليزي Territoriality، المشتق من الكلمة اللاتينية Territorium، وهي الأرض المحيطة بمدينة أو منطقة جغرافية تتبع لسلطة معينة، والتي ترتبط بجذر الكلمة اللاتينية Terra أي «الأرض» أو «اليابسة». دلف هذا المفهوم أولاً إلى ميدان علم البيئة والسلوك الحيواني (Ethology) لوصف الدفاع عن موارد الغذاء والتزاوج، قبل أن ينتقل في أواخر القرن العشرين إلى علم النفس البيئي وعلم النفس الاجتماعي وعلم السلوك التنظيمي لوصف التفاعلات البشرية المكانية.

أما السابقة اللاتينية Intra- فتعني «في الداخل» أو «ضمن النطاق الداخلي»، وتُقابلها بالعربية عبارة «داخل الجماعة»، للتفريق الدقيق والمنهجي بينها وبين السلوك الإقليمي القائم بين جماعات متمايزة (Intergroup). وفي المعجم العربي المعاصر، يُشتق «الإقليمي» من «أَقْلَمَ» و«إقليم»، وهو الحيز الجغرافي ذو الخصائص المعينة، بينما يُعبّر «السلوك» عن الاستجابة الكلية القابلة للملاحظة التي يُبديها الكائن الحي إزاء منبهات بيئته المادية والاجتماعية.

3. النطق والبنية النحوية والمصطلحية

يُلفظ المصطلح صوتياً باللغة الإنجليزية: /ˌɪntrəɡruːp ˌterɪˈtɔːriəl bɪˈheɪvjər/. ويتألف في بنيته المصطلحية باللغة العربية من مركب وصفي وإضافي؛ فكلمة «السلوكُ» اسم مرفوع بالضمة، يُوصف بـ «الإقليميِّ» كصفة مشبهة تدل على النسبة إلى المكان أو الحيز، وتتلوها شبه الجملة الظرفية «داخلَ» متبوعة بالمضاف إليه المعرف «الجماعةِ» لتخصيص نطاق الحدوث بأنه موجه نحو الأعضاء المنتمين إلى الداخل الجمعي ذاته.

تتعدد البدائل والترادفات الصياغية لهذا المفهوم في الأدبيات السيكولوجية العربية وفق المدارس الترجمية؛ فنجد استخدام مصطلحات مثل: «السلوك المناطقي داخل المجموعة»، و«السلوكية الحيازية بين أفراد الجماعة»، و«النزعة المكانية الداخلية». وعلى الرغم من هذا التنوع، يستقر البحث الأكاديمي الرصين على استخدام تركيب «السلوك الإقليمي داخل الجماعة» لكونه يحيط بدقة بالأبعاد التنافسية والرمزية والبيئية المتضمنة في الاصطلاح الأصلي، مميزاً إياه عن مفاهيم مجاورة كالمساحة الشخصية والملكية القانونية.

4. الشرح المفاهيمي التفصيلي

يقوم السلوك الإقليمي داخل الجماعة على فكرة مفادها أن الأفراد، حتى عندما ينخرطون طوعياً في جماعة ذات أهداف مشتركة، يظلون مسكونين برغبة هيكلية في تنظيم محيطهم المباشر وحمايته. لا تقتصر الإقليمية داخل الجماعة على صد الهجمات أو العدوان الصريح، بل تمثل آلية تنظيمية متقدمة لتنظيم التفاعل الاجتماعي وتخفيف التوتر؛ فهي ترسل إشارات واضحة وصامتة لباقي الأعضاء حول من يملك الحق في استهلاك مورد معين أو الجلوس في موقع محدد أو اتخاذ قرار تنفيذي في شأن ما.

