يُمثّل قياس المفاهيم النفسية والوجدانية غير الملموسة أحد أعقد التحديات الإبستمولوجية والمنهجية التي واجهت العلوم الإنسانية منذ بواكير نشأتها التجريبية، إذ كيف يمكن تحويل شعور باطني، أو موقف قيمي، أو اتجاه نفسي غير مرئي إلى بيانات كمية دقيقة قابلة للتحليل الإحصائي والاستدلال العلمي؟ برز مقياس ليكرت بوصفه حجر الزاوية والأداة السيكومترية الأكثر شيوعاً وتأثيراً في التاريخ المعاصر لفض هذا الاشتباك المنهجي، موفراً جسراً رياضياً متيناً يعبر بالباحث من فضاء الانطباعات الكيفية الرخوة إلى رصانة الأرقام والبيانات الإمبريقية المنضبطة.
مقياس ليكرت
1. المفهوم والتعريف الموجز
مقياس ليكرت هو أداة سيكومترية تهدف إلى قياس الاتجاهات، والآراء، والقيم، والسمات الوجدانية عبر تدريج استجابي تراكمي يقيس درجة موافقة المستجيب أو معارضته لسلسلة من العبارات التقريرية المتعلقة بظاهرة نفسية محددة. يرتكز المقياس على افتراض جوهري مفاده أن الشدة النفسية للاتجاه الكامن يمكن تقديرها كمياً عن طريق مجموع أو متوسط الدرجات التي يحصل عليها الفرد عبر مجموعة من البنود المتسقة داخلياً.
في أدبيات السيكومتريا الحديثة، يُفرّق المتخصصون بين “بند ليكرت” (Likert-type item) بوصفه السؤال الفردي المزود بسلم استجابة متدرج، وبين “مقياس ليكرت” (Likert scale) الكامل، وهو المقياس التراكمي الجمعي الذي يضم بنوداً متعددة تتضافر معاً لقياس مفهوم مجرد واحد (Unidimensional Construct). ولا يقف المقياس عند مجرد رصد الرأي الظاهري، بل يسعى إلى سبر أغوار البنية النفسية الكامنة وراء السلوك الإنساني عبر فئات استجابة مرتبة خطياً تعكس التدرج الانفعالي والمعرفي للمستجيب.
وفقاً للتعريف المعتمد لدى جمعية علم النفس الأمريكية، فإن هذا التدريج يُمكّن الباحثين من صياغة بدائل استجابة تتراوح عادة بين قطبين متناقضين (مثل: أعارض بشدة إلى أوافق بشدة)، متضمنة في الغالب نقطة ارتكاز حيادية، مما يجعل منه وسيلة قياسية مرنة لقياس التباين الفردي في مختلف مجالات علم النفس والعلوم السلوكية والاجتماعية.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق
يعود أصل التسمية إلى اسم واضعه، عالم النفس الاجتماعي والإحصائي الأمريكي رينسيس ليكرت (Rensis Likert؛ 1903–1981)، الذي قدم هذه التقنية القيادية المبتكرة عام 1932 في أطروحته الشهيرة لنيل درجة الدكتوراه في جامعة كولومبيا بعنوان “تقنية لقياس الاتجاهات” (A Technique for the Measurement of Attitudes). وقد تكرس اسمه علمياً ليوصف به المقياس كمركب إسنادي اصطلاحي في اللغات العالمية كافة.
أما من حيث الجذور الدلالية لمفهوم “المقياس” في المعاجم العربية، فإنه مشتق من الجذر اللغوي الثلاثي (ق-ي-س)، ومصدره القِياسُ، وهو تقدير الشيء بالشيء لمماثلته به أو معرفة مقداره، والمِقْيَاس هو الآلة أو الأداة التي يُقاس بها الشيء المقدر. وفي السياق النفسي الحديث، جرى تعريب ونقل المصطلح اللاتيني (Scalare بمعنى التسلق والتدرج عبر درجات السلم) ليصبح مقياساً تدريجياً، ليعكس المعنى الوظيفي الدقيق لنقل الحالات الوجدانية عبر درجات سلمية متصاعدة ومتسقة من الشدة.
