يعد الدماغ البشري أحد أكثر الأعضاء تعقيداً في الكون، وتتجلى هذه العبقرية البيولوجية في تلك التلافيف والأخاديد الدقيقة التي تتيح مساحة سطحية هائلة لاستيعاب مليارات العصبونات المسؤولة عن العمليات الإدراكية والنفسية المعقدة. ومع ذلك، تقف بعض الاضطرابات النمائية النادرة شاهدة على هشاشة هذا التطور الجنيني البديع، ويأتي اضطراب تملس الدماغ (انعدام تلافيف الدماغ) في مقدمة هذه الحالات التي تبدل البنية المعمارية للقشرة المخية بالكامل. يقدم هذا الدليل الأكاديمي الشامل استكشافاً معمقاً للظاهرة من زواياها الجنينية، والعصبية، والسريرية، والنفسية، مع تفكيك آثارها الوخيمة على المسار النمائي للطفل وأسرته.
تملس الدماغ (Lissencephaly)
1. التعريف الموجز والدلالة المفاهيمية
تملس الدماغ (المعروف طبياً باسم انعدام تلافيف الدماغ) هو اضطراب خلقي نادر ينتمي إلى عائلة اضطرابات الهجرة العصبونية القشرية، ويتسم بالغياب الكلي أو الجزئي للتلافيف والأخاديد الطبيعية في القشرة المخية، مما يمنح الدماغ مظهراً خارجياً أملس وغير مطوي. ينجم هذا الاضطراب عن فشل الخلايا العصبية الجنينية في الهجرة من الطبقات البطينية العميقة نحو السطح الخارجي للدماغ خلال الثلثين الثاني والثالث من الحمل.
يتجاوز هذا الشذوذ البنيوي مجرد كونه عيباً تشريحياً؛ إذ إنه يرتبط بنيوياً باختلال وظيفي قشري جسيم. يولد الرضيع المصاب بخلل حاد في التنظيم الخلوي للدماغ، حيث تفقد القشرة المخية طبقاتها الست التقليدية وتتحول إلى بنية غير منتظمة مؤلفة عادة من طبقتين إلى أربع طبقات غير متمايزة وظيفياً. ينعكس ذلك سريرياً على هيئة إعاقة ذهنية بالغة الشدة، وتأخر نمائي شامل، ونوبات صرع معندة على العلاج، واضطرابات حركية ونفسية حركية عميقة ترافق الفرد طوال حياته.
2. التأثيل اللغوي والنشأة الاصطلاحية
يعود الأصل اللغوي للمصطلح إلى اللغة الإغريقية القديمة، حيث يتألف لفظ (Lissencephaly) من شقين: الشق الأول هو الجذر الإغريقي lissos (λισσός) ويعني «أملس» أو «ناعم»، والشق الثاني هو enkephalos (ἐγκέφαλος) المشتق بدوره من en (في الداخل) وkephale (الرأس)، للدلالة على «الدماغ» أو «ما في داخل القحف». وبناءً على ذلك، تعني الكلمة حرفياً «الدماغ الأملس».
دخل المصطلح الأوساط الطبية والتشريحية في منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لوصف الحالات التي كانت تُكتشف أثناء التشريح المرضي بعد الوفاة، قبل أن يتبلور في العصر الحديث مع ظهور تقنيات التصوير العصبي بالرنين المغناطيسي ليصف طيفاً واسعاً من الاضطرابات الناتجة عن تعطل هجرة الخلايا العصبية الجنينية.
3. البنية النحوية والاستعمال التداولي في اللغة العربية
في المعاجم الطبية واللغوية العربية المعاصرة، يُصنف المصطلح كمركب إضافي: تَمَلُّس الدِّمَاغ (مصدر الفعل الخماسي تَملَّسَ، أي صار ناعماً أو أملس، مضافاً إلى الدماغ)، أو انْعِدَام تَلَافِيف الدِّمَاغ (مصدر انعدم مضافاً إلى جمع تكسير تَلْفِيفَة). كلاهما اسمان جامدان يدلان على صفة مرضية خلقية مزمنة.
تُستخدم هذه التسميات في سياق الطب السريري، وعلم النفس العصبي النمائي، والوراثة الطبية، حيث يقال «يعاني الطفل من تملس الدماغ التقليدي»، وتُعرب كلمة «تملسُ» حسب موقعها الإعرابي في الجملة بينما يكون «الدماغِ» مضافاً إليه مجروراً بالكسرة الظاهرة.