يتشكل هذا السلوك عبر مراحل تبدأ من «تحديد الحيز» (Territory Identification)، حيث يُسقط العضو ارتباطه النفسي على مكان أو شيء معين، يعقب ذلك «الوسم أو التعليم» (Territorial Marking) عبر أدوات حسية أو سلوكية مثل وضع الأغراض الشخصية أو الأوراق أو المقتنيات الدالة على الوجود. إذا ما تم احترام هذا الترسيم من قِبل أعضاء الجماعة الآخرين، يستقر النظام الإقليمي ويُسهم في استقرار التوقعات وخفض الاحتكاك. أما في حال انتهاك هذه الحدود أو حدوث غموض حول من يملك الأسبقية، فإن السلوك يتحول إلى «الدفاع الإقليمي» (Territorial Defense)، الذي قد يتراوح بين التحديق المستنكر والتعليقات المبطنة وصولاً إلى الخلافات اللفظية والانسحاب العاطفي.

ولا ينفصل الحيز الإقليمي داخل الجماعة عن مفهوم الملكية النفسية (Psychological Ownership)، وهي الحالة الشعورية التي يشعر فيها الفرد بأن الهدف المعني (سواء كان مادياً كطاولة في مكتب أو غير مادي كملف تسويقي) هو «ملكي أنا» أو «خاص بي وحدي». تتولد هذه الملكية النفسية من خلال استثمار الذات، والمعرفة المعمقة بالحيز، وممارسة السيطرة عليه عبر الزمن، مما يدفع الفرد إلى ممارسة سلوكيات إقليمية لحمايته من بقية أعضاء الفريق الذين يُفترض أنهم شركاء في المؤسسة نفسها.

5. التطور التاريخي للمفهوم

انبثقت الجذور الأولى لدراسة السلوك الإقليمي من أبحاث علماء الإيثولوجيا في النصف الأول من القرن العشرين، حيث وثق باحثون مثل هوارد (Howard, 1920) وكونراد لورنتس (Konrad Lorenz) آليات الدفاع الإقليمي لدى الطيور والحيوانات لضمان البقاء. لكن النقلة النوعية نحو دراسة البشر بدأت في الستينيات مع ظهور دراسات إدوارد تي هول (Edward T. Hall, 1966) حول «علم التقارب» (Proxemics)، وروبرت سومر (Robert Sommer, 1969) في أبحاثه الرائدة حول «المساحة الشخصية» وغرف الدراسة والمصحات.

في سبعينيات القرن العشرين، قدّم عالم النفس البيئي إيرفين ألتمان (Irwin Altman, 1975) إطاراً نظرياً تأسيسياً ربط فيه بين الخصوصية والإقليمية والمساحة الشخصية والازدحام، مميزاً بين ثلاثة أشكال رئيسية من الأقاليم (الأولية، والثانوية، والعامة). وقد فتحت أطروحة ألتمان الباب لفهم كيفية ممارسة البشر للإقليمية ليس فقط في مواجهة الغرباء، بل أيضاً بين أفراد الدوائر الاجتماعية القريبة كالأسرة والجماعات السكنية وفرق العمل.

شهد العقد الأول من الألفية الثالثة تحولاً جذرياً في دراسة هذا المفهوم عند نقله إلى السياق الإداري والتنظيمي، لا سيما من خلال النموذج النظري المؤثر الذي وضعه غراهام براون وزملاؤه (Graham Brown, Thomas B. Lawrence, & Sandra L. Robinson, 2005). تناول هذا النموذج الإقليمية بصفتها سلوكاً متجذراً في طبيعة العمل الجماعي، حيث يتنافس الزملاء على الموارد المحدودة والرمزية، وأعاد صياغة السلوك الإقليمي داخل الجماعة بوصفه عاملاً حاسماً في فهم صراعات العمل، ومشاركة المعرفة، والابتكار، وأداء الفرق الحديثة في بيئات العمل المفتوحة.

6. الأسس والأطر النظرية

تستند دراسة السلوك الإقليمي داخل الجماعة إلى حزمة متكاملة من النظريات السيكولوجية والاجتماعية. تُعد نظرية التنظيم البيئي للخصوصية لإيرفين ألتمان (Altman’s Privacy Regulation Theory) حجر الزاوية في هذا السياق؛ إذ تفترض أن الإنسان يسعى دائماً للحفاظ على مستوى أمثل من الاتصال الاجتماعي، وتعمل الإقليمية كآلية كبح وضبط تمنع تداخل الآخرين وتضمن للفرد حداً أدنى من الخلوة والسيطرة داخل جماعته الخاصة.

