السبيل الشمي الوحشي: جسر الدماغ بين الرائحة والعاطفة

استكشف السبيل الشمي الوحشي: بنيته التشريحية، وأدواره النفسية العصبية، وكيف يربط الروائح مباشرة بالذاكرة والانفعالات دون المرور عبر المهاد.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد السبيل الشمي الوحشي من أعمق التراكيب العصبية ارتباطاً بالاستجابات الغريزية، حيث يُمثل البوابة التشريحية المباشرة التي تنقل الرسائل الكيميائية من المحيط الخارجي إلى مراكز الانفعال والذاكرة في الجهاز الحافي دون المرور الإجباري عبر المهاد. تشكل هذه البنية محوراً بيولوجياً فريداً يُفسر قدرة الروائح الخاطفة على إيقاظ ذكريات طفولية بعيدة أو إشعال مشاعر وجدانية جارفة، ما يجعل دراسته ركيزة أساسية لفهم الروابط المعقدة بين الإدراك الحسي، وعلم النفس العصبي، والانفعالات الإنسانية المعقدة.

السبيل الشمي الوحشي (Lateral Olfactory Tract)

1. التعريف الموجز والدقيق

السبيل الشمي الوحشي هو حزمة ليفية عصبية متباينة بارزة تقع على السطح البطني للدماغ الأمامي، وتنشأ من الامتداد الخلفي للبصلة الشمية لتنقل السيالات العصبية الواردة عبر محاوير الخلايا التاجية والخلايا المعنقة مباشرة إلى القشرة الشمية الأولية ومكونات الجهاز الحافي. يُصنف هذا المسار تشريحياً باعتباره المكون الرئيس والوظيفي الأكبر للشريط الشمي عند الثدييات والإنسان، وهو المسؤول الأول عن إيصال المعلومات الشمية غير المعالجة مهادياً إلى القشرة الكمثرية، والنواة الشمية الأمامية، والباحة المحيطة باللوزة، والقشرة الشمية الداخلية.

يمتاز السبيل الشمي الوحشي بخصوصية فريدة في الجهاز العصبي المركزي؛ إذ إنه يُمكّن المنظومة الشمية من أن تكون الحاسة الجسدية الوحيدة التي تتجاوز محطة الترحيل المهادي الكلاسيكية (Thalamic Relay) في مسارها الأولي نحو القشرة المخية، مما يمنح التروية الإدراكية للروائح مساراً فائق السرعة نحو البنى المسؤولة عن المشاعر والحفاظ على الذات.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

يعود الأصل اللغوي للمصطلح في اللغات اللاتينية إلى تركيب ثلاثي الأبعاد: فكلمة (Tractus) مشتقة من الفعل اللاتيني trahere وتعني “السحب” أو “المسار الممتد”، وتُستخدم تشريحياً للإشارة إلى حزمة من الألياف العصبية المترابطة وظيفياً داخل الجهاز العصبي المركزي. أما كلمة (Olfactorius) فمشتقة من الفعل اللاتيني olfacere، وهو مركب من olere (ينبعث منه رائحة) وfacere (يُحدث أو يصنع)، لتعني مجتمعة “المتعلق بحاسة الشم”. وكلمة (Lateralis) تعود إلى الجذر latus بمعنى “الجانب” أو “الوحشي” تمييزاً له عن السبيل الشمي الإنسي (Medial Olfactory Tract).

دخل المصطلح الأوساط الطبية والأكاديمية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عبر كتب التشريح المقارن العصبية لتوصيف الامتداد الظاهر على السطح البطني للدماغ الانتهائي. وفي الاصطلاح العربي الأكاديمي، استقر استخدام كلمة “السبيل” دلالة على الحزمة المحوارية المغمدة مركزياً، و”الوحشي” لبيان التوجه الخارجي أو الجانبي بعيداً عن الخط المنصف للجسم.

