تمثل استجابة الكورتيزول للاستيقاظ (Cortisol Awakening Response – CAR) إحدى أبرز الظواهر الفسيولوجية العصبية التي حظيت باهتمام بحثي مكثف في حقول علم النفس الحيوي وعلم الغدد الصم العصبي على مدار العقود الثلاثة الماضية. وتُعرّف هذه الاستجابة بأنها زيادة حادة ومفاجئة في إفراز هرمون الكورتيزول الستيرويدي تحدث فور الانتقال من حالة النوم إلى اليقظة، حيث يبلغ هذا التدفق الهرموني ذروته عادةً بعد حوالي ثلاثين إلى خمسة وأربعين دقيقة من الاستيقاظ صباحاً. يمثل هذا التغير البيولوجي المنتظم علامة مميزة على نشاط محور الغدة النخامية – الغدة الكظرية (Hypothalamic-Pituitary-Adrenal Axis – HPA)، ويُعد مؤشراً حيوياً حاسماً لتقييم مدى مرونة الجهاز العصبي والتكيف النفسي والجسدي مع الأعباء اليومية.
التعريف الأكاديمي والخصائص الفسيولوجية لظاهرة الاستجابة الصباحية
تُعد استجابة الكورتيزول للاستيقاظ ملمحاً متميزاً ومنفصلاً وظيفياً عن الإيقاع اليومي العام لإفراز الكورتيزول الأساسي، على الرغم من حدوثها في بداية الدورة اليومية الطبيعية للهرمون. فبينما يتبع الكورتيزول نمطاً يوماوياً ينحدر تدريجياً من ساعات الصباح الأولى حتى أدنى مستوياته في منتصف الليل، تشكل هذه الاستجابة قفزة منفصلة ومنظمة بدقة تتراكب فوق النمط القاعدي. ترتفع مستويات الكورتيزول في اللعاب أو الدم بنسبة تتراوح بين 50% إلى 150% فوق القيمة المسجلة لحظة فتح العينين مباشرة، وهو ما لا يمكن تفسيره بمجرد التحول الفيزيائي الحركي أو التعرض للضوء، بل يعكس برمجة غدية عصبية استباقية معقدة للغاية.
من الناحية البيولوجية، يؤدي هذا التدفق الصباحي وظيفة تعبئة شاملة للموارد الطاقية والفسيولوجية في الكائن الحي. فهو يحفز عمليات استحداث السكر في الكبد، ويزيد من توافر الأحماض الدهنية الحرة في مجرى الدم، ويرفع الضغط الشرياني المعتدل، مما يهيئ العضلات والجهاز العصبي المركزي للانتقال من حالة السكون الأيضي إلى نشاط التفاعل البيئي. إن هذا الإجراء التحضيري لا يقتصر على متطلبات الاستيقاظ الحركي، بل يمتد ليشمل شحذ العمليات الإدراكية وتجهيز الدماغ البشري لمواجهة التحديات المتوقعة لليوم القادم، وهو ما يعرف في الأوساط الأكاديمية بنظرية “التحضير والتوقع الإدراكي”.
تُظهر القياسات الدقيقة أن هذه الاستجابة تتميز بثبات زمني ملحوظ داخل الفرد الواحد عبر الأيام المتعاقبة إذا ما قيست في ظروف قياسية، مما جعلها أداة بارزة في تقييم الفروق الفردية في الأداء الوظيفي لمحور الإجهاد والتوتر. وتتسم استجابة الكورتيزول للاستيقاظ بمرونة تفاعلية ديناميكية تعكس كلاً من الصفات الشخصية المستقرة والحالات النفسية الطارئة، حيث تتباين شدتها وشكل منحناها البياني تبعاً لمستويات الضغط النفسي الحاد والمزمن، فضلاً عن وجود اضطرابات نفسية أو عضوية محددة ترتبط بخلل التنظيم الهرموني.
