تُمثّل الكليبتولاجنيا إحدى أكثر الظواهر النفسية والجنسية تعقيداً في تقاطعها النادر بين السلوك الإجرامي والدافعية الجنسية الشاذة، حيث يتحول فعل الاستيلاء غير المشروع على ممتلكات الغير من مجرد جناية مادية أو اضطراب في السيطرة على الاندفاعات إلى مثير إيروتيكي مركزي يُولّد الإشباع الحسي والنشوة الجنسية. يُسلّط هذا المفهوم الضوء على التداخل البالغ بين الجهاز العصبي المستقل المعني بالاستجابة للخطر والآليات الدماغية المسؤولة عن المكافأة الجنسية، مما يجعله محط اهتمام مكثف في الطب النفسي الجنائي والتحليل النفسي المعاصر. وتكمن فرادة هذا النمط السلوكي في إزاحته لمفهوم الرغبة من الموضوعات البشرية الطبيعية أو حتى المادية المجردة نحو الأداء الحركي المحفوف بالمخاطرة بحد ذاته.
كليبتولاجنيا: اللذة الجنسية المقترنة بالسرقة
1. التعريف الموجز
تُعرّف الكليبتولاجنيا (Kleptolagnia) في علم النفس السريري والطب النفسي بأنها نمط من أنماط الانحراف الجنسي (البارافيليا)، يتسم بارتباط الاستثارة الجنسية أو الوصول إلى هزة الجماع (النشوة) بصورة مباشرة ومتكررة بارتكاب فعل السرقة أو التسلل والاستيلاء غير القانوني على ممتلكات الآخرين. وفي هذه الحالة، لا تنبع الرغبة الجنسية من القيمة النفعية أو النقدية للشيء المسروق، بل تنبثق أساساً من التجربة الديناميكية لانتهاك المحظور وخوض المخاطرة وما يرافقها من استثارة فسيولوجية حادة.
ويقتضي التعريف الأكاديمي الدقيق التمييز بين هذه الظاهرة وبين الحالات التي يُسرق فيها غرض ذو طبيعة جنسية صريحة بهدف إشباع نزوة فيتيشية مستقلة؛ إذ يُشترط في الكليبتولاجنيا الصرفة أن يكون الفعل السلوكي للسرقة نفسه هو المحرك الإيروتيكي الجوهري. وبناءً على ذلك، يعيش الفرد حالة من التوتر النفسي والجسدي المتصاعد قُبيل اقتراف السرقة، تتبعه استثارة جنسية فورية قد تتجسد في انتصاب عفوي، أو إفرازات مهبلية، أو الوصول التلقائي إلى الذروة الجنسية أثناء التنفيذ أو بمجرد الفرار بنجاح من مسرح الحادثة.
وتُصنف هذه الحالة ضمن التصنيفات التشخيصية الحديثة، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، تحت مظلة الاضطرابات البارافيلية الأخرى المحددة (Other Specified Paraphilic Disorder)، نظراً لندرتها ولعدم استيفائها المعايير المستقلة لاضطرابات الانحراف الجنسي الثمانية التقليدية. ويُعد هذا البناء المفاهيمي جسراً رابطاً بين دراسات علم الجنس السريري (Sexology) وعلم الجريمة النفسي، حيث تتداخل فيه بواعث الإثم، والتحدي الاجتماعي، واللذة الحسية في نسيج سلوكي واحد لا يخلو من التداعيات القانونية والطبية الوخيمة.
2. التأثيل والأصل اللغوي
يعود الأصل اللغوي لمصطلح كليبتولاجنيا (Kleptolagnia) إلى اللغة اليونانية القديمة، وهو لفظ منحوت ومركب من جذرين لغويين دالين؛ الجذر الأول هو الفعل اليوناني (κλέπτειν – Kleptein) والذي يعني حرفياً “يسرق” أو “يختلس”، وهو الجذر ذاته الذي انبثقت منه مصطلحات نفسية وقانونية شائعة مثل “كليبتومانيا” (هوس السرقة)، والكلمة الإغريقية (Κλέπτης – Kleptes) التي تعني السارق أو اللص.
أما الشق الثاني من المصطلح، فهو مشتق من الكلمة اليونانية (λαγνεία – Lagneia)، والتي تدل في المعاجم الكلاسيكية على “الشبق”، أو “الشهوة الجنسية المفرطة”، أو “اللذة الإيروتيكية الجامحة”. وتُستخدم هذه اللاحقة في الاصطلاحات السيكولوجية والطبية للدلالة على حالات الارتباط الشاذ بين الرغبة الجنسية وظروف فسيولوجية أو نفسية غير معتادة، كما في مصطلح “ألغولاجنيا” (Algolagnia) الذي يُشير إلى تحصيل اللذة الجنسية من اختبار الألم أو إلحاقه، ومصطلح “إريبتولاجنيا” الدال على الاستثارة بالزواحف.
