التحليل النفسيالعلوم العصبية الإدراكيةعلم النفس السريري

مفهوم الشبيه في علم النفس: الأبعاد التحليلية والسريرية لظاهرة الازدواج والاغتراب النفسي

دراسة أكاديمية موسوعية تتناول مفهوم الشبيه في علم النفس والتحليل النفسي، مستعرضة نظريات أوتو رانك وفرويد ولاكان، والآليات العصبية لمتلازمات سوء التعرف الوهمي كمتلازمة كابغراس وظاهرة الدوبلغانغر.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل مفهوم الشبيه (The Double / Doppelgänger) أحد أكثر الموضوعات النفسية والتحليلية إثارة للجدل والبحث في تاريخ العلوم السلوكية؛ إذ يمس بصورة مباشرة جوهر الهوية الإنسانية، وإدراك الذات، والتخوم الفاصلة بين العالم الداخلي والواقع الخارجي. إن ظهور صورة الشبيه لا يقتصر على كونه مجرد فكرة أسطورية أو ملمح أدبي يعبر عن الرعب والغرابة، بل يشكل في جوهره بنية نفسية معقدة تكشف عن آليات الدفاع، والانشطار الوجداني، ومسارات التطور النرجسي للأنا. يهدف هذا المدخل الموسوعي إلى تفكيك ظاهرة الشبيه عبر مساءلة جذورها في الفكر الفرويدي واللاكاني، ودراسة تمظهراتها الإكلينيكية ضمن متلازمات سوء التعرف الوهمي، مع تسليط الضوء على آلياتها العصبية والمعرفية في التجربة الإنسانية السوية والمرضية.

المقدمة والتأطير النظري لمفهوم الشبيه

يُعرَّف الشبيه في السياق السيكولوجي بوصفه الإسقاط الخارجي، أو الإدراك المشوه للذات، حيث يواجه الفرد نسخة مطابقة لنفسه، أو يعتقد جازماً بوجود كيان موازٍ يحمل ملامحه أو ملامح شخصيات حميمية محيطة به. يرتبط هذا المفهوم فلسفياً بإشكالية الازدواجية الأنطولوجية وتساؤلات الهوية الشخصية؛ فمواجهة الشبيه تثير فوراً شعوراً عميقاً بـ الغرابة المقلقة (Das Unheimliche)، حيث يتحول ما هو مألوف وحميمي في البنية النفسية إلى مصدر تهديد واغتراب جذري. من خلال هذه الزاوية، لا يمثل الشبيه مجرد جسد مادي موازٍ، بل هو مرآة ديناميكية تعكس رغبات مكبوتة، وصراعات طفولية لم تُحل، ومخاوف فنائية ترتبط بزوال الأنا.

ينطوي التأطير النفسي المعاصر لظاهرة الشبيه على مستويين رئيسيين: المستوى النفس-دينامي الذي يركز على الرمزية اللاشعورية وآليات الانشطار والإسقاط، والمستوى الإكلينيكي العصبي المعرفي الذي يدرس متلازمات سوء التعرف الوهمي (Delusional Misidentification Syndromes) واضطرابات الرؤية الذاتية (Autoscopic Phenomena). في كلا المستويين، يُنظر إلى الشبيه كعلامة دالة على اضطراب في وظائف التكامل الإدراكي والوجداني؛ فعندما تفشل الآليات الدفاعية في الحفاظ على تماسك الأنا ووحدتها، تتشظى الصورة الذاتية لتظهر في الفضاء الإدراكي أو الفكري كشخصية أخرى تترصد بالأصل وتنازعه حقه في الوجود المتفرد.

علاوة على ذلك، يتداخل مفهوم الشبيه بعمق مع علم النفس الاجتماعي والثقافي؛ فالشعور بالازدواجية والتماهي مع شبيه خارجي ليس مقصوراً على الحالات الذهانية الحادة، بل يمتد إلى تشكلات رمزية في الوعي الجمعي والطقوس الثقافية. إن الشبيه يمثل تمثيلاً بَصرياً ومفهومياً للقلق الوجودي حيال الفناء، وهو ما دفع العديد من رواد التحليل النفسي إلى اعتباره حيلة دفاعية أولية ابتدعتها البشرية لإنكار حقيقة الموت، قبل أن تتحول هذه الحيلة عبر مسار التطور الروحي والعقلي إلى نذير شؤم وتجسيد للمخاوف الأكثر عتمة في النفس الإنسانية.