من زاوية أخرى، تفسر نظرية الملكية النفسية (Psychological Ownership Theory) لكل من جون بيرس وشركائه (Pierce, Kostova, & Dirks, 2001, 2003) الدوافع الجوهرية لهذا السلوك. ترى النظرية أن الإنسان يمتلك دوافع فطرية لتكوين ملاذ آمن وتأكيد كفاءته وفاعليته الذاتية من خلال امتلاك أشياء في بيئته المحيطة. وحينما يندمج الفرد في جماعة، تبرز حاجته لتحديد أجزاء من بيئة الجماعة لتكون امتداداً لهويته الشخصية (Self-Identity)، مما يدفعه لحمايتها تجاه أي زميل قد يُهدد تلك الرابطة.

كما يُلقي منظور التبادل الاجتماعي والمكانة (Social Exchange and Status Theories) الضوء على البعد الهرمي للسلوك الإقليمي الداخلي؛ فالمواقع المكانية والمهام النوعية داخل الجماعة ترمز في كثير من الأحيان إلى النفوذ والمكانة التراتبية. يمارس الأعضاء ذوو المكانة العالية حقوقاً إقليمية أوسع داخل الفريق، بينما يستخدم الأعضاء الأقل مكانة سلوكيات ترسيم دفاعية دقيقة لتأمين بقائهم في النسق وتجنب التهميش، مما يجعل السلوك الإقليمي لغة اتصال غير لفظية تؤكد وتُعيد إنتاج علاقات القوة داخل الجماعة.

7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية

يتشكل السلوك الإقليمي داخل الجماعة من مجموعة من الأبعاد البنيوية والتصنيفات الوظيفية التي يُمكن تفصيلها على النحو الآتي:

  • الترسيم والوسم الإقليمي (Territorial Marking): وضع إشارات مرئية أو رمزية تفيد بحيازة الحيز، وتنقسم إلى علامات فيزيائية (كالسترات، وزجاجات المياه، والصور العائلية على المكتب) وعلامات معرفية ورقمية (كتسمية المجلدات المشتركة، وحظر التعديل، ووسم الأفكار في محاضر الاجتماعات).
  • الدفاع الاستباقي (Anticipatory Defense): ممارسات وقائية يقوم بها العضو لمنع أي محاولة مستقبلية للانتهاك، مثل إغلاق الأبواب، أو قفل الأدراج، أو إرسال رسائل بريد إلكتروني تذكيرية تحدد المسؤوليات بصرامة مفرطة.
  • الدفاع الارتكاسي (Reactionary Defense): استجابات سلوكية تظهر فور حدوث تعدٍّ فعلي من قِبل زميل في الجماعة، وتتراوح ما بين الاعتراض الصريح، واستعادة الشيء بالقوة، واستخدام لغة الجسد العدائية، أو تقديم شكاوى رسمية للمشرفين.
  • الإقليمية المادية (Physical Territoriality): التركيز على المساحات المكانية الملموسة كالمكاتب، والمقاعد المحددة في قاعات المحاضرات، والأجهزة المشتركة في المختبرات العلمية.
  • الإقليمية الوظيفية والمعرفية (Information/Task Territoriality): التمسك باحتكار مهام وظيفية معينة، وحجب المعلومات الحيوية عن زملاء الفريق لمنعهم من التدخل في الحيز المهني المخصص للفرد.

8. أمثلة وحالات تطبيقية توضيحية

تتجلى هذه الظاهرة بوضوح شديد في بيئات العمل المشتركة ذات التصميم المفتوح (Open-Plan Offices). فعلى الرغم من أن فلسفة الإدارة تهدف إلى تشجيع التعاون والسيولة المكانية، يلجأ الموظفون غالباً إلى بناء حواجز اصطناعية باستخدام النباتات المنزلية، والملفات الورقية، وسماعات الرأس الكبيرة، لتوليد حدود إقليمية تحذر الزملاء من الاقتراب العفوي غير المصرح به.

