يُمثل اختبار كروسكال-واليس لتحليل التباين أحادي الاتجاه أحد أهم الركائز المنهجية في الإحصاء اللابارامتري، حيث يتيح للباحثين النفسيين والاجتماعيين مقارنة ثلاثة مجمعات إحصائية مستقلة أو أكثر دون الارتهان للافتراضات الصارمة المرتبطة بالتوزيع الطبيعي أو تجانس التباين. وفي مجالات القياس النفسي والعلوم السلوكية التي غالباً ما تتعامل مع بيانات رتبية أو درجات مقاييس متقطعة تفتقر إلى التوزيع الاعتدالي، يبرز هذا الاختبار كأداة استدلالية متينة ورصينة تضمن سلامة القرارات العلمية واستقرارها المنهجي. يستعرض هذا المقال دليلاً شاملاً وتأصيلاً أكاديمياً موسعاً لاختبار كروسكال-واليس من حيث منطلقاته الرياضية، مساره التاريخي، تطبيقاته السريرية، ومحدداته الإحصائية.
اختبار كروسكال-واليس لتحليل التباين أحادي الاتجاه
1. التعريف الموجز
يُعرَّف اختبار كروسكال-واليس (Kruskal–Wallis one-way analysis of variance by ranks) بأنه اختبار إحصائي استدلالي لابارامتري (لا معملي) يُستخدم لاختبار الفرضية الصفرية القائلة بأن عدة عينات مستقلة مستمدة من مجتمعات إحصائية متطابقة في التوزيع، أو ذات متوسطات رتبية متساوية. ويُعد هذا الاختبار التوسيع المباشر لاختبار مان-ويتني (Mann–Whitney U) الذي يقارن بين مجموعتين فقط، كما يمثل البديل اللابارامتري لاختبار تحليل التباين الأحادي المعلمي (One-Way ANOVA).
يقوم الاختبار على تحويل الدرجات الخام المستمرة أو الرتبية إلى منظومة من الرتب التصاعدية التراكمية المشتركة عبر جميع المجموعات، ثم يقيم مدى تباعد متوسطات تلك الرتب بين المجموعات التجريبية أو الضابطة مقارنة بما هو متوقع حدوثه بمحض الصدفة الإحصائية. وإذا تشابهت أشكال التوزيعات الاحتمالية بين المجموعات، يتحول الاختبار عملياً إلى فحص للفروق بين وسائط تلك المجموعات (Medians)، مما يمنحه دلالة سيكومترية دقيقة في تقييم الفروق الفردية والتدخلات العلاجية النفسية.
2. التأثيل والاشتقاق اللغوي
يعود الاسم المركب للاختبار إلى العالمين الإحصائيين الأمريكيين ويليام كروسكال (William Kruskal) وويليام ألين واليس (W. Allen Wallis)، اللذين ابتكرا هذا الأسلوب الرياضي في ورقة بحثية رائدة نُشرت عام 1952. واصطلاحياً، يُرمز للاختبار إحصائياً بالحرف اللاتيني H، ولذلك يُطلق عليه أحياناً في الأدبيات الإنجليزية اسم Kruskal–Wallis H Test.
أما لغوياً في اللسان العربي، فإن مصطلح التحليل اللابارامتري أو اللامعلمي مشتق من سلب المعلمة (Parameter)؛ أي الأسلوب الذي لا يفترض توزيعاً براميترياً مسبقاً (مثل التوزيع الغوسي الطبيعي). وكلمة «التباين» مشتقة من الجذر العربي (ب-ي-ن) الدال على التباعد والاختلاف، والمقصود به إحصائياً درجة تشتت الدرجات وتفاوتها حول مركز النزعة. وتدل تسمية «أحادي الاتجاه» (One-Way) على دراسة أثر متغير مستقل تصنيفي واحد متعدد المستويات على متغير تابع مقاس برتب أو كميات مستمرة.