الجذور التاريخية والأنثروبولوجية لظاهرة الشبيه

تعود الإرهاصات الأولى لفكرة الشبيه إلى المعتقدات الروحانية والأنثروبولوجية القديمة، حيث ساد الاعتقاد بأن للإنسان ظلاً أو رفيقاً غير مرئي يشاركه كينونته ويرافقه إلى العالم الآخر. في الحضارة المصرية القديمة، تمثل مفهوم “الكا” (Ka) بوصفه الشبيه الروحي أو القرين الحيوي الذي يولد مع الإنسان ويستمر بعد فنائه الجسدي لضمان خلوده، وهو ما يفسر الطقوس الجنائزية المعقدة الموجهة لحماية هذا الكيان التوأمي. كما احتفت الأساطير الإسكندنافية بفكرة “الفاردوغر” (Vardøger) والـ”فيلجيا” (Fylgja)، وهي تجليات أثيرية للشخص تسبقه في الحضور وتعلن عن قدومه، مما يعكس ترسخ فكرة الامتداد المزدوج في الوجدان الإنساني الباكر.

مع تحول المجتمعات نحو الفلسفة العقلانية، انتقلت صورة الشبيه من إطار الحماية والخلود إلى فضاء الميثولوجيا الأدبية بوصفها رمزاً للشؤم والانفصام الداخلي. وتبرز في الفولكلور الجرماني تسمية Doppelgänger، التي تشير إلى الشبيه المتجول الذي يحمل رؤيته نذيراً للموت الوشيك للمشاهد. يعكس هذا التحول التاريخي انتقالاً حاسماً في الوعي الجمعي: فالقرين الذي كان يوماً ما حامياً للذات من الفناء، بات يمثل دليلاً على انشطارها وتفكك يقينها الواعي، وهو تحول خضع لاحقاً لقراءات معمقة في إطار التطور السيكولوجي للأديان والمعتقدات الطوطمية.

في الدراسات الإثنولوجية والأنثروبولوجية التي قاربت الفكر البدائي، وُجد أن خوف الإنسان البدائي من فقدان ظله أو انعكاسه في الماء كان يعادل الخوف من فقدان الروح نفسها. تم التعامل مع الصورة المنعكسة ليس كمجرد ارتداد ضوئي، بل كجوهر حي ومستقل يمثل “الشبيه” الذي إذا وقع تحت أسر ساحر أو أصيب بأذى، تعرض الجسد الأصلي للدمار ذاته. هذه النظرة السحرية البدائية لم تندثر كلياً، بل تم دمجها وكبتها في البنى اللاشعورية للإنسان المعاصر، لتطفو على السطح مجدداً في أشكال الهلاوس البصرية والأوهام السريرية عند حدوث الانهيارات الذهانية.

التحليل النفسي والشبيه: مساهمات أوتو رانك وسيغموند فرويد

يعد كتاب “الشبيه: دراسة نفسية تحليلية” (Der Doppelgänger) الصادر عام 1914 للمحلل النمساوي أوتو رانك (Otto Rank) أول محاولة علمية رصينة لتفكيك هذه الظاهرة من منظور سيكودينامي. لاحظ رانك، من خلال دراسة الأدب العالمي والأساطير وسينما بدايات القرن العشرين (مثل فيلم طالب براغ)، أن تيمة الشبيه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ النرجسية الأولية وعقدة الشعور بالذنب تجاه الموت. استنتج رانك أن الشبيه نشأ في الأصل كآلية دفاعية تهدف إلى تأكيد خلود الذات والتغلب على فكرة التلاشي الحتمي، غير أن تطور البنية الأخلاقية والضمير (الأنا الأعلى) حوّل هذا التوأم النرجسي من حليف واقٍ إلى قاضٍ وملاحق قاهر يذكر الأنا بحدودها وعجزها.

استند سيغموند فرويد (Sigmund Freud) إلى أطروحات رانك في دراسته الشهيرة لعام 1919 حول “الغرابة المقلقة”، حيث عمّق التحليل عبر ربط الشبيه بفكرة الأنا المشطور والنزعات المكبوتة. يرى فرويد أن مواجهة الشبيه تستحضر حالة من الفزع لأنها تعيد إلى السطح أفكاراً ومعتقدات طفولية تخلى عنها العقل الرشيد، مثل القدرة الكلية للأفكار ونرجسية الطفولة المبكرة. الشبيه في الرؤية الفرويدية يتحول إلى مستودع لكافة الإمكانات غير المحققة، والدوافع الشريرة، والرغبات المنهية التي يرفضها الأنا الواعي، فيجري إسقاطها خارجياً لتظهر في صورة كائن مستقل يراقب، ويعاقب، وينزع عن الذات حريتها.