وفي الأوساط الأكاديمية والبحثية، تظهر الإقليمية المعرفية عندما يرفض باحث مشاركة بياناته الخام أو أكواده البرمجية مع زملائه في نفس المختبر البحثي، مبرراً ذلك بحماية مشروعه الخاص وخوفه من أن يقوم شريكه في الفريق بنشر النتائج قبله، مما يؤدي إلى عرقلة التقدم الجمعي رغم انتمائهم إلى نفس المظلة المؤسسية.

أما في إطار الأسرة كجماعة أولية، فيتضح السلوك الإقليمي في الصراع بين الإخوة على المقعد المفضل أمام التلفاز أو تخصيص كل فرد لكوب محدد للشرب ورفض استخدام غيره، حيث يُعد استخدام كوب شخص آخر انتهاكاً صارخاً للحدود الإقليمية المصغرة داخل المنزل يولد نزاعات عائلية متكررة.

9. أدوات القياس والتقييم السيكولوجي

يواجه قياس السلوك الإقليمي داخل الجماعة تحديات منهجية ناجمة عن تداخل الإقليمية مع مفاهيم أخرى كالعدوانية والانطواء. ومع ذلك، طوّر الباحثون أدوات مقننة لقياس هذا البُعد بدقة، يأتي في مقدمتها مقياس السلوك الإقليمي في مكان العمل (Workplace Territoriality Scale – WTS) الذي طوره غراهام براون (Brown, 2009)، ويقيس بعدين رئيسيين هما: وضع العلامات الإقليمية (Marking) والدفاع الإقليمي (Defending) على كل من المستويين المادي والمعلوماتي.

كما يُستخدم في علم النفس البيئي أسلوب الملاحظة السلوكية الميدانية (Behavioral Mapping)، حيث يقوم الملاحظ بتسجيل تحركات الأفراد داخل الغرفة، ورصد الأشياء التي تُستخدم كحواجز، وحساب الوقت المستغرق في الدفاع عن مواقع معينة ضد الأقران. وتُعزز هذه الملاحظات بمقاييس التقرير الذاتي حول الإقليمية الإنسانية والخرائط الإدراكية (Cognitive Maps) التي يرسم فيها كل عضو حدوده المتصورة مقارنة بحدود زملائه في الجماعة.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يحمل فهم السلوك الإقليمي داخل الجماعة أهمية قصوى في ميدان التصميم البيئي والهندسة المعمارية الداخلية. فعند تصميم مقرات العمل أو المدارس، ينبغي للمصممين تجنب إلغاء الإقليمية الفردية بالكامل؛ إذ تظهر الدراسات أن التصاميم التي تحرم الفرد من إمكانية الترسيم المكاني تُسفر عن مستويات مرتفعة من الإجهاد النفسي وفقدان الانتماء المؤسسي.

وفي مجال القيادة وإدارة الموارد البشرية، يساعد إدراك هذه الظاهرة المديرين على إعادة هيكلة فرق العمل بصورة تحد من النزاعات الهدامة؛ فعندما يدرك القائد أن تمسك موظف ما بملف معين ليس مجرد «عناد وظيفي» بل هو استجابة إقليمية لحماية الهوية والمكانة، يمكنه معالجة الجذور النفسية عبر منح الموظف اعترافاً صريحاً بمكانته ومسؤولياته، مما يقلل من ميله لحجب المعرفة عن بقية الزملاء ويدعم التماسك الداخلي.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية

أشارت دراسة تجريبية مفصلة أجراها كيرستن ورجاله (Brown & Zhu, 2016) إلى وجود علاقة ارتباطية موجبة بين قوة السلوك الإقليمي القائم على الوسم وبين مشاعر الرضا الوظيفي والاستقرار النفسي للفرد، شريطة ألا يتصادم مع أقرانه. ولكن على النقيض من ذلك، عندما تصاعد السلوك الإقليمي نحو الدفاع النشط ضد أعضاء الفريق، رصدت الدراسة انخفاضاً حاداً في مستويات الثقة البينية وانحساراً في تبادل الأفكار الابتكارية.

وفي دراسة تحليلية أخرى في سياق التعليم التعاوني (Sommer & Becker)، تبيّن أن الطلاب الذين يُجبرون على الجلوس في مقاعد متغيرة باستمرار داخل مجموعات التعلم التعاوني يُظهرون تشتتاً أعلى في الانتباه واستجابات عدائية خفية تجاه زملائهم، مقارنة بالطلاب الذين أُتيح لهم تثبيت مقاعدهم وترسيم مساحاتهم الخاصة، مما يؤكد أن الاستقرار الإقليمي داخل الجماعة يعمل كمنظم نفسي يخفض العبء المعرفي والاجتماعي.

12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافية

تتباين مستويات ومظاهر السلوك الإقليمي داخل الجماعة تبايناً جوهرياً باختلاف البعد الثقافي الجمعي والفردي، وفق نموذج غيرت هوفستيد (Geert Hofstede). ففي الثقافات الفردانية (مثل الولايات المتحدة وبعض دول غرب أوروبا)، يُنظر إلى الحيز الشخصي والملكية الإقليمية الفردية داخل الفريق كحق مشروع غير قابل للنقاش، ويكون الترسيم الصريح والمطالبة بالحدود أمراً مقبولاً ومعيارياً.

أما في الثقافات الجمعية (مثل معظم المجتمعات العربية والآسيوية)، فإن الإقليمية الفردية الفجة داخل الجماعة الواحدة تُقابل بالاستنكار الاجتماعي وغالباً ما تُفسر على أنها أنانية أو خروج عن التضامن الأخوي. وتبعاً لذلك، يتخذ السلوك الإقليمي في البيئات العربية والجمعية أشكالاً أكثر نعومة ومواربة، مثل استخدام العلاقات الشخصية والمجاملات الرمزية لفرض النفوذ المكاني، أو اللجوء إلى الإقليمية الجماعية الفرعية (Sub-group Territoriality) حيث تتكاتف فئة صغيرة داخل المؤسسة لحيازة ركن معين أو اختصاص وظيفي بصورة غير رسمية.

13. الانتقادات والنقاشات الأكاديمية والحدود

واجه مفهوم السلوك الإقليمي داخل الجماعة جملة من الانتقادات النظرية والمنهجية؛ إذ يرى بعض علماء النفس الاجتماعي المنتمين للمدرسة البنائية أن المفهوم يميل أحياناً إلى إضفاء صبغة بيولوجية حتمية على تفاعلات إنسانية مرنة تشكلها السياقات الاجتماعية والسلطوية المتغيرة. كما يرى نقاد آخرون أن الأدبيات تركز بإفراط على الآثار السلبية للإقليمية (مثل تقويض العمل الجماعي والصراع)، متجاهلة وظائفها التكيفية الإيجابية في صون الهوية الفردية داخل الكيانات البيروقراطية الضخمة.

علاوة على ذلك، يثور جدل حاد حول مدى صلاحية النماذج الكلاسيكية في تفسير بيئات العمل الافتراضية والرقمية الحديثة. فمع انتقال الجماعات للعمل عبر منصات الحوسبة السحابية ومساحات الاتصال المرئي، أصبحت الحدود المكانية هلامية، مما يجعل تعريف «الحيز الإقليمي» موضع نقاش مستمر: هل يمثل احتكار الحديث في الاجتماعات الافتراضية أو الاستحواذ على إدارة القنوات الرقمية سلوكاً إقليمياً بالمعنى العلمي الدقيق، أم أنه يقع ضمن آليات الهيمنة والسلطة التقليدية؟

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

لتجنب اللبس المفاهيمي الشائع في الأدبيات السيكولوجية، ينبغي التمييز الدقيق بين السلوك الإقليمي داخل الجماعة والمفاهيم القريبة منه عبر الآتي:

  • المساحة الشخصية (Personal Space): فقاعة افتراضية غير مرئية ومتحركة تحيط بجسد الفرد أينما ذهب، في حين أن الإقليم هو حيز جغرافي أو رمزي ثابت نسبياً يضع الفرد فيه علاماته ولا يتحرك معه بالضرورة.
  • السلوك الإقليمي بين الجماعات (Intergroup Territoriality): دفاع جماعة متضامنة بكاملها عن حيزها الجغرافي أو مواردها في مواجهة جماعة خارجية غريبة، بينما ينصب السلوك الإقليمي داخل الجماعة على التنافس والترسيم بين أعضاء الفريق الواحد داخلياً.
  • الملكية القانونية (Legal Ownership): حق ملكية معترف به رسمياً ومسنود بالقانون الوضعي، بينما السلوك الإقليمي يستند إلى إحساس سيكولوجي وفعلي بالسيطرة بغض النظر عن الوجود القانوني للملكية (قد يمارس الموظف سلوكاً إقليمياً شرساً على مكتب تملكه الشركة بالكامل).
  • الخصوصية (Privacy): العملية الانتقائية لضبط ومراقبة تدفق المعلومات والتفاعلات مع الآخرين، حيث يمثل السلوك الإقليمي إحدى الآليات المادية والسلوكية المستخدمة لتحقيق تلك الخصوصية.

15. الخاتمة والنقاط الجوهرية المستخلصة

يمثل السلوك الإقليمي داخل الجماعة ركيزة حيوية في هندسة العلاقات الاجتماعية الداخلية، فهو ليس مجرد نزاع عبثي على مساحات وأدوات، بل هو تعبير نفسي منظم عن الحاجة المتأصلة للأمان والتحكم وتأكيد الهوية الشخصية داخل الإطار الجماعي. يتشكل هذا السلوك عبر آليات الترسيم والدفاع عن موارد مادية ورمزية، ويتأثر بصورة جذرية بالبنية الثقافية للمجتمع وطبيعة التصميم البيئي للبيئة المشتركة.

إن الإدارة الواعية لهذا السلوك تتطلب عدم محاولة استئصاله قسرياً، بل توفير مساحات متوازنة تتيح لكل فرد التعبير عن إقليميته الشخصية المشروعة دون المساس بمهام الجماعة وتكاملها. وبذلك يتحول الحيز المكاني والنفسي من بؤرة للتناحر الداخلي إلى منطلق للاستقرار والإنتاجية التعاونية المشتركة.

المراجع

  • Altman, I. (1975). The Environment and Social Behavior: Privacy, Personal Space, Territory, and Crowding. Brooks/Cole Publishing Company.
  • Brown, G. (2009). Claiming a corner at work: Measuring employee territoriality in their workspaces. Journal of Environmental Psychology, 29(1), 44–52. https://doi.org/10.1016/j.jenvp.2008.05.004
  • Brown, G., Lawrence, T. B., & Robinson, S. L. (2005). Territoriality in organizations. Academy of Management Review, 30(3), 577–594. https://doi.org/10.5465/amr.2005.17293710
  • Brown, G., & Zhu, H. (2016). ‘My workspace, be aware!’: Investigating the impact of territory marking on employee psychological outcomes. Journal of Environmental Psychology, 48, 82–93. https://doi.org/10.1016/j.jenvp.2016.09.004
  • Pierce, J. L., Kostova, T., & Dirks, K. T. (2003). The state of psychological ownership: Integrating and extending a century of research. Review of General Psychology, 7(1), 84–107. https://doi.org/10.1037/1089-2680.7.1.84
  • Sommer, R. (1969). Personal Space: The Behavioral Basis of Design. Prentice-Hall.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 31). السلوك الإقليمي داخل الجماعة: ديناميات المكان والهوية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/intragroup-territorial-behavior/
looti, Mohammed. “السلوك الإقليمي داخل الجماعة: ديناميات المكان والهوية.” عرب سايكلوجي, 31 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/intragroup-territorial-behavior/.
looti, Mohammed. “السلوك الإقليمي داخل الجماعة: ديناميات المكان والهوية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 31, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/intragroup-territorial-behavior/.