3. النطق والبنية الصرفية والنحوية
يُنطق الاسم بالعربية بنبر صوتي مستمد من اللغات اللاتينية والجرمانية: «كْرُوسْكَال-وَالِيس»، ويُصنف تركيباً كمركب إضافي؛ حيث يُعرب لفظ «اختبارُ» حسب موقعه الإعرابي مبتدأً أو فاعلاً أو مفعولاً به، وما يليه مضاف إليه مجرور، وهو اسم علم أجنبي ممنوع من الصرف لعلتي العجمة والعلمية. ويُستعمل مصطلح «تحليل التباين الرتبي» كصيغة وصفية بديلة شائعة في المراجع العربية المعتمدة في الإحصاء النفسي والتربوي.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
يندرج اختبار كروسكال-واليس تحت إطار الإحصاء اللابارامتري الذي يتجاوز قيود التوزيعات النظرية المحددة مسبقاً. في الأبحاث النفسية التجريبية والميدانية، يواجه الباحثون في أحيان كثيرة معطيات لا تتطابق مع النموذج الطبيعي (مثل فترات رد الفعل، درجات القلق الحاد، شدة الاكتئاب المقاسة بمقاييس ليكرت، أو أزمنة التعافي من الصدمة النفسية)، حيث تتسم هذه المتغيرات بالالتواء الحاد (Skewness) أو التفرطح المفرط (Kurtosis) ووجود قيم شاذة ومتطرفة (Outliers) تؤثر سلباً على المتوسط الحسابي والانحراف المعياري.
ينطلق المنطق الإجرائي لكروسكال-واليس من دمج كافة درجات أفراد العينات المختلفة (سواء كانوا ينتمون إلى ثلاثة برامج علاجية مختلفة أو بيئات اجتماعية متعددة) في بوتقة واحدة وترتيبها تصاعدياً من القيمة الصغرى إلى القيمة الكبرى، وإعطاء كل مفحوص رتبة تبدأ من 1 لأدنى قيمة وتنتهي عند إجمالي عدد المفحوصين عبر كافة المجموعات. فإذا كانت الفرضية الصفرية صحيحة؛ أي أنه لا يوجد أثر ذو دلالة للبرامج العلاجية، فإن الرتب المنخفضة والمتوسطة والمرتفعة ستتوزع عشوائياً وبشكل متوازن بين المجموعات، وسيكون متوسط الرتب لكل مجموعة مقارباً للمتوسط الإجمالي العام.
أما إذا كانت الفرضية البديلة هي الأقرب للواقع، بحيث يتفوق برنامج علاجي معين بشكل ملحوظ، فإن درجات أفراد هذا البرنامج ستتركز في الرتب المرتفعة، بينما تنحسر درجات أفراد المجموعة الضابطة في الرتب الدنيا. ويقوم مقياس الاختبار الرياضي H على حساب مقدار الانحراف الموزون بين مجاميع الرتب المحققة وما يفترضه التوزيع العشوائي الصرف تحت الفرضية الصفرية. ومن الجدير بالذكر أن الاختبار يفترض استقلالية المشاهدات تماماً وخلو العينات من الارتباط الزوجي أو القياسات المتكررة على نفس الأفراد.
ينبغي التأكيد على تفريق إحصائي جوهري: إذا افترض الباحث أن التوزيعات الاحتمالية للمجموعات تمتلك نفس الشكل والانتشار، فإن كروسكال-واليس يُعد مقارنة صريحة بين وسائط المجموعات (Medians). أما إذا اختلفت أشكال التوزيعات البيانية (كأن يكون أحد التوزيعات ملتوياً نحو اليمين والآخر مفلطحاً)، فإن الاختبار لا يُقارن الوسائط بذاتها، بل يختبر ظاهرة الهيمنة العشوائية (Stochastic Dominance)؛ أي احتمالية أن تكون قيمة عشوائية مسحوبة من مجموعة أولى أعلى من قيمة مسحوبة من مجموعة ثانية.
5. التطور التاريخي والمسار الزمني
شهدت فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين تحولاً نوعياً في فلسفة التحليل الكمي؛ حيث أدرك علماء الرياضيات التطبيقية أن المعايير الكلاسيكية التي وضعها رونالد فيشر (Ronald Fisher) وكارل بيرسون (Karl Pearson) تتطلب شروطاً صارمة لا تتحقق دوماً في العلوم الاجتماعية والطبية الحيوية. وفي هذا السياق التاريخي، قاد ويليام كروسكال وزميله ويليام ألين واليس جهداً بحثياً في جامعة شيكاغو أثمر عن نشر دراستهما التأسيسية عام 1952 في مجلة الجمعية الإحصائية الأمريكية (Journal of the American Statistical Association – JASA) بعنوان: «استخدام الرتب في تحليل التباين أحادي المعيار».
