تمثل الغيبوبة غير القابلة للرجوع نقطة تحول مفصلية في تاريخ الطب العصبي والعلوم النفسية والأخلاقيات الحيوية، حيث تعيد رسم الحدود الفاصلة بين الحياة والموت وتبعث تساؤلات عميقة حول ماهية النفس والوعي والوجود الإنساني. تشكل هذه الحالة السريرية المعقدة تحدياً معرفياً وتطبيقياً يستوجب قراءة متأنية تتجاوز البعد البيولوجي المحض لتشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تحيط بالمريض وفريقه الطبي وعائلته في واحدة من أكثر اللحظات الوجودية حرجاً وحساسية.
الغيبوبة غير القابلة للرجوع
1. التعريف الدقيق والموجز
تُعرّف الغيبوبة غير القابلة للرجوع (Irreversible Coma) في الطب النفسي والعصبي بأنها حالة من الفقدان التام والدائم للوعي والإدراك والاستجابة للمؤثرات البيئية، تنتج عن تلف هيكلي شامل وغير قابل للإصلاح في نصفي الكرة المخية وجذع الدماغ معاً. وتتميز هذه الحالة بانعدام تام للوظائف الدماغية التكاملية، وغياب منعكسات جذع الدماغ، وتوقف التنفس التلقائي المستقل، مما يجعل استمرار المؤشرات الحيوية السطحية معتمداً بصورة كلية ومصطنعة على أجهزة دعم الحياة الاصطناعية والتنفس الميكانيكي المستمر.
ويمتد المعنى الجوهري لهذا المفهوم إلى ما هو أبعد من التوقف الميكانيكي للخلايا العصبية؛ إذ يعبر في العلوم النفسية والعصبية عن الانقطاع الحاسم والنهائي لـ الوعي البشري، والذات الفاعلة، والقدرة على اختبار الخبرات الذاتية، والتفاعل الوجداني والعلائقي مع العالم الخارجي. إنها حالة تعلن النهاية الوظيفية للشخصية الإنسانية من الناحية العصبية والنفسية، وتعتبر المرادف السريري والتشريعي لـ الموت الدماغي الكامل، حيث يستحيل منطقياً وعلمياً وطبياً استرجاع أي مظهر من مظاهر اليقظة أو الإدراك أو النشاط النفسي الداخلي.
وتقتضي المعايير الإكلينيكية الصارمة إثبات أن هذا التدهور لا رجعة فيه بصورة قاطعة، مع استبعاد تام لكافة الأسباب القابلة للعكس والشفاء مثل انخفاض حرارة الجسم الشديد، أو التسمم الدوائي بالمهدئات القوية، أو الاضطرابات الأيضية والغددية الحادة التي قد تُحاكي هذه الحالة ظاهرياً وتخدع الفاحص السريري غير المتمرس.
2. التأثيل والاشتقاق اللغوي
يستند مصطلح «الغيبوبة» في اللغة العربية إلى الجذر الثلاثي (غ-ي-ب)، وهو أصل لغوي يدل على الاستتار والتغيب والتواري عن الأنظار وعن الإدراك الحسي؛ ويُقال غاب الشيء إذا خفي وغاب الإنسان إذا انقطع عن مشهده ووعيه بحاضره. أما وصف «غير القابلة للرجوع» فيشتق من الفعل (ر-ج-ع) المقترن بحرف النفي، ليدل قطيعاً على استحالة العودة أو الاسترداد، مؤكداً الطابع الحتمي والنهائي للانقطاع العصبي والوظيفي.
ومن المنظور اللغوي التاريخي في الأدبيات الطبية الغربية، يعود مصطلح (Coma) إلى الكلمة اليونانية القديمة (κῶμα – kōma)، والتي كانت تعني حرفياً في نصوص أبقراط الطبية «النوم العميق أو الثقيل أو الخدر الشديد المنفصل عن الواقع». وظل استخدام الكلمة عبر العصور الكلاسيكية محصوراً في وصف حالات السبات الشديد أو النوم المرضي المعطل للحواس.
أما الاقتران اللفظي بين الغيبوبة وانعدام القابلية للرجوع (Irreversible Coma)، فقد تبلور بصورة منهجية حاسمة في القرن العشرين، وتحديداً مع صدور التقرير التاريخي للجنة المخصصة في كلية الطب بجامعة هارفارد عام 1968، حيث تم صك هذا التركيب اللغوي بدقة متناهية لنقل المفهوم من حيز الغيبوبة العميقة القابلة للتحسن إلى حيز الانعدام الحيوي الدائم لوظائف المخ، وتحويل المعنى من مجرد وصف ظاهري للمرض إلى معيار إكلينيكي وتشريعي صارم يرادف مفهوم الموت البيولوجي والعصبي للإنسان.
3. النطق والبنية النحوية والمصطلحية
تُلفظ العبارة في اللغة العربية الفصحى بضبط الحركات على النحو الآتي: «الغَيْبُوبَةُ غَيْرُ القَابِلَةِ لِلرُّجُوعِ»، وتُعرب «الغيبوبة» كاسم مبتدأ أو خبر أو فاعل وفق موقعها السياقي، وهي اسم مفرد مؤنث مختوم بتاء التأنيث المربوطة. وتأتي كلمة «غيرُ» مضافة تابعة لما قبلها أو نعتاً مرفوعاً أو مجروراً، وتلزم الإضافة لما بعدها فيقال «غيرُ القابلةِ»، حيث «القابلة» مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، ثم الجار والمجرور «للرجوع» متعلقان باسم الفاعل «القابلة».
وتوجد تنويعات اصطلاحية مقبولة ومتداولة في الأوساط الأكاديمية والطبية العربية الحديثة، منها: «السبات اللاعكوس»، و«الغيبوبة الدائمة اللاعكوسة»، و«الغيبوبة غير العكوسة»، و«الغيبوبة المستحيلة الرجوع». غير أن التعبير الأكثر شيوعاً ودقة في المعاجم الطبية النفسية والعصبية المعتمدة هو «الغيبوبة غير القابلة للرجوع» لكونه يعكس بوضوح الاستحالة المادية والفسيولوجية للتعافي دون التباس مصطلحي.