بالإضافة إلى ذلك، رأى فرويد في الشبيه تجسيداً تشريحياً لوظيفة نقد الذات، وهي الوظيفة التي تتبلور لاحقاً في نظريته البنيوية لتشكل “الأنا الأعلى” (Super-Ego). فعندما ينظر الفرد إلى نفسه وكأنه يرى شخصاً آخر، ينشأ انشطار داخل الأنا بين الجزء الذي يختبر الواقع والجزء الذي يراقب ويصدر الأحكام. هذا الانفصال التقييمي يمنح الشبيه سطوته المخيفة؛ إذ يصبح تجسيداً خارجياً لعين الضمير الصارمة التي لا تغفل عن أي رغبة لاشعورية محرمة، مما يجعل رؤيته مصحوبة بمشاعر هائلة من القلق والاضطهاد.

مرحلة المرآة وتشكل الأنا: المنظور اللاكاني

قدم المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان (Jacques Lacan) قفزة نوعية في فهم الشبيه من خلال نظريته التأسيسية حول مرحلة المرآة (Le stade du miroir)، التي تمتد بين الشهر السادس والثامن عشر من عمر الرضيع. يوضح لاكان أن الطفل، الذي يعاني في هذه المرحلة من انعدام التناسق الحركي ويشعر بجسده كشظايا متناثرة (Corps morcelé)، يختبر نشوة نرجسية عارمة حين يرى صورته الموحدة في المرآة. إن هذه الصورة المنعكسة ليست الذات الحقيقية بل هي “شبيه” مثالي، يمثل الأنا المثالي (Idéal du moi) الذي يتأسس خارج الذات، مما يضع بذرة الاغتراب الجوهري في الهوية الإنسانية منذ اللحظات الأولى لتشكلها.

وفقاً للاكان، فإن الأنا يتشكل دائماً عبر وساطة الآخر؛ فالصورة المنعكسة في المرآة هي في آن واحد “أنا” و”ليس أنا”، إنها شبيه يستلب الفرد ويجبره على تعريف نفسه من خلال مظهر خارجي متماسك يتناقض مع فوضاه الداخلية. هذا الازدواج التأسيسي في السجل المتخيل (L’imaginaire) يعني أن العلاقة مع الشبيه تتسم دوماً بعدوانية دفينة وتنافس مميت؛ إذ إن وجود أحدهما يهدد تماسك الآخر ووحدته الوهمية. من هنا، تصبح العلاقة مع الشبيه صراعاً مستمراً إما للتماهي التام معه وإلغاء الفوارق، أو لتدميره دفاعاً عن أصالة الذات واستقلالها.

يمتد هذا التحليل اللاكاني ليفسر كيف يستمر الشبيه في مطاردة الذات الإنسانية خلال مراحل النضج عبر السجل الرمزي (Le symbolique). فعندما يتعرض الفرد لصدمة نفسية تفكك الرابط الرمزي الذي يربطه بالعالم، ينهار استقرار الهوية ويتراجع الفرد إلى السجل المتخيل، حيث يعود الجسد ليتشظى وتظهر الصور المرآتية والازدواجيات كحقائق خارجية مهددة. إن الشبيه في هذا المستوى ليس اضطراباً في البصر، بل هو استرداد قسري لتلك الهشاشة البدائية التي حاول الأنا تغطيتها طوال حياته بقناع التماسك الشكلي.

المتلازمات السريرية وسوء التعرف الوهمي

تنتقل دراسة الشبيه من الفضاء النظري إلى الواقع العيادي الحاد عبر ما يُعرف في الطب النفسي العصبي بـ متلازمات سوء التعرف الوهمي (Delusional Misidentification Syndromes)، والتي تصف حالات مرضية يعتقد فيها المريض بوجود تبدلات وتكرارات للأشخاص أو الأماكن أو الذات. تعتبر هذه المتلازمات من أكثر الاضطرابات إرباكاً للمنظومة العقلية، حيث يعجز الدماغ عن ربط الإدراك الحسي الصائب بالاستجابة العاطفية المعتادة، مما يولد أوهاماً راسخة بوجود أشباه وبدلاء.