قدمت هذه الورقة صياغة محكمة لكيفية استبدال القيم الأصلية برتبها، موجهة ضربة علمية لفكرة وجوب الالتزام بالتوزيع الطبيعي. وسرعان ما تبنت حقول القياس النفسي والطب النفسي هذا الاختبار خلال الستينيات والسبعينيات، ولا سيما مع تزايد استخدام الاستبيانات التشخيصية والمقاييس التقديرية. وفي مرحلة الثورة الحاسوبية في الثمانينيات والتسعينيات، دُمجت خوارزميات حساب إحصائية H وتصحيحات الروابط والرتب المكررة ضمن حزم البرمجيات الإحصائية العالمية مثل SPSS وSAS ومؤخراً لغة R وبيئة Python، مما يسّر استخدامه المنهجي على نطاق دولي واسع.
6. الأسس النظرية والمنهجية
تستند المنهجية الرياضية لاختبار كروسكال-واليس إلى نظرية الرتب الخطية (Linear Rank Statistics). وتكمن الميزة النظرية الكبرى لهذا الاختبار في كفاءته المقاربة النسبية (Asymptotic Relative Efficiency – ARE) مقارنة باختبار التباين المعلمي (F-test). ففي الحالات التي تتبع فيها البيانات توزيعاً طبيعياً مثالياً، تصل الكفاءة المقاربة النسبية لاختبار كروسكال-واليس إلى نحو 95.5%؛ وهي نسبة فائقة تؤكد أن الباحث لا يفقد سوى قدر ضئيل جداً من القوة الإحصائية عند اعتماده الرتب بدلاً من الدرجات الخام.
بالمقابل، عندما تتشوه البيانات بالانحراف عن التوزيع السوي، وتشتمل على ذيول ثقيلة كالتوزيعات اللوجستية أو توزيع كوشي (Cauchy Distribution)، تتجاوز كفاءة كروسكال-واليس كفاءة تحليل التباين المعلمي بمراحل شاسعة، وقد تقترب من اللانهاية في حالات الشذوذ الإحصائي الحاد. ويعتمد توزيع المعاينة لإحصائية H عند توفر حجوم عينات معتدلة إلى كبيرة (أي عندما يتجاوز حجم كل عينة 5 أفراد) على توزيع مربع كاي (Chi-Square Distribution) بدرجات حرية تُحسب بالعلاقة (k – 1)، حيث تمثل k عدد المجموعات المقارنة.
يتعامل الاختبار مع إشكالية القيم المتساوية (Ties) – وهي حالة شائعة في القياس النفسي عند استخدام مقاييس تتكون من خمس أو سبع درجات – من خلال احتساب متوسط الرتب للقيم المتشابهة وتطبيق معامل تعديلي خاص يُقسَم عليه ناتج H لتقليص التحيز الناتج عن تساوي الدرجات وإعادة الإحصائية إلى دقتها المقاربة الحقيقية.
7. المكونات الأساسية والافتراضات والأبعاد
يتحقق نجاح تطبيق الاختبار عند استيفاء متطلبات منهجية وأبعاد بنيوية تشمل ما يلي:
- المتغير التابع: يجب أن يُقاس على مستوى رتبي (Ordinal) على الأقل، أو مقياس مسافة نسبي/فئوي (Continuous/Scale) لا يحقق شروط التوزيع الطبيعي.
- المتغير المستقل: متغير تصنيفي يتكون من ثلاث مجموعات أو أكثر، وتكون هذه المجموعات مستقلة تماماً ومتبادلة منطقياً.
- استقلالية الملاحظات: يجب أن يكون اختيار كل مفحوص في كل عينة مستقلاً عن غيره، بحيث لا تؤثر استجابة مريض نفسي مثلاً على استجابة مريض آخر داخل المجموعة الواحدة أو عبر المجموعات.
- الفرضية الصفرية (H0): تنص على أن مجتمعات العينات لها نفس دالة التوزيع الاحتمالي؛ أي أن احتمالية اختيار قيمة من مجموعة تفوق قيمة مجموعة أخرى مساوية للنصف (P(X > Y) = 0.5).