دخل المصطلح إلى القاموس الطبي النفسي بصورة رسمية في أوائل القرن العشرين، حيث يُنسب الفضل في صياغته وتأطيره التشخيصي إلى الطبيب النفسي الأمريكي جيمس جيروم كيرنان (James G. Kiernan) حوالي عام 1916–1917. سعى كيرنان من خلال هذا النحت المصطلحي إلى فصل السلوكيات التي يحركها الدافع الإيروتيكي الواضح عن حالات هوس السرقة المجردة؛ مما وفّر للوسط العلمي تسمية دقيقة لوصف هؤلاء الأفراد الذين لا يسرقون لعوز مالي أو لنزوة قهرية خالية من الإحساس الجنسي، بل كاستجابة مباشرة لنزوة شبقية مقترنة بالخطر والاعتداء على الحدود.
3. النطق والصيغة الصرفية
يُنطق المصطلح باللغة العربية بكسر الكاف وتسكين اللام وتسكين الباء متبوعة بالتاء والواو: (كْلِيبْتُولَاجْنِيَا / Klep-to-lag-ni-a)، ويُنطق بالإنجليزية بصيغة صوتية تتوزع على خمسة مقاطع: /ˌklɛptoʊˈlæɡniə/، مع وضع النبر الصوتي الأساسي على المقطع الثالث. وفي الأدبيات الطبية العربية المعاصرة، يُدرج المصطلح أحياناً بصيغ مترجمة دلالياً مثل “اشتهاء السرقة”، أو “الشبق اللصي”، أو “التلذذ الجنسي بالسرقة”.
من الناحية الصرفية واللغوية في اللسان العربي، يُعامل المصطلح كاسم مؤنث معرّب غير مشتق من جذور عربية أصلية، ويُلحق به ياء النسب والتاء المربوطة للدلالة على الحالة السريرية أو البناء النفسي (الظاهرة الكليبتولاجنية). ويُشتق منه اسم الفاعل للدلالة على الشخص المصاب بهذا النمط فيقال: “كليبتولاجني” للمذكر، و”كليبتولاجنية” للمؤنث، كما يُصاغ منه نعت وصفي للسلوك فيُقال: “سلوك كليبتولاجني” أو “دوافع كليبتولاجنية”.
وفي الاستخدام التداولي، يترادف المصطلح سريرياً بدرجة كبيرة مع لفظ “كليبتوفيليا” (Kleptophilia)، إلا أن التدقيق الدلالي يمنح “الكليبتولاجنيا” بعداً شبقياً حسياً أكثر عمقاً يرتبط تحديداً بالإثارة الفسيولوجية وهزة الجماع (Orgasm)، بينما قد تنصرف الكليبتوفيليا في بعض السياقات إلى التفضيل العاطفي أو الانجذاب العام غير المشروط بالضرورة ببلوغ النشوة العضوية الصريحة.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
تُمثل الكليبتولاجنيا بنية نفسية متداخلة تلتحم فيها الرغبة الجنسية بالسلوك المعادي للمجتمع في بوتقة واحدة. ولا يُقصد بهذا المفهوم مجرد الشعور بالارتياح النفسي الناجم عن الإفلات من العقاب، بل يُعنى به تحول المشاعر الفسيولوجية المرتبطة بالذعر، والحذر، وارتفاع هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول، إلى شحنة جنسية موجهة تُغذي مراكز الشبق في الدماغ. إن الفرد الكليبتولاجني يختبر تجربة فريدة يُعاد فيها تفسير النبضات الفسيولوجية للخطر على أنها استثارة جنسية خالصة عبر آلية تُعرف في علم النفس المعرفي بإعادة توجيه الإثارة أو التسمية الخاطئة للاستثارة (Misattribution of Arousal).
وتتحدد حدود هذا المفهوم بدقة من خلال فصله عن سلوك السرقة المتجذر في النفعية الاقتصادية؛ فالكليبتولاجني غالباً ما يستهدف مقتنيات تافهة لا تشكل له أي فارق مادي، وقد تكون مما يسهل عليه شراؤه بماله الخاص دون أدنى عناء. وتكمن القيمة النفسية للغرض المسروق في كونه دليلاً مادياً على نجاح عملية الاختراق وتجاوز الرقابة الاجتماعية؛ ولذلك فإن المسروقات غالباً ما تُخبأ في أماكن سرية، وتُستحضر لاحقاً كمحفزات مساعدة في الاستمناء الخيالي، حيث يُعاد استرجاع تفاصيل المغامرة لاستدعاء اللذة من جديد.
علاوة على ذلك، لا يتطابق المفهوم مع الفيتيشية الكلاسيكية، على الرغم من إمكانية تقاطعهما السطحي. ففي الفيتيشية، يكون موضوع الرغبة هو الخاصية المادية للغرض المسروق (مثل الملابس الداخلية، أو الأقمشة الحريرية، أو الأحذية)، ولو قُدّم هذا الغرض للشخص كهدية مشروعة لاحتفظ بقدرته على إثارته. أما في حالة الكليبتولاجنيا الخالصة، فإن تجريد الغرض من سياق سرقته يُفقده بريقه الإيروتيكي تماماً؛ إذ إن ما يُشعل الرغبة حقاً هو عملية التلصص، وكسر القواعد، وتجاوز الحدود المكانية والقانونية، والاقتراب الحرج من احتمالية القبض والتنكيل الاجتماعي.