3. الصيغة النحوية والاستعمال الصرفي
يُعامل مصطلح “مقياس ليكرت” في اللغة العربية الفصحى معاملة المركب الإضافي؛ حيث يُعرب لفظ “مقياسُ” اسماً مشتقاً على وزن مِفْعَال (اسم آلة)، ويرفع وينصب ويجر حسب موقعه الإعرابي في الجملة، في حين يُعرب اسم “ليكرتَ” مضافاً إليه مجروراً، وهو اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف لعلة العلمية والعجمة، فتكون علامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة ما لم يُعرّف بأل. وتُجمع الكلمة جمع تكسير على “مقاييس ليكرت”.
من الناحية الصوتية، يقع كثير من الباحثين في خطأ نطق الاسم كأنه مشتق من الكلمة الإنجليزية (Like)، فينطقونه خطأً بفتح اللام وسكون الياء (لايكرت)، في حين أن النطق الصحيح وفق ما أكده ليكرت نفسه والجمعيات اللسانية السيكولوجية هو بكسر اللام مع ترقيقها /lɪk.ərt/ (لِكَرْت)، وهو النطق الصوتي القياسي المستقر في الخطاب الأكاديمي الرصين.
4. الشرح المفاهيمي الموسع
يرتكز مقياس ليكرت على فرضية سيكومترية مفادها أن الاتجاهات الإنسانية ليست مجرد قرارات ثنائية حدية (نعم/لا، أو صحيح/خاطئ)، بل هي كيانات وجدانية ومعرفية تتسم بالطبيعة المستمرة (Continuous Continuum). إن الاتجاه النفسي يتشكل كطيف متدرج تتفاوت فيه درجات القبول والرفض بحسب قوة الدافع، وثبات المعتقد، وعمق الموقف العاطفي؛ ومن ثم، فإن محاولة حصره في تصنيفات قطعية مجحفة يؤدي إلى تشويه البيانات وفقدان ثراء الظاهرة النفسية وتنوعها الفريد.
يقوم منطق عمل المقياس على تقديم بنود استبيانية محكمة الصياغة تتضمن عبارات تعبر عن وجهات نظر إيجابية أو سلبية بصورة واضحة، ولا تحتمل الغموض أو التأويل المزدوج. يُطلب من المستجيب إسقاط موقفه الباطني باختيار فئة استجابة محددة ضمن مدى كمي محدد سلفاً. يتم ترميز هذه الفئات عددياً؛ ففي مقياس خماسي كلاسيكي، تُمنح الاستجابات قيماً عددية متسلسلة، مثل: (1 = أعارض بشدة، 2 = أعارض، 3 = محايد، 4 = أوافق، 5 = أوافق بشدة)، مع ضرورة عكس درجات البنود السلبية (Reverse-coded items) لضمان اتساق الوجهة القياسية لكافة المؤشرات.
إن النطاق المفهومي لمقياس ليكرت يتجاوز حدود الأسئلة الفردية المنعزلة؛ فالقيمة العلمية تكمن في مجموع الدرجات (Summative Rating) المحسوبة عبر جميع المفردات التي تقيس السمة الواحدة. هذا البناء التراكمي هو الذي يمنح المقياس قدرته الفائقة على تصفية الخطأ العشوائي الكامن في أي مفردة بمفردها، محققاً بذلك استقراراً سيكومترياً وثباتاً رياضياً يستند إلى قدرة المجموع العام على التعبير الصادق عن المتغير النفسي الكامن (Latent Variable) بدرجة عالية من الدقة.