- الفرضية البديلة (H1): تنص على أن مجتمعاً واحداً على الأقل يُظهر تفوقاً أو هيمنة عشوائية وتوزيعاً رتبياً يختلف دلالياً عن باقي المجتمعات.
- المقارنات البعدية اللاحقة (Post-hoc Tests): عند رفض الفرضية الصفرية، يتطلب الأمر إجراء مقارنات ثنائية لتحديد أي المجموعات تحديداً مسؤولة عن التباين، وأبرز هذه المقارنات اختبار دان (Dunn’s Test) واختبار كونفر-إيمان (Conover-Iman).
8. الأمثلة وحالات الدراسة التطبيقية
لتجسيد المفهوم في واقع العيادة النفسية والبحوث السلوكية، نسوق دراسة حالة تطبيقية افتراضية في علم النفس الإكلينيكي:
أراد باحث نفسي فحص فاعلية ثلاثة تدخلات علاجية لتخفيف أعراض الرهاب الاجتماعي (Social Anxiety Disorder): التدخل الأول يعتمد العلاج المعرفي السلوكي التقليدي (CBT)، والتدخل الثاني يعتمد العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، بينما يُمثل التدخل الثالث مجموعة الدعم الذاتي عبر الإنترنت. بلغ حجم كل مجموعة 8 مرضى (إجمالي ن = 24). ونظراً لصغر حجم العينات ووجود التواء سلبي واضح في مقياس شدة الرهاب بعد التدخل، اعتمد الباحث اختبار كروسكال-واليس.
دُمجت درجات المرضى الـ 24 في جدول رتبي موحد، وتراوحت الرتب بين 1 و24. أظهرت الحسابات أن مجموع الرتب لمجموعة CBT بلغ 68 (بمتوسط رتبي منخفض دل على تحسن كبير)، ومجموع رتب ACT بلغ 74، بينما تجمع مرضى مجموعة الدعم الذاتي في الرتب العليا بمجموع رتبي قدره 158. بلغت قيمة الإحصائية المحسوبة H = 11.42 عند درجتي حرية (df = 2)، وهي قيمة ذات دلالة إحصائية عالية (p < 0.01) مقارنة بجدول مربع كاي.
قادت هذه النتيجة إلى رفض الفرضية الصفرية، ولتحديد الفروق الدقيقة لجأ الباحث إلى اختبار دان للمقارنات البعدية مع تعديل بونفيروني لمستوى الدلالة، فتبين تفوق كل من العلاج المعرفي السلوكي والعلاج بالقبول والالتزام على الدعم الذاتي بفارق ذي دلالة، بينما لم توجد فروق ذات دلالة رتبية بين العلاجين التخصصيين في تقليص أعراض الرهاب.
9. القياس والمعادلات الرياضية وحساب الاختبار
تُحسب إحصائية الاختبار الرياضية غير المصححة وفق المعادلة القياسية الآتية:
H = [ 12 / ( N * (N + 1) ) ] * Σ ( R_i^2 / n_i ) – 3 * (N + 1)
حيث يمثل الرمز N إجمالي عدد المفردات في جميع المجموعات قاطبة، بينما يشير n_i إلى حجم العينة في المجموعة رقم i، ويدل R_i على مجموع الرتب التي حصلت عليها المجموعة ذاتها. وفي حال رصد درجات متكررة ومشتركة، يُحسب معامل تصحيح الروابط (Ties Correction Factor) المسمى C كالآتي:
C = 1 – [ Σ ( t_j^3 – t_j ) / ( N^3 – N ) ]
حيث تمثل t_j عدد المشاهدات المكررة في التجمع الرتبي رقم j. وتكون القيمة النهائية المعدلة للإحصائية هي حاصل قسمة H على معامل التصحيح C. وإلى جانب الدلالة الإحصائية المحسوبة بقيمة p، يُقاس حجم الأثر (Effect Size) في اختبار كروسكال-واليس بعدة مؤشرات من أهمها إيتا المربعة المعتمدة على الرتب (η²_H) أو إبسيلون المربعة (ε²)، والتي توضح النسبة المئوية للتباين في الرتب المعزوة للمتغير المستقل.
10. التطبيقات والأهمية العملية في علم النفس
يتبوأ الاختبار مكانة محورية في شتى الفروع السلوكية والنفسية، وتتجلى أهميته في عدة سياقات بارزة:
- الطب النفسي والتقييم السريري: دراسة استجابة مرضى الفصام أو الاكتئاب المقاوم للعلاج لبروتوكولات دوائية متعددة عند وجود قياسات عصبية تتسم بالتفرطح الحاد ولا تحقق شروط الاختبارات المعلمية.
- علم النفس التنظيمي والمهني: قياس الفروق في الرضا الوظيفي أو متلازمة الاحتراق النفسي (Burnout) عبر قطاعات العمل المختلفة، استناداً إلى استبانات ليكرت التي تصنف إحصائياً كبيانات رتبية.
- علم النفس النمائي والتربوي: مقارنة فترات الانتباه والتركيز لدى أطفال من مراحل عمرية متعددة أو في فصول تشمل أطفالاً ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) مقارنة بأقرانهم.
- القياس السيكوفيزيقي: قياس عتبات الإدراك الحسي للألم أو الاستجابات الجلدية الجلفانية عند تعريض المفحوصين لمثيرات انفعالية متنوعة الدرجة والشدة.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
أكدت دراسات المحاكاة بمونت كارلو (Monte Carlo Simulations) عبر عقود من الزمن القوة المنهجية لاختبار كروسكال-واليس. ففي دراسات محاكاة مقارنة أجراها باحثون متخصصون في القياس النفسي، أظهرت النتائج أن معدل الخطأ من النوع الأول (Type I Error) يظل مضبوطاً بصورة مثالية بالقرب من المستوى الاسمي (0.05) حتى عند انتهاك التوزيع الطبيعي بشدة، في حين ينهار اختبار تحليل التباين الكلاسيكي في وجود قيم متطرفة مفرطة.
ومع ذلك، أثبتت أبحاث تجريبية أخرى، مثل دراسات زيمرمان (Zimmerman)، أن اختبار كروسكال-واليس حساس بدرجة ملحوظة لعدم تجانس التباين إذا ترافق ذلك مع عدم تساوي أحجام العينات (Unequal Sample Sizes). فإذا كانت المجموعة ذات التباين الأكبر تمتلك حجماً أقل، فإن الاختبار قد يرفع احتمالية الخطأ من النوع الأول، مما دفع الباحثين المحدثين إلى تطوير بدائل هجينة مثل تعديل ويلش على الرتب لتفادي هذه المشكلة في التصاميم غير المتوازنة.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
في أبحاث علم النفس العابر للثقافات، تشكل أساليب الاستجابة (Response Styles) تحدياً كبيراً لمقارنة النتائج؛ إذ يميل أفراد بعض الثقافات الجمعية إلى الاستجابة الوسطية وتجنب الإفراط، في حين تُظهر ثقافات فردية أخرى ميلاً واضحاً نحو الاستجابة المتطرفة (Extreme Response Bias) على مقاييس ليكرت. تؤدي هذه الظاهرة إلى تشوهات بالغة في خصائص التوزيع الطبيعي للبيانات وتجانس التباينات بين العينات القادمة من دول مختلفة.
يمنح اختبار كروسكال-واليس في هذه الدراسات حماية وقائية عالية؛ لأن تحويل القيم إلى رتب يخفف من الأثر السلبي المبالغ فيه للأطراف المتطرفة الناجمة عن النمط الثقافي في التعبير عن الذات. ومع ذلك، يتعين على الباحث التحقق من التكافؤ القياسي (Measurement Invariance) للبنود قبل افتراض أن الرتب تعكس نفس الكفاءة المعرفية أو السلوكية المستهدفة بالقياس.
13. الانتقادات والمحددات والنقاشات الأكاديمية
على الرغم من المكانة الرفيعة التي يحظى بها الاختبار، فإنه يواجه انتقادات منهجية متعددة تفرض على الباحثين الحذر عند استخدامه، ومنها:
- فقدان المعلومات الدقيقة: يؤدي تحويل البيانات الرقمية المستمرة إلى رتب تصاعدية إلى إهدار جزء من المعلومات الكمية المتضمنة في الفروق الحقيقية بين المسافات الفاصلة بين الدرجات.
- عدم القدرة على اختبار التفاعل (Interaction Effects): يقتصر الاختبار على التصاميم أحادية الاتجاه؛ فلا يتيح دراسة التفاعل بين متغيرين مستقلين كما هو الحال في تحليل التباين الثنائي المعلمي (Two-Way ANOVA). وتتطلب التصاميم العاملية المعقدة نماذج بديلة متقدمة مثل نماذج الانحدار الرتبي أو اختبارات شيرير-راي-هير (Scheirer–Ray–Hare).
- الحساسية لاختلاف أشكال التوزيع: إذا تباينت أشكال منحنيات التوزيع التكراري بين المجموعات تشتتاً والتواءً، فإن الدلالة الإحصائية لا تعود برهاناً قاطعاً على تباعد الوسائط، مما يجعل الاستنتاج السيكولوجي عرضة للبس والتأويل غير المنضبط.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
تتداخل بعض المصطلحات الإحصائية مع كروسكال-واليس، ومن الأهمية بمكان تفصيل الفروق المنهجية فيما بينها:
- تحليل التباين أحادي الاتجاه (One-Way ANOVA): اختبار معلمي يختبر الفروق بين المتوسطات الحسابية ويتطلب تحقق افتراضات التوزيع الطبيعي وتجانس التباين، بينما كروسكال-واليس لابارامتري يعتمد على الرتب ومصمم للبيانات غير التوزيعية أو الرتبية.
- اختبار مان-ويتني (Mann–Whitney U Test): بديل لابارامتري يقتصر على مقارنة مجموعتين مستقلتين فقط، في حين يُمثل كروسكال-واليس التوسيع الرياضي الدقيق لمان-ويتني لدراسة ثلاث مجموعات فأكثر.
- اختبار فريدمان (Friedman Test): اختبار لابارامتري يُستخدم عند دراسة عينات مترابطة ومقاييس متكررة على نفس الأفراد عبر الزمن، في حين يشترط كروسكال-واليس الاستقلالية التامة للعينات والملاحظات.
- اختبار جونكهير-تيربسترا (Jonckheere–Terpstra Test): يشبه كروسكال-واليس في مقارنة عدة مجموعات مستقلة، إلا أنه مخصص لاختبار الفرضيات البديلة ذات الترتيب القبلي المحدد مسبقاً للوسائط (Ordered Alternatives)، مما يمنحه قوة أكبر عندما يتوقع الباحث نمطاً تصاعدياً خطياً عبر المجموعات.
15. ملخص وخلاصة معرفية
يعد اختبار كروسكال-واليس لتحليل التباين أحادي الاتجاه الأداة اللابارامترية المعيارية الأكثر مرونة واعتمادية عند الرغبة في موازنة الدلالة الإحصائية بين ثلاثة مجتمعات بحثية مستقلة أو أكثر في غياب شروط القياس المعلمي. من خلال تحويل الدرجات الأولية إلى مصفوفات رتبية مشتركة، يحمي الاختبار الباحث من مخاطر التوزيعات الملتوية والبيانات الفئوية المشوهة والأحجام المتواضعة للعينات، محافظاً على قوة استدلالية تقارب الاختبارات المعلمية. ويتوجب على المشتغلين في حقول علم النفس الإكلينيكي والتربوي والتنظيمي توظيف هذا الاختبار بوعي كامل بافتراضاته، مستعينين بالمقارنات البعدية الموثوقة وحساب مؤشرات حجم الأثر لإبراز الأهمية العملية للنتائج، مما يسهم في بناء معرفة علمية رصينة تتسم بالمصداقية والأمانة المنهجية.
المراجع
- Conover, W. J. (1999). Practical Nonparametric Statistics (3rd ed.). John Wiley & Sons.
- Dunn, O. J. (1964). Multiple comparisons using rank sums. Technometrics, 6(3), 241–252. https://doi.org/10.1080/00401706.1964.10490181
- Field, A. (2018). Discovering Statistics Using IBM SPSS Statistics (5th ed.). SAGE Publications.
- Kruskal, W. H., & Wallis, W. A. (1952). Use of ranks in one-criterion variance analysis. Journal of the American Statistical Association, 47(260), 583–621. https://doi.org/10.1080/01621459.1952.10483441
- Siegel, S., & Castellan, N. J. (1988). Nonparametric Statistics for the Behavioral Sciences (2nd ed.). McGraw-Hill.