وتتضمن التجربة الكليبتولاجنية مساراً دورياً يبدأ بتراكم التوتر والضيق الداخلي المصحوبين بتخيلات جنسية مستمرة تتمحور حول عمليات اقتحام أو سرقة متاجر. يتلو ذلك مرحلة التنفيذ التي تصاحبها علامات الاستثارة الفسيولوجية من خفقان القلب، وجفاف الحلق، وتوسع حدقة العين، مع تسارع ملحوظ في الانتصاب أو الاحتقان التناسلي. وبمجرد تحقق الاستيلاء وتجاوز نقطة الخطر، يبلغ الفرد ذروة النشوة الجنسية التي قد تحدث دون أي تلامس جسدي مباشر. ويعقب هذه المرحلة هبوط حاد في التوتر، يليه في كثير من الأحيان شعور غامر بالخزي، والندم، واحتقار الذات، قبل أن تبدأ الدورة في التكرار بمجرد عودة الضغوط النفسية للظهور.
5. التطور التاريخي
يعود التوثيق السريري الأول لظاهرة الربط بين السرقة والدافع الجنسي إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ولادة الطب النفسي الحديث وعلم الجنس المقارن. كان الأطباء النفسيون الفرنسيون من أوائل من لاحظوا هذا التلازم الغريب في المصحات النفسية وعيادات الطب الشرعي، حيث وثّق الطبيب النفسي الشهير غايتان غاتيان دي كليرامبو (Gaëtan Gatian de Clérambault) رفقة الطبيب ديبوي (Depouy) عدداً من الحالات السريرية لنساء كنّ يُقدمن على سرقة أقمشة الحرير من المتاجر الكبرى في باريس، ليس لارتدائها أو بيعها، بل لتحقيق متعة جنسية عارمة أثناء لمسها واختلاسها في آن واحد، واعتُبرت تلك الحالات إرهاصاً مبكراً لفهم الهوس الجنسي اللصي.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، نشر الطبيب ويليام لي هوارد (William Lee Howard) تقارير إكلينيكية حول نساء ورجال لا يستطيعون الوصول إلى النشوة إلا من خلال سرقة أشياء محددة في ظروف محفوفة بالمخاطر. ومع حلول عام 1916، قدم الطبيب النفسي جيمس كيرنان تحليلاً منهجياً ميّز فيه بوضوح بين هوس السرقة العادي الذي كان يُنظر إليه كاضطراب اندفاعي غامض يفتقر إلى الدافع المفهوم، وبين السرقة ذات المحرك الإيروتيكي، واقترح إطلاق اسم “الكليبتولاجنيا” عليها لتوكيد بعدها الشبقي المستقل.
وفي إيطاليا عام 1924، تناول عالم الإجرام والطب النفسي بينينو دي توليو (Benigno Di Tullio) الظاهرة من منظور بيولوجي ووراثي حين وثّق حالة شقيقين يشتركان في ذات الاندفاع الجنسي الشاذ نحو ارتكاب السرقات، مما دفعه إلى الافتراض الخاطئ آنذاك بأن هذا الميل قد يكون وراثياً مرتبطاً بانحطاط عضوي ونفسي عام، تماشياً مع أفكار مدرسة لومبروزو في علم الجريمة. وفي تلك الحقبة، ناقش الطبيب وعالم الجنس الإنجليزي هافلوك إليس (Havelock Ellis) في موسوعته الرائدة “دراسات في سيكولوجية الجنس” الكليبتولاجنيا، مشيراً إلى أن العلاقة بين انتهاك المحظور والتهيج الجنسي تُعد من الخصائص المتجذرة في الطبيعة البشرية حين تختل بوصلة التوجيه الغريزي.
ومع تطور المنظومة التشخيصية للجمعية الأمريكية للطب النفسي في النصف الثاني من القرن العشرين، جرى استبعاد الكليبتولاجنيا كتشخيص مستقل بذاته، ودُمجت ضمن فئة البارافيليا غير المصنفة في مكان آخر (Paraphilia NOS) في طبعات الدليل التشخيصي (DSM-III و DSM-IV)، وظلت تُعامل في الطب الشرعي الحديث كمتغير جنسي سلوكي شديد الخصوصية، يستدعي تقييماً دقيقاً للمسؤولية الجنائية والأهلية العقلية للجناة الذين يدّعون ارتكاب جرائمهم بدوافع جنسية قهرية.
6. الأسس والمنطلقات النظرية
تعددت الرؤى النظرية المفسرة لنشأة الكليبتولاجنيا واستمرارها، حيث حاولت مدارس الفكر النفسي تفكيك هذا الرابط غير المألوف بين الجريمة والشبق. وتُعد النظرية التحليلية النفسية التي أرساها سيغموند فرويد وتوسع فيها أوتو فينيخل (Otto Fenichel) وفيلهلم شتيكل (Wilhelm Stekel) من أقدم وأعمق المقاربات في هذا الصدد؛ إذ يرى التحليل النفسي أن فعل السرقة يُمثل إزاحة رمزية للصراع الأوديبى أو لقلق الخصاء (Castration Anxiety). فالاستيلاء على شيء يخص شخصاً آخر يُعبر لاواعياً عن الاستيلاء على القوة الذكورية أو امتلاك جسد الأم الممنوع، ويُعد اختراق مسكن أو متجر بمثابة استعارة لاواعية لاختراق الجسد المحرم، مما يولد لذة جنسية ناتجة عن التمرد على سلطة الأب والقانون المتمثل في الأنا الأعلى.