علاوة على ذلك، يمتد الإطار المفاهيمي للمقياس ليشمل أبعاداً استجابية متعددة، فلا يقتصر على قياس “الاتفاق والمعارضة”، بل يتسع ليقيس محاور أخرى متجانسة في الفلسفة التدريجية نفسها، مثل أبعاد التكرار (دائماً، غالباً، أحياناً، نادراً، أبداً)، ومحاور الرضا (راضٍ جداً إلى غير راضٍ على الإطلاق)، ومستويات الأهمية، ودرجات الفاعلية، مما يمنحه اتساعاً تطبيقياً مرناً يجعله لغة التعبير الإحصائي الموحدة في أبحاث الشخصية والتقويم الوجداني والمعرفي.
5. التطور التاريخي
قبل ابتكار مقياس ليكرت في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، كانت جهود قياس الاتجاهات النفسية محكومة بتعقيدات بالغة وبطء منهجي حاد، وكان النموذج السائد آنذاك هو “مقياس الفترات المتساوية الظاهرية” الذي وضعه لويس ثيرستون (Louis Thurstone) عام 1928. تطلب نموذج ثيرستون حشد أعداد غفيرة من المحكمين الخبراء لفرز مئات العبارات وتصنيفها يدوياً لتحديد قيمها الميزانية على خط متصل، وهي عملية كانت تستهلك وقتاً هائلاً وموارد لوجستية جسيمة، فضلاً عن تأثر قيم العبارات بذاتية المحكمين وتحيزاتهم الثقافية.
شهد عام 1932 نقطة تحول جذرية حين نشر رينسيس ليكرت دراسته التأسيسية، حيث اقترح تجاوز مرحلة لجان التحكيم المطولة، معتمداً بدلاً من ذلك على التقييم المباشر من قبل عينة المستجيبين أنفسهم، وتجميع درجات البنود حسابياً لتكوين درجة كلية معبرة. أظهرت النتائج الإمبريقية لليكرت أن مقياسه الجمعي المبسط لا يقل كفاءة وصدقاً عن طريقة ثيرستون المعقدة، بل يتفوق عليها في مستويات الثبات الداخلي وسهولة التطبيق الميداني والتحليل الإحصائي.
خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومع بزوغ الثورة الإحصائية وتطور التحليل العاملي، مر مقياس ليكرت بمرحلة رسوخ منهجي؛ حيث ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمعامل الاتساق الداخلي الذي صاغه لي كرونباخ عام 1951 (ألفا كرونباخ). مكن هذا التطور الباحثين من قياس الثبات بدقة متناهية والتأكد من نقاء البعد الأحادي للمقاييس المنشأة.
وفي الربع الأخير من القرن العشرين وحتى اللحظة المعاصرة، اندمج مقياس ليكرت في النماذج الإحصائية المتقدمة مثل نمذجة المعادلة البنائية (SEM) ونظرية الاستجابة للمفردة (Item Response Theory – IRT)، وتحديداً نموذج الاستجابة المتدرجة (Graded Response Model) الذي طوره فوميكو ساميجيما (Samejima). هذا التطور نقل مقياس ليكرت من كونه مجرد تقنية جمع حسابي كلاسيكية إلى أداة نمذجة رياضية معقدة قادرة على تقدير موثوقية كل فئة استجابية بدقة إحصائية متناهية في بيئات البحث الرقمية والمعلوماتية المعاصرة.
6. الأسس والمرتكزات النظرية
يستند مقياس ليكرت إلى أرضية إبستمولوجية صلبة تمتح من عدة نظريات سيكومترية ورياضية كبرى، وفي مقدمتها نظرية القياس الكلاسيكي (Classical Test Theory – CTT). تفترض هذه النظرية أن الدرجة الملاحظة التي يحصل عليها المفحوص على المقياس تتكون من مركبتين: الدرجة الحقيقية للسمة النفسية، وخطأ القياس العشوائي. يرتكز منطق مقياس ليكرت الجمعي على فكرة أن تجميع استجابات متعددة حول نفس السمة يؤدي إلى إلغاء الأخطاء العشوائية لبعضها البعض، مما يجعل الدرجة الكلية تقترب رياضياً من الدرجة الحقيقية للاتجاه المقاس.
يرتكز المقياس كذلك على افتراض البعدية الأحادية (Unidimensionality)، وهو الأساس القائل بأن مجموعة العبارات المنضوية تحت مقياس فرعي معين تقيس بالفعل مفهوماً نفسياً متجانساً لا تشوبه أبعاد متداخلة. وللتحقق من هذا الافتراض، يعتمد علماء النفس القياسي على التحليل العاملي التوكيدي (CFA) للتأكد من أن تشبعات البنود تتجه جميعها نحو العامل الكامن المفترض، دون تشتت يفسد دلالة الدرجة التراكمية الإجمالية.
أما على الصعيد السلوكي المعرفي، فإن الاستجابة لمقياس ليكرت تتطابق مع نظرية المعالجة المعرفية للمعلومات؛ حيث يمر المستجيب بسلسلة من العمليات العقلية المعقدة تبدأ بفهم وتفسير العبارة (Comprehension)، ثم استرجاع الذكريات والمشاعر والمعتقدات ذات الصلة من الذاكرة طويلة المدى (Retrieval)، ثم دمج هذه المعلومات وتكوين حكم تقويمي باطني (Judgment)، وأخيراً إسقاط هذا الحكم الداخلي وتعيينه بدقة على بديل الاستجابة الأنسب المتاح على السلم التقديري (Response Mapping).
7. المكونات الأساسية والأنواع والأبعاد
يتألف مقياس ليكرت الرصين من بنية هيكلية محددة تتكامل أجزاؤها لضمان كفاءة القياس وموثوقيته، وتتوزع هذه العناصر والخيارات التصنيفية وفق ما يلي:
- جذع العبارة (Item Stem): وهو النص التقريري الصريح الذي يحمل المضمون النفسي أو السلوكي المستهدف، ويشترط فيه الوضوح الإنشائي، والتركيز على فكرة واحدة، وتجنب النفي المزدوج أو التراكيب الانفعالية المشحونة التي توجه المستجيب قسراً.
- سلم الاستجابة المتدرج (Response Scale): منظومة الخيارات المتسلسلة والمتقابلة منطقياً والموضوعة أمام المفحوص ليحدد موقعه إزاء الجذع.
- المقاييس الفردية (Odd Scales): المقاييس التي تحتوي على عدد فردي من الخيارات (مثل 5 أو 7 أو 9 نقاط)، وتتميز باحتوائها على نقطة المنتصف أو الخيار المحايد الذي يمنح المستجيب غير المتبني لموقف حدي حرية التعبير عن وسطيته دون إكراه.
- المقاييس الزوجية (Even/Forced-Choice Scales): المقاييس التي تستبعد نقطة الحياد متضمنة خيارات ثنائية أو رباعية أو سداسية، وتُعرف بمقاييس الاختيار الإجباري، حيث تهدف إلى إلزام المستجيب بالانحياز إلى أحد الشقين (الموافقة أو الرفض) ومنع الهروب إلى المنطقة الرمادية.
- المقاييس ثنائية القطب (Bipolar Scales): التدريجات التي تبدأ بقطب معارض، وتمر بالحياد، وتنتهي بقطب مؤيد تماماً، وهي النموذج الأوسع انتشاراً.
- المقاييس أحادية القطب (Unipolar Scales): التدريجات التي تقيس حضور السمة أو غيابها تدريجياً، كأن تتدرج من (غير موجود إطلاقاً) إلى (موجود بأعلى درجة ممكنة)، وتستخدم بكثرة في رصد الأعراض الإكلينيكية وشدتها.
8. أمثلة وتطبيقات توضيحية
تتنوع صياغات مقاييس ليكرت بتنوع مجالات القياس النفسي والاجتماعي. لتوضيح ذلك إمبريقياً، نورد هنا نموذجاً مصغراً لمقياس ليكرت خماسي النقاط يهدف إلى قياس “الرضا الوظيفي الداخلي”، حيث يُطلب من المستجيب تحديد درجة موافقته على العبارات التقريرية الآتية عبر التدريج الممتد من (1 = أعارض بشدة، 2 = أعارض، 3 = محايد، 4 = أوافق، 5 = أوافق بشدة):
- العبارة 1 (اتجاه إيجابي): “أشعر بالفخر والاعتزاز بالمهام اليومية التي أنجزها في بيئة عملي الحالية”. (ترميز طبيعي: 1 إلى 5).
- العبارة 2 (اتجاه إيجابي): “تتيح لي وظيفتي استخدام مهاراتي وقدراتي الإبداعية إلى أقصى حد ممكن”. (ترميز طبيعي: 1 إلى 5).
- العبارة 3 (اتجاه سلبي – مقلوب): “ينتابني شعور مستمر بالإحباط وعدم الجدوى بمجرد بدئي في مهام عملي”. (ترميز معكوس: 5 = أعارض بشدة، وصولاً إلى 1 = أوافق بشدة).
في دراسة حالة تطبيقية في عيادة للطب النفسي، يمكن استخدام مقياس سباعي النقاط لقياس مستوى “القلق الاجتماعي الكامن” عبر بنود تتعلق بالمشاعر السلبية أثناء التحدث أمام الجمهور؛ فالمستجيب الذي يسجل الدرجة القصوى (7) على معظم العبارات الإيجابية للقلق، والدرجة الدنيا (1) على العبارات المعكوسة الخاصة بالثقة بالنفس، يحصل على درجة تراكمية مرتفعة تدل بوضوح سيكومتري على شدة الأعراض، مما يوجه المعالج السلوكي المعرفي لتصميم خطة علاجية مخصصة للتعامل مع هذا النمط الاستجابي المرتفع.
9. القياس والتقويم السيكومتري
يتطلب التحقق السيكومتري من جودة مقياس ليكرت تطبيق معايير صارمة تتناول الصدق والثبات. من زاوية الثبات، يُعد حساب معامل ألفا كرونباخ الإجراء الأكثر تقليدية وشيوعاً لتقييم الاتساق الداخلي للبنود؛ حيث تُعتبر القيم التي تتجاوز 0.70 مقبولة، وما يتجاوز 0.80 يعتبر ممتازاً للأبحاث التطبيقية والتشخيصية، مع التوجه الأكاديمي المعاصر نحو استخدام معامل “أوميغا ماكدونالد” (McDonald’s Omega) بوصفه بديلاً أكثر متانة وتخلصاً من قيود افتراض تعادل تباينات البنود التاوية (Tau-equivalence).
أما من جهة الصدق، فيخضع المقياس للتحقق من صدق المحتوى من خلال لجان الخبراء لتأكيد تمثيل البنود لجميع مظاهر المفهوم، متبوعاً بالتحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA) لإثبات الصدق البنائي والتحقق من البنية العاملية للمقياس وقدرته على التمايز عن المفاهيم المجاورة (الصدق التقاربي والتمايزي).
يثور في السيكومتريا جدل منهجي كلاسيكي حول طبيعة بيانات مقياس ليكرت: هل تُعامل كبيانات رتبية (Ordinal data) أم كبيانات فترية مسافية (Interval data)؟ الحقيقة الرياضية الصارمة تؤكد أن البند المنفرد ذو الاستجابات المحددة هو متغير رتبي بحت، لا يمكن افتراض تساوي المسافات السيكولوجية بدقة بين نقاطه (فالمسافة النفسية بين ‘محايد’ و’أوافق’ قد لا تطابق تماماً المسافة بين ‘أوافق’ و’أوافق بشدة’). ومن ثم ينبغي نظرياً استخدام الإحصاء اللابارامتري (مثل الوسيط، واختبار مان-ويتني، واختبار كروسكال-واليس) مع البنود المنفردة.