السياق التاريخي وتطور أبحاث الاستجابة الصباحية
على الرغم من أن الدراسات الطبية في منتصف القرن العشرين رصدت تذبذبات هرمونات قشر الكظر على مدار اليوم، إلا أن التحديد الدقيق لظاهرة استجابة الكورتيزول للاستيقاظ ككيان فسيولوجي مستقل لم يتبلور إلا في تسعينيات القرن الماضي. يعود الفضل الأساسي في هذا التأصيل المنهجي إلى الأبحاث الرائدة التي قادها علماء النفس العصبي في جامعة ترير الألمانية، وفي مقدمتهم البروفيسور كليمنس كيرشبوم (Clemens Kirschbaum) وديرك بروسنر (Jens C. Pruessner)، حيث قدموا أول توصيف دقيق لهذا النمط الهرموني عبر أخذ عينات لعابية متكررة غير غازية تبدأ فور الاستيقاظ.
قبل هذه الاكتشافات، كان يُنظر إلى الارتفاع الصباحي للكورتيزول على أنه مجرد استمرار لنهاية المنحنى التصاعدي الليلي المعتاد، وكان يُعزى ارتفاعه إلى الساعة البيولوجية العامة فقط دون الانتباه إلى الحدث الانتقالي المستقل الذي يثيره الوعي باليقظة. إلا أن بروسنر وزملاءه تمكنوا في دراستهم المنشورة عام 1997 من إثبات أن لحظة الاستيقاظ بحد ذاتها تمثل مُحفزاً بيولوجياً عصبياً فريداً يُطلق آلية تنشيط إضافية وسريعة لمحور الغدة النخامية – الكظرية، مبرهنين على أن توقيت الاستيقاظ يُحدث إعادة ضبط آنية للنظام الإفرازي الصباحي بغض النظر عن وقت الاستيقاظ المطلق.
فتح هذا التمييز آفاقاً غير مسبوقة في علم الأحياء النفسي، إذ وفّر للباحثين وسيلة غير مؤلمة وموثوقة لتقييم استجابة الكظرية للتحديات الفسيولوجية دون الحاجة إلى اللجوء إلى اختبارات التحدي الكيميائي الصعبة مثل اختبار التثبيط بالديكساميثازون أو الحقن بالهرمون المطلق لموجهة القشرة. وقد أدى هذا التحول المنهجي إلى انفجار في الأدبيات البحثية المعنية بربط استجابة الكورتيزول للاستيقاظ بمجموعة واسعة من المتغيرات النفسية، بدءاً من سمات الشخصية والضغوط المهنية، وصولاً إلى الاضطرابات العقلية الخطيرة مثل الاكتئاب السريري واضطراب ما بعد الصدمة.
الآليات العصبية الحيوية ومحور (HPA)
يرتكز التنظيم الفسيولوجي لاستجابة الكورتيزول للاستيقاظ على تضافر معقد بين شبكات عصبية مركزية وغدية صماء محيطية. يبدأ المسار في النواة فوق التصالبية (Suprachiasmatic Nucleus – SCN) الواقعة في منطقة الوطاء، والتي تمثل الساعة البيولوجية المركزية للجسم. تتلقى هذه النواة معلومات الضوء عبر السبيل الشبكي الوطائي، وتقوم بتنظيم التوقيت الحرج لإطلاق الهرمون المطلق لموجهة القشرة (CRH) وهرمون الأرجينين فازوبريسين (AVP) في الأوعية البابية النخامية مع إشراقة الصباح وظهور إشارات الاستيقاظ العصبي.
عند وصول هذه الهرمونات المنبهة إلى الفص الأمامي من الغدة النخامية، فإنها ترتبط بمستقبلات محددة لتحفيز تصنيع وإفراز الهرمون الموجه لقشر الكظر (ACTH) في الدورة الدموية العامة. ينتقل هذا الهرمون بدوره ليؤثر بصورة مباشرة على المنطقة الحزمية (Zona fasciculata) في قشرة الغدة الكظرية، مما يحفز التخليق الحيوي السريع للكورتيزول وإطلاقه في الدم. لكن المثير للدهشة في استجابة الكورتيزول للاستيقاظ هو أن حساسية قشرة الكظر للهرمون الموجه لقشر الكظر تتضاعف بشكل كبير ومؤقت خلال أول 30 إلى 60 دقيقة بعد الاستيقاظ مقارنة بباقي ساعات اليوم، وهو تضخيم يُعتقد أنه خاضع لتحكم عصبي ودي مباشر عبر الجهاز العصبي الذاتي المتصل بالغدة الكظرية.
علاوة على ذلك، تلعب البنى الحوفية في الدماغ، وتحديداً الحصين، دوراً محورياً في تعديل هذه الاستجابة وكبح جماحها. يحتوي الحصين على كثافة عالية من مستقبلات القشرانيات المعدنية (MR) ومستقبلات القشرانيات السكرية (GR)، ويعمل كنظام تغذية راجعة سالبة يمنع الإفراط السمي في إفراز الكورتيزول. وقد أظهرت دراسات التصوير العصبي الوظيفي أن الأفراد الذين يعانون من تلف أو ضمور في الحصين، نتيجة صدمات نفسية أو ضغوط مزمنة، يفقدون السيطرة التثبيطية الطبيعية، مما يؤدي إلى تشوهات حادة في استجابة الكورتيزول للاستيقاظ، سواء بفرط إفرازها أو بتسطحها المرضي.
البروتوكولات المنهجية وحساب المساحة تحت المنحنى
يتطلب التقييم العلمي الدقيق لظاهرة استجابة الكورتيزول للاستيقاظ التزاماً صارماً ببروتوكولات قياس قياسية لضمان موثوقية النتائج وتكرارها تجريبياً. يُستخدم لعاب المبحوث كوسط قياسي أساسي لكونه يعكس الجزء “الحر” النشط بيولوجياً من الكورتيزول غير المرتبط بالبروتينات الناقلة (مثل الغلوبولين الرابط للكورتيكوستيرويد)، كما يسهل جمعه في البيئة المنزلية الطبيعية للمشارك دون إحداث توتر مرتبط بإبر سحب الدم التي قد ترفع مستويات الهرمون تطفلياً.
يقضي البروتوكول المعتمد دولياً بأخذ العينة اللعابية الأولى فور الاستيقاظ مباشرة داخل السرير وقبل النهوض أو القيام بأي نشاط بدني (الدقيقة 0). وتتبع ذلك عينات متتالية في الدقيقة 15، والدقيقة 30، والدقيقة 45، وأحياناً في الدقيقة 60 بعد الاستيقاظ. يواجه الباحثون تحدياً منهجياً رئيسياً يتعلق بمدى التزام المشاركين بهذه الأوقات بدقة؛ إذ إن تأخير العينة الأولى لمدة 10 دقائق فقط قد يؤدي إلى تسجيل قيم خاطئة تماماً قد يُساء تفسيرها على أنها انخفاض أو تسطح في الاستجابة، ولذلك تُستخدم أغطية علب إلكترونية ذكية لتسجيل التوقيت الفعلي لفتح أنابيب العينات بدقة متناهية.
لتحليل هذه البيانات إحصائياً، يوصي المجتمع العلمي باستخدام مقياسين رياضيين مشتقين من حساب التكامل تحت المنحنى:
- المساحة تحت المنحنى بالنسبة للأرضية (AUCg – Area Under the Curve with respect to ground): وتقيس الإنتاج الكلي التراكمي للكورتيزول خلال نافذة القياس الصباحية، معبرة عن النشاط الهرموني الكلي متضمناً المستويات القاعدية والاستجابة معاً.
- المساحة تحت المنحنى بالنسبة للزيادة (AUCi – Area Under the Curve with respect to increase): وتركز تحديداً على حجم التغير الديناميكي والقفزة الإفرازية الصافية الناجمة عن حدث الاستيقاظ فوق المستويات الأولى المسجلة لحظة فتح العين، وهي المقياس الأكثر تمثيلاً لمرونة تفاعل المحور.
- الارتفاع الذروي المطلق (Peak Increase / ΔMn): وهو الفرق الحسابي المباشر بين أعلى تركيز مسجل في العينات اللاحقة وقيمة العينة الأولى، ويُستخدم كمؤشر مبسط على استثارة الغدة.
الدلالات الإكلينيكية واستجابة الكورتيزول للاستيقاظ في الاضطرابات النفسية
يمثل الخلل في نمط استجابة الكورتيزول للاستيقاظ نافذة تشخيصية بالغة الأهمية لفهم الاضطرابات النفسية والعقلية الكبرى. ففي حالات الاضطراب الاكتئابي الجسيم، تشير أغلب الدراسات الفوقية (Meta-analyses) إلى وجود استجابة متضخمة أو مفرطة النشاط للكورتيزول عند الاستيقاظ مقارنة بالأفراد الأصحاء. يُعزى هذا الارتفاع إلى اضطراب آليات التغذية الراجعة السالبة الحصينية وضعف حساسية مستقبلات القشرانيات السكرية، مما يدخل المريض في حلقة مفرغة من التسمم السكري العصبي، ويؤدي إلى تفاقم مشاعر الإرهاق الذهني واليأس الصباحي المميز للمرضى المكتئبين.
في المقابل، يرتبط اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بنمط مغاير تماماً يتمثل في “استجابة مسطحة” أو متراجعة بصورة شاذة لكورتيزول الاستيقاظ. يُفسر هذا الانخفاض الهرموني بوجود فرط حساسية مفرط في مستقبلات الهيدروكورتيزون المركزية، مما يتسبب في تثبيط مستمر ومفرط لإفرازات الغدة الكظرية. يؤدي هذا النقص في الاستجابة الصباحية إلى عجز بيولوجي في إعادة ضبط استجابات القلق، مما يجعل المصابين عاجزين عن إدارة مشاعر الاستثارة الفسيولوجية المزمنة والتكيف مع التهديدات البيئية الطارئة.
أما في حالات الإجهاد المزمن ومتلازمة الاحتراق النفسي (Burnout Syndrome) والوهن العضلي المزمن، فإن الاستجابة الصباحية تمر بمراحل تطور ديناميكية دقيقة؛ ففي المراحل المبكرة من التوتر المزمن، تُظهر الاستجابة ارتفاعاً تعويضياً حاداً لتمكين الجسد من مجاراة الضغوط الهائلة. لكن مع استمرار التعرض للضغوط واستنزاف الاحتياطي الوظيفي للغدة الكظرية (ما يُطلق عليه أحياناً الإرهاق التكيفي الصماوي)، ينهار المنحنى ويتحول إلى استجابة واهنة ومسطحة، تترافق مع شكاوى سريرية من انعدام الطاقة الصباحية، والضباب الدماغي، واضطرابات المناعة الذاتية.
الوظائف المعرفية والتوقع الإدراكي للمتطلبات اليومية
لا تنحصر أهمية استجابة الكورتيزول للاستيقاظ في كونها رد فعل بيولوجي على الانتقال من النوم، بل تمتد لتكون آلية إدراكية استباقية تسهم في تنظيم العمليات المعرفية العليا لليوم المرتقب. تشير “فرضية التوقع الإدراكي” المعاصرة إلى أن الدماغ البشري يُجري أثناء الاستيقاظ تقييماً لا واعياً وشاملاً للأعباء والمهام التي تنتظر الفرد، وبناءً على نتائج هذا المسح التنبئي، تُفرز الغدة الكظرية كميات متناسبة من الكورتيزول لتأمين الطاقة الجلوكوزية اللازمة للمناطق القشرية في الدماغ.
تؤكد التجارب الميدانية هذه النظرية؛ إذ تبين أن الأفراد الذين يستيقظون وهم مقبلون على يوم عمل حافل بالمهام الشاقة أو الامتحانات الأكاديمية أو الأنشطة الاجتماعية التنافسية يُظهرون زيادة معنوية كبرى في استجابة الكورتيزول مقارنة بأيام عطلاتهم ونهايات الأسبوع التي تنعدم فيها الالتزامات الضاغطة. بل إن معرفة الفرد المسبقة في الليلة السابقة بأنه سيواجه موقفاً حرجاً صبيحة اليوم التالي كافية لإحداث هذا التعديل في المنحنى الهرموني فور استيقاظه، مما يعكس تحكماً معرفياً فوقياً قشرياً مباشراً في المحاور الغدية التحتية.
وعلى الصعيد المعرفي التطبيقي، يرتبط الارتفاع المعتدل والمتوازن لكورتيزول الاستيقاظ بتحسن ملموس في وظائف الذاكرة الاستباقية (Prospective Memory)، وهي القدرة على تذكر تنفيذ النوايا والخطط المستقبلية طوال اليوم. كما يرتبط أيضاً بزيادة سرعة معالجة المعلومات في الفص الجبهي، وتعزيز الانتباه التنفيذي واليقظة الذهنية السريعة. في المقابل، يؤدي غياب هذه الذروة الصباحية إلى إحساس مستمر بالخمول المعرفي وضعف القدرة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات خلال النصف الأول من اليوم.