من جانب آخر، تقدم النظرية السلوكية والتعلم الشرطي تفسيراً قائماً على الاقتران الميكانيكي للاستجابات الفسيولوجية. ووفقاً لهذا الطرح، قد تبدأ الكليبتولاجنيا بتجربة سرقة عارضة في مرحلة الطفولة أو المراهقة، يختبر خلالها الفرد تدفقاً هائلاً للأدرينالين وتوتراً عصبياً حاداً. وإذا تصادف حدوث هذا التدفق مع مرحلة نضج جنسي أو استثارة عفوية أو أعقبه استمناء خفف من وطأة القلق، يحدث ارتباط شرطي بين حالة الاستثارة الناتجة عن الخوف وبين اللذة الجنسية. ومع التكرار، يصبح سلوك السرقة هو المثير الشرطي الأساسي القادر بمفرده على إطلاق الاستجابة الجنسية الكاملة دون الحاجة إلى محفزات بشرية.
أما منظور العلوم العصبية المعاصرة، فيركز على الخلل الوظيفي في الدوائر العصبية المشتركة بين نظام المكافأة والتحكم في الاندفاعات. ويُعتقد أن هناك تداخلاً وظيفياً بين المسار الدوباميني في المنطقة السقيفية البطنية والنواة المتكئة (Ventral Tegmental Area – Nucleus Accumbens) من جهة، ونشاط اللوزة الدماغية (Amygdala) ومحور الغدة الكظرية من جهة أخرى. ويؤدي الاندفاع الأدريناليني المرافق لخوض المخاطرة إلى تنشيط مكثف لنظام المكافأة الدوباميني، مما يُحدث إفرازاً متزامناً لمواد الإندورفين والدوبامين بجرعات تحاكي تلك التي تُفرز أثناء الجماع، في ظل عجز قشرة الفص الجبهي الأمامي (Prefrontal Cortex) عن كبح هذا السلوك المتهور.
كما تُسهم النظرية المعرفية في تفسير الديمومة السلوكية للكليبتولاجنيا من خلال دراسة التشوهات المعرفية؛ حيث يُطور هؤلاء الأفراد منظومة من المعتقدات الخاطئة التي تُضفي طابعاً رومانسياً أو إيروتيكياً على انتهاك القوانين، مع التقليل من شأن الضرر اللاحق بالضحايا وتبرير السلوك باعتباره حاجة بيولوجية ملحة لا تقبل التأجيل، مما يُعطل آليات الشعور بالذنب أثناء اللحظات السابقة لارتكاب الفعل مباشرة.
7. المكونات الأساسية والأنواع والأبعاد
تنطوي الكليبتولاجنيا على مجموعة من الأبعاد والمكونات المتداخلة التي تُميزها عن الاضطرابات المشابهة، ويمكن تصنيف بنيتها السريرية والوظيفية عبر العناصر التالية:
- المُكون الحافزي الإيروتيكي: يتمثل في جعل فعل السرقة شرطاً لا غنى عنه أو مفضلاً بشدة لحدوث الاستثارة الجنسية، حيث يفقد الفرد اهتمامه بالعلاقات الجنسية الطبيعية لصالح التخيل أو الممارسة الفعلية للاختلاس والسطو.
- الاقتران الفسيولوجي بالخطر: تحويل علامات التوتر العضوي (تسارع ضربات القلب، فرط التعرق، الارتجاف) إلى محركات للشبق والانتصاب أو الترطيب المهبلي، بحيث تتناسب شدة الإثارة الجنسية طردياً مع حجم الخطورة المحيطة بعملية السرقة.
- البُعد النوعي للأهداف المسروقة: وينقسم إلى نمطين أساسيين؛ النمط العرضي الذي يستهدف أي مقتنى عشوائي بصرف النظر عن ماهيته لمجرد تحقيق فعل الانتهاك، والنمط الرمزي الذي يستهدف أشياء ذات دلالات سيكولوجية خاصة، كأن تكون ملكاً لشخصية تمثل سلطة قمعية أو شخصية محددة يُكنّ لها السارق مشاعر محرمة.
- مستوى التوغل والانتهاك المكاني: يتراوح بين أشكال طفيفة كسرقة المتاجر العامة (Shoplifting) مع وجود زبائن ورجال أمن، وبين أشكال متطرفة تنطوي على السطو المنزلي واقتحام غرف النوم الخاصة، حيث يرتبط التعمق في المساحات الحميمة للآخرين بتعظيم اللذة الجنسية.
- المكون الاحتفاظي الارتجاعي: ويتمثل في الطريقة التي يتعامل بها الشخص مع المسروقات؛ فبدلاً من التخلص منها كما في هوس السرقة المجرد، يعمد الكليبتولاجني إلى تخزينها كـ “جوائز جنسية” تُستخدم كأدوات مساعدة لإشعال الخيال الاستمنائي لاحقاً واسترجاع تفاصيل اللذة.
- التناغم أو النفور مع الأنا: قد تكون الحالة متناغمة مع الأنا (Ego-syntonic) حين يتقبل الفرد رغباته ويستمتع بذكائه الإجرامي، أو منفرة للأنا (Ego-dystonic) حين تتلوها نوبات قاسية من الاكتئاب، وتأنيب الضمير، والذعر من العواقب القضائية والاجتماعية.
8. أمثلة وحالات توضيحية
تُظهر السجلات السريرية والطبية القضائية أنماطاً متباينة تعكس الكيفية التي تتجلى بها الكليبتولاجنيا في الواقع العملي، ومنها الحالات النمطية التالية:
الحالة الأولى: سرقة المتاجر التنافسية المحفزة جنسياً: تُشير إحدى الحالات التاريخية الموثقة إلى امرأة شابة في الثلاثينيات من عمرها، ذات مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، كانت تتردد بانتظام على المراكز التجارية الفاخرة لسرقة قطع ملابس رخيصة الثمن. لم تكن المريضة تشعر بأي دافع جنسي خلال حياتها الزوجية التقليدية، إلا أنها كانت تبلغ قمة النشوة الجنسية بمجرد دس قطعة الملابس داخل حقيبتها في اللحظة ذاتها التي يمر فيها رجل الأمن بجوارها؛ حيث كان إحساسها باحتمال اكتشاف أمرها يرفع مستوى الإثارة إلى حدود النشوة الجسدية الكاملة دون أي ملامسة يدوية.
الحالة الثانية: السطو المنزلي المقترن بالتلصص: تم توثيق حالة رجل في أواخر العشرينيات تورط في سلسلة من عمليات التسلل إلى المنازل السكنية ليلاً. كان دافعه الأساسي ليس سرقة الأموال أو المجوهرات الثمينة، بل التسلل إلى غرف نوم الضحايا وسرقة مقتنيات شخصية بسيطة كأمشاط الشعر أو المذكرات اليومية. كان هذا السلوك يصحبه انتصاب مستمر أثناء وجوده داخل العقار، وذكر أثناء التحقيقات النفسية الجنائية أنه لم يكن ينوي إيذاء أي شخص جسدياً، ولكن فكرة خرق حرمة المنزل ومواجهة الموت أو الاعتقال المحتمل كانت هي المفجر الوحيد لقدرته الجنسية.
الحالة الثالثة: السرقة الرمزية في بيئة العمل: موظف مكتبي كان يُقدم بصورة قهرية على اختلاس وثائق وملفات غير هامة تخص مديره المباشر في العمل من داخل خزانته المقفلة. وكان يصف التجربة بأنها تبدأ برغبة عارمة مصحوبة بتخيلات جنسية صريحة حول إهانة سلطة المدير وسلب أسراره، وتتحول هذه التخيلات إلى لذة حسية عارمة أثناء فتح القفل خلسة والاستيلاء على الأوراق، وكان يحتفظ بهذه الوثائق في صندوق خاص في منزله يعود إليه ليمارس الاستمناء وهو يحدق بها.
9. القياس والتقييم السريري
يُمثل التقييم السريري للكليبتولاجنيا تحدياً معقداً نظراً لامتناع الغالبية العظمى من المصابين عن البوح الصادق بدوافعهم خشية المساءلة الجنائية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالانحراف الجنسي؛ ولذلك لا يتم كشف هذه الحالات في الغالب إلا إثر إلقاء القبض على الشخص متلبساً وإحالته من قِبل القضاء إلى الفحص النفسي الشرعي لتقييم حالته العقلية.
يعتمد الفحص في المقام الأول على المقابلة الإكلينيكية المعمقة وتطبيق تقنيات الفحص التشخيصي المتخصص لاضطرابات الشخصية والانحرافات الجنسية. ويستخدم الأطباء أدوات مثل مقياس ييل-براون للوسواس القهري المعدل لهوس السرقة (K-YBOCS) لتقييم شدة الإلحاح والسيطرة على الاندفاع، بالتوازي مع استبيانات تقييم البارافيليا المتعددة. ويستلزم التقييم الدقيق استقصاء التاريخ الجنسي التفصيلي والتطور النفسي الجنسي للمريض منذ الطفولة، لمعرفة ما إذا كانت هناك تجارب ارتباط شرطي مبكرة بين مشاعر الذعر والخوف وبين الاستجابة الإيروتيكية.
وفي بعض المراكز المتخصصة بالطب الشرعي وسلوكيات الاعتداء الجنسي، يُمكن اللجوء إلى التقييم الفسيولوجي النفسي الجنسي، مثل استخدام تخطيط التحجم القضيبي (Penile Plethysmography – PPG) للذكور، أو تخطيط التحجم المهبلي للإناث، حيث يتم قياس التغيرات في تدفق الدم التناسلي بدقة أثناء تعريض المفحوص لسرديات سمعية أو بصرية تُصور مواقف سرقة وتسلل مقارنة بمواقف جنسية طبيعية أو محايدة، مما يتيح التثبت الموضوعي من وجود الاستجابة الكليبتولاجنية بدقة.