4. الشرح المفاهيمي المفصل والأبعاد البيولوجية
لفهم ظاهرة تملس الدماغ بدقة، يجب الغوص في الآلية البيولوجية المعقدة لتشكل القشرة المخية في الأجنة البشرية. في الوضع الطبيعي، تبدأ الخلايا السلفية العصبية (Neural Progenitor Cells) بالانقسام في المنطقة البطينية المحيطة ببطينات الدماغ بين الأسبوعين السابع والعشرين من الحمل. بعد اكتمال انقسامها، تشرع هذه العصبونات في رحلة هجرة شعاعية عملاقة باتجاه السطح الخارجي مستعينة بألياف الدبقيات الشعاعية (Radial Glia) كسقالات ترتكز عليها للوصول إلى مواقعها النهائية.
تتحرك الخلايا وفق نموذج يسمى «الهجرة من الداخل إلى الخارج» (Inside-out pattern)، حيث تستقر الخلايا الأقدم في الطبقات الأعمق، في حين تتجاوزها الخلايا الأحدث لتشكل الطبقات الأكثر سطحية، حتى تكتمل الطبقات الست المميزة للقشرة المخية. في حالة تملس الدماغ، يتوقف هذا الحراك الميكانيكي الدقيق بصورة مفاجئة أو غير منتظمة في مراحل مختلفة نتيجة طفرات تعطل بروتينات الهيكل الخلوي ومحركات الأنابيب الدقيقة (Microtubules).
ينجم عن هذا التوقف احتجاز أعداد هائلة من العصبونات في المادة البيضاء المتوسطة أو تشكل قشرة سميكة للغاية غير منتظمة لا تتعدى ثلاث أو أربع طبقات غير منظمة. تفتقر هذه القشرة إلى الدوائر العصبية التشابكية السليمة التي تنظم التثبيط والاستثارة، مما يؤدي مباشرة إلى صدمة كهربائية فسيولوجية مستمرة تترجم إلى نوبات صرعية مستمرة تعيق أي نمو معرفي أو نفسي حركي للطفل المصاب.
من الناحية النفسية السلوكية، يتجلى هذا الخلل الهيكلي في عجز الطفل عن تطوير استجابات تفاعلية متقدمة؛ حيث يتعطل التواصل البصري الواعي، وتغيب الاستجابات الاجتماعية العاطفية المعتادة، ويظهر تباين شاسع بين العمر الزمني والمستوى التطوري العصبي للطفل، بحيث يظل في مراحل حسية حركية أولية جداً لا تتعدى الأسابيع الأولى من التطور الإنساني الطبيعي.
5. التطور التاريخي والمحطات العلمية
يعود التوثيق الأولي لظاهرة الدماغ الأملس إلى الأدبيات التشريحية في القرن التاسع عشر، حيث كان الفحص العياني للجثث يكشف أحياناً عن أدمغة عديمة التلافيف، وغالباً ما كانت تُصنف كحالات تخلف عقلي مجهولة المصدر دون فهم خلفيتها العضوية. في عام 1953، وصف الطبيبان ميلر (Miller) ودياكر (Dieker) متلازمة تجمع بين ملامح وجهية خاصة وتشوهات قحفية وجهية جنباً إلى جنب مع انعدام تلافيف الدماغ، وهي ما عُرف لاحقاً باسم متلازمة ميلر دياكر (Miller-Dieker Syndrome).
شهد العقد الأخير من القرن العشرين قفزة علمية كبرى مع تطور التحاليل الوراثية الجزيئية وتقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي عالي الدقة. ففي عام 1993، تمكن فريق بحثي بقيادة دوبرينز وزملاؤه من استنساخ جين LIS1 على الكروموسوم 17، والذي كشف عن الآلية الجزيئية المسببة لمتلازمة ميلر دياكر وتملس الدماغ المعزول. تلا ذلك في عام 1998 اكتشاف جين DCX (دوبلكورتين) المرتبط بالكروموسوم X، مما فتح آفاقاً جديدة في تصنيف هذه الاضطرابات وفهم تباينها الوراثي بناءً على الجنس وموقع الطفرة.
6. الأسس النظرية والنماذج التفسيرية
تستند دراسة تملس الدماغ إلى نموذج متداخل يجمع بين بيولوجيا الخلية العصبية والنظرية النمائية التطورية. تفترض النظريات العصبية الخلوية أن الحركة العصبية تتطلب توازناً دقيقاً في ديناميكا الهيكل الخلوي داخل الخلية العصبية المهاجرة، وتحديداً مركب الأنابيب الدقيقة وبروتينات الداينين والميوسين المعتمدة على الأدينوسين ثلاثي الفوسفات لتوفير القوة الميكانيكية لسحب النواة (Nucleokinesis) باتجاه الاستطالة الخلوية المتقدمة.
تُفسر النظريات المعرفية التطورية، مثل مقاربة بياجيه للنمو الحسي الحركي من منظور عصبي، كيف يؤدي الحرمان من القشرة المخية المنظمة إلى تعطيل بناء المخططات المعرفية الأساسية. إن غياب التمايز الوظيفي بين باقات القشرة الحسية والبصرية والحركية يحرم الدماغ من تشكيل خرائط حسية حساسة، مما يحبس الطفل في حالة من ردود الفعل الانعكاسية البدائية دون القدرة على دمج المنبهات البيئية أو تشكيل ذاكرة إجرائية أو انفعالية معقدة.
7. الأنماط والمكونات والأبعاد السريرية
يقسم أطباء الأعصاب والجينات تملس الدماغ إلى عدة أنماط رئيسية بناءً على المظهر الشعاعي والخلل الجيني الكامن:
- تملس الدماغ التقليدي (النمط الأول – Type 1): يتسم بقشرة مخية سميكة مكونة من أربع طبقات مع غياب شبه كامل للتلافيف (Agyria) أو تضخم قليل في التلافيف (Pachygyria). يرتبط هذا النمط بطفرات في جين LIS1 (الذي يسبب عادة تدرجاً مرضياً يزداد شدة في الفصوص الخلفية/الجدارية)، أو جين DCX (الذي يُظهر تدرجاً في الفصوص الأمامية).
- تملس الدماغ الحصوي (النمط الثاني – Type 2 / Cobblestone Lissencephaly): يرتبط بفرط هجرة العصبونات عبر الغشاء القاعدي الدماغي إلى المسافة تحت العنكبوتية، مما يعطي سطح الدماغ مظهراً حبيبياً يشبه رصيف الحجارة. يرتبط هذا النمط باعتلالات العضلات الخلقية مثل متلازمة ووكر-واربورغ (Walker-Warburg syndrome) ومرض فوكوياما.
- متلازمة ميلر-دياكر: نمط شديد ينجم عن حذف ميكروي في الذراع القصير للكروموسوم 17 (17p13.3) يشمل جين LIS1 وجينات مجاورة، ويترافق مع تشوهات وجهية فريدة (جبهة بارزة، أنف قصير منقلب، حنك مشقوق) وعيوب خلقية قلبية وكلوية وتأخر نمائي مميت في سنوات الطفولة الباكرة.
- تملس الدماغ المرتبط بالكروموسوم X مع تشوهات الأعضاء التناسلية (XLAG): ينجم عن طفرات في جين ARX، ويتسم باضطراب التنظيم الحراري للجسم، ونوبات صرع تظهر منذ اليوم الأول، وغموض في الأعضاء التناسلية لدى الذكور.
- ثخانة التلافيف الموضعية (Pachygyria): شكل أخف نسبياً يقتصر فيه انعدام التلافيف على مناطق دماغية محددة بينما تظهر التلافيف في مناطق أخرى ولكن بحجم عريض وغير طبيعي.
8. أمثلة وحالات سريرية توضيحية
تساعد النماذج السريرية في استيعاب التحدي اليومي الذي يواجه الأطباء ومقدمي الرعاية عند التعامل مع هذا الاضطراب:
- الحالة الأولى (تملس الدماغ الكلاسيكي المرتبط بطفرة LIS1): طفل يبلغ من العمر ستة أشهر أُحيل إلى عيادة الأعصاب بسبب نوبات تشنجية متكررة تُعرف بـ «تشنجات الرضع» (Infantile Spasms) وفشل في تحقيق المعالم النمائية (عدم القدرة على رفع الرأس أو التتبع البصري). أظهرت صورة الرنين المغناطيسي قشرة ناعمة خالية من التلافيف بسماكة 12 ملم في المناطق القذالية والجدارية، مع تخطيط دماغي يوضح نمط «اللانظمية المفرطة» (Hypsarrhythmia). يُظهر الطفل تأخراً إدراكياً عميقاً ونقصاً شديداً في التوتر العضلي الهيكلي.
- الحالة الثانية (متغاير الزيجوت لجين DCX عند الإناث): طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات تعاني من صرع بؤري مستعصٍ وصعوبات تعلم متوسطة إلى شديدة. أظهر الفحص الشعاعي وجود شريط مزدوج من المادة الرمادية أسفل القشرة (Subcortical Band Heterotopia)، وهي متلازمة تعرف أيضاً باسم «الدماغ المزدوج»، وتعد النسخة الأخف من تملس الدماغ لدى الإناث نتيجة لتعطيل الكروموسوم X العشوائي، مما سمح ببعض الوظائف الإدراكية مقارنة بنظائرها من الذكور.
9. القياس والتقييم والتشخيص الفارق
يعتمد تشخيص تملس الدماغ على تكامل استقصائي دقيق يجمع بين تقنيات الأشعة، والفحوصات الوراثية، والتقييمات النمائية العصبية المعيارية:
يعد التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) المعيار الذهبي لتشخيص الحالة؛ حيث يتيح فحص سماكة القشرة المخية، وتقييم شكل البطينات الدماغية، وتحديد نمط التدرج (أمامي أم خلفي)، ورصد شذوذات الجسم الثفني والمخيخ. في العصر الراهن، يمكن في بعض الأحيان رصد مؤشرات غياب التلافيف خلال الثلث الثالث من الحمل باستخدام الموجات فوق الصوتية التوليدية المتطورة والرنين المغناطيسي الجنيني.
تُجرى بعد ذلك الاختبارات الجينية الجزيئية، مثل الفحص بالمصفوفة الدقيقة للكروموسومات (Chromosomal Microarray) وتسلسل الإكسوم الكامل (Whole Exome Sequencing)، لتحديد الطفرة الجينية الدقيقة المسؤولة عن الحالة. بالتوازي مع ذلك، يُستخدم تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لرصد النشاط الصرعي وتحديد الأنماط الشاذة لوصف مضادات التشنج المناسبة. أما التقييم النفسي والنمائي فيعتمد على مقاييس تطورية مثل مقياس بيلي لنمو الرضع والأطفال (Bayley Scales)، والتي تكشف عادة عن أداء يقع في الحضيض النمائي في جميع المجالات (الحركية، والتواصلية، والمعرفية).
10. التطبيقات والأهمية العملية للرعاية المتكاملة
نظراً لعدم وجود علاج شافي لتملس الدماغ حتى الآن، تتمحور الرعاية السريرية والنفسية حول الإدارة متعددة التخصصات التي تهدف إلى تحسين جودة حياة المريض ودعم الأسرة:
- الإدارة الدوائية للصرع: يُعد ضبط التشنجات التحدي الطبي الأكبر؛ إذ يتطلب الأمر في الغالب تجربة بروتوكولات دوائية متعددة مثل الفيجاباترين (Vigabatrin)، والهرمون الموجه لقشر الكظر (ACTH)، وحمض الفالبرويك، ونظام الغذاء الكيتوني لتقليل تكرار النوبات ومنع التدهور العصبي الحاد.
- التدخلات الفيزيائية والتأهيل الحركي: يواجه الأطفال المصابون تيبساً عضلياً (تشنجاً) أو ارتخاءً شديداً، مما يستلزم العلاج الطبيعي اليومي لمنع تقلص المفاصل وانحراف العمود الفقري (الجنف)، واستخدام مقاعد ودعامات طبية مخصصة.
- إدارة التغذية والجهاز التنفسي: نظراً لضعف منعكسات البلع وعسر البلع العصبي (Dysphagia)، فإن معظم هؤلاء الأطفال يكونون عرضة للالتهاب الرئوي التنفسي الاستنشاقي، مما يفرض في كثير من الأحيان التدخل بتركيب أنبوب تغذية معدي (Gastrostomy Tube) لضمان التغذية وتفادي الاختناق.