العوامل المعدّلة والمتغيرات البيئية والشخصية المؤثرة
تتأثر استجابة الكورتيزول للاستيقاظ بمصفوفة معقدة من المتغيرات الفردية والبيئية والسلوكية التي يجب على الباحثين والسريريين عزلها والتحكم بها بعناية لتجنب النتائج الزائفة. يأتي نمط النوم والكرونوتايب (Chronotype) في مقدمة هذه العوامل؛ فالأفراد ذوو النمط الصباحي (“الطيور الباكرة”) يُظهرون عموماً استجابة أسرع وأعلى ذروة مقارنة بالأفراد ذوي النمط المسائي (“بوم الليل”)، كما أن جودة النوم وعمقه تؤثران جذرياً في الاستجابة؛ فالنوم المتقطع أو الحرمان الحاد من نوم حركة العين السريعة (REM) يرتبط باختلال توقيت ذروة الكورتيزول وانحدار سعتها الإجمالية.
يلعب التعرض للضوء الصباحي دوراً تعديلياً محورياً في مسار الاستجابة، إذ يُحفز الضوء القوي الطبيعي عبر الخلايا العقدية الشبكية الحساسة ذاتياً التنبيه الفوري للنواة فوق التصالبية، مما يدعم تسارع تدفق الكورتيزول ويعزز إيقاعه الصحي. كما تتداخل المتغيرات البيولوجية مثل التقدم في السن والجنس؛ حيث تُظهر البيانات أن التقدم في العمر يترافق مع بطء طفيف في وتيرة التعافي بعد بلوغ الذروة، بينما تؤثر التغيرات الهرمونية لدى النساء المرتبطة بمراحل الدورة الشهرية أو الحمل أو استخدام موانع الحمل الفموية المحتوية على الإستروجين على بروتينات الربط اللعابية مما يستوجب معايرة منهجية دقيقة.
إضافة إلى ذلك، تترك السلوكيات الصحية اليومية بصمة لا يمكن إغفالها على منحنى الاستجابة الصباحية؛ فاستهلاك الكافيين فور الاستيقاظ مباشرة، والتدخين الصباحي، والممارسة الرياضية المجهدة في أول نصف ساعة من اليقظة تؤدي جميعها إلى تضخيم اصطناعي لمستويات الكورتيزول في اللعاب لا يعكس النشاط القاعدي الحقيقي لمحور HPA. وبالمثل، فإن استهلاك الكحول في الليلة السابقة يُحدث اضطراباً في العمارة الهندسية للنوم يتبعه تسطح واهن في استجابة الكورتيزول الصباحية في اليوم الموالي.
التحديات المنهجية وإشكاليات التكرار في القياس التجريبي
على الرغم من القيمة الفائقة لاستجابة الكورتيزول للاستيقاظ كواسم بيولوجي غير غازٍ، إلا أن الأبحاث المعاصرة واجهت تحديات منهجية وإحصائية بالغة التعقيد، قادت إلى ما يشبه “أزمة تكرار” في بعض فروع علم النفس الغدي. ويكمن جوهر هذه المشكلة في التباين اليومي الداخلي الكبير (Intra-individual variability) الذي يُظهره نفس الشخص عند قياس استجابته عبر أيام مختلفة، حيث يتبين أن جزءاً كبيراً من هذا التباين ناتج عن الأحداث اليومية العابرة أو الاختلاف في وقت الاستيقاظ الفعلي من يوم لآخر.
للتغلب على هذا التحدي، أصدرت الجمعية الدولية لعلم الغدد الصم العصبي النفسي (ISPNE) توصيات إرشادية حاسمة تقتضي عدم الاعتماد على بيانات يوم واحد لتقييم الاستجابة الصباحية كصفة بيولوجية مميزة، بل يتوجب جمع البيانات عبر يومين إلى ثلاثة أيام متتالية كحد أدنى لحساب المتوسط الحسابي الصالح. كما شددت المبادئ التوجيهية على الاستخدام الإجباري لتقنيات المراقبة الموضوعية المستقلة، مثل أجهزة قياس الحركة أثناء النوم (Actigraphy) المقترنة بأجهزة استشعار فتح أنابيب العينات، لضمان استبعاد أي عينة جرى تأخيرها لأكثر من بضع دقائق عن موعدها الحقيقي.