ومع ذلك، أثبتت الدراسات التجريبية المحاكية الواسعة (Monte Carlo studies) أن تجميع بنود ليكرت المتعددة وتكوين درجات تراكمية ينتج توزيعات تقترب كثيراً من التوزيع الطبيعي المستمر، مما يبرر منهجياً للمشتغلين بالبحوث النفسية استخدام الأساليب الإحصائية البارامترية الأكثر قوة ومرونة، مثل المتوسط الحسابي، والانحراف المعياري، وتحليل التباين (ANOVA)، ونمذجة الانحدار المتعدد، شريطة تحقق شروط التوزيع والاتساق الداخلي العالي للمقياس الكلي.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحتل مقياس ليكرت مكانة محورية وتطبيقية استثنائية عبر طيف عريض من الميادين الإنسانية والمهنية؛ ففي علم النفس الإكلينيكي والطب النفسي، تقوم أشهر أدوات التشخيص السريري، مثل قائمة بيك للاكتئاب (BDI) ومقياس التفضيل الذاتي لروزنبرغ، على تعديلات مباشرة ومتقدمة لصيغة ليكرت لتقدير شدة الأعراض المرضية ومراقبة التحسن العلاجي عبر جلسات العلاج النفسي.
وفي علم النفس التنظيمي والإداري، يمثل المقياس الركيزة الأساسية لاستطلاعات رأي الموظفين، وتقييم المناخ المؤسسي، وقياس الاحتراق النفسي والالتزام المؤسسي والرضا المهني وفعالية القيادة. تتيح هذه التقييمات للمؤسسات الكبرى اتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على مؤشرات سلوكية قابلة للمعايرة المقارنة (Benchmarking).
أما في علم النفس التربوي، فيُستخدم المقياس لتقويم اتجاهات الطلاب نحو المواد الدراسية، ورصد مستويات القلق الأكاديمي، وتقييم كفاءة المعلمين وطرق التدريس من منظور الدارسين. ويمتد نفعه العملي إلى أبحاث التسويق وسلوك المستهلك لرصد تجربة المستخدم ورضاه عن المنتجات، وإلى العلوم السياسية ودراسات الرأي العام لرصد اتجاهات الشعوب حيال السياسات والقرارات الاجتماعية الحساسة.
11. البحث العلمي والأدلة الإمبريقية
أولى الباحثون في القياس النفسي عناية بالغة للتحقق التجريبي من معايير بناء مقياس ليكرت؛ ومن أبرز القضايا التي حسمها البحث الإمبريقي مسألة “العدد الأمثل لنقاط الاستجابة”. أظهرت دراسات موسعة قادها باحثون سيكومتريون مثل برستون وكولمان (Preston & Colman, 2000) أن المقاييس ذات الخمس والسبع نقاط توفر أعلى مستويات الصدق التنبؤي والموثوقية السيكومترية مقارنة بالمقاييس القصيرة جداً (نقطتان أو ثلاث نقاط) التي تفقد الكثير من تباين البيانات، أو المقاييس الطويلة جداً (أكثر من 10 نقاط) التي تسبب إجهاداً معرفياً للمستجيب وتزيد من أخطاء التصنيف العشوائي.
وقد أثبتت الدراسات المنهجية أن المقياس السباعي يتيح حساسية إحصائية أعلى في التمييز بين الفروق الدقيقة في السمات الوجدانية العميقة، في حين يظل المقياس الخماسي هو الأفضل والأكثر كفاءة وسرعة في استطلاعات الرأي العام والمسوح المجتمعية الميدانية الشاملة التي تستهدف عينات ديموغرافية متباينة في مستويات التعليم والوعي الإدراكي.
كما بينت الأبحاث المقارنة المنشورة في دوريات علم القياس النفسي الرصينة أن صياغة البنود باتجاهات متعاكسة (مزيج متوازن من عبارات إيجابية وأخرى سلبية) يقلل بشكل ملحوظ من أخطاء الانحياز الآلي للموافقة، على الرغم من أن ذلك قد يضيف أحياناً عاملاً طفيلياً إضافياً يرتبط بأسلوب قراءة العبارات السالبة، مما يستوجب توخي الحذر الشديد والوضوح اللغوي التام عند صياغة العبارات المعكوسة في الممارسات البحثية الميدانية.