كما يتطلب التقييم إجراء تشخيص فارقي صارم لاستبعاد الاضطرابات العضوية مثل أورام الفص الصدغي، أو تلف الدماغ الرضّي، أو متلازمة كلوفر-بوسي (Klüver-Bucy Syndrome)، فضلاً عن استبعاد النوبات الهوسية في الاضطراب الوجداني ثنائي القطب واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، والتأكد التام من أن الادعاء باللذة الجنسية ليس مجرد حيلة دفاعية يبتكرها الجاني لتفادي العقوبات الجزائية الصارمة المترتبة على جرائم السطو الممنهج.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تتجلى الأهمية العملية لدراسة الكليبتولاجنيا بوضوح في حقلين رئيسيين: العدالة الجنائية والطب النفسي السريري. ففي مجال القانون وعلم الجريمة، يثير هذا الاضطراب معضلات فقهية وقضائية شائكة تتعلق بالمسؤولية الجنائية ومفهوم الإرادة الحرة؛ إذ تطرح الدفاعات القانونية في بعض الدول تساؤلات حول ما إذا كان الدافع الجنسي القهري يُعطل قدرة الجاني على التحكم في سلوكه واختياره، مما قد يستدعي تخفيف العقوبة أو استبدال السجن بالإيداع في مصحة علاجية متخصصة خاضعة للحراسة القضائية.
وعلى الصعيد العلاجي، يتطلب التعامل مع الكليبتولاجنيا تدخلاً نفسياً وسلوكياً مكثفاً متعدد الوسائط. يُعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) حجر الزاوية في خطة العلاج، وتحديداً من خلال تقنية إزالة الحساسية التخيلية والتنفير التخيلي (Covert Sensitization)، حيث يُدرّب المريض على ربط خيالات السرقة والاستثارة الجنسية بعواقب كارثية منفرة، مثل الفضيحة العلنية، والاعتقال المهين، وفقدان الأسرة، مما يُسهم تدريجياً في فك الارتباط الشرطي بين الجريمة واللذة.
كما تُطبق استراتيجيات منع الانتكاس وإعادة الهيكلة المعرفية لتصحيح المفاهيم الخاطئة حول القوة والسيطرة، بالإضافة إلى تدريب المريض على أساليب إدارة التوتر والتعامل مع المشاعر السلبية دون اللجوء إلى السلوكيات المنحرفة. ويُمكن توظيف تقنيات العلاج بالقبول والالتزام (ACT) لتمكين المريض من ملاحظة اندفاعاته ورغباته الشاذة دون الاستجابة لها سلوكياً، وإعادة توجيه طاقته نحو قيم حياتية بنّاءة.
أما من الناحية الدوائية، فقد أظهرت التدخلات الدوائية النفسية فائدة ملموسة في تقليل شدة الاندفاعات الجنسية والقهرية المصاحبة. وتُستخدم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) بجرعات عالية لتقليل السلوكيات الوسواسية والاندفاعية وخفض الدافع الجنسي العام، بينما يُلجأ في الحالات الشديدة والمستعصية قضائياً إلى استخدام مضادات الأندروجين مثل خلات السيبروتيرون (Cyproterone Acetate) أو ناهضات الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية (GnRH agonists) لتحقيق إخماد هرموني مؤقت للرغبة الجنسية وحماية المريض والمجتمع من العواقب الوخيمة للجريمة.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
تتسم الأدبيات البحثية والتجريبية حول الكليبتولاجنيا بالندرة الشديدة مقارنة بالبارافيليات التقليدية الأخرى؛ ويعود ذلك في المقام الأول إلى قلة الحالات التي تصل إلى العيادات النفسية بمحض إرادتها، وإلى الطابع السري المزدوج للاضطراب الذي يجمع بين العار الأخلاقي والخوف من العقاب القانوني، مما يجعل تجميع عينات بحثية واسعة أمراً فائق الصعوبة من الناحية المنهجية والأخلاقية.
تعتمد معظم المعطيات العلمية المتاحة حالياً على دراسات الحالة الفردية (Case Studies) وسلاسل الحالات الصغيرة المنشورة في دوريات الطب النفسي الجنائي وعلم الجنس. وقد أشار الباحثون بوغليولي وزملاؤه (Boglioli et al., 1991) في دراسة مرجعية نُشرت في المجلة الأمريكية للطب الشرعي وعلم الأمراض، إلى أن الكليبتولاجنيا قد تتطور في سياقات معينة لتتقاطع مع أنماط شديدة الخطورة من السادية الجنسية، حيث قد يعمد الجاني الكليبتولاجني الذي يقتحم المنازل إلى الاعتداء الجسدي أو الجنسي على قاطني العقار إذا شعر بأن مجرد سرقة الأشياء لم تعد كافية لتوليد ذات المستوى من الإثارة العصبية المطلوبة لبلوغ النشوة.
وفي دراسات استقصائية لاحقة قادها باحثون في علم النفس السريري مثل جويل ميلنر (Joel Milner) وعالم النفس البريطاني مارك غريفيثس (Mark Griffiths)، تم التأكيد على ضرورة التمييز الحاسم بين محتوى الهدف وطبيعة السلوك. وأظهرت البيانات الإكلينيكية المستخلصة من مراجعة اضطرابات البارافيليا غير المصنفة في مكان آخر (P-NOS) أن العائد الجنسي لدى مرضى الكليبتولاجنيا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمقدار الأدرينالين المفرز والذعر الذاتي، مما يعزز الفرضية القائلة بأن الكليبتولاجنيا تمثل اضطراباً في معالجة الإثارة العصبية والمكافأة وليس مجرد شذوذ في التفضيل الجنسي الموضوعي.