كما تُثار نقاشات نظرية حامية حول الدلالة البيولوجية الدقيقة لبعض الأنماط غير النمطية، مثل “الاستجابات السالبة” التي تنخفض فيها تراكيز الكورتيزول بعد الاستيقاظ بدلاً من أن ترتفع، والتي تسجل أحياناً لدى نسب تتراوح بين 10% إلى 20% من عينات الدراسات المجتمعية. هل تمثل هذه الحالات شذوذاً باثولوجياً حقيقياً، أم أنها ناجمة عن عيوب في الامتثال للمواعيد، أم تعكس أنماطاً تكيفية بديلة لم تستوعبها النماذج الفسيولوجية التقليدية بعد؟ تظل هذه الأسئلة محوراً للعديد من الأبحاث الجارية في محاولة لتطوير نماذج رياضية وخوارزميات تعلم آلي أكثر دقة لتحليل مسارات المنحنى الهرموني الفردي.
الخاتمة والتطبيقات المستقبلية في الطب النفسي الدقيق
تجسد استجابة الكورتيزول للاستيقاظ تقاطعاً مذهلاً بين علم الأحياء العصبي والظواهر السلوكية النفسية، كاشفةً عن مدى الدقة والتعقيد التي يدير بها الدماغ البشري عمليات التكيف والاستجابة لبيئته المتغيرة. إن فهم ديناميكيات هذا التدفق الصباحي لم يعد مجرد مسألة فضول أكاديمي يتعلق بفسيولوجيا النوم والغدد الصماء، بل أضحى حجر زاوية في فهم مسببات الاضطرابات النفسية وتطور الأمراض المرتبطة بالإجهاد المزمن والاعتلالات الجسدية والنفسية المعاصرة.
مع المضي قدماً نحو عصر الطب النفسي الدقيق والشخصي، تكتسب استجابة الكورتيزول للاستيقاظ أهمية بالغة كأداة تنبؤية لتقييم مدى الاستجابة للعلاجات الدوائية والنفسية؛ حيث تشير دراسات حديثة إلى أن تطبيع المنحنى الصباحي المسطح أو المفرط يسبق في كثير من الأحيان التحسن السريري الملموس في أعراض الاكتئاب والقلق لدى المرضى الخاضعين لبرامج العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج بمضادات الاكتئاب. إن مواصلة استكشاف هذه الآلية البيولوجية التكيفية يفتح الباب واسعاً أمام تطوير تدخلات وقائية وعلاجية جديدة تستهدف إعادة ضبط التوازن الهرموني للإنسان وحمايته من الآثار المدمرة للضغوط النفسية المتراكمة.
المراجع
- Clow, A., Hucklebridge, F., Stalder, T., Evans, P., & Thorn, L. (2010). The cortisol awakening response: More than a quantification of HPA axis function. Psychoneuroendocrinology, 35(1), 97–111. https://doi.org/10.1016/j.psyneuen.2009.09.011
- Fries, E., Dettenborn, L., & Kirschbaum, C. (2009). The cortisol awakening response (CAR): Facts and future directions. International Journal of Psychophysiology, 72(1), 67–73. https://doi.org/10.1016/j.ijpsycho.2008.03.014
- Pruessner, J. C., Wolf, O. T., Hellhammer, D. H., Buske-Kirschbaum, A., von Auer, K., Jobst, S., Kaspers, F., & Kirschbaum, C. (1997). Free cortisol levels after awakening: A reliable biological marker for the assessment of adrenocortical activity. Life Sciences, 61(26), 2539–2549. https://doi.org/10.1016/s0024-3205(97)01008-4
- Stalder, T., Kirschbaum, C., Kudielka, B. M., Adam, E. K., Pruessner, J. C., Wüst, S., Dockray, S., Smyth, N., Evans, P., Hellhammer, D. H., Miller, R., Wankerl, M., Rohleder, N., & Clow, A. (2016). Assessment of the cortisol awakening response: Expert consensus guidelines. Psychoneuroendocrinology, 63, 414–432. https://doi.org/10.1016/j.psyneuen.2015.10.010
- Wüst, S., Wolf, J., Hellhammer, D. H., Federenko, I., Schommer, N., & Kirschbaum, C. (2000). The cortisol awakening response – normal values and confounds. Noise & Health, 2(7), 79–88.