الشر بذاته: سيكولوجية الجريمة الفطرية والضمير

استكشاف سيكولوجي وقانوني لمفهوم الشر بذاته (Malum in se)، مبيناً جذوره الفطرية في الضمير البشري والعدالة الجنائية وأبعاده النمائية والسلوكية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يقف مفهوم الشر بذاته في نقطة التماس الفاصلة بين العدالة الجنائية والنسيج السيكولوجي للإدراك البشري، مجسداً الأفعال التي يرفضها الوجدان الفطري بصرف النظر عن تقنينها الوضعي. يمثل هذا المبدأ حجر الزاوية في فهم كيفية استجابة الدماغ البشري للانتهاكات الأخلاقية الجسيمة، متجاوزاً حدود النصوص التشريعية ليعبر عن استجابات انفعالية ومعرفية عميقة تجعل من الجريمة اعتداءً مباشراً على البنية التكافلية للمجتمع الإنساني بأكمله.

الشر بذاته (Malum in Se)

1. التعريف الموجز والدقيق

يُعرَّف الشر بذاته (باللاتينية: Malum in se) بأنه مصطلح قانوني وأخلاقي يُطلق على كل فعل يُعد شريراً أو خاطئاً في جوهره وطبيعته الذاتية، بصرف النظر عما إذا كان القانون الوضعي ينص صراحة على تجريمه أو معاقبته. يرتبط هذا المفهوم مباشرة بالحدس الأخلاقي الفطري، حيث يُنظر إلى انتهاكاته على أنها خرق صارخ لمبادئ العدالة والضمير الإنساني العام.

في السياق السيكولوجي والمعرفي، يمثل هذا البناء المفاهيمي السلوكيات التي تثير استجابة نفور انفعالي تلقائي وعالمي، كجرائم القتل العمد، والاغتصاب، وإلحاق الأذى المتعمد بالضعفاء، والخيانة الغادرة. تتشكل هذه الأحكام عبر آليات عصبية-معرفية متجذرة في التطور البشري، حيث تعمل العواطف الأخلاقية الحدسية مثل الاشمئزاز الأخلاقي والتعاطف المشترك كمحددات أساسية لتصنيف هذه الأفعال ضمن دائرة المحظورات المطلقة.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

يعود الأصل اللغوي للمصطلح إلى اللغة اللاتينية الكلاسيكية؛ حيث تتكون العبارة من ثلاثة عناصر نحوية: الاسم المحايد malum والذي يعني «الشر» أو «الأمر السيئ» أو «الضرر»، وحرف الجر in الذي يفيد الظرفية أو السببية الذاتية («في» أو «ضمن»)، والضمير الانعكاسي se الذي يشير إلى الذات («نفسه» أو «ذاته»). وبذلك يكون المعنى الحرفي الدقيق: «الشر القائم في ذاته» أو «الخبيث بطبيعته العينية».

دخل هذا المصطلح الأدبيات الفقهية في إنجلترا خلال العصور الوسطى ضمن تقاليد القانون العام، للتمييز بين الانتهاكات الفطرية الصارخة وتلك المستحدثة بموجب المراسيم الملكية والتنظيمية المسماة القانون الطبيعي مقابل القانون الوضعي. ومع نشأة العلوم الإنسانية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، استعارت المدارس النفسية الجنائية هذا المفهوم لتفكيك الفروق السيكولوجية بين الجانح الفطري أو السيكوباتي، والمنتهك للوائح الإدارية والتنظيمية المجردة.

3. النطق والبنية النحوية والمصطلحية

يُنطق المصطلح باللاتينية الكلاسيكية والقانونية بصوت: /ˈmæləm ɪn ˈseɪ/ أو /ˈmɑːlʊm ɪn ˈseɪ/. أما في الاستعمال اللغوي العربي الفصيح، فيُعرب المصطلح كمركب إضافي ونعتي: «الشَّرُّ بِذَاتِهِ»، حيث تُعرب كلمة «الشر» اسماً مرفوعاً أو مجروراً أو منصوباً بحسب موقعه في الجملة، و«الباء» حرف جر يفيد الملابسة والسببية، و«ذاتِ» اسم مجرور والهاء مضاف إليه. وتستخدم صيغة الجمع القانونية المقابلة: «الشرور بذاتها» أو «الأفعال المحرمة أصالة» مقابل «المحرمات العارضة».