  • متلازمة كابغراس (Capgras Delusion): وُصفت لأول مرة عام 1923 بواسطة الطبيب الفرنسي جوزيف كابغراس، ويؤمن فيها المريض إيماناً راسخاً بأن شخصاً مقرباً جداً منه (كالزوجة أو الأب) قد استُبدل بشبيه مطابق شكلياً ومحتال يسعى لإلحاق الأذى به. يحتفظ المريض بالقدرة على التعرف البصري المجرد، لكن الرابط الانفعالي ينقطع، فيفسر العقل غياب المشاعر الدافئة بوجود شبيه مزيف.
  • متلازمة فريغولي (Fregoli Delusion): على النقيض من كابغراس، يعتقد المريض المصاب بمتلازمة فريغولي أن أشخاصاً مختلفين يراهم في الشارع أو المشفي هم في الواقع شخص واحد مألوف يتنكر في هيئات وأشكال مختلفة ويلاحقه، مما يمثل تضخماً في التعرف الوجداني المفرط على حساب الفروق البصرية الفيزيائية.
  • متلازمة الشبيه الذاتي (Syndrome of Subjective Doubles): تُعد هذه الحالة التجسيد السريري المباشر لمفهوم الدوبلغانغر، حيث يدعي المريض وجود نسخة جسدية مطابقة لنفسه تعيش حياة موازية ومستقلة، وغالباً ما يُنسب إلى هذا الشبيه سلوكيات مشينة، أو مهارات تفوق الأصل، مما يعكس انشطاراً ذهانياً حاداً للأنا.
  • متلازمة التحول البيني (Intermetamorphosis): وفيها يرى المريض أن أشخاصاً في محيطه يتبادلون ملامحهم الجسدية والنفسية مع بعضهم البعض بصورة مستمرة، فيتحول الشبيه من حالة ثبات إلى حالة سيلان ديناميكي يهدد استقرار العالم الإدراكي برمته.

تشير الملاحظات السريرية إلى أن هذه المتلازمات ترتبط غالباً باضطرابات نفسية كبرى مثل الفصام البارانويدي، أو بأمراض عصبية عضوية كالتدهور المعرفي، ومرض آلزهايمر، وإصابات الفص الصدغي أو الجبهي الأيمن. ويعد الخطر السريري الأكبر في متلازمات الشبيه هو احتمالية لجوء المريض إلى العنف الشديد ضد الشبيه المفترض؛ إذ يدفع الرعب من “المحتال” المريض إلى الدفاع الاستباقي عن نفسه وعن عائلته بمهاجمة الكيان الذي تم نزع إنسانيته وحميميته عبر وهم الشبيه.

الآليات العصبية والمعرفية لظواهر الرؤية الذاتية والازدواج

تسلط العلوم العصبية المعاصرة الضوء على الأسس البيولوجية لظاهرة الشبيه من خلال فحص ظواهر الرؤية الذاتية (Autoscopic Phenomena)، والتي تنقسم سريرياً إلى ثلاث درجات رئيسية: الهلوسة الذاتية (Autoscopic Hallucination) حيث يرى الشخص طيفاً مرئياً لنفسه دون أن يتخلى عن مركزه الإدراكي، وتجربة الخروج من الجسد (Out-of-Body Experience) حيث يرى الفرد جسده المادي من نقطة مراقبة خارجية مرتفعة، وأخيراً الرؤية الذاتية المتعددة (Heautoscopy) وهي الحالة الأكثر تعقيداً واضطراباً إذ يختبر المريض وجوده في مكانين في آن واحد ويتأرجح وعيه بين الجسد الحقيقي وشبيهه الوهمي.

أثبتت أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وتخطيط الدماغ، لا سيما دراسات عالم الأعصاب السويسري أولاف بلانكي (Olaf Blanke)، أن هذه الظواهر تنتج عن خلل في التكامل متعدد الحواس عند المفصل الصدغي الجداري (Temporoparietal Junction – TPJ). هذا المفصل العصبي هو المسؤول عن دمج الإشارات البصرية والدهليزية واستقبال الحس العميق (Proprioception) لبناء مخطط الجسد وتثبيت الوعي الذاتي المكاني. عندما يحدث اضطراب نوبي أو آفة في هذه المنطقة، يفشل الدماغ في توحيد المعلومات الحسية المتعلقة بموضع الجسد، مما يؤدي إلى إسقاط الوعي بالذات إلى الفضاء الخارجي وظهور تجربة “الشبيه” البصري كخلل عصبي في معالجة الحيز الذاتي.