ومن حيث الاستخدام النحوي والمفهومي المتخصص، يجب التمييز لغوياً بين استخدام التركيب كصفة سريرية مشخصة لحالة المريض الراهنة، وبين استخدامه كتعريف قانوني يعادل الموت الدماغي التام، إذ يُستخدم في سياق التقارير الطبية الشرعية كاسم علم دال على الحالة النهائية للنظام العصبي المركزي.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
ينطوي مفهوم الغيبوبة غير القابلة للرجوع على تحول جذري في فهم كينونة الكائن البشري ووجوده النفسي والجسدي. ففي الحالة الطبيعية السوية، يعتمد الوعي البشري على شبكة عصبية معقدة تتألف من مكونين رئيسيين مترابطين عضوياً: اليقظة (Arousal) التي يتحكم فيها التكوين الشبكي المنشط الصاعد (Ascending Reticular Activating System – ARAS) الممتد عبر جذع الدماغ، ومحتوى الوعي والإدراك المعرفي والوجداني (Awareness) الذي تضطلع به القشرة المخية وتفاعلاتها المتبادلة مع النوى المهادية العميقة. وفي حالة الغيبوبة غير القابلة للرجوع، يُصاب هذان المكونان بدمار مادي وظيفي شامل ونهائي، مما يؤدي إلى انطفاء تام للمنظومة العصبية الحاملة للتجربة الذاتية والوعي الإنساني.
وتتميز هذه الحالة السريرية عن غيرها من حالات اضطراب الوعي بغياب الحدود الفاصلة بين استمرار البنية الجسدية وانعدام الحياة الذاتية. فالمريض الراقد على سرير العناية المركزة يبدو ظاهرياً كأنه في حالة نوم عميق؛ إذ يستمر نبض قلبه وتتحرك عضلات صدره صعوداً وهبوطاً، وتبدو بشرته دافئة ومروية بالدم، غير أن هذا المظهر الخادع لا يعكس نشاطاً ذاتياً صادراً عن إرادة الجسد، بل هو نتاج مباشر للمضخات الميكانيكية وأنابيب التنفس الاصطناعي والعقاقير المقوية لعضلة القلب والداعمة لضغط الدم الشرياني. إن إيقاف هذه الأجهزة يؤدي بصورة فورية ومباشرة إلى توقف النشاط القلبي الرئوي وتلف الأنسجة الجسدية المحيطية خلال دقائق معدودة.
ويمتد النطاق المفاهيمي للغيبوبة غير القابلة للرجوع ليشمل التدمير النهائي لجميع وظائف الدماغ بأكمله (Whole-Brain Death)، بما في ذلك المراكز المسؤولة عن الوظائف النباتية الحيوية مثل تنظيم ضغط الدم، ومعدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، والإفرازات الهرمونية للغدة النخامية، والسيطرة الذاتية على التنفس عبر مركز التنفس في النخاع المستطيل. ولا يقتصر هذا الانهيار على انعدام الوعي الإدراكي النفسي فحسب، بل يمتد إلى فقدان القدرة التكاملية العضوية التي تجعل من الجسد كائناً حياً واحداً متماسكاً وذاتي التنظيم والتوازن.
ومن الضروري في هذا الشأن ترسيم الحدود المفهومية والسريرية بدقة بين الغيبوبة غير القابلة للرجوع وحالات الاضطراب العصبي المزمنة الأخرى التي قد يلتبس أمرها على غير المتخصصين. فالغيبوبة غير القابلة للرجوع ليست نوماً عميقاً، وليست غيبوبة تقليدية مؤقتة يمكن الشفاء منها، كما أنها تختلف اختلافاً جوهرياً عن الحالة الإنباتية المستديمة (Persistent Vegetative State) التي يستعيد فيها المريض دورات الاستيقاظ والنوم التلقائي وتحتفظ وظائف جذع دماغه بفاعليتها بينما يفقد الوعي الإدراكي، وتختلف أيضاً عن حالة الحد الأدنى من الوعي (Minimally Conscious State) وعن متلازمة الانحباس (Locked-in Syndrome) التي يظل فيها الوعي النفسي كاملاً وسليماً خلف جسد مشلول كلياً.
5. التطور التاريخي ومحطات التشكل المفهومي
تعتبر قصة تشكل مفهوم الغيبوبة غير القابلة للرجوع ملحمة علمية وفلسفية حديثة نشأت نتيجة مباشرة للتقدم التكنولوجي الهائل في مجالات الرعاية المركزة والإنعاش القلبي الرئوي في منتصف القرن العشرين. حتى أواخر خمسينيات القرن الماضي، كان الموت مفهوماً بسيطاً لا يقبل اللبس السريري؛ إذ كان يرتبط حصراً وبصورة بديهية بالتوقف التام والنهائي لحركات التنفس والنبض القلبي وتوقف الدورة الدموية الكبرى في الجسم البشري.
ولكن مع اختراع أجهزة التنفس الاصطناعي الميكانيكية وتطوير تقنيات الإنعاش المتقدمة وإدارتها في وحدات العناية المركزة، تمكن الأطباء لأول مرة في التاريخ الطبي من الحفاظ على عمل الرئتين والقلب بصورة ميكانيكية مصطنعة حتى بعد أن يكون الدماغ قد تعرض للتلف الهيكلي الشامل والتحلل النسيجي الكامل. وقد خلق هذا المنجز التقني مأزقاً طبياً وأخلاقياً وقانونياً غير مسبوق في التاريخ البشري؛ إذ ظهرت فئة جديدة من المرضى المتوفين دماغياً والذين تنبض قلوبهم وتتنفس أجسادهم بفعل الماكينات، وأصبح التساؤل الملحّ: هل هؤلاء أحياء أم أموات؟
في عام 1959، سجل الطبيبان الفرنسيان بيير موليار (Pierre Mollaret) وموريس غولون (Maurice Goulon) الخطوة الأولى الرائدة في هذا المسار، عندما وصفا سريرياً متلازمة أطلقا عليها اسم «ما بعد الغيبوبة» أو «الغيبوبة المتجاوزة» (Coma Dépassé). وقد لاحظا من خلال معاينة مرضى يعانون من أضرار دماغية بالغة أن هؤلاء الأفراد لا يبدون أي استجابة عصبية، ويفقدون كافة منعكسات جذع الدماغ، وتتوقف أجهزتهم التنفسية كلياً، وتنعدم في أدمغتهم أي إشارة كهربائية على جهاز تخطيط أمواج الدماغ الكهربائي، واصفين الحالة بأنها مرحلة متقدمة تتجاوز حدود الغيبوبة التقليدية وتصل إلى حدود النهاية الحيوية.
وجاءت المحطة التاريخية الفارقة في أغسطس من عام 1968، عندما نشرت كلية الطب بجامعة هارفارد التقرير التاريخي الصادر عن لجنتها المخصصة لدراسة الموت الدماغي برئاسة الدكتور هنري بيتشر (Henry K. Beecher)، تحت عنوان: «تعريف الغيبوبة غير القابلة للرجوع: تقرير لجنة هارفارد المخصصة لفحص تعريف الموت الدماغي». وكان لهذا التقرير أثر زلزالي في الأوساط الطبية العالمية؛ حيث أعاد تعريف الموت رسمياً ليصبح مرادفاً للغيبوبة غير القابلة للرجوع والتوقف الكامل لوظائف المخ بأكمله، بدلاً من المعيار التقليدي المعتمد على توقف القلب والرئتين فقط.
وقد حددت لجنة هارفارد لعام 1968 أربعة معايير سريرية صارمة لا بد من استيفائها لإعلان الغيبوبة غير القابلة للرجوع: عدم الاستجابة الكاملة للألم والمؤثرات الخارجية، وغياب الحركات التلقائية وانعدام التنفس الذاتي لمدة لا تقل عن ثلاث دقائق بعد فصل جهاز التنفس، وغياب كافة منعكسات جذع الدماغ (مثل منعكسات بؤبؤ العين، والقرنية، والبلع، والمنعكس العيني الدهليزي)، وتسطح رسم الدماغ الكهربائي (Isoelectric EEG) لخلوه من النشاط العصبي لمدة لا تقل عن 24 ساعة، مع التأكيد الصارم على استبعاد حالات انخفاض الحرارة وتأثير المهدئات والسموم العصبية.
وفي العقود اللاحقة، توالت التطورات التشريعية والتنظيمية؛ ففي عام 1981 أصدرت اللجنة الرئاسية لدراسة المشكلات الأخلاقية في الطب والبحوث السلوكية والطبية الحيوية في الولايات المتحدة الأمريكية «القانون الموحد لتحديد الوفاة» (Uniform Determination of Death Act – UDDA)، والذي رسخ قانونياً اعتبار التوقف النهائي وغير القابل للرجوع لجميع وظائف الدماغ بأكمله، بما في ذلك جذع الدماغ، كمعيار تشريعي ملزم ومكافئ للوفاة البيولوجية القانونية التامة في أغلب الأنظمة القضائية والطبية حول العالم المعاصر.
6. الأسس النظرية والنماذج الفسيولوجية العصبية
يرتكز الفهم الفسيولوجي العصبي والنظري للغيبوبة غير القابلة للرجوع على آليات بيولوجية مرضية دقيقة ومعقدة تؤدي في النهاية إلى انهيار الدورة الدموية الدماغية وحدوث احتشاء وتلف شامل في كامل أنسجة المخ. وتعتبر فرضية «مونرو-كيلي» (Monro-Kellie Doctrine) الأساس الميكانيكي الحيوي لتفسير هذا الانهيار؛ إذ تنص هذه القاعدة التشريحية على أن الجمجمة صندوق عظمي صلب ذو حجم ثابت ومغلق، يحتوي على ثلاثة عناصر رئيسية: النسيج الدماغي (حوالي 80%)، والدم داخل الأوعية (حوالي 10%)، والسائل الدماغي الشوكي (حوالي 10%). وحيث إن الحجم الكلي ثابت لا يتغير، فإن أي زيادة مرضية في حجم الدماغ ناتجة عن وذمة حادة، أو نزيف داخلي هائل، أو نقص تروية ونقص أكسجة واسع النطاق تؤدي حتماً إلى ارتفاع دراماتيكي في الضغط داخل الجمجمة (Intracranial Pressure – ICP).
وعندما يرتفع الضغط داخل الجمجمة إلى مستويات حرجة تتجاوز مستوى الضغط الشرياني الوسطي لجسم الإنسان، ينعدم ضغط التروية الدماغية (Cerebral Perfusion Pressure – CPP)، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى توقف تام لتدفق الدم المحمل بالأكسجين والجلوكوز إلى أنسجة المخ عبر الشرايين السباتية والفقرية. ويترتب على هذا التوقف الدائم احتشاء إقفاري شامل (Global Ischemic Infarction)، فتنضب طاقة الخلايا المتمثلة في أدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP)، وتفشل مضخات الأيونات الخلوية (الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم)، مما يؤدي إلى تدفق كميات هائلة من الكالسيوم إلى داخل الخلايا العصبية وحدوث موت خلوي مبرمج وموت نسيجي نخرى نهائي (Necrosis)، ويتحول النسيج الدماغي في نهاية المطاف إلى كتلة رخوة ومتحللة تشريحياً وسريرياً تعرف في الفحص الباثولوجي بـ «دماغ جهاز التنفس» (Respirator Brain).
أما من المنظور العصبي النفسي والفلسفي لطبيعة الوعي، فإن الغيبوبة غير القابلة للرجوع تمثل نموذجاً تجريبياً حاسماً للتحقق من النظريات العصبية التي تفسر نشأة الإدراك والوعي البشري. فوفقاً لـ «نظرية حيز العمل العصبي الشامل» (Global Neuronal Workspace Theory) التي طورها ستانيسلاس ديهاين وبرنارد بارس، يعتمد الوعي على شبكة ديناميكية مترابطة بعيدة المدى تربط القشرة الجبهية الحجاجية والجدارية بالنوى المهادية العميقة ومراكز اليقظة في جذع الدماغ. ويتطلب انبثاق أي حالة شعورية واعية إشارات دورية وتزامناً عصبياً يكسر حدود المعالجة الموضعية إلى حيز الانتشار العصبي العام. وفي الغيبوبة غير القابلة للرجوع، تتدمر هذه الشبكة كلياً وينقطع الاتصال الوظيفي التشابكي، مما يستحيل معه نشوء أي نبضة وعي أو إدراك حسي أو عاطفي.
وتدعم «نظرية المعلومات التكاملية» (Integrated Information Theory – IIT) التي صاغها جوليو تونوني هذا الطرح؛ إذ تقيس هذه النظرية مستوى الوعي بمقدار قدرة النظام العصبي على دمج المعلومات وتوليد بنية متكاملة غير قابلة للاختزال تُعرف بـ (Phi – Φ). وفي حالة الغيبوبة غير القابلة للرجوع، تنهار قيمة هذا التكامل العصبي كلياً لتصل إلى الصفر المطلق بسبب الدمار الهيكلي وانعدام التمايز الوظيفي للأنسجة العصبية المتنخرة، مما يعني رياضياً وفيزيائياً وعصبياً انعداماً مطلقاً ونهائياً للوعي الداخلي والوجود النفسي الذاتي.
7. المكونات الأساسية والأنماط والأبعاد السريرية
تتضمن البنية السريرية والتشخيصية للغيبوبة غير القابلة للرجوع مجموعة من الأبعاد والمكونات الأساسية الإلزامية التي يجب استيفاؤها بدقة مطلقة ودون استثناء:
- الانعدام التام لليقظة والاستجابة الواعية (Unresponsiveness): بقاء المريض في حالة فقدان عميق ودائم للوعي، مع غياب كامل للقدرة على التفاعل الإرادي أو الحركي أو الصوتي مع أقوى المنبهات الحسية والمؤلمة، وانعدام أي إشارات تشير إلى فتح العينين التلقائي أو الموجه.
- الفقدان الشامل لكافة منعكسات جذع الدماغ (Loss of Brainstem Reflexes): ويشمل ذلك غياب منعكس الحدقة للضوء (توسع البؤبؤين وثباتهما دون استجابة للضوء المباشر أو غير المباشر)، وغياب منعكس القرنية عند لمسها، وغياب المنعكس العيني الرأسي (منعكس عيني الدمية)، وغياب المنعكس العيني الدهليزي عند حقن الماء المثلج في مجرى السمع، وانعدام منعكس البلع والتقيؤ، وغياب منعكس السعال عند تنبيه القصبة الهوائية بأنبوب الشفط.
- توقف التنفس التلقائي وانعدام الدافع التنفسي الذاتي (Apnea): عجز مركز التنفس في جذع الدماغ (النخاع المستطيل) عن تحفيز أي حركة تنفسية مستقلة، حتى في ظل وصول تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الدم الشرياني إلى مستويات مرتفعة تتجاوز 60 ملم زئبق أو ترتفع بمقدار 20 ملم زئبق عن المستوى الأساسي مع انخفاض الرقم الهيدروجيني إلى أقل من 7.28.
- الركود الدماغي الكهربائي والدوراني (Isoelectricity and Avascularity): غياب أي نشاط كهروفسيولوجي صادر عن قشرة المخ في تخطيط الدماغ الكهربائي (مخطط خطي مسطح)، وتوقف التدفق الدموي الشرياني تماماً داخل الأوعية الدماغية في الفحوصات التصويرية المؤكدة.
- الثبات الزمني واللاعكوسية الحتمية (Temporal Irreversibility): استمرار هذه العلامات الموتية دون أي تغيير أو وميض تحسن طوال فترة المراقبة السريرية الإلزامية، وبعد القضاء الشامل على كافة العوامل الخارجية المؤقتة المؤثرة على الوظائف العصبية.
8. الأمثلة التوضيحية ودراسات الحالة السريرية
تساعد النماذج السريرية ودراسات الحالة في تجسيد هذا المفهوم المعقد وفهم ديناميكياته الطبية والوجدانية الصعبة على أرض الواقع في غرف العناية المركزة.
دراسة الحالة الأولى: إصابة دماغية رضية بالغة ونزيف داخل الجمجمة
شاب يبلغ من العمر 26 عاماً تعرض لحادث دراجة نارية مروع نتج عنه كدمات دماغية شديدة ورضوض منتشرة ونزيف صاعق تحت الجافية مع وذمة دماغية خبيثة أدت إلى انضغاط جذع الدماغ وهبوط أنسجة المخ عبر ثقبة الجمجمة العظمى. عند وصوله إلى المستشفى، تم إدخاله فوراً في وحدة العناية المركزة ووضعه على جهاز التنفس الاصطناعي وخضع لعملية شق الجمجمة لتخفيف الضغط المتصاعد، إلا أن مؤشرات الضغط داخل الجمجمة استمرت في الارتفاع لتتجاوز الضغط الشرياني الوسطي. وبعد مرور 36 ساعة من التدخلات المكثفة، أظهر الفحص السريري توقفاً تاماً لكافة حركات المريض الإرادية، وثبات البؤبؤين عند اتساع 7 ملم دون استجابة لأقوى درجات الضوء، واختفاء منعكس القرنية تماماً، وانعدام المنعكس العيني الدهليزي ومنعكس السعال. وعند إجراء اختبار توقف التنفس وفق البروتوكول العالمي الصارم، لم يظهر المريض أي جهد تنفسي تلقائي بعد فصل الجهاز لمدة ثماني دقائق رغم ارتفاع ضغط ثاني أكسيد الكربون إلى 68 ملم زئبق. أكد التصوير الوعائي الدماغي بالقسطرة غياباً تاماً لأي تدفق دموي داخل شرايين المخ، فتم تشخيص حالته رسمياً بالغيبوبة غير القابلة للرجوع وإعلان الوفاة الدماغية التامة، لتبدأ جلسات الدعم النفسي للعائلة لتقبل قرار رفع الأجهزة الداعمة أو التبرع بالأعضاء.
دراسة الحالة الثانية: توقف قلبي مفاجئ ونقص أكسجة دماغي شامل
امرأة تبلغ من العمر 58 عاماً أُصيبت باحتشاء حاد في عضلة القلب في منزلها مما أدى إلى توقف مفاجئ للقلب والدورة الدموية لنحو عشرين دقيقة قبل وصول فريق الإسعاف والتمكن من استعادة النبض القلبي عبر الصدمات الكهربائية. نُقلت المريضة إلى العناية المركزة وخضعت لبروتوكول تبريد الجسم المستهدف للحد من الأضرار العصبية الناتجة عن نقص الأكسجين الشديد. وبعد استعادة حرارة الجسم الطبيعية وإيقاف المهدئات الدوائية تماماً ومراقبة مستوياتها في الدم والتأكد من تلاشيها لأكثر من 48 ساعة، ظلت المريضة في حالة غيبوبة عميقة وغير مستجيبة لأي منبه مؤلم. بينت الفحوصات السريرية غياب جميع المنعكسات الجذعية واختفاء الدافع التنفسي الذاتي. وأظهر تخطيط أمواج الدماغ الكهربائي خطاً مسطحاً تماماً وخالياً من أي إشارة كهربية عصبية. وقد شكلت هذه الحالة تحدياً نفسياً وعاطفياً هائلاً لزوجها وأبنائها، إذ كانت ملامحها تبدو هادئة وصدرها يرتفع وينخفض بانتظام بفعل الجهاز الميكانيكي، مما استلزم تدخلاً استشارياً من أخصائي الطب النفسي العصبي لشرح الحقيقة العلمية القاطعة بأن الدماغ قد مات وظيفياً وتشريحياً ولا يمكن استعادته بحال من الأحوال، وأن ما يرونه هو مجرد فعل آلي للأجهزة الطبية.
9. أدوات القياس والتقييم والتشخيص السريري
يعد تشخيص الغيبوبة غير القابلة للرجوع الإجراء الأكثر صرامة وتدقيقاً في الطب البشري، حيث لا مجال فيه لأدنى نسبة من الخطأ أو الاحتمالية؛ إذ يعني الخطأ الحكم بالوفاة على إنسان حي، أو استمرار تقديم إجراءات علاجية غير مجدية على جثة بيولوجية. وتتبع الأطقم الطبية بروتوكولات صارمة تتضمن مراحل متعددة ومتسلسلة:
المرحلة الأولى تتطلب استيفاء الشروط المسبقة الإلزامية؛ وتشمل إثبات وجود سبب هيكلي معروف وكارثي غير قابل للشفاء في الجهاز العصبي المركزي عبر الفحص العصبي السريري والتصوير بالرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية، والتأكد التام من استبعاد تأثير أي أدوية مهدئة أو مرخيات عضلية أو مواد مخدرة من خلال التحاليل المخبرية للسموم وانتظار عدة فترات لنصف العمر الحيوي للدواء، واستبعاد اضطرابات الإلكتروليتات الحادة واضطرابات الغدد والأيض الخطيرة، والتأكد من بقاء درجة حرارة الجسم الأساسية فوق 36 درجة مئوية وضغط الدم الشرياني الانقباضي فوق 100 ملم زئبق لضمان عدم تأثر الفحص العضوي بالبرودة أو الصدمة الوعائية.
المرحلة الثانية تتضمن الفحص السريري الدقيق لجميع وظائف المخ وجذع الدماغ؛ ويشمل ذلك استخدام مقياس غلاسكو للغيبوبة (Glasgow Coma Scale – GCS)، حيث يجب أن يحصل المريض على النتيجة الدنيا المطلقة (3 درجات: لا استجابة حركية، لا استجابة لفظية، لا فتح للعينين)، يليه الفحص المنهجي لسبعة منعكسات رئيسية لجذع الدماغ: منعكس الحدقة، ومنعكس القرنية، ومنعكس تحريك الرأس الأفقي والعمودي، والمنعكس السعري الحركي بالأذن، ومنعكس شراع الحنك والبلع، ومنعكس السعال داخل القصبة الهوائية، وغياب أي استجابة حركية تقع ضمن النطاق القحفي.
المرحلة الثالثة هي «اختبار انقطاع التنفس» (Apnea Test)، وهو الاختبار السريري الذهبي الذي يتحقق من قدرة مركز التنفس في النخاع المستطيل على الاستجابة للمحفز الفسيولوجي الأقوى وهو ارتفاع غاز ثاني أكسيد الكربون وحموضة الدم. يتم فصل المريض عن جهاز التنفس مع إمداده بأكسجين نقي 100% عبر قنية رغامية لمنع نقص الأكسجة في الدم، وتتم مراقبة حركات الصدر والبطن بدقة لمدة تتراوح بين 8 إلى 10 دقائق وسحب عينات دورية لغازات الدم الشرياني. ويعد الاختبار إيجابياً ومؤكداً لغياب النشاط العصبي إذا لم تحدث أي محاولة للتنفس التلقائي مع وصول ضغط ثاني أكسيد الكربون إلى 60 ملم زئبق أو أكثر وتجاوز الارتفاع 20 ملم زئبق عن خط الأساس، شريطة الحفاظ على استقرار المؤشرات الحيوية للدورة الدموية خلال الفحص.
المرحلة الرابعة تتمثل في الفحوصات التأكيدية المساعدة (Confirmatory Ancillary Tests)، والتي يُلجأ إليها وجوباً في بعض الدول أو عند تعذر إجراء اختبار التنفس بأمان بسبب عدم الاستقرار القلبي، وتتضمن: تخطيط أمواج الدماغ الكهربائي (EEG) لمدة 30 دقيقة على الأقل بمعايير حساسية فائقة لإثبات الصمت الكهربائي القشري، أو تصوير الأوعية الدماغية بأشعة الرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية أو القسطرة الظليلة لإثبات التوقف الكامل للتروية الدموية الدماغية، أو استخدام تخطيط الدوبلر عبر الجمجمة (Transcranial Doppler) لإظهار نمط الارتداد والصدى الوعائي وانعدام التدفق الانبساطي في الشرايين القاعدية والدماغية.
10. التطبيقات والأهمية العملية والنفسية والطبية
تحظى مسألة تشخيص الغيبوبة غير القابلة للرجوع بأهمية قصوى تتشابك فيها القرارات الطبية والواجبات الإنسانية والتداعيات النفسية للمجتمع الطبي وأسرة المريض على حد سواء. فمن الناحية السريرية، يتيح هذا التشخيص للأطباء اتخاذ القرار الحاسم بإيقاف الإجراءات الطبية غير المجدية (Futility of Medical Care)، حيث إن مواصلة الإنعاش الميكانيكي على جسد مات دماغه يعتبر انتهاكاً لكرامة المتوفى، واستهلاكاً لموارد طبية نادرة وذات تكلفة باهظة يمكن توجيهها لإنقاذ حياة مرضى آخرين لديهم فرص حقيقية للشفاء والبقاء.
كما يشكل هذا المفهوم حجر الزاوية التشريعي والأخلاقي لبرامج التبرع بالأعضاء وزراعتها؛ إذ إن تطبيق قاعدة المتبرع المتوفى (Dead Donor Rule) ينص قطعياً على أنه لا يجوز استئصال الأعضاء الحيوية الأساسية للحياة (مثل القلب والرئتين والكبد) إلا بعد إعلان الوفاة الرسمية للمتبرع، وألا يكون الاستئصال هو سبب الوفاة. وتوفر المعايير الصارمة للغيبوبة غير القابلة للرجوع والموت الدماغي الضمانة الأخلاقية واليقين العلمي الذي يحمي الأطباء من الاتهام بالقتل الرحيم، ويطمئن المجتمع إلى أن استئصال الأعضاء لإنقاذ أرواح بشرية أخرى يتم فقط بعد أن تكون الحياة الواعية والمستقلة للمتبرع قد انتهت بصورة نهائية لا رجعة فيها.
أما من المنظور النفسي، فإن هذا الوضع يفرض ضغوطاً وجدانية استثنائية على أسر المرضى والفرق الطبية المعالجة. تعاني عائلة المريض من ظاهرة نفسية معقدة تعرف بـ «الغموض الإدراكي أو الفقد المبهم» (Ambiguous Loss)، حيث يكون المريض حاضراً جسدياً أمام عيونهم؛ قلبه ينبض، وصدره يتحرك، وجلده دافئ، لكنه غائب نفسياً ووجودياً بصورة نهائية. هذا التناقض البصري والنفسي يعيق عملية بدء الحداد الطبيعي ويدخل الأسرة في حالات إنكار وتأرجح مؤلم بين التمسك بأمل المعجزة والاعتراف بالواقع المحتوم. وهنا يبرز الدور المحوري للاستشاريين النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين في توجيه العائلة نحو فهم الحقيقة العصبية ومساندتهم في تجاوز الصدمة النفسية العنيفة وقبول القرار الإنساني بإنهاء الدعم الميكانيكي بوداع كريم.
11. الأبحاث المعاصرة والأدلة الإمبراطورية
تشهد الأوساط الأكاديمية العصبية والنفسية في السنوات الأخيرة زخماً بحثياً مكثفاً لإعادة اختبار الحدود البيولوجية والفسيولوجية للغيبوبة غير القابلة للرجوع، مستفيدة من التطور الهائل في تقنيات التصوير الوظيفي والفيزيولوجيا العصبية الجزيئية.
أحد أبرز مجالات البحث الحديثة يقوده فريق عالم الأعصاب أدريان أوين (Adrian Owen) وزملاؤه، حيث وثقت دراساتهم المنشورة في كبريات الدوريات الطبية العالمية باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتخطيط الدماغ المتقدم أن بعض المرضى المشخصين خطأً بالحالة الإنباتية الدائمة أو الغيبوبة يمتلكون نشاطاً دماغياً معرفياً استجابياً يُعرف بـ «الانفصال الحركي الإدراكي» (Cognitive Motor Dissociation). وقد دفعت هذه الاكتشافات المذهلة المجتمع العلمي العالمي إلى تشديد معايير تشخيص الغيبوبة غير القابلة للرجوع، والتأكيد على أن مفهوم الموت الدماغي التام لا ينطبق على هؤلاء الأفراد، لأن الغيبوبة غير القابلة للرجوع الحقيقية تفترض انعداماً مطلقاً وتلفاً شاملاً لأنسجة المخ والقشرة وجذع الدماغ يستحيل معه رصد أي تنشيط كهروبيولوجي أو أيضي حتى على المستوى الخفي.
وفي دراسة تاريخية بارزة قادها الباحث ستيفان لوريس (Steven Laureys) ومجموعة علوم الغيبوبة (Coma Science Group) في جامعة لييج ببلجيكا، تم استخدام التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) لقياس استقلاب الجلوكوز في أدمغة المرضى الذين تم تشخيصهم بالغيبوبة اللاعكوسة. وأكدت النتائج الإمبراطورية أن معدل استهلاك الطاقة والأيض الجلوكوزي في أدمغة المتوفين دماغياً يقل عن 10% إلى 15% من المعدل الطبيعي، وهي مستويات مماثلة لما يُرصد في الأدمغة الميتة ولا تكفي إطلاقاً للحفاظ على أي نشاط فسيولوجي أو تشابكي لأي خلية عصبية، مما يمنح دعماً مادياً راسخاً لفرضية الموت الشامل والنهائي.
كما كشفت أبحاث أحدث نشرها فريق من جامعة ييل بقيادة نيناد سيستان (Nenad Sestan) عام 2019 حول استعادة بعض الوظائف الخلوية الجزيئية في أدمغة الخنازير بعد ساعات من الوفاة باستخدام نظام التروية الخلوية المعقد (BrainEx)، عن جدل واسع حول آليات الموت الخلوي العصبي. ومع ذلك، شدد الباحثون على أن استعادة بعض العمليات الكيميائية الخلوية والميكروية المعزولة لا تعني بأي حال من الأحوال استعادة النشاط الكهربائي التكاملي للمخ أو رجوع الوعي المنقرض، مؤكدين أن الغيبوبة غير القابلة للرجوع كحالة سريرية بشرية كلية لا تزال تشكل نقطة النهاية البيولوجية القطعية للكائن الحي المتكامل.
12. الاعتبارات الثقافية والدينية والتباين بين المجتمعات
تتباين الرؤى الثقافية والمواقف الفلسفية والدينية حول قبول مفهوم الغيبوبة غير القابلة للرجوع والموت الدماغي كمرادف للموت الإنساني الشرعي، وتعكس هذه التباينات عمق اختلاف التصورات حول الروح، والجسد، ونهاية الحياة.
في العالم الإسلامي والمؤسسات الفقهية الكبرى، حظيت هذه المسألة ببحث مستفيض ومناقشات فقهية وطبية واسعة النطاق. وقد أصدر «مجمع الفقه الإسلامي الدولي» المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي قراره التاريخي رقم (5) في دورته الثالثة المنعقدة في عمان عام 1986، والذي اعتبر أن الشخص يُعد ميتاً شرعياً وتترتب عليه جميع الأحكام المقررة للموت في الشريعة الإسلامية في إحدى حالتين: إذا توقف قلبه وتنفسه تماماً وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه، أو إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه وأخذ دماغه في التحلل والتلف. وبناءً على ذلك، أفتت كبرى الهيئات الدينية (كمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية) بجواز رفع أجهزة الإنعاش الاصطناعي وجواز التبرع بالأعضاء لإنقاذ حياة الآخرين في ظل الالتزام الصارم بالمعايير الطبية المعتمدة للغيبوبة غير القابلة للرجوع.
وعلى النقيض من ذلك، يبرز نموذج اليابان كواحدة من أكثر البيئات الثقافية والتشريعية تحفظاً ومقاومة لمفهوم الموت الدماغي؛ إذ يستند المجتمع الياباني إلى معتقدات تقليدية شنتوية وبوذية ترى أن الجسد وحدة متكاملة مقدسة لا تنفصل فيها الروح عن البدن طالما أن القلب ينبض والأطراف دافئة. ونتيجة لذلك، ظل المجتمع الياباني لعقود طويلة يرفض مساواة الغيبوبة غير القابلة للرجوع بالوفاة الحقيقية، وحتى بعد صدور قانون زرع الأعضاء في عام 1997 وتعديلاته في 2009، لا يزال القانون الياباني يشترط موافقة خطية مسبقة من المريض أو عائلته لاعتبار الموت الدماغي وفاة قانونية، مما قلص معدلات التبرع بالأعضاء بشكل ملحوظ مقارنة بالدول الغربية.
وفي الثقافة اليهودية، تتباين المواقف بحدة بين التيارات الدينية؛ فبينما تقبل التيارات الإصلاحية والمحافظة المعايير العصبية للموت الدماغي وتدعم التبرع بالأعضاء، يصر العديد من حاخامات اليهودية الأرثوذكسية الصارمة على أن معيار الحياة والموت التوراتي يرتبط حصراً بحركة التنفس ونبض القلب. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أدى هذا التنوع الديني والثقافي إلى سن تشريعات استثنائية في بعض الولايات (مثل ولاية نيوجيرسي ونيويورك) تلزم المنظومة الطبية باحترام المعتقدات الدينية لأسرة المريض، وتمنع الأطباء من إعلان الوفاة أو فصل أجهزة التنفس الاصطناعي إذا كانت معتقدات عائلة المريض ترفض معيار الموت الدماغي وتتمسك بالمعيار القلبي الرئوي التقليدي.
13. الانتقادات والجدليات الفلسفية والأخلاقية
على الرغم من الإجماع الطبي والقانوني الواسع حول معايير الغيبوبة غير القابلة للرجوع، فإن هذا المفهوم لا يزال موضوعاً لنقاشات فلسفية وفكرية عميقة ومثيرة للجدل في أوساط علماء الأخلاقيات الحيوية ونظار فلسفة العقل.
يتمثل الانتقاد الفلسفي الأبرز فيما يطرحه بعض الفلاسفة مثل روبرت تروغ (Robert Truog) ومايكل نيركوسك (Michael Nair-Collins) حول مفهوم «التكامل الجسدي الكامل»؛ إذ يجادلون بأن اعتبار مريض الغيبوبة غير القابلة للرجوع ميتاً بيولوجياً هو نوع من «الخيال القانوني المفيد» الذي صُمم خصيصاً لتسهيل عمليات التبرع بالأعضاء وإخلاء أسرة العناية المركزة. ويستشهد هؤلاء النقاد بحالات سريرية موثقة لمرضى استوفوا جميع المعايير الرسمية للموت الدماغي، ولكن أجسادهم استمرت بالعمل بمساعدة الأجهزة لشهور وأحياناً لسنوات، حيث تمكنت أجسادهم من محاربة العدوى والالتهابات، وإفراز الهرمونات، وشفاء الجروح، بل وحتى استمرار الحمل لدى نساء حوامل متوفيات دماغياً حتى ولادة أجنة أحياء وأصحاء. ويؤكد هذا الفريق أن الكائن الحي الذي يحافظ على تكامله الداخلي ومقاومته للتحلل لا يمكن وصفه بيولوجياً بأنه جثة ميتة، حتى لو كان وعيه مفقوداً بصورة قطعية.
وفي الاتجاه المقابل، يقف الفلاسفة والباحثون الداعمون لـ «معيار الشخصية والوعي الأعلى» (Higher-Brain Standard)، بقيادة مفكرين مثل جيف مكماهان (Jeff McMahan) وديفيد بارفيت. ويذهب هذا التيار إلى عكس الطرح السابق تماماً، منتقدين معيار موت كامل الدماغ باعتباره محافظاً أكثر من اللازم؛ إذ يرون أن ما يحدد كينونة الإنسان وهويته الشخصية ليس الوظائف البيولوجية النباتية لجذع الدماغ، بل وظائف الوعي والذاكرة والشعور والتفكير الذاتي المتمركزة في القشرة المخية. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء الفلاسفة أنه بمجرد حدوث غيبوبة دائمة غير قابلة للرجوع تتلف معها القشرة المخية والقدرة على اختبار الوعي، فإن الشخص الحقيقي يكون قد انتهى ومات بالمعنى النفسي والفلسفي، حتى لو ظل جذع الدماغ قادراً على الحفاظ على التنفس والنبض التلقائي كما هو الحال في المرضى الذين يعيشون في الحالة الإنباتية الدائمة.