ومن الناحية الصرفية والاصطلاحية، يُصنف كمصطلح اسمي وصفي يُسند إلى الجرائم الجنائية الكبرى، وتتعدد الترجمات المقبولة في المعاجم القانونية والنفسية العربية، ومنها: «الجريمة الأصيلة»، و«الجريمة الطبيعية»، و«المحرم لذاته»، و«الخبث الذاتي»، وتُعد عبارة «الشر بذاته» هي الأدق فلسفياً وسيكولوجياً نظراً لشمولها البعد الأخلاقي والوجداني الكامن وراء النص التجريمي الصريح.

4. الشرح المفاهيمي المعمق

يمثل مفهوم الشر بذاته افتراضاً أن هناك أفعالاً تحمل قبحاً جوهرياً لا يتبدل بتبدل الزمان أو المكان أو السياق الاجتماعي. ينطلق هذا المفهوم في علم النفس الجنائي من فرضية مفادها أن الكائنات البشرية مزودة بجهاز تقييم أخلاقي يرصد الأذى غير المبرر باعتباره تهديداً للوجود البشري. لا يحتاج الطفل النامي أو الإنسان البالغ إلى قراءة قانون العقوبات ليدرك أن قتل الرفيق خلسة أو حرمان الرضيع من غذائه هو فعل شائن؛ فالإدراك الأخلاقي هنا فوري وتلقائي ومدفوع بقوى الضمير والتعاطف الغريزي.

يتسع نطاق المفهوم ليشمل كل ما يهدم الثقة البيولوجية والاجتماعية اللازمة لبقاء الجماعة، ومن ثَمَّ تقع تحت طائلته الجرائم التي تهاجم السلامة الجسدية المباشرة (كالقتل، والتشويه، والتعذيب)، والجرائم التي تستهدف كرامة الكيان الإنساني والحرية الشخصية (كالاغتصاب والاستعباد)، فضلاً عن الاستيلاء الغاشم على وسائل البقاء (كالسطو المسلح والنهب المقترن بالعنف). تتميز هذه الأفعال بأن الاستجابة الانفعالية تجاهها تظل ثابتة ومستقلة عن أي نفع مادي قد يعود على الفاعل أو الجماعة، وتولد مشاعر غضب أخلاقي تستدعي عقاباً تأديبياً حتمياً.

أما حدود المفهوم، فتقف عند التمايز الجوهري بين ما هو شر جوهري وما هو مخالفة شكلية أو إدارية. لا تندرج تحت الشر بذاته الأفعال التي تفتقر إلى قصد الإضرار الخبيث، أو تلك التي تكتسب خطورتها فقط من منع المشرع لها لغايات تنظيمية محضة. فإذا كانت الجريمة لا تثير نفوراً وجدانياً بطبيعتها المجردة دون استحضار النص التنظيمي، فإنها تخرج تلقائياً من دائرة هذا المفهوم، مما يجعل المعيار السيكولوجي للضرر والقصد الجنائي والنفور الجمعي هو المحدد الأساسي لتخوم الظاهرة.

علاوة على ذلك، يرتبط المفهوم ارتباطاً وثيقاً بنظرية العقل واستيعاب مشاعر الآخرين؛ فالأفراد الذين يقترفون أفعالاً تندرج تحت الشر بذاته يظهرون في الغالب إما تعطيلاً معرفياً مقصوداً للتعاطف، أو عجزاً بنيوياً في مراكز معالجة المشاعر بالدماغ، كما هو الحال في اضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع. وبناءً على ذلك، يتعدى المفهوم كونه تصنيفاً نظرياً جامداً، ليغدو نافذة كاشفة لطبيعة التشوهات النفسية والديناميات العصابية والانحرافات التي تضرب البنية الأخلاقية للإنسان في مقتل.

5. التطور التاريخي للمفهوم

تعود الإرهاصات الأولى لمفهوم الشر بذاته إلى الفلسفة اليونانية والرومانية الكلاسيكية، وتحديداً مع كتابات أرسطو حول «العدالة الطبيعية» التي تمتلك القوة ذاتها في كل مكان ولا تعتمد على قبول الناس لها من عدمه، وتطوير شيشرون لمفهوم «القانون الأعلى» المزروع في طبيعة العقل البشري. ومع ذلك، تبلور المصطلح بصورته اللاتينية المحددة في الفقه الكنسي الوسيط، لا سيما في مؤلفات القديس توما الأكويني (1225–1274)، الذي ميز بين الأفعال الخبيثة بطبيعتها لتعارضها مع العقل الإلهي والطبيعي، وتلك التي تكتسب حرمتها من النهي الصريح فقط.

في القرن السابع عشر والثامن عشر، قام فقهاء القانون العام الإنجليزي، ومن أبرزهم السير ويليام بلاكستون (1723–1780) في موسوعته الشهيرة «تعليقات على قوانين إنجلترا»، بإرساء التقسيم الثنائي القانوني الحاسم بين الجرائم الشريرة بذاتها وتلك المحظورة بموجب القوانين الوضعية. واعتبر بلاكستون أن الأفعال من فئة الشر بذاته لا تحتاج إلى تشريع بشري لإثبات خستها، وأن القوانين الوضعية في هذا المضمار لا تفعل سوى كشف العقاب المناسب لفعل هو بالأصل مدان بحكم الوجدان والشرائع الأخلاقية الكبرى.

شهد أواخر القرن التاسع عشر منعطفاً علمياً مهماً مع بزوغ المدرسة الإيطالية في علم الجريمة بقيادة تشيزاري لومبروزو ورافائيل جاروفالو؛ حيث صاغ جاروفالو في عام 1885 مفهوم «الجريمة الطبيعية» (Natural Crime)، وهو المقابل السيكولوجي والاجتماعي المباشر للشر بذاته. جادل جاروفالو بأن الجريمة الحقيقية هي تلك التي تعتدي على المشاعر الأخلاقية الفطرية الثابتة لدى الجنس البشري، والمتمثلة في الشفقة والنزاهة، بغض النظر عن السياق القانوني والسياسي السائد في لحظة تاريخية معينة.

مع تطور النظريات السيكولوجية في النصف الثاني من القرن العشرين، انزاح المفهوم من الفضاء الفلسفي التجريدي إلى الفضاء التجريبي والإمبريقي مع أبحاث جان بياجيه ولورنس كولبرغ في التطور الأخلاقي، ثم مع أبحاث جون هايدت في بدايات الألفية الثالثة حول الأسس الأخلاقية الفطرية. أفضى هذا التحول إلى إدراك أن مصطلح الشر بذاته يعكس في جوهره بديهيات معرفية وأنظمة استجابة عصبية طورتها البشرية كآليات دفاعية لبقاء النوع واستقراره عبر آلاف السنين.

6. الأسس والأطر النظرية

يستند مفهوم الشر بذاته إلى منظومة متكاملة من النظريات السيكولوجية والفلسفية والبيولوجية التي تفسر نشأة الإدراك الأخلاقي، وتتكامل هذه المدارس لتقديم تفسير متسق للأسباب التي تجعل بعض السلوكيات مدانة بذاتها دون حاجة لنص مكتوب:

أولاً، ترتكز هذه الرؤية على أطروحات مدرسة النماء المعرفي-الأخلاقي، لا سيما نظرية لورنس كولبرغ. في مستويات التطور الأخلاقي المتقدمة (مرحلة ما بعد التقليدية)، يدرك الفرد أن بعض الأفعال تنتهك المبادئ الأخلاقية الكونية لحقوق الإنسان وكرامته الذاتية، وهي مبادئ تعلو على القوانين الوضعية والمواثيق الاجتماعية الظرفية. من هذا المنظور السيكولوجي، يُصنف الشر بذاته كاعتداء مباشر على المرحلة العليا من التفكير الأخلاقي، حيث يُنظر إلى انتهاك الحق في الحياة والحرية كاختراق لا يمكن تسويغه بأي مصلحة نفعية.

ثانياً، توفر نظرية الأسس الأخلاقية لجوناثان هايدت إطاراً إمبريقياً بارزاً؛ إذ تفترض أن الإدراك الأخلاقي يتأسس على وحدات معرفية وانفعالية فطرية، أهمها: أساس «الرعاية مقابل الأذى» وأساس «الإنصاف مقابل الغش». الأفعال المصنفة كشر بذاته هي تلك التي توجه ضربة مدمرة ومباشرة لهذين الأساسين بالتحديد؛ مما يؤدي إلى استثارة فورية لمنظومة النفور والاشمئزاز الأخلاقي عبر مسارات عصبية سريعة قبل أن يبدأ التفكير العقلاني التحليلي في موازنة الموقف، وهو ما يفسر الطابع الحدسي التلقائي لرفض هذه الممارسات عالمياً.

ثالثاً، تقدم السيكولوجيا التطورية والبيولوجيا الاجتماعية تفسيراً تكيفياً لوجود هذا المفهوم، مؤكدة أن بقاء المجموعات البشرية البدائية كان مشروطاً بوجود حظر بيولوجي-نفسي مطلق ضد السلوكيات التي تمزق التماسك الداخلي للجماعة؛ كقتل أفراد القبيلة دون مسوغ أو افتراس مواردهم بغدر. وقد أدى الانتقاء الطبيعي إلى تعزيز المشاعر الأخلاقية المانعة والنابذة لهذه السلوكيات، وتطوير دوائر عصبية متخصصة في الدماغ البشري تُعاقب الفاعل بمشاعر ذنب ساحقة، وتدفع المحيطين به إلى ممارسة الإقصاء والردع العقابي الصارم لحفظ النوع.

7. المكونات الرئيسة والأبعاد والأنماط

يتألف مفهوم الشر بذاته من منظومة من الأبعاد السيكولوجية والخصائص السلوكية التي تميزه عن غيره من الانتهاكات، ويمكن تفكيك هذه المكونات على النحو الآتي:

  • القصدية والخبث السيكولوجي (Mens Rea الفطري): يتطلب تصنيف الفعل كشر بذاته وجود نية متعمدة أو إهمال جسيم مصحوب ببرود انفعالي أو رغبة واعية في إحداث الألم والمعاناة للضحية دون أي مبرر نفسي أو واقعي مقبول.
  • عالمية النفور الأخلاقي: يشكل الإجماع الإنساني العابر للجغرافيا والثقافات عنصراً جوهرياً؛ إذ تتفق المجتمعات البشرية قاطبة، عبر التواريخ المختلفة، على بشاعة هذه الجرائم وقبحها الذاتي.
  • الضرر المباشر والجسيم: يرتبط الفعل دوماً بوقوع أذى حاد يصيب الكيان المادي، أو الجسدي، أو النفسي للضحية، مما يترك ندوباً عميقة تستهدف شروط الوجود الإنساني الآمن.
  • الانتهاك للثقة والتضامن الإنساني: تمثل هذه الأفعال قطيعة جذرية مع العقد النفسي غير المكتوب الذي يضمن الأمان التبادلي بين البشر في المجتمع الواحد.
  • الاستثارة الانفعالية السلبية التلقائية: يولّد الفعل مشاعر فورية من الاشمئزاز، والغضب الاستنكاري، والرغبة في القصاص، وهي انفعالات سيكولوجية تسبق أي محاكمة قضائية أو تفسير فلسفي.

وتنقسم الأنماط الأساسية المنضوية تحت هذا البناء المفاهيمي إلى ثلاثة أصناف رئيسة:

  • جرائم ضد البقاء والسلامة الجسدية: كالقتل العمد، والتعذيب الممنهج، والاعتداء البدني العنيف، والتشويه المتعمد.
  • جرائم ضد الحرمة الشخصية والكرامة الإنسانية: كالاعتداء الجنسي، والاغتصاب، واستغلال الأطفال، والاتجار بالبشر والاستعباد.
  • جرائم ضد الأمانة المجتمعية والملكية الأساسية: كالسرقة المصحوبة بالإكراه المسلح، والغدر بعهود الأمان الحيوية، وإشعال الحرائق العمدي الذي يعرض حياة الأبرياء للهلاك.

8. النماذج التطبيقية ودراسات الحالة

تتعدد المشاهد الحياتية والسريرية التي تجسد مفهوم الشر بذاته على أرض الواقع، حيث يبرز الفعل مجرداً من أي مشروعية ويحكم عليه الضمير الجمعي بالإدانة المطلقة:

تتمثل الحالة الأولى في جرائم القتل المتسلسل المرتكبة بدافع المتعة السادية؛ حيث تُظهر ملفات الطب النفسي الشرعي للجناة (مثل تيد بندي أو جون وين جيسي) أفعالاً تفي تماماً بمعايير الشر بذاته. في هذه الجرائم، لا يمكن لأي مجتمع أو ثقافة أن ترى في مطاردة الأبرياء وخنقهم وتعذيبهم عملاً مباحاً؛ إذ يمثل السلوك هنا عدواناً وحشياً مجرداً ومنافياً لكل مقومات الإنسانية، وتستجيب المنظومة النفسية العامة للمجتمع بصدمة انفعالية بالغة تستوجب العزل النهائي للجاني لحماية النسيج البشري.

أما الحالة الثانية، فتتضح في جرائم الاعتداء الجنسي واستغلال الأطفال (Child Sexual Abuse)؛ فالطفل، بحكم ضعفه النمائي واعتماده الكلي على الرعاية الراشدة، يمتلك حصانة سيكولوجية وأخلاقية فطرية في الوجدان الإنساني. إن اختراق هذه الحصانة وإلحاق الأذى بالطفولة لا يُعد مجرد مخالفة لقوانين حماية القاصرين الوضعية، بل هو تجسيد حي للشر الكامن في ذاته، الذي يثير نفوراً بيولوجياً وسيكولوجياً عارماً ويهدد استمرارية الجماعة وأمنها العاطفي في الصميم.

والحالة الثالثة تبرز في التطهير العرقي والإبادة الجماعية، كالتي شهدتها رواندا أو مذابح سربرنيتسا؛ فحتى لو قامت السلطة السياسية الحاكمة أو القانون الوضعي المحلي بتشريع إبادة جماعة بشرية معينة وإصدار أوامر رسمية لتنفيذها، فإن الوعي الإنساني ومحاكم العدالة الدولية تُصنف هذه الأفعال فوراً كجرائم ضد الإنسانية وكشرور بذاتها. إن صدور الأمر عن سلطة عليا لا يمحو البشاعة الجوهرية للقتل الجماعي، مما يثبت استقلالية هذا المعيار الأخلاقي عن التراخيص الإدارية والسياسية الصادرة عن الأنظمة الشمولية.

9. القياس والتقييم السيكولوجي

على الرغم من أن الشر بذاته مفهوم كيفي ونوعي، إلا أن علم النفس المعاصر والطب النفسي الشرعي قاما بتطوير أدوات ومقاييس سيكومترية لتقييم الاستجابات المرتبطة به، وقياس العجز السلوكي والعصبي لدى مرتكبيه:

أولاً، يُستخدم مقياس الاعتلال النفسي المعدل لروبرت هير (Hare Psychopathy Checklist-Revised – PCL-R) كأداة تشخيصية رئيسة في تقييم الشخصيات التي تقدم على ارتكاب أفعال الشر بذاته بدم بارد. يقيس هذا الاختبار العوامل الانفعالية المتصلة بالقسوة، وغياب الندم، والافتقار للتعاطف، والنزعة التلاعبية، مما يساعد الخبراء على تفسير الأساس السيكوباتي لارتكاب الفظائع الأصيلة دون استشعار وخز الضمير.

ثانياً، تعتمد أبحاث علم النفس الاجتماعي والأخلاقي على معضلات التقييم الأخلاقي (Moral Dilemmas Tests) مثل «معضلة العربة» ونماذج التعدي الشخصي (Footbridge Variant)، لقياس مدى صرامة الحدس الأخلاقي لدى الأفراد. تكشف هذه الأدوات الفروق الفردية في تصنيف الأفعال؛ حيث يظهر معظم المشاركين نفوراً قاطعاً من الأفعال التي تتطلب تدخلاً جسدياً مباشراً لإلحاق الأذى بإنسان آخر حتى لو كان ذلك لتحقيق منفعة أكبر، مؤكدين المرجعية النفسية الراسخة لمبدأ تحريم الشر بذاته.

ثالثاً، تُوظف تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) ومقاييس التوصيل الكهربائي للجلد لرصد الاستجابات الفسيولوجية؛ حيث أظهرت الدراسات العصبية نشاطاً مكثفاً في اللوزة الدماغية (Amygdala) والقشرة الجبهية الحجاجية (OFC) والجزيرة الدماغية (Insula) عند مواجهة مشاهد تمثل انتهاكات الشر بذاته. يسجل هؤلاء الأفراد استجابة فسيولوجية تشير إلى الاشمئزاز والخوف الشديدين، بينما يظهر الجناة الساديون والسيكوباتيون انخفاضاً ملحوظاً أو غياباً تاماً لتلك المؤشرات العصبية والفسيولوجية، مما يشكل قاعدة إمبريقية لتشخيص الخلل الأخلاقي السريري.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يمتد الأثر العملي لمفهوم الشر بذاته إلى نطاقات حيوية تشمل المحاكمات الجنائية، والتشخيص الإكلينيكي، والتنشئة التربوية والسياسات الإصلاحية:

في ميدان العدالة الجنائية والطب الشرعي، يلعب المفهوم دوراً فاصلاً في إبطال الدفوع القانونية المستندة إلى «الجهل بالقانون». تنص القواعد القضائية الراسخة على أنه لا يمكن لأي متهم بالقتل أو التعذيب أو الاغتصاب أن يحتج بجهله بوجود قانون مكتوب يحظر تلك الأفعال؛ فالأصل السيكولوجي يقتضي أن الإدراك السليم بطبيعة الفعل كافٍ تماماً لإثبات المسؤولية الأخلاقية والجنائية. كما يؤثر هذا التصنيف تأثيراً مباشراً في تشديد العقوبات ومستويات الحراسة في المؤسسات العقابية نظراً للخطورة الإجرامية المتأصلة.

في نطاق الطب النفسي والعلاج السلوكي، يساعد التمييز بين الأفعال الشريرة بذاتها وتلك الناجمة عن مخالفات تنظيمية في تحديد خطط التدخل النفسي للمذنبين؛ فالأفراد الذين يقترفون أفعال الشر بذاته يتطلبون عادة برامج علاجية مكثفة تستهدف إعادة بناء وظائف التعاطف، وعلاج اضطرابات الشخصية العنيفة والتحكم في الدوافع، بينما تستهدف البرامج مع منتهكي القوانين الإجرائية مجرد تعزيز الوعي بالقوانين والاندماج المجتمعي والتنظيمي.

أما في المنظومة التربوية وتنشئة الأطفال، فيؤسس هذا المفهوم لكيفية غرس القيم الأخلاقية لدى الناشئة؛ إذ تركز التربية الفعالة على تدريب الطفل على فهم الضرر الجوهري للأفعال وتأثيرها على الآخرين بدلاً من الاعتماد الحصري على الخوف من العقاب الشكلي الخارجي. إن توعية الطفل بأن السرقة أو إيذاء الأقران أمر شائن بذاته ينمي داخله رقابة داخلية ذاتية وضميراً حياً يصاحبه طوال مراحل حياته دون الحاجة إلى حضور شرطي دائم.

11. الأبحاث والأدلة الإمبراطورية والتجريبية

شهدت العقود الأخيرة طفرة في الدراسات النفسية والعصبية التي سعت لاختبار صحة وجود أسس فطرية مستمرة تحكم تمييز البشر للأفعال الخبيثة بطبيعتها:

أجرى الباحث كينتس أكسلرود دراسات رائدة في مجال سيكولوجيا التطور والتعاون الإنساني، تبعتها أبحاث كارين وين وبول بلوم في جامعة ييل حول «أخلاقيات الرضع». اختبرت دراسات مركز إدراك الطفل أطفالاً في عمر ستة إلى تسعة أشهر عبر مسرحيات للعرائس تتضمن شخصية تعيق شخصية أخرى وتؤذيها عمداً مقابل شخصية تقدم المساعدة. أظهرت النتائج تفضيل الأطفال الرضع بنسبة كاسحة للشخصية المساعدة ونفورهم التام من الشخصية المؤذية، مما قدم دليلاً تجريبياً ثورياً على أن بذور إدانة الأفعال الشريرة بذاتها تسبق اكتساب اللغة والتلقين الاجتماعي المنهجي.

في سياق علم النفس العصبي، قاد عالم الأعصاب جوشوا غرين وفريقه دراسات رائدة باستخدام التصوير العصبي الوظيفي لرصد الصراع الداخلي بين الحسابات النفعية والبديهيات الأخلاقية المطلقة. أثبتت الدراسات أن الجرائم التي تحمل أذى مباشراً مقصوداً تفعل المسارات العاطفية في الجهاز الحوفي والقشرة الجبهية الأنسية بصورة فائقة السرعة، متجاوزة مناطق التفكير المنطقي التجريدي، مما يثبت أن رفض هذه الشرور محفور في شبكات الاستجابة الانفعالية التلقائية للدماغ البشري.

كذلك أظهرت المسوح الشاملة التي أجