يُمثل التدخل العلاجي دون موافقة المريض الواعية إحدى أعقد الإشكاليات الفلسفية والأخلاقية والقانونية في تاريخ الطب النفسي الحديث، حيث يتقاطع فيه واجب الحفاظ على الحياة وحماية المجتمع مع الحقوق الأساسية للفرد في تقرير المصير والسلامة الجسدية. يثير هذا الموضوع نقاشات محتدمة لا تتوقف بين الأطباء النفسيين والمشرعين والمدافعين عن حقوق الإنسان حول الحدود الفاصلة بين الرعاية الإنسانية والوصاية القهرية. سنستعرض في هذا المدخل الموسوعي مفهوم العلاج القسري وأبعاده السريرية والقانونية من زواياه المتعددة، مسلطين الضوء على تطوره التاريخي ومعاييره وتأثيراته المتشعبة.
العلاج القسري
1. التعريف الموجز
العلاج القسري (Involuntary Treatment) هو تدخل طبي أو نفسي يُمارَس على الفرد دون موافقته الصريحة أو على الرغم من رفضه الواعي والمعلن، ويتم إقراره عادةً بموجب مسوغات قانونية وطبية محددة تستند إلى فقدان الأهلية أو وجود خطر وشيك. يهدف هذا الإجراء في سياقه العام إلى استقرار الحالة النفسية الحادة ومنع تفاقم الاضطرابات الشديدة التي تُعطل قدرة الإنسان على إدراك الواقع وتقييم العواقب.
يتجاوز المفهوم مجرد إعطاء العقاقير الطبية رغماً عن المريض؛ فهو يمتد ليشمل الإدخال الإجباري إلى المنشآت العلاجية، والعزل الانفرادي الطبي، والتقييد الحركي أو الميكانيكي، وبرامج العلاج الإلزامي في العيادات الخارجية. يُعرّف هذا الإجراء سريرياً بصفته ملاذاً أخيراً لا يُلجأ إليه إلا عند استنفاد جميع السبل الحوارية والإقناعية المتاحة، وفي ظل غياب بدائل علاجية تطوعية فعالة تضمن سلامة الفرد والآخرين.
من الناحية الحقوقية والقانونية، يُعرَّف بأنه تعليق استثنائي ومؤقت للأهلية القانونية واستقلالية الجسد، تُجيزه التشريعات المدنية والجنائية تحت إشراف قضائي أو لجان طبية محايدة، بهدف تحقيق منفعة علاجية قصوى أو درء ضرر جسيم لا يمكن تفاديه بالوسائل التقليدية.
2. التأثيل والأصل اللغوي
يعود الأصل اللغوي لمصطلح «القسري» في اللغة العربية إلى الجذر الثلاثي (ق س ر)، والذي يحمل في المعاجم دلالات القهر والإكراه والغلبة على كره؛ يقال «قَسَرَهُ على الأمر» أي أكرهه وأجبره عليه دون رضاه واختياره. أما كلمة «علاج» فتعود للجذر (ع ل ج)، وتدل على المداواة ومعاناة الشيء وإصلاحه، ومن هنا فإن التركيب اللغوي يعكس التناقض الصريح بين رغبة الخاضع للعملية وفعل الشفاء المقصود.
أما في اللغات الغربية، ولا سيما الإنجليزية، فإن المصطلح يقابله (Involuntary Treatment) أو (Coercive Treatment)، والمشتق من السابقة اللاتينية (-in) التي تفيد النفي، والكلمة اللاتينية (voluntarius) المشتقة من (voluntas) وتعني الإرادة أو المشيئة الحرة. دخل هذا المفهوم المعاجم الطبية والقانونية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالتزامن مع نشأة المصحات العقلية الحديثة وظهور الحاجة إلى تفريق الاحتجاز العقابي عن الإيداع الطبي العلاجي.
3. النطق والصيغة الصرفية
يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى بصيغة المركب الوصفي: «العِلاَج القَسْرِيّ» (بكسر العين المهملة وتخفيف اللام والألف، ثم القاف المفتوحة والسين الساكنة والراء المكسورة المشددة مع ياء النسب المشددة). ويأتي كاسم معرف بـ (أل) في موقع المبتدأ أو الموصوف، وتُستخدم أيضاً بدائل لغوية مترادفة مثل «العلاج الجبري» أو «العلاج الإلزامي» أو «العلاج غير الطوعي».
من الناحية الصرفية، «عِلاج» هو مصدر للفعل الرباعي «عَالَجَ»، و«قَسْريّ» اسم منسوب إلى المصدر «قَسْر». وتُستخدم في الأدبيات التشريعية صياغات متنوعة مثل «التطبيب الإجباري» أو «الإدخال غير الإرادي»، وتعد هذه الصيغ مقبولة أكاديمياً وقانونياً للإشارة إلى سياقات محددة من هذا التدخل.
4. التفسير المفاهيمي المفصل
يقوم مفهوم العلاج القسري في جوهره على التوتر الوجودي الدائم بين مبدأين من أهم مبادئ أخلاقيات الطب: مبدأ استقلالية المريض (Autonomy) وحقه غير القابل للتصرف في رفض أي تدخل على جسده، ومبدأ الإحسان وفعل الخير (Beneficence) الذي يُلزم الطبيب بحماية حياة المريض والحد من معاناته حتى لو تعارض ذلك مع رغبته اللحظية المشوشة بالمرض.
يتحدد نطاق العلاج القسري بوجود اضطراب نفسي حاد يُصاحبه تدهور خطير في «اختبار الواقع» (Reality Testing)؛ حيث يفقد المريض القدرة الإدراكية على فهم طبيعة مرضه، وتقدير خطورته، واستيعاب فوائد العلاج ومخاطر رفضه، وهو ما يُعرف سريرياً بفقدان الاستبصار (Lack of Insight). في هذه الحالات، لا يُنظر إلى الرفض الصادر عن المريض على أنه ممارسة حرة للإرادة الإنسانية، بل باعتباره عَرَضاً مباشراً للمرض نفسه يستوجب التدخل الحِمائي.
تتضمن حدود العلاج القسري ضوابط صارمة تمنع استخدامه لأغراض عقابية، أو كوسيلة لضبط السلوك المزعج اجتماعياً، أو لتسهيل إدارة المؤسسات العلاجية على حساب راحة المريض. تنص المعايير الدولية المعاصرة على أن الهدف الوحيد المقبول أخلاقياً للعلاج القسري هو استعادة قدرة المريض الذاتية على اتخاذ القرارات بأسرع وقت ممكن، بحيث يعود المريض إلى وضعه الطبيعي الذي يتيح له قبول العلاج طوعاً أو رفضه بأهلية كاملة.
يشتمل هذا الإجراء على درجات متفاوتة من الشدة؛ بدءاً من الضغوط النفسية والإقناع التفاوضي الحاد، مروراً بالإلزام القانوني بحضور الجلسات في المجتمع عبر ما يُعرف بأوامر العلاج المجتمعي (Community Treatment Orders)، وصولاً إلى الإيداع المقيد داخل الأجنحة النفسية المغلقة واستخدام التهدئة الدوائية القسرية تحت المراقبة اللصيقة.
5. التطور التاريخي
شهد التاريخ الإنساني تحولات جذرية في النظرة إلى المعاناة النفسية وإدارتها؛ ففي العصور القديمة والوسطى، كان التعامل مع المصابين بالاضطرابات العقلية الحادة يتأرجح بين النبذ، والحبس المنزلي، والطقوس الروحية القسرية القائمة على فكرة طرد الأرواح الشريرة، دون وجود أي إطار طبي ناظم لتلك الممارسات.
مع بزوغ عصر التنوير ونهاية القرن الثامن عشر، قاد الطبيب الفرنسي فيليب بينيل (Philippe Pinel) في باريس حركة «العلاج الأخلاقي»، حيث اشتهر برفع السلاسل والقيود الحديدية عن المرضى في مصحتي بيسيتر وسالبتريير عام 1793، مؤكداً أن المرضى النفسيين بشر يستحقون الرعاية الإنسانية، غير أن المصحات التي أُنشئت لاحقاً تحولت تدريجياً إلى مؤسسات احتجاز ضخمة استُخدم فيها العلاج القسري بأساليب قاسية شملت الحمامات الباردة المفرطة، والعزل المديد، والكرسي الدوار بهدف ترويض العقل المضطرب.
شهد منتصف القرن العشرين منعطفاً محورياً عبر حدثين متزامنين: الأول هو اكتشاف الأدوية النفسية المضادة للذهان في الخمسينيات، مثل عقار الكلوربرومازين، مما أتاح السيطرة على الأعراض الحادة دون الحاجة للتقييد المستمر؛ والثاني هو انطلاق حركة مناهضة الطب النفسي (Anti-Psychiatry) بقيادة مفكرين مثل توماس ساس (Thomas Szasz) وميشيل فوكو (Michel Foucault)، الذين جادلوا بأن المرض النفسي أسطورة تُستخدم لتبرير الرقابة الاجتماعية وقمع الاختلاف.
أدت هذه الانتقادات الحادة، مقرونة بحركات الحقوق المدنية في السبعينيات، إلى إصدار تشريعات تاريخية وضعت قيوداً قانونية صارمة على الإدخال القسري، واشترطت إثبات «الخطر الوشيك على النفس أو الغير» وليس مجرد وجود المرض، كما ظهرت دعوات إنهاء الإيداع المؤسسي (Deinstitutionalization) ونقل الرعاية إلى المجتمع، مما بلور الأطر المعاصرة للطب النفسي القانوني.
6. الأسس والمنطلقات النظرية
يستند العلاج القسري إلى منظومة متداخلة من النظريات الفلسفية والأخلاقية والقانونية التي تحاول إيجاد تبرير عقلاني لتعليق حرية الفرد:
- مبدأ الوصاية الأبوية للدولة (Parens Patriae): يمثل هذا المبدأ القانوني الركيزة الأساسية للتدخل القسري، حيث تفترض النظرية أن الدولة تملك واجباً سيادياً وأخلاقياً لحماية الأفراد العاجزين عن حماية أنفسهم ورعاية مصالحهم، مثل الأطفال أو المصابين بخلل عقلي جسيم يعطل أهليتهم.
- مبدأ حماية المجتمع وسلطة الشرطة (Police Power): يمنح هذا الأصل الدستوري والقانوني الدولة الحق في تقييد حريات بعض الأفراد إذا كان تصرفهم يشكل خطراً داهماً يهدد السلامة العامة أو سلامة الآخرين المحيطين بهم.
- المذهب النفعي (Utilitarianism): يُبرر الفيلسوف جيريمي بنثام وجون ستيوارت مل في هذا الإطار التدخل المؤقت إذا كان الألم أو التقييد الناتج عنه يمنع ضرراً أعظم بكثير، مثل منع الانتحار أو ارتكاب الجرائم غير الواعية، بما يعود بأكبر نفع إجمالي على الفرد والمجتمع.
- نظرية الموافقة المفترضة أو الاسترجاعية (Substituted / Retroactive Judgment): تفترض هذه النظرية الفلسفية أن المريض، بمجرد تعافيه وعودة بصيرته العقلية الكاملة، سينظر إلى الوراء ويشكر الفريق الطبي على اتخاذ القرار الحاسم نيابة عنه وإنقاذ حياته من التدمير الذاتي أثناء نوبته المرضية.
7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية
ينقسم العلاج القسري في الممارسة السريرية إلى عدة أنماط ومستويات تختلف باختلاف البيئة العلاجية وطبيعة الإجراء المتخذ:
- الإيداع النفسي القسري (Involuntary Psychiatric Admission): إدخال المريض واحتجازه داخل مستشفى أو جناح نفسي متخصص دون موافقته لفترة تقييمية أولية (غالباً ما تكون بين 72 ساعة إلى أسبوعين وفقاً للقانون المحلي) لحمايته وتثبيت حالته.
- العلاج الدوائي الإجباري (Involuntary Pharmacotherapy): إعطاء العقاقير المهدئة أو مضادات الذهان بالحقن العضلي السريع في حالات التهيج الشديدة، أو استخدام الأدوية طويلة المفعول على المدى الطويل لمنع الانتكاس دون موافقة روتينية من المريض.
- التقييد الميكانيكي والعزل الطبي (Mechanical Restraint and Seclusion): تثبيت المريض سريرياً باستخدام أحزمة طبية معتمدة أو حبسه داخل غرفة هادئة وخالية من المخاطر لفترة زمنية محددة بدقة، كإجراء استثنائي للسيطرة على العنف الشديد وإيذاء النفس.
- أوامر العلاج المجتمعي (Community Treatment Orders): إلزام المريض بموجب أمر قضائي بتناول الأدوية ومراجعة الفرق العلاجية في المراكز الخارجية كشرط لبقائه في المجتمع وتفادي إعادته إلى المستشفى.
- العلاج بالصدمات الكهربائية القسري (Involuntary Electroconvulsive Therapy): إجراء نادر للغاية يخضع لرقابة قضائية وطبية مشددة، يُلجأ إليه فقط في الحالات المهددة للحياة التي لا تستجيب للأدوية، مثل الاكتئاب الذهاني التقويضي التام (Catatonia) المقترن برفض الطعام والشراب.
8. الأمثلة والحالات التوضيحية
لتوضيح التطبيق العملي لهذه الإجراءات، نستعرض حالتين سريريتين نموذجيتين تُبينان المسوغات العلاجية والقانونية للتدخل القسري:
الحالة الأولى: شاب في السابعة والعشرين من عمره، تم تشخيصه بمرض الفصام (Schizophrenia)، يعاني من ضلالات اضطهادية شديدة وهلاوس سمعية تخبره بأن جيرانه يحاولون قتله بالغاز السام. دفعته هذه الحالة إلى تحصين غرفته بالمتاريس وامتناعه عن شرب الماء والأكل لأيام، ما أصابه بالجفاف المهدد لحياته، مع تهديده بطعن أي شخص يحاول الاقتراب. في هذا الموقف، أدى غياب الاستبصار ووجود خطر حقيقي على حياته وحياة أسرته إلى تفعيل بروتوكول الإيداع القسري الطارئ، وإعطائه سوائل وأدوية مضادة للذهان لتجاوز المرحلة الحرجة.
الحالة الثانية: سيدة في الأربعين من عمرها تعاني من اضطراب الوجدان ثنائي القطب، دخلت في نوبة هوس حادة مع أعراض ذهانية؛ حيث بدأت بإنفاق جميع مدخرات الأسرة في ساعات، وتوزيع ممتلكاتها على الغرباء في الشارع، وقيادة سيارتها بسرعة جنونية متجاوزة الإشارات الحمراء لاعتقادها بأنها مبعوثة لأداء مهمة إلهية خارقة. قوبلت محاولات علاجها طواعية بالرفض القاطع والسخرية، مما استدعى استخدام أمر علاج نفسي مجتمعي قسري لمنع التدمير المالي الكامل وحماية حياتها وسلامة المارة في الطريق العام.
9. القياس والتقييم السريري والقانوني
لا يتم إقرار العلاج القسري بصورة عشوائية، بل يخضع لعمليات تقييم منهجية صارمة تعتمد على أدوات ومقاييس موثوقة لقياس مستوى الخطر وتحديد الأهلية العقلية للمريض:
يستخدم الأطباء النفسيون أدوات تقييم الخطر المنظمة لتحديد احتمالية ارتكاب العنف أو إيذاء النفس، ومن أبرزها دليل تقييم مخاطر العنف (HCR-20) الذي يقيم العوامل التاريخية والسريرية وإدارة المخاطر المستقبلية، بالإضافة إلى مقياس خطورة الانتحار (C-SSRS) الذي يساعد في تحديد مدى وشيكة النوايا الانتحارية وجديتها.
أما من جهة الأهلية العقلية لاتخاذ القرارات العلاجية، فتُستخدم أدوات سريرية معيارية مثل أداة ماك آرثر لتقييم كفاءة العلاج (MacArthur Competence Assessment Tool for Treatment – MacCAT-T)؛ حيث تقيس هذه الأداة أربعة أبعاد جوهرية: القدرة على استيعاب المعلومات الطبية، والقدرة على إدراك المريض لكيفية انطباق هذه المعلومات على حالته الشخصية، والقدرة على التفكير المنطقي في مقارنة الخيارات، وأخيراً القدرة على التعبير الواضح عن اختيار مستقر.
تكتمل هذه المقاييس بإجراءات قانونية ملزمة؛ حيث تتطلب معظم التشريعات فحصاً مستقلاً من طبيبين نفسيين على الأقل، ورفع تقرير عاجل إلى قاضي الأمور الوقتية أو محكمة مختصة بالصحة النفسية خلال ساعات محددة، مع توفير تمثيل قانوني مجاني للمريض للاستئناف ضد قرار العلاج القسري في جلسات استماع منتظمة.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحمل التدخل القسري أهمية عملية استثنائية في حفظ الأرواح داخل غرف الطوارئ النفسية ومراكز الأزمات؛ حيث يشكل خط الدفاع الأخير لمنع الوفيات الناتجة عن حالات التسمم العمدي أو الانتحار العنيف المتأثر بأعراض الاكتئاب الجسيم المصحوب بالذهان.
في ميدان الطب النفسي الشرعي ونظم العدالة الجنائية، يُطبق العلاج القسري على الجناة المصابين بأمراض نفسية عقلية جعلتهم غير مسؤولين جنائياً عن أفعالهم بسبب انعدام الإدراك وقت ارتكاب الجريمة؛ حيث يُحال هؤلاء إلى مصحات أمنية علاجية بدلاً من السجون العادية، لتلقي العلاج القسري والتأهيل حتى زوال الخطر، بما يحقق التوازن بين الردع المجتمعي والعلاج الطبي.
يسهم هذا التدخل في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والأُسري من خلال تقليل فترات التشرد المزمن لمرضى الاضطرابات الذهانية غير المعالجين، ومساعدة الأسر المنهكة على كسر دائرة الانهيارات العقلية المتكررة وما يرافقها من استنزاف عاطفي واقتصادي بالغ.
11. البحوث والأدلة التجريبية
أظهرت الدراسات السريرية نتائج متناقضة ومعقدة فيما يخص فاعلية العلاج القسري وآثاره طويلة الأمد؛ فمن ناحية، تُشير الأبحاث المنشورة في دوريات مثل The Lancet Psychiatry إلى أن التدخل المبكر والقسري أثناء النوبة الأولى من الذهان يُقلل بشكل كبير من التدهور المعرفي العصبي ويحمي المريض من السلوكيات الخطرة والموت المبكر.
على الجانب الآخر، أظهرت دراسات رائدة أجراها باحثون مثل ستيفان بوشيل (Stefan Priebe) وفريقه في بريطانيا وأوروبا أن تجربة القهر والإجبار العلاجي غالباً ما ترتبط بآثار نفسية سلبية؛ إذ أفاد نحو 30% إلى 50% من المرضى الذين خضعوا للاحتجاز القسري بشعورهم بالصدمة، وانتهاك كرامتهم، وتولد أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لديهم نتيجة التقييد والعزل.
أما بخصوص أوامر العلاج المجتمعي (CTOs)، فقد بينت مراجعات مؤسسة كوكرين المنهجية (Cochrane Systematic Reviews) التي حللت بيانات آلاف المرضى أن الإلزام القسري بالعلاج في المجتمع لم يُظهر تفوقاً إحصائياً واضحاً على العلاج الطوعي عالي الجودة في تقليل معدلات إعادة الدخول للمستشفيات، مما جعل الأساس التجريبي لهذه البرامج مثار تساؤل علمي مستمر.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
تتباين الفلسفة المنظمة للعلاج القسري وتطبيقاته بشكل ملحوظ عبر المجتمعات والثقافات المختلفة؛ ففي المجتمعات الغربية الفردانية، يُعطى حق الاستقلالية الجسدية وحرية الاختيار الفردي وزناً كبيراً، وتفرض المحاكم قيوداً بالغة الصرامة تجعل التدخل القسري صعباً ومقتصراً على وجود تهديد فيزيائي صريح.
في المقابل، تميل المجتمعات الجمعية، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والآسيوية والأفريقية، إلى تبني نظرة عائلية تضامنية؛ حيث تلعب الأسرة دوراً محورياً في اتخاذ القرارات الصحية بالنيابة عن المريض، ويُنظر إلى التدخل القسري برضا أسري واجتماعي أوسع باعتباره واجباً أخلاقياً وبرّاً بالمريض ورعاية له في أوقات ضعفه.
تكشف الدراسات العابرة للثقافات أيضاً عن فروق مقلقة في نسب استخدام القسر؛ حيث توثق الأبحاث في المملكة المتحدة والولايات المتحدة ارتفاع معدلات الاحتجاز القسري لدى الأقليات العرقية والمهاجرين مقارنة بالسكان الأصليين، وهو ما يُعزى غالباً إلى سوء التفاهم الثقافي، والوصمة الاجتماعية، والتحيزات الضمنية في تشخيص الخطورة والعدوانية.
13. الانتقادات والجدل والقيود
يواجه العلاج القسري انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان والحركات المدنية للمتعافين من الطب النفسي؛ حيث ترى لجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التابعة للأمم المتحدة (UN CRPD) أن أي علاج قسري يعتمد على التشخيص الطبي يُعد تمييزاً غير مشروع وانتهاكاً لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مطالبة بحظره تماماً واستبداله بنماذج «صنع القرار المدعوم» (Supported Decision-Making).
يتمحور نقد رئيسي آخر حول خطورة الإضرار بالتحالف العلاجي (Therapeutic Alliance)؛ إذ يؤدي الإكراه إلى فقدان ثقة المريض بالمنظومة الصحية ككل، مما يدفعه إلى الهروب من المتابعة الدورية بمجرد خروجه، وتجنب طلب المساعدة الطبية في المراحل المبكرة من الانتكاسة خوفاً من تعرضه للاحتجاز مجدداً.
يُضاف إلى ذلك التحدي المتمثل في عدم دقة التنبؤ بالخطورة؛ فالأطباء يميلون بدافع الحذر والمسؤولية القانونية إلى الإفراط في تقدير احتمالات الخطر (False Positives)، مما ينتج عنه حرمان مئات الأفراد من حرياتهم دون أن يكون هناك احتمال حقيقي لارتكابهم أي سلوك عنيف.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتشابك مع العلاج القسري مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الطبية والقانونية التي تتطلب توضيحاً دقيقاً لتمييز حدودها:
- العلاج القسري مقابل الإيداع القسري: الإيداع القسري يتعلق بالاحتجاز المكاني القانوني للمريض داخل المنشأة، بينما يشير العلاج القسري إلى التدخل الدوائي أو البيولوجي المباشر، وفي بعض النظم القانونية يمكن احتجاز المريض قسراً دون إجباره على تناول الدواء إلا بقرار قضائي منفصل.
- العلاج القسري مقابل العلاج الطارئ: العلاج الطارئ يُطبق بصورة فورية مؤقتة لإنقاذ الحياة في حالات فقدان الوعي التام أو التسمم الحاد دون الحاجة لمراجعة قضائية، بينما يتطلب العلاج القسري النفسي مساراً إجرائياً قانونياً مقنناً.
- الأهلية العقلية (Mental Capacity) مقابل الكفاءة القانونية (Competence): الأهلية هي تقييم سريري وظيفي يجريه الطبيب لمدى قدرة المريض على اتخاذ قرار محدد في وقت بعينه، بينما الكفاءة هي حكم قانوني رسمي تصدره المحكمة بشأن مجمل قدرات الشخص القانونية والمدنية.
- الموافقة المستنيرة (Informed Consent): تمثل النقيض المباشر للعلاج القسري، وتعني قبول المريض للعلاج بحرية تامة واختيار شخصي بعد إحاطته الكاملة بجميع الفوائد والبدائل والمخاطر المحتملة.
15. ملخص وخلاصة ختامية
يظل العلاج القسري سيفاً ذا حدين وأحد أعظم التحديات في الممارسة الطبية المعاصرة؛ فهو من جهة أداة علاجية حيوية تُنقذ الأرواح وتمنع كوارث لا تُحمد عقباها في ذروة الأزمات الذهانية الحادة، ومن جهة أخرى إجراء شديد الحساسية يمس جوهر الحرية الإنسانية وكرامة الفرد واستقلاليته. يفرض هذا التناقض على المنظومات الصحية والتشريعية ضرورة مراجعة وتحديث بروتوكولات القسر باستمرار، والحرص على حصرها في أضيق الحدود، مع تسريع التحول نحو بيئات استشفائية تشاركية تحفظ للمريض صوته وكرامته في مختلف مراحل العلاج.
المراجع
American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
Appelbaum, P. S., & Grisso, T. (1995). The MacArthur Treatment Competence Study. I: Mental illness and competence to consent to treatment. Law and Human Behavior, 19(2), 105–126. https://doi.org/10.1007/BF01499321
Kisely, S. R., & Campbell, L. A. (2014). Compulsory community and involuntary outpatient treatment for people with severe mental disorders. Cochrane Database of Systematic Reviews, (12), CD004408. https://doi.org/10.1002/14651858.CD004408.pub4
Priebe, S., Katsakou, C., Glöckner, M., Dembinskas, A., Fiorillo, A., Karastergiou, A., Kjellin, L., Nawka, P., Onchev, G., Raboch, J., Schuetzwohl, M., Solomon, Z., & Torres-González, F. (2010). Patients’ views on involuntary admission: A prospective study with 1-year follow-up in eight European countries. The British Journal of Psychiatry, 196(3), 179–185. https://doi.org/10.1192/bjp.bp.109.068882
World Health Organization. (2021). Guidance on community mental health services: Promoting person-centred and rights-based approaches. World Health Organization. https://apps.who.int/iris/handle/10665/341996