3. النطق والبنية النحوية

يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى بفتح السين والباء وسكون الياء في “السَّبِيل”، تليها “الشَّمِّي” بفتح الشين المشددة وكسر الميم المشددة مع ياء النسب، ثم “الوَحْشِيّ” بفتح الواو وسكون الحاء وكسر الشين وياء النسب المشددة. ويُعرب المصطلح تركيباً نعتياً؛ حيث يقع “السبيلُ” مبتدأ أو فاعلاً أو مفعولاً بحسب موقعه الإعرابي، وتتبعه الصفتان المرفوعتان أو المنصوبتان أو المجرورتان بالتبعية الكاملة. يُستخدم المصطلح بصيغة المفرد المذكر، وتكون صيغة الجمع المتخصصة “السُّبُل الشمية الوحشية”.

4. الشرح المفهومي المفصل

يمتد السبيل الشمي الوحشي كشريط ليفي مضغوط على السطح القاعدي للدماغ، مشكلاً الجسر الناقل للإشارات المحولة كيميائياً وكهربائياً من الظهارة الشمية في التجويف الأنفي. تبدأ الرحلة الحسية عندما ترتبط الجزيئات العطرية الطيارة بالمستقبلات المقترنة بالبروتين ج (G-protein coupled receptors) في الغشاء المخاطي الأنفي، لتنطلق السيالات عبر العصب القحفي الأول وتتشابك داخل الكبيبات الشمية (Glomeruli) في البصلة الشمية. ومن هناك، تجمع الخلايا التاجية (Mitral cells) والخلايا المعنقة (Tufted cells) هذه المخرجات وتوجه محاويرها المحاطة بغمد الميالين لتشكل الحزمة المتراصة للسبيل الشمي الوحشي.

ينحني هذا السبيل للخلف والوحشي عبر التلم الشمي متجهاً نحو الفص الصدغي، مفرزاً تفرعات جانبية دقيقة أثناء مساره لتغذية النواة الشمية الأمامية والحديبة الشمية، قبل أن ينتهي بالتشابك الواسع داخل القشرة الكمثرية (Piriform Cortex) التي تمثل القشرة الشمية الأولية. تكمن الأهمية الوظيفية للسبيل الشمي الوحشي في احتفاظه بدرجة مذهلة من التنسيق الطوبوغرافي، حيث تنقل أليافه أنماط النشاط الكبيبي المعقدة، ما يتيح للمخ فك شفرات الروائح المتمايزة بدقة فائقة تتراوح بين الروائح التحذيرية والغذائية والاجتماعية.

علاوة على ذلك، يتصل السبيل الشمي الوحشي تشريحياً بالنواة القشرية لـ اللوزة الدماغية (Amygdala) ومحيط القشرة الشمية الداخلية (Entorhinal Cortex). هذا التوزيع التشريحي يمنح الرائحة امتيازاً فريداً في الوصول المباشر إلى مخازن الذاكرة طويلة الأمد في الحصين، والمولدات الانفعالية في الجهاز الحافي، قبل أن تتمكن القشرة المخية الحديثة في الفص الجبهي الحجاجي من التحليل العقلاني الواعي لماهية الرائحة ومصدرها.

5. التطور التاريخي

يعود التوصيف التشريحي الأولي للبنى الشمية إلى عصر النهضة عبر رسومات أندرياس فيزاليوس وثوماس ويليس، إلا أن الفهم الحقيقي للسبيل الشمي الوحشي بوصفه وحدة توصيلية مستقلة لم يتبلور إلا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بفضل أعمال سانتياغو رامون إي كاخال (Santiago Ramón y Cajal). استخدم كاخال تقنية صبغة غولجي الفضية ليرسم لأول مرة التفرعات الدقيقة للخلايا التاجية ومحاويرها الممتدة داخل السبيل الشمي الوحشي نحو البنى القشرية العتيقة.