وتُشير دراسات التصوير العصبي الحديثة لمرضى اضطرابات السيطرة على الاندفاع والبارافيليا إلى وجود أوجه تشابه مذهلة في تنشيط القشرة الحزامية الأمامية والمخطط البطني (Ventral Striatum) عند التعرض للمثيرات المحرمة، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لإجراء أبحاث مسحية أوسع بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لفهم الخصوصية العصبية التي تجعل السرقة تحديداً، دون غيرها من الجرائم، مسبباً للنشوة الجنسية لدى هذه الفئة السريرية النادرة.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
تتباين مظاهر الكليبتولاجنيا وطرق إدراكها والتعامل معها تبايناً جوهرياً باختلاف البيئات الثقافية والتشريعات الدينية والاجتماعية. ففي المجتمعات الغربية الفردانية، يُنظر إلى الحالة في الغالب عبر عدسة الطب النفسي الطبي الحيوي الذي يميل إلى علمنة وتطبيب (Medicalization) السلوك المنحرف بوصفه اضطراباً عقلياً وخللاً وظيفياً يستوجب العلاج النفسي الفردي، مع وجود هامش للجدل القضائي حول الأهلية والمسؤولية الجنائية.
في المقابل، تميل الثقافات الجمعية والشرقية، بما فيها المجتمعات العربية والإسلامية، إلى إدانة هذا السلوك بصورة حاسمة وتصنيفه ضمن الجرائم الأخلاقية والجنائية الخالصة التي تستوجب القصاص والردع القانوني، دون التفات كبير للدوافع النفسية الجنسية الكامنة خلفه. وفي هذه البيئات، يُمثل الاعتراف بوجود دافع إيروتيكي خلف السرقة انحداراً مزدوجاً في سلم الوصمة الاجتماعية؛ إذ يجمع الفرد بين صفة “اللص” وصفة “المنحرف جنسياً”، مما يؤدي إلى كتمان مطلق لهذه الميول واستحالة طلب المساعدة الطبية الطوعية، حتى تتفاقم العواقب إلى ارتكاب حوادث كبرى تؤدي إلى السجن أو الانهيار الاجتماعي التام.
كما تؤثر المعايير الثقافية لتوزيع الأدوار الجندرية على نمط التعبير عن هذا الاضطراب؛ فبينما يميل الذكور في معظم الثقافات إلى ممارسة أنماط كليبتولاجنية تتضمن اقتحاماً جغرافياً أو انتهاكاً خطيراً للأماكن العامة والخاصة بدافع فرض السيطرة والجسارة، تميل الإناث اللاتي يعانين من هذه الميول إلى حصر السلوك في سرقة المتاجر المغلقة أو اختلاس مقتنيات ذات طابع حميمي ناعم (كالحرير ومستحضرات التجميل)، تماشياً مع المساحات التي يُتيحها السياق الاجتماعي لكل جنس، وهو ما يفسر الاختلافات الملاحظة في معدلات الضبط الجنائي بين الجنسين عبر الثقافات المختلفة.
13. الانتقادات والجدل والقيود
يُحيط بمفهوم الكليبتولاجنيا جدل علمي وقضائي واسع النطاق، يتمحور أولاً حول مسألة “تطبيب الجريمة” (Medicalization of Crime)؛ حيث يوجه علماء الإجرام وفقهاء القانون انتقادات لاذعة لتشخيص مثل هذه الحالات، معتبرين أن إدخال المفاهيم البارافيلية إلى قاعات المحاكم يفتح باباً خطيراً للإفلات من العقاب، ويمنح المجرمين مبررات سيكولوجية زائفة لتحويل الجرائم العمدية الموجهة ضد الممتلكات إلى حالات عجز نفسي لا إرادي يستحق العطف والعلاج بدلاً من السجن والردع.
وينصب انتقاد رئيسي آخر من داخل الأوساط النفسية السريرية على مسألة صحة البناء المفاهيمي (Construct Validity) للكليبتولاجنيا ككيان تشخيصي مستقل؛ إذ يرى تيار عريض من الأطباء النفسيين أن هذه الحالات لا تعدو كونها تفرعات هجينة تجمع بين اضطراب هوس السرقة (Kleptomania) واضطرابات الفيتيشية الكلاسيكية، أو مجرد استجابة غير تكيفية لدى أشخاص يعانون من اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع واضطراب جنون العظمة دون الحاجة إلى صياغة مصطلحات تصنيفية جديدة تزيد من تعقيد الدليل التشخيصي.
علاوة على ذلك، تُعاني الأدبيات السريرية المتعلقة بالكليبتولاجنيا من قيود منهجية جوهرية؛ فالمعلومات المتوفرة تعتمد بصورة شبه كاملة على الإفادات الذاتية (Self-reports) للمتهمين أو المرضى، وهي إفادات تخضع بطبيعتها لآليات التشويه، واختلاق الأعذار، ومحاولات التظاهر بالمرض العقلي (Malingering) للتخلص من العقوبات السجنية. كما أن ندرة الدراسات التتبعية وطولية الأمد تجعل من المستحيل تقييم الفعالية الحقيقية للبروتوكولات العلاجية المقترحة، مما يُبقي الكليبتولاجنيا في منطقة رمادية تتنازعها الرؤى النفسية المتناقضة والتفسيرات القضائية المتشككة.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
تتقاطع الكليبتولاجنيا مع مجموعة من المفاهيم والاضطرابات النفسية والسلوكية الأخرى، مما يفرض تمييزاً دقيقاً لتفادي الخلط التشخيصي، وذلك على النحو التالي:
- هوس السرقة (Kleptomania): اضطراب في السيطرة على الاندفاعات يتميز بعجز متكرر عن مقاومة دوافع سرقة أشياء لا يحتاجها الشخص لقيمتها المادية؛ والفرق الجوهري هو أن هوس السرقة يخلو تماماً من أي بعد إيروتيكي أو رغبة جنسية، ويكون الشعور النهائي هو الارتياح من التوتر النفسي فقط وليس النشوة الجنسية أو هزة الجماع.
- الفيتيشية (Fetishism): انحراف جنسي يتركز فيه الاهتمام والشبق حول أشياء غير حية (كالملابس أو الأحذية)؛ والفرق أن مريض الفيتيشية يُثار بخصائص الشيء ذاته حتى لو حصل عليه بطريقة مشروعة، بينما الكليبتولاجني يستمد لذته الحصرية من فعل السرقة والاختراق ذاته بصرف النظر عن ماهية الشيء المسروق.
- شهوة التعرض للجريمة (Chremastistophilia): بارافيليا تُمثل النقيض المباشر للكليبتولاجنيا؛ حيث يستمد الشخص فيها اللذة الجنسية من كونه هو الضحية التي تتعرض للسرقة أو السطو أو الابتزاز المالي من قِبل الآخرين.
- شهوة الكوارث والحوادث (Symphorophilia): نمط بارافيلي نادر يرتبط فيه التحفيز الجنسي بمشاهدة الكوارث أو حوادث الاصطدام والحرائق؛ وتختلف عن الكليبتولاجنيا في أن المريض هنا يكون متفرجاً سلبياً على كوارث خارجية بدلاً من كونه فاعلاً إجرامياً مباشراً ينتهك حقوق الممتلكات.
- الهيبرستوفيليا (Hybristophilia): الانجذاب والتحفيز الجنسي تجاه الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم شنيعة (مثل القتلة المتسلسلين واللصوص العتاة)؛ بينما الكليبتولاجنيا تعني ممارسة الجريمة بنفسه لتحصيل اللذة وليس الانجذاب لشخص مجرم آخر.
15. ملخص وخلاصة ختامية
تُعد الكليبتولاجنيا ظاهرة نفسية وجنسية استثنائية ونادرة تمثل تشابكاً معقداً بين السلوك المضاد للمجتمع والدافعية الإيروتيكية البارافيلية؛ حيث يتحول فعل السرقة وانتهاك القوانين والحدود المكانية إلى المثير الأساسي الكفيل بإحداث الاستثارة الجنسية وبلوغ النشوة العضوية. انبثق هذا المفهوم تاريخياً من ملاحظات الطب النفسي وعلم الجنس في مطلع القرن العشرين على يد رواد مثل جيمس كيرنان وكليرامبو، ليُميز هذا النمط الشبقي الفريد عن حالات السرقة النفعية وهوس السرقة غير الجنسي، ويُفسر اليوم عبر نظريات التحليل النفسي الكلاسيكية، ونماذج التعلم الشرطي، واختلالات نظام المكافأة والناقلات العصبية في الدماغ.
ورغم ندرتها في الواقع الإكلينيكي والبحثي، فإن للكليبتولاجنيا وزناً بالغ الأهمية في مجالات الطب النفسي الشرعي والعدالة الجنائية؛ حيث تطرح تساؤلات معقدة حول حدود الإرادة والمسؤولية الجنائية وتطبيب السلوكيات الإجرامية. ويتطلب التدخل العلاجي الناجح مزيجاً حذراً يجمع بين العلاج المعرفي السلوكي الموجه للتنفير وإعادة الهيكلة المعرفية، والعلاجات الدوائية المخفضة للاندفاع والشبق، مع مراعاة الفروق الدقيقة بين هذا الاضطراب وغيره من البارافيليات المتشابهة لضمان تقييم سريري سليم يحمي المريض من الانهيار النفسي ويصون حقوق المجتمع وأمن ممتلكاته.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Boglioli, L. R., Taff, M. L., & Anderson, G. (1991). Kleptolagnia: A paraphilia associated with burglary and sexual homicide. The American Journal of Forensic Medicine and Pathology, 12(4), 331–335. https://doi.org/10.1097/00000433-199112000-00014
- Colman, A. M. (2015). A dictionary of psychology (4th ed.). Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acref/9780199657681.001.0001
- Ellis, H. (1928). Studies in the psychology of sex (Vol. 2). F. A. Davis Company. https://en.wikipedia.org/wiki/Havelock_Ellis
- Kiernan, J. G. (1916). Kleptolagnia: Sexual pleasure from theft. Alienist and Neurologist, 37(4), 375–383.
- Milner, J. S., Dopke, C. A., & Crouch, J. L. (2008). Paraphilia not otherwise specified: Psychopathology and theories. In D. R. Laws & W. O’Donohue (Eds.), Sexual deviance: Theory, assessment, and treatment (2nd ed., pp. 384–409). The Guilford Press.