وتثير هذه الجدليات قضايا حساسة تتعلق بالموافقة المستنيرة وثقة الجمهور في المنظومة الصحية؛ حيث يخشى البعض من أن تؤدي المناقشات حول توسيع أو تعديل معايير الوفاة إلى اهتزاز ثقة المجتمعات في الأطباء ومخاوفهم من تعجل إعلان وفاة ذويهم لأغراض التبرع بالأعضاء، مما يحتم التمسك بأعلى درجات الدقة والشفافية وتطبيق المعايير العصبية الصارمة دون أي تهاون.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتداخل العديد من المفاهيم والاضطرابات العصبية والنفسية سريرياً مع الغيبوبة غير القابلة للرجوع، وتوضيح الفروق الدقيقة بينها أمر بالغ الأهمية للحكم السريري الدقيق وتجنب التشخيص الخاطئ:
- الموت الدماغي (Brain Death): يُستخدم في الطب الحديث كمرادف تطبيقي وتشريعي كامل للغيبوبة غير القابلة للرجوع؛ إذ يعبر الموت الدماغي عن التوقف التام والنهائي وغير العكوس لجميع أنشطة المخ بأكمله بما في ذلك نصفي الكرة المخية وجذع الدماغ ومراكزه الحيوية.
- الغيبوبة المؤقتة أو القابلة للشفاء (Reversible Coma): حالة من غياب الوعي واليقظة والاستجابة تشبه الغيبوبة السابقة ظاهرياً، ولكنها تنشأ عن اضطرابات فسيولوجية مؤقتة قابلة للعلاج مثل نقص سكر الدم الحاد، أو التسمم بالمهدئات والأفيونات، أو العدوى الحادة. ويحتفظ فيها المريض بفرص استعادة الوعي الكامل أو الجزئي عند إزالة المسبب، وتظل بعض منعكسات جذع الدماغ سليمة.
- الحالة الإنباتية المستديمة (Persistent Vegetative State): متلازمة يمر فيها المريض بانفصال تام بين اليقظة والوعي؛ حيث يفقد الوعي والإدراك بمحيطه ونفسه تماماً، ولكنه يحتفظ بوظائف جذع الدماغ سليمة، فيفتح عينيه تلقائياً، وتمر عليه دورات نوم واستيقاظ منتظمة، ويتنفس تلقائياً دون الحاجة لأجهزة، وتستمر قلبه بالنبض ذاتياً دون دعم اصطناعي.
- متلازمة الانحباس (Locked-in Syndrome): حالة عصبية مأساوية لا تمثل اضطراباً في الوعي على الإطلاق؛ حيث ينتج عن احتشاء أو تلف موضعي في الجسر العصبي بقاعدة الدماغ شلل حركي رباعي تام وفقدان للقدرة على الكلام والبلع، بينما يكون وعي المريض وقدراته المعرفية والنفسية والوجدانية سليمة تماماً وكاملة، ولا يستطيع التواصل مع العالم إلا من خلال حركات العينين العمودية أو رمش الجفون.
- حالة الحد الأدنى من الوعي (Minimally Conscious State): حالة عصبية يُظهر فيها المريض علامات متقطعة وغير مستمرة ولكنها محددة ودالة على الوعي بذاته ومحيطه، مثل تتبع الأشياء ببصره عند الطلب، أو الاستجابة اللحظية لإشارات لغوية وبكاء أو ضحك متوافق مع الموقف العاطفي، وهي ليست غيبوبة كاملة ولا موت دماغي.
15. الخلاصة وأبرز النتائج
تشكل الغيبوبة غير القابلة للرجوع الحد السريري والفلسفي الفاصل بين الوجود البيولوجي المنظم والرحيل النهائي للشخصية والوعي الإنساني. إنها تمثل الفقدان الدائم والتام للوظائف الدماغية التكاملية في نصفي الكرة المخية وجذع الدماغ على حد سواء، وتعد المكافئ الطبي والقانوني للوفاة الحقيقية للإنسان المعاصر.
وقد أثبت التطور العلمي الدقيق في مجالات الفسيولوجيا العصبية والأخلاقيات الحيوية أن تشخيص هذه الحالة لا يستند إلى تكهنات أو انطباعات عابرة، بل يخضع لبروتوكولات فحص سريرية وإجرائية بالغة التعقيد والصرامة، تشمل التحقق من الانعدام المطلق للاستجابة، وغياب كامل منعكسات جذع الدماغ، وتوقف التنفس الذاتي عبر اختبارات الغازات الشريانية الصارمة، والاستعانة بالفحوصات الكهربائية والدورانية التأكيدية.
وعلى الرغم من استمرار السجالات الفلسفية والأخلاقية حول ماهية الموت وحدود التكامل العضوي وتباين النظرات الثقافية والدينية حوله، فإن الإجماع الطبي المعاصر يقر بأن استمرار النبض والدورة الدموية بواسطة الآلات الاصطناعية لا ينفي الحقيقة القطعية لموت الدماغ وانطفاء الذات الإنسانية المفكرة، مما يجعل التعامل مع هذه اللحظة واجباً طبياً وإنسانياً يجمع بين الصرامة العلمية المطلقة والتعاطف النفسي العميق مع عائلات المرضى لتجاوز صدمة الفقد وصون كرامة الراحلين.
المراجع
- Beecher, H. K., Adams, R. D., Barger, A. C., Curran, W. J., Denny-Brown, D., Farnsworth, D. L., Jordy, R., Schwab, R. S., Sweet, W. H., & Twitchell, T. E. (1968). A definition of irreversible coma: Report of the Ad Hoc Committee of the Harvard Medical School to examine the definition of brain death. JAMA, 205(6), 337–340. https://doi.org/10.1001/jama.1968.03140320031009
- Bernat, J. L. (2014). The paradigm and practice of brain death. Handbook of Clinical Neurology, 118, 23–42. https://doi.org/10.1016/B978-0-444-53501-6.00003-9
- Greer, D. M., Shemie, S. D., Lewis, A., Torrance, S., Varelas, P., Goldenberg, F. D., Bernat, J. L., Souter, M., & Topcuoglu, M. A. (2020). Determination of brain death/death by neurologic criteria: The World Brain Death Project. JAMA, 324(11), 1078–1097. https://doi.org/10.1001/jama.2020.11586
- Laureys, S., & Tononi, G. (Eds.). (2009). The Neurology of Consciousness: Cognitive Neuroscience and Neuropathology. Academic Press. https://doi.org/10.1016/B978-0-12-374168-4.X0001-3
- Wijdicks, E. F., Varelas, P. N., Gronseth, G. S., & Greer, D. M. (2010). Evidence-based guideline update: Determining brain death in adults: Report of the Quality Standards Subcommittee of the American Academy of Neurology. Neurology, 74(23), 1911–1918. https://doi.org/10.1212/WNL.0b013e3181e242a8