شهد منتصف القرن العشرين، وتحديداً عبر أبحاث ألفونسو كاينغ (Alfonso Kaada) وبرايان كينيدي ولي جروس كلارك، تحولاً جذرياً في فهم وظيفة هذا المسار؛ حيث أثبتت الدراسات الكهروفسيولوجية أن إثارة السبيل الشمي الوحشي كهربائياً تولد جهود فعل فورية في اللوزة والقشرة الكمثرية دون أي تأخير مشبكي في المهاد. وفي عام 1991، فتح الاكتشاف الثوري الذي حققته كل من ليندا باك (Linda Buck) وريتشارد أكسل (Richard Axel) لترميز مستقبلات الرائحة الجينية آفاقاً جديدة، مكّنت العلماء من تتبع الإسقاطات العصبية من المستقبل المنفرد عبر كبيبات البصلة ومن ثم عبر ألياف السبيل الشمي الوحشي بدقة غير مسبوقة، وهو الإنجاز الذي نال جائزة نوبل في الطب عام 2004.

6. الأسس النظرية والعصبية

يقوم السبيل الشمي الوحشي نظرياً على مبدأ التوزيع المكاني والتنسيق الرمزي الموزع (Distributed Spatial Coding). وخلافاً للأنظمة الحسية الأخرى مثل الرؤية والسمع التي تعتمد على خرائط طوبوغرافية دقيقة وصارمة (Retinotopy أو Tonotopy)، فإن السبيل الشمي الوحشي يوزع أليافه بطريقة شبه مبعثرة ومتشابكة عند وصوله إلى القشرة الكمثرية، مما يسمح للخلية العصبية القشرية الواحدة باستقبال مدخلات متزامنة من كبيبات متباينة عبر محاوير السبيل، لتكوين إدراك مركب للرائحة الواحدة ككل متكامل وليس كجزيئات منفصلة.

تستند النظريات البيولوجية التطورية إلى مفهوم “الدماغ الشمي” (Rhinencephalon)؛ إذ تفترض نظرية التطور العصبي أن نصفي الكرة المخية نشآ تاريخياً في الفقاريات البدائية كامتداد لتفسير المثيرات الكيميائية المنقولة عبر السبيل الشمي الوحشي. ويوفر هذا المسار الأساس العصبي لـ “ذاكرة بروست” (Proustian Phenomenon)، وهي الظاهرة النفسية المعروفة التي تؤكد أن الذكريات المستثارة بالروائح تكون أكثر حيوية وعاطفية وثراءً بالنوستالجيا مقارنة بالذكريات المستدعاة عبر البصر أو السمع، وذلك بسبب الغياب الفسيولوجي للتصفية التثبيطية المهادية في هذا المسار.

7. المكونات والمسارات والأبعاد الأساسية

يتألف السبيل الشمي الوحشي وظيفياً وتشريحياً من عدة عناصر ومسارات فرعية متناسقة تنظم التدفق الحسي والمعرفي:

  • محاوير الخلايا التاجية (Mitral Cell Axons): تمثل الألياف الأكبر قطراً والأسرع توصيلاً داخل السبيل، وتنقل الإشارات ذات الدقة التمييزية العالية حول تراكيز الجزيئات الكيميائية ونوعيتها نحو عمق القشرة الكمثرية.
  • محاوير الخلايا المعنقة (Tufted Cell Axons): تسير جنباً إلى جنب مع الخلايا التاجية ولكنها تتميز بعتبات استثارة منخفضة، وتتفرع أساساً في الأجزاء الأمامية الأكثر بطناً لتسهم في الكشف السريع عن وجود الرائحة وتحديد مراحل الدورة التنفسية.
  • الإسقاط الكمثري (Piriform Projection): يمثل المحطة الانتهائية الأساسية لألياف السبيل، حيث تتوزع المحاوير على الطبقة الأولى (Layer I) من القشرة الكمثرية لتلتقي بالتغصنات الشجرية للخلايا الهرمية المسؤولة عن بناء الصورة الذهنية للرائحة.
  • المسار اللوزي الحافي (Amygdaloid Projection): حزمة تنحرف إنسياً لتغذي النواة القشرية للوزة الدماغية مباشرة، وتختص بالتقييم الوجداني الفوري للرائحة وتحديد الاستجابة الانفعالية (انجذاب، خوف، اشمئزاز).
  • المسار الداخلي الحصيني (Entorhinal Projection): يتجه نحو الباحة الشمية الداخلية ليمد الحصين بالمعلومات الحسية الأولية اللازمة لتثبيت وتخزين الذاكرة العرضية المرتبطة بالسياق المكاني والزماني للمثير الشمي.