12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافية
تفرض المقارنات عبر الثقافية تحديات منهجية معقدة عند استخدام مقياس ليكرت؛ إذ يتأثر سلوك الإجابة بالأنماط الثقافية السائدة في المجتمعات (Response Styles). فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات المقارنة بين الثقافات أن المستجيبين في الثقافات الجمعية (Collectivist cultures)، كما في بعض المجتمعات الشرق آسيوية والعربية، يميلون إحصائياً نحو “نزعة التحيز للمركز” (Central Tendency Bias) واختيار الخيار المحايد لتجنب التطرف في إبداء الرأي والحفاظ على التناغم الاجتماعي.
في المقابل، يميل المستجيبون في الثقافات الفردية (Individualistic cultures)، وخاصة في بعض المجتمعات الغربية وأمريكا اللاتينية، نحو “نزعة الاستجابة المتطرفة” (Extreme Response Bias)، واختيار أقصى أطراف المقياس للتعبير الحاسم عن فردانيتهم وتمايز آرائهم الشخصية، وهو ما يفرض إشكالية سيكومترية عند مقارنة المتوسطات الخام بين مجتمعات متباينة.
يستدعي ذلك من الباحثين عند نقل المقاييس وترجمتها عبر الثقافات ألا يكتفوا بالترجمة اللغوية المباشرة، بل إجراء ما يُعرف بـ “التكييف والتكافؤ الثقافي والسيكومتري” (Cross-Cultural Equivalence). يشمل ذلك التحقق من التكافؤ القياسي للقياس (Measurement Invariance) باستخدام التحليل العاملي التوكيدي متعدد المجموعات (MGCFA)، للتأكد من أن الكتل الثقافية المختلفة تفسر دلالات فئات الاستجابة وتدرجات المقياس بنفس البنية المفاهيمية والدقة القياسية.
13. الانتقادات والنقاشات المنهجية والمحددات
على الرغم من المكانة الطاغية لمقياس ليكرت، فإنه واجه عدداً من الانتقادات المنهجية الرصينة من قبل علماء القياس المتقدم، وتتمحور هذه الانتقادات حول المآخذ الآتية:
- تحيز المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability Bias): ميل المستجيبين الواعي أو اللاواعي إلى اختيار الإجابات التي تجعلهم يبدون بصورة مقبولة أخلاقياً واجتماعياً في نظر الباحث، بدلاً من التعبير الصادق عن اتجاهاتهم الحقيقية، خاصة في القضايا الحساسة مثل العنصرية، والنزاهة، والاضطرابات النفسية.
- انحياز الموافقة الآلية (Acquiescence Bias): وهو نزعة بعض المفحوصين إلى الموافقة الروتينية على أي عبارة يقرؤونها بغض النظر عن محتواها الفعلي، وهو ميل شخصي يتطلب معالجته إدراج عبارات معكوسة التوجه ومراقبة زمن الاستجابة.
- معضلة النقطة المحايدة (The Ambiguity of the Midpoint): يعد خيار “محايد” من أكثر النقاط إثارة للجدل؛ إذ يعجز الباحث عن معرفة الدلالة الفعلية وراء اختياره؛ فهل يعبر عن موقف وسطي حقيقي مدروس، أم عن جهل تام بالموضوع، أم عن عدم اكتراث وكسل ذهني، أم عن خوف وتحفظ من الإفصاح عن الموقف الحقيقي؟
- إشكالية تساوي المسافات السيكولوجية: يفترض التحليل الإحصائي الكلاسيكي أن الفارق السيكولوجي بين فئات الاستجابة متساوٍ تماماً، وهو افتراض رياضي مثالي قد لا يتطابق بالضرورة مع الواقع الإدراكي المتذبذب للإنسان العادي.