على المستوى المعرفي، يعتمد تفسير أوهام الشبيه، خاصة وهم كابغراس، على نموذج المسار المزدوج للتعرف على الوجوه لـ (Ellis and Young). يتضمن هذا النموذج مساراً بطنياً يمر عبر التلفيف المغزلي (Fusiform Gyrus) لمعالجة الملامح البصرية الشكلية، ومساراً ظهرياً يمر عبر الجهاز الحوفي (Limbic System) وتحديداً اللوزة الدماغية (Amygdala) لربط الصورة بالشعور العاطفي المصاحب. في متلازمة الشبيه، يظل المسار البصري سليماً تماماً (المريض يدرك أن الملامح تطابق ملامح الشخص المطلوب)، لكن المسار الوجداني يتعرض للتلف؛ فيستنتج العقل من خلال آلية تفسير منطقية شاذة: “إذا كان هذا الشخص يبدو تماماً كأمي، لكنني لا أشعر نحوه بالدفء المعتاد للأمومة، فلا بد إذن أنه ليس أمي، بل هو شبيه ومحتال”.

الشبيه والانفصال النفسي: من الاغتراب إلى اضطراب الهوية التفارقي

لا يقتصر حضور الشبيه على الصور البصرية الخارجية، بل يمتد بعمق إلى مجال الاضطرابات التفارقية (Dissociative Disorders)، حيث يتجلى الشبيه في صورة كيانات وهويات نفسية داخلية تتقاسم وعي الفرد وسلوكه. يمثل اضطراب تبدد الشخصية والغربة عن الواقع (Depersonalization/Derealization Disorder) المرحلة الأولى في هذا الطيف؛ حيث يشعر الفرد وكأنه انفصل عن جسده وأصبح مراقباً خارجياً لأفعاله، فيرى ذاته تتصرف في العالم كأنها “شبيه آلي” يفتقر إلى الروح الحية والأصالة الوجدانية.

في الحالات الأكثر تطوراً، كما في اضطراب الهوية التفارقي (Dissociative Identity Disorder)، تؤدي الصدمات النفسية المتكررة والشديدة في مرحلة الطفولة المبكرة إلى عجز الأنا النامي عن دمج التجارب المؤلمة في هوية واحدة متماسكة. تلجأ المنظومة النفسية حينئذٍ إلى آلية الانشطار التفارقي، حيث يتم خلق هويات بديلة (Alters) تمثل في جوهرها “أشباه متمايزين” يتولى كل منهم مهمة احتواء جوانب معينة من الصدمة، أو إدارة وظائف يومية محددة. هؤلاء الأشباه الداخليون يمتلكون ذكرياتهم الخاصة، ونبرات أصواتهم، وحتى استجاباتهم الفسيولوجية المتباينة، مما يجعل الفرد يعيش في مسرح داخلي مأهول بنسخ مختلفة من الذات.

يمثل هؤلاء الأشباه التفككيون استجابة دفاعية للبقاء على قيد الحياة؛ إذ يقول الطفل المعنف لاشعورياً: “هذا التعذيب لا يحدث لي أنا، بل يحدث لشخص آخر يشبهني”. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية التي أنقذت توازن الطفل تتحول في مرحلة الرشد إلى مصدر عذاب مستمر؛ حيث يدخل الفرد في صراعات حادة مع هؤلاء الأشباه الداخليين الذين يفرضون سيطرتهم على الجسد والوعي، مما يؤدي إلى فترات من فقدان الذاكرة والاغتراب التام عن الذات الأصلية.

المقاربات الإكلينيكية والتدخلات العلاجية لظواهر الشبيه

تتطلب إدارة الحالات السريرية المرتبطة بظاهرة الشبيه مقاربة تشخيصية وعلاجية متعددة المحاور، تدمج بين الطب النفسي الدوائي، والتقييم العصبي الشامل، والعلاجات النفسية المعرفية والدينامية. نظراً لأن أوهام الشبيه تنشأ في كثير من الأحيان كعرض ثانوي لأمراض عضوية أو تنكسية، فإن الخطوة السريرية الأولى تقتضي إجراء فحوصات عصبية دقيقة، تشمل التصوير الدماغي وتخطيط كهربية المخ لاستبعاد الصرع الفصي الصدغي، أو الأورام، أو التدهور المعرفي الوعائي.

من الناحية الدوائية، تلعب مضادات الذهان غير النمطية (مثل الأريبيبرازول، والريسبيريدون، والكويتيابين) دوراً محورياً في تخفيف حدة الأوهام الاضطهادية المرتبطة بوجود الشبيه، عبر تعديل المسارات الدوبامينية والسيروتونينية في الدماغ. وفي الحالات المصحوبة باضطرابات وجدانية أو صدمات تفارقية، يُسهم استخدام مثبتات المزاج ومضادات الاكتئاب في استعادة التوازن الكيميائي العصبي، مما يقلل من الاستثارة الانفعالية المفرطة التي تغذي القلق المرتبط بإنكار الهوية أو الانشطار الذاتي.

على صعيد التدخلات النفسية، يبرز العلاج المعرفي السلوكي للذهان (CBTp) كأداة فعالة لمساعدة المريض على تفكيك الأوهام تدريجياً؛ حيث يعمل المعالج بحذر على تدريب المريض على التشكيك في التفسيرات التآمرية للشبيه دون مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى تصلب دفاعاته. أما في المقاربات الدينامية والتحليلية، فيركز العمل العلاجي على إعادة دمج الأجزاء المشطورة من الأنا، والتعامل مع المخاوف الدفينة من الفناء، وتخفيف النزعات النرجسية الهشة التي تفضل خلق شبيه وهمي خارجي على مواجهة العجز والنقص الداخلي.

خاتمة

يكشف التمحيص الشامل في مفهوم الشبيه أنه ليس مجرد استعارة خيالية أو خطأ إدراكي عابر، بل هو نافذة عميقة تطل على البنية التأسيسية للوعي الإنساني والذات. من التمائم الروحية في الحضارات القديمة الساعية للخلود، إلى التحليلات الفرويدية واللاكانية التي فضحت اغتراب الأنا داخل مرآته الخاصة، وصولاً إلى الاكتشافات العصبية في متلازمات كابغراس وفريغولي والخلل الصدغي الجداري، يظل الشبيه يمثل الهاجس الأزلي للإنسان حيال تفرده ووجوده. إن دراسة الشبيه تؤكد في التحليل الأخير أن إدراكنا لهويتنا هو بناء هش ومركب، وأن المسافة الفاصلة بين الأنا والآخر، وبين الحقيقة والوهم، تظل محكومة بتوازن دقيق بين إشارات الدماغ العصبية، وروابطنا الوجدانية، وتاريخنا النفسي اللاشعوري.

المراجع

  • Freud, S. (1919). The ‘Uncanny’. The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, 17, 217-256.
  • Rank, O. (1971). The Double: A Psychoanalytic Study (H. Tucker, Trans.). The University of North Carolina Press. (Original work published 1914).
  • Lacan, J. (2006). The Mirror Stage as Formative of the I Function as Revealed in Psychoanalytic Experience. In Écrits: The First Complete Edition in English (B. Fink, Trans., pp. 75-81). W. W. Norton & Company. (Original work published 1949).
  • Capgras, J., & Reboul-Lachaux, J. (1923). Illusion des “sosies” dans un délire systématisé chronique. Bulletin de la Société Clinique de Médecine Mentale, 11, 6-16.
  • Ellis, H. D., & Young, A. W. (1990). Accounting for delusional misidentifications. The British Journal of Psychiatry, 157(2), 239-248. https://doi.org/10.1192/bjp.157.2.239
  • Blanke, O., & Mohr, C. (2005). Out-of-body experience, heautoscopy, and autoscopic hallucination of neurological origin: Implications for neurocognitive mechanisms of corporal awareness and self-consciousness. Brain Research Reviews, 50(1), 184-199. https://doi.org/10.1016/j.brainresrev.2005.05.008
  • Christodoulou, G. N. (1991). The delusional misidentification syndromes. The British Journal of Psychiatry, 159(S14), 65-69. https://doi.org/10.1192/S000712500029643X
  • Feinberg, T. E. (2001). Altered Egos: How the Brain Creates the Self. Oxford University Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). مفهوم الشبيه في علم النفس: الأبعاد التحليلية والسريرية لظاهرة الازدواج والاغتراب النفسي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/mafhum-al-shabih-ilm-al-nafs/
looti, Mohammed. “مفهوم الشبيه في علم النفس: الأبعاد التحليلية والسريرية لظاهرة الازدواج والاغتراب النفسي.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/mafhum-al-shabih-ilm-al-nafs/.
looti, Mohammed. “مفهوم الشبيه في علم النفس: الأبعاد التحليلية والسريرية لظاهرة الازدواج والاغتراب النفسي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/mafhum-al-shabih-ilm-al-nafs/.