8. أمثلة وحالات توضيحية وتطبيقية

تتجسد الأهمية الوظيفية للسبيل الشمي الوحشي في مواقف يومية وحالات سريرية بالغة الأهمية. ففي الحياة اليومية، عندما يستنشق شخص رائحة تسرب غاز منزلي أو حريق مفاجئ، لا يحتاج الدماغ إلى تحليل واعي بطيء للموقف؛ إذ تنقل ألياف السبيل الشمي الوحشي الإشارة في أجزاء من الثانية إلى اللوزة الدماغية، مما يُطلق فجأة استجابة الجهاز العصبي الودي للكر والفر (Fight or Flight) بارتفاع ضربات القلب وإفراز الأدرينالين واليقظة القصوى قبل أن يتمكن الشخص حتى من نطق كلمة “حريق”.

أما من منظور الطب النفسي والسريري، فتظهر حالة “الهالات الشمية” (Olfactory Auras) كأحد الأعراض التحذيرية الشائعة في نوبات صرع الفص الصدغي. في هذه الحالات، تؤدي البؤر الصرعية المتولدة قرب المحطات الانتهائية للسبيل الشمي الوحشي في القشرة الكمثرية أو باحة اللوزة إلى شعور المريض برائحة كيميائية أو محترقة شديدة الكراهية لا وجود لها في الواقع الخارجي، يتبعها مباشرة تدفق انفعالي مرعب من مشاعر الخوف والغرابة (Déjà vu)، وهو دليل واضح على الترابط الوثيق بين مسار الشم والدوائر الانفعالية.

9. القياس والتقييم السريري والتجريبي

نظراً لكون السبيل الشمي الوحشي بنية مجهرية ليفية عميقة، فإن تقييمه المباشر يتطلب تقنيات متطورة تجمع بين الفسيولوجيا العصبية والتصوير المتقدم:

  • التصوير بالرنين المغناطيسي لانتشار المادة البيضاء (DTI): يُستخدم لتتبع المسارات الليفية (Tractography) للسبيل الشمي الوحشي، وقياس التباين الكسري (Fractional Anisotropy) لتقييم سلامة الميالين والنزاهة الهيكلية للمحاوير في الأمراض التنكسية.
  • الجهود المحرضة الشمية (Olfactory Event-Related Potentials – OERPs): قياس النشاط الكهربائي للدماغ عبر تخطيط كهربية الدماغ (EEG) استجابة لنبضات شمية كيميائية متزامنة، حيث يعكس كمون موجتي N1 وP2 سرعة وسلامة التوصيل عبر السبيل الشمي الوحشي نحو القشرة.
  • اختبارات العتبة والتمييز الشمي الموحدة: مثل اختبار جامعة بنسلفانيا لتحديد الرائحة (UPSIT) واختبار عصي الشم (Sniffin’ Sticks)، والتي تقدم مؤشرات سلوكية غير مباشرة عن كفاءة المسارات الشمية الصاعدة من البصلة إلى القشرة.
  • التسجيلات الإلكتروفسيولوجية الحقلية في النماذج الحيوانية: استخدام أقطاب ميكروية لتسجيل جهود الفعل الميدانية في ألياف السبيل الشمي الوحشي لدراسة التثبيط والتسهيل المشبكي أثناء استنشاق مركبات فرمونية أو روائح مفترسات.

10. التطبيقات والأهمية النفسية والسريرية

يكتسب السبيل الشمي الوحشي مكانة بارزة في الطب النفسي العصبي المعاصر؛ إذ تشير الدراسات السريرية إلى أن فقدان حاسة الشم (Anosmia) أو تراجع دقة التمييز الشمي يُعدان من أولى العلامات المبكرة لمرض باركنسون ومرض ألزهايمر، حيث تبدأ التجمعات البروتينية السامة مثل لويحات بيتا أميلويد وتشابكات تاو وخيوط ألفا-سينوكلين بالترسب المبكر في البصلة الشمية وتنتقل على امتداد ألياف السبيل الشمي الوحشي لتصل إلى النواة القشرية واللوزة قبل سنوات من ظهور الأعراض الحركية أو التدهور المعرفي الواضح.