14. المصطلحات ذات الصلة وأوجه التمايز
تتشابك أدوات القياس السلوكي في أشكالها الظاهرية، مما يستوجب ضبط الفروق الدقيقة بين مقياس ليكرت والتقنيات القياسية الأخرى عبر المحددات الآتية:
- مقياس ثيرستون (Thurstone Scale): يعتمد على مقاييس متساوية الفترات ظاهرياً وتُمنح عباراته قيماً وزنية محددة مسبقاً بواسطة لجان تحكيم مستقلة، ويجيب المستجيب بالاختيار فقط للعبارات التي تعبر عن رأيه (نعم/لا)، بخلاف ليكرت الذي يقيس درجات الموافقة التراكمية على كل بند مباشرة دون الحاجة لأوزان تحكيم مسبقة.
- مقياس غوتمان التراكمي (Guttman Scalogram): مقياس تراكمي حتمي؛ حيث ترتب البنود في تسلسل تدريجي متصاعد الشدة، بحيث إذا وافق المستجيب على بند معين، يُفترض حتماً موافقته على جميع البنود الأقل منه شدة؛ بينما مقياس ليكرت احتمالي جمعي لا يشترط هذا الترتيب التسلسلي الصارم للبنود.
- مقياس التمايز الدلالي لأوزجود (Semantic Differential Scale): يقيس المعنى الدلالي والانفعالي للمفهوم عبر استخدام أزواج من الصفات المتضادة (مثل: دافئ – بارد، قوي – ضعيف، عادل – ظالم) موضوعة على سلم من 7 نقاط دون عبارات تقريرية كاملة، في حين يركز ليكرت على بنود تقريرية كاملة الصياغة تقيس الاتجاه مباشرة.
- مقياس المسافة التناظرية البصرية (Visual Analogue Scale – VAS): يعتمد على خط مستقيم مستمر يحدد المستجيب موقعه عليه بوضع علامة يدوية أو رقمية بين نقطتين طرفيتين (مثل ألم منعدم إلى ألم لا يطاق)، وهو قياس متصل حقاً ولا يتكون من فئات عددية منفصلة محددة كما هو الحال في مقياس ليكرت.
15. الملخص والخلاصة المعرفية
يمثل مقياس ليكرت ركيزة إبستمولوجية ومنهجية لا غنى عنها في القياس النفسي والاجتماعي المعاصر؛ فبفضل بنيته التراكمية البسيطة والذكية، استطاع أن يقدم حلاً عملياً لتحويل البنى الوجدانية والمفاهيم الكامنة إلى مؤشرات كمية دقيقة تقبل التحليل الإحصائي الصارم. يرتكز المقياس على تقديم بنود تقريرية تتدرج استجاباتها على خط بياني يعكس التباين الفردي في شدة الاتجاه النفسي للمفحوصين.
وعلى الرغم من التحديات والانتقادات المرتبطة بالتحيزات الاستجابية ومعضلة الفترات الرتبية، يظل مقياس ليكرت الأكثر استقراراً وقبولاً في الأوساط الأكاديمية والمهنية حول العالم، لا سيما مع تطور النماذج السيكومترية الحديثة ونظرية الاستجابة للمفردة التي رفعت من كفاءته القياسية. وتظل القيمة الذهبية للمقياس كامنة دائماً في براعة الصياغة المفاهيمية للبنود، والتحقق الإمبريقي الدقيق من الصدق والثبات، والوعي السيكولوجي العميق بالسياقات الثقافية والإنسانية للمستجيبين.
المراجع
- Boone, H. N., & Boone, D. A. (2012). Analyzing Likert data. Journal of Extension, 50(2), 1-5.
- Cronbach, L. J. (1951). Coefficient alpha and the internal structure of tests. Psychometrika, 16(3), 297–334. https://doi.org/10.1007/BF02310555
- Likert, R. (1932). A technique for the measurement of attitudes. Archives of Psychology, 22(140), 1–55.
- Nunnally, J. C., & Bernstein, I. H. (1994). Psychometric theory (3rd ed.). McGraw-Hill.
- Preston, C. C., & Colman, A. M. (2000). Optimal number of response categories in rating scales: Reliability, validity, discriminating power, and respondent preferences. Acta Psychologica, 104(1), 1–15. https://doi.org/10.1016/S0001-6918(99)00050-5