- الدعم النفسي والاجتماعي للوالدين: تتحمل الأسرة عبئاً نفسياً هائلاً نتيجة صدمة التشخيص والرعاية التمريضية المكثفة على مدار الساعة. تبرز هنا أهمية الإرشاد النفسي للأبوين، وإشراكهم في مجموعات الدعم، وتقديم الاستشارات الوراثية لتحديد احتمالية تكرار الحالة في الأحمال القادمة.
11. الأبحاث الحديثة والأدلة التجريبية
تركز الأبحاث المعاصرة في بيولوجيا الأعصاب على استكشاف الحدود الجزيئية لتطور القشرة الدماغية. قدمت دراسات ريتشارد ولينتون وسيقفريد (2020 وما بعدها) رؤى جديدة حول كيفية تفاعل بروتينات التوبولين (مثل TUBA1A) مع المسارات الحيوية لتوجيه الخلايا، مما يفسر التنوع الإكلينيكي الواسع داخل العائلة المرضية الواحدة.
علاوة على ذلك، فتحت تقنية «العضوانيات الدماغية» (Brain Organoids) المشتقة من الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات (iPSCs) المأخوذة من مرضى تملس الدماغ آفاقاً تجريبية مذهلة. استطاع الباحثون إعادة تخليق «دماغ مصغر ثلاثي الأبعاد» في المختبر يحاكي المراحل الجنينية المبكرة، مما مكنهم من مراقبة فشل هجرة الخلايا العصبية بصورة حية واختبار جزيئات دوائية مستهدفة قد تساعد مستقبلاً في تصحيح مسار البروتينات المعطوبة قبل اكتمال نمو الجنين.
12. الاعتبارات الثقافية والسياقية
تتباين استجابة المجتمعات والأسر لتشخيص تملس الدماغ تبعاً للمنظور الثقافي والديني لمفهوم الإعاقة المزمنة، ومدى توفر شبكات الدعم الصحي الشامل. في بعض البيئات ذات الموارد المحدودة، قد تُعزى التشنجات والجمود الحركي المصاحب للحالة إلى تفسيرات غيبية أو وصمة اجتماعية، مما يؤخر طلب الاستشارة العصبية التخصصية ويحرم الرضيع من الرعاية التلطيفية المبكرة.
أما من المنظور الأخلاقي والطبي الشرعي، تثير القدرة المتزايدة على التشخيص الوراثي والتصويري المبكر للجنين قبل الولادة معضلات أخلاقية ودينية شائكة تتعلق بقرارات الإجهاض الطبي في حال ثبوت الإصابة بالأنماط المميتة من المرض، مما يستوجب توفير خدمات التوجيه الوراثي والنفسي الحساس للسياقات الدينية والثقافية لكل أسرة على حدة.
13. الانتقادات والنقاشات والحدود التصنيفية
يدور في أروقة طب الأعصاب النمائي نقاش مستمر حول كفاية التصنيفات القديمة لتملس الدماغ. يرى العديد من علماء الوراثة العصبية أن تقسيم المرض الصارم إلى «نمط أول» و«نمط ثانٍ» أصبح قاصراً ولا يستوعب التداخل الهائل في الطفرات الوراثية التي تؤثر على البروتينات المشتركة بين الهجرة العصبية واعتلالات النسيج الضام.
هناك أيضاً جدل حول حدود «التدخل الطبي الشديد» مقابل «الرعاية التلطيفية» في الحالات الأكثر حدة (مثل متلازمة ميلر دياكر الشديدة)، حيث يُطرح السؤال الإنساني والمهني حول مدى صواب إجراء العمليات الجراحية المعقدة لإنعاش هؤلاء الرضع وإطالة معاناتهم في ظل انعدام أي إمكانية لتحقيق الحد الأدنى من التفاعل الإدراكي أو الحياة المستقلة.
14. المصطلحات المقترنة والفروق المفاهيمية
تتداخل العديد من المفاهيم مع تملس الدماغ، ويمكن تمييزها وفق الآتي:
- ثخانة التلافيف (Pachygyria): حالة تتميز بتلافيف دماغية قليلة وعريضة للغاية ومسطحة. هي في الواقع جزء من الطيف التشريحي لتملس الدماغ، ولكنها تمثل درجة أقل حدة من غياب التلافيف الكامل (Agyria).