وفي سياق الطب النفسي وعلاج الصدمات، يلعب هذا السبيل دوراً محورياً في اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD). فالروائح المقترنة بالصدمة الأصلية (كرائحة الدخان أو البارود أو رائحة عطرية معينة) تنتقل مباشرة عبر السبيل الشمي الوحشي إلى اللوزة الدماغية ومراكز الانفعال، متجاوزة الضوابط التثبيطية للقشرة الجبهية، مما يفسر حدوث الارتجاع العصبي التلقائي العنيف (Flashbacks) واستثارة نوبات الهلع غير المسيطر عليها. يُلهم هذا الفهم علماء النفس اليوم لتطوير استراتيجيات تعريض حسي تعتمد على حاسة الشم لإعادة معالجة الذكريات الصادمة وتفكيك الارتباط الشرطي بين الرائحة والخوف.

11. البحث والأدلة التجريبية

أكدت الأبحاث الرائدة لعالم الأعصاب والتر فريمان (Walter Freeman) حول الديناميكا غير الخطية للأنظمة العصبية الشمية أن السبيل الشمي الوحشي لا يعمل كمجرد كابل سلبي لنقل الإشارات، بل يسهم في تنظيم التزامن العصبي عالي التردد (Gamma oscillations) بين البصلة الشمية والقشرة الكمثرية، مما يعزز التعلم الإدراكي وتصنيف الروائح. وأظهرت دراسات لاحقة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) فائق الدقة (7-Tesla) أن إثارة المستقبلات الشمية بمستخلصات فرمونية أو روائح عاطفية تنشط النواة اللوزية المتصلة بالسبيل الشمي الوحشي في غضون 100-150 مللي ثانية، وهي سرعة فائقة مقارنة بالمعالجة البصرية أو السمعية.

كما أثبتت الدراسات البيولوجية الجزيئية الحديثة أن السبيل الشمي الوحشي يمثل بيئة غنية بالخلايا المغلفة الشمية (Olfactory Ensheathing Cells – OECs)، وهي خلايا دبقية استثنائية تحفز تجدد المحاوير وتوجيه نموها العصبي. تجري حالياً تجارب سريرية لاستخدام هذه الخلايا المستخلصة من مسارات الجهاز الشمي في ترميم إصابات النخاع الشوكي والأعصاب المحيطية المتضررة.

12. الاعتبارات الثقافية والنفسية المقارنة

تتباين استجابة الإنسان للرسائل المنقولة عبر السبيل الشمي الوحشي تبعاً للسياقات الثقافية والاجتماعية؛ فالاستجابة الفسيولوجية العصبية للسبيل متماثلة بيولوجياً عبر جميع البشر، إلا أن التشفير الدلالي والانفعالي في القشرة الكمثرية واللوزة يخضع لتأثير التعلم والخبرات الثقافية التراكمية. فالروائح التي تثير الاشمئزاز الشديد في ثقافة ما (مثل روائح بعض الأطعمة المخمرة كجبن الروكفور أو سمك السورسترومينغ) قد تُعالج كروائح محببة وشهية ومريحة في ثقافات أخرى، نظراً لإعادة صياغة التغذية الراجعة من القشرة الحديثة إلى البنى الحافية المرتبطة بالسبيل الشمي.

علاوة على ذلك، تتميز بعض الشعوب الأصلية في الغابات الاستوائية بمعاجم لغوية هائلة لتوصيف الروائح، مما يعكس مرونة قشرية فائقة في استقبال ومعالجة البيانات المتدفقة من السبيل الشمي الوحشي وتكاملها مع الإدراك البيئي والبقاء، مقارنة بالمجتمعات الحضرية التي شهدت تراجعاً نسبياً في الاعتماد على الشم لحساب البصر والسمع.

13. الانتقادات والنقاشات العلمية والمحددات

تتمحور إحدى أكبر المناظرات العلمية القائمة في علم الأعصاب الحسي حول المدى الحقيقي لـ “استقلال الشم التام عن المهاد”. فبينما يرى الرأي الكلاسيكي السائد أن السبيل الشمي الوحشي يتخطى المهاد مباشرة نحو القشرة الشمية الأولية، يجادل باحثون معاصرون بأن هناك مساراً غير مباشر بالغ الأهمية ينطلق من القشرة الكمثرية إلى النواة الظهرية الإنسية للمهاد (Mediodorsal Thalamic Nucleus) قبل أن يصل إلى القشرة الجبهية الحجاجية، وأن الفصل التام للشم عن المعالجة المهادية يبالغ في تبسيط التعقيد العصبي الشبكي.

كما يثور جدل واسع حول مسألة وجود جهاز ميكعي أنفي (Vomeronasal Organ) وظيفي عند الإنسان البالغ؛ حيث تتباين الآراء حول ما إذا كان السبيل الشمي الوحشي في البشر ينقل إشارات الفرمونات والجاذبية الجنسية كما في القوارض، أم أن هذه الوظيفة قد ضمرت تطورياً وأصبحت محصورة في المعالجة الكيميائية العامة فقط دون مسارات فرمونية حافية مستقلة.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

  • الشريط الشمي (Olfactory Tract): هو الجذع الليفي الكلي الذي يخرج من البصلة الشمية قبل أن ينقسم إلى مسارين؛ حيث يمثل السبيل الشمي الوحشي فرعه الأكبر والأهم وظيفياً، بينما يتلاشى السبيل الإنسي أو يتصل بمناطق الحاجز الشفاف.
  • القشرة الكمثرية (Piriform Cortex): هي المنطقة القشرية التي تستقبل نهايات محاوير السبيل الشمي الوحشي؛ فالسبيل هو “سلك التوصيل المحواري”، بينما القشرة هي “مركز المعالجة والتحليل والتفسير”.
  • العصب الشمي (Olfactory Nerve): هو العصب القحفي الأول المكون من ألياف دقيقة غير ميالينية تربط المستقبلات في الظهارة الأنفية بالبصلة الشمية، وهو يسبق السبيل الشمي الوحشي في التسلسل الحسي العصبي.
  • السبيل الشمي الإنسي (Medial Olfactory Tract): حزمة ألياف أصغر تنحرف نحو الخط المنصف للدماغ وتتصل بالنواة الشمية الأمامية والباحة الحاجزية، وتلعب دوراً هامشياً مقارنة بالهيمنة الحسية للسبيل الوحشي.

15. الخلاصة والنقاط الجوهرية

يمثل السبيل الشمي الوحشي شريان الربط العصبي الحصري الذي ينقل المثيرات الشمية من بصلة الشم إلى القشرة الكمثرية والجهاز الحافي بصورة مباشرة ودون وساطة مهادية أولية. تمنحه هذه البنية الاستثنائية مكانة محورية في استدعاء الذكريات العاطفية والتنظيم الانفعالي السريع وردود الفعل الغريزية الضرورية للبقاء. كما تشكل نزاهته الهيكلية والتوصيلية مؤشراً حيوياً مبكراً لتشخيص العديد من الاضطرابات النفسية والأمراض التنكسية العصبية، ليظل هذا السبيل شاهداً على البدايات التطورية للمخ البشري وتداخله العميق بين الحواس والوجدان.

المراجع

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 1). السبيل الشمي الوحشي: جسر الدماغ بين الرائحة والعاطفة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/lateral-olfactory-tract/
looti, Mohammed. “السبيل الشمي الوحشي: جسر الدماغ بين الرائحة والعاطفة.” عرب سايكلوجي, 1 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/lateral-olfactory-tract/.
looti, Mohammed. “السبيل الشمي الوحشي: جسر الدماغ بين الرائحة والعاطفة.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/lateral-olfactory-tract/.