- تعدد التلافيف الصغرية (Polymicrogyria): اضطراب يظهر فيه الدماغ ممتلئاً بتلافيف مفرطة في الصغر والعدد وذات تنظيم قشري شاذ، وتنتج عن خلل في المراحل المتأخرة من الهجرة العصبية أو مرحلة التنظيم القشري، على عكس التملس الذي ينجم عن توقف مبكر في مسار الهجرة.
- انتباذ المادة الرمادية (Heterotopia): كتل طبيعية من العصبونات تستقر في أماكن غير طبيعية (مثل البطينات أو تحت القشرة) بسبب توقفها عن الهجرة، وتعتبر شكلاً موضعياً وأخف من انعدام التلافيف، وغالباً ما تكون قدرات المرضى الإدراكية أفضل بكثير.
- صغر الرأس الخلقي (Microcephaly): انخفاض حجم الجمجمة والدماغ بصورة عامة عن المتوسط الطبيعي، ورغم أنه قد يترافق مع تملس الدماغ في بعض المتلازمات، إلا أنه يعبر عن خلل في تكاثر الخلايا وانقسامها أكثر من كونه عيباً في الهجرة المكانية.
15. ملخص ومحاور جوهرية
يمثل تملس الدماغ أحد أكثر اضطرابات التطور العصبي الجنيني دراماتيكية، حيث يتحول مركز الفكر البشري من شبكة مطوية فائقة الكفاءة إلى سطح أملس يفقد هويته الوظيفية المعقدة. تتلخص أبعاده في الآتي:
- ينتج الاضطراب عن فشل وراثي في مسار هجرة العصبونات خلال الثلثين الثاني والثالث من الحمل.
- تؤدي البنية غير المنظمة للقشرة إلى أعراض شديدة تشمل الإعاقة الذهنية العميقة، والتأخر الحركي، والصرع المستعصي.
- يمثل الرنين المغناطيسي والفحص الجيني الركيزتين الأساسيتين للتشخيص الدقيق وتحديد الطفرة المسؤولة.
- تعتمد الرعاية الطبية الحالية على الإدارة التلطيفية متعددة التخصصات لضبط النوبات وتأمين التغذية ودعم الأسرة نفسياً، بانتظار ما ستسفر عنه أبحاث الخلايا الجذعية والعضوانيات العصبية.
في الختام، يظل تملس الدماغ نافذة بيولوجية فريدة تذكرنا بمدى الدقة الإعجازية التي تتطلبها بنية العقل الإنساني لكي تتشكل وتكتمل؛ فكل تلم وتلفيفة في دماغنا تمثل حكاية رحلة ميكانيكية متناهية الصغر قادتنا لنصبح كائنات واعية ومفكرة، وأي عثرة في هذا المسار ترسم واقعاً إنسانياً مؤثراً يتطلب منا أقصى درجات العلم والتعاطف والتفاني في الرعاية.
المراجع
- Barkovich, A. J., Guerrini, R., Kuzniecky, R. I., Jackson, G. D., & Dobyns, W. B. (2012). A developmental and genetic classification for malformations of cortical development: update 2012. Brain, 135(5), 1348–1369. https://doi.org/10.1093/brain/aws019
- Di Donato, N., Chiari, S., Mirzaa, G. M., Leventer, R. J., & Dobyns, W. B. (2017). Lissencephaly: Expanded imaging and clinical classification. American Journal of Medical Genetics Part A, 173(6), 1473–1488. https://doi.org/10.1002/ajmg.a.38245
- Guerrini, R., & Dobyns, W. B. (2014). Malformations of human neocortex: genes and cellular mechanisms. Trends in Neurosciences, 37(12), 710–719. https://doi.org/10.1016/j.tins.2014.08.011
- Mochida, G. H., & Walsh, C. A. (2001). Molecular genetics of human microcephaly and lissencephaly. Current Opinion in Neurology, 14(2), 151–156. https://doi.org/10.1097/00019052-200104000-00003
- Reiner, O., Carrozzo, R., Shen, Y., Wehnert, M., Faustinella, F., Dobyns, W. B., Caskey, C. T., & Ledbetter, D. H. (1993). Isolation of a candidate gene for Miller-Dieker syndrome and lissencephaly. Nature, 364(6439), 717–721. https://doi.org/10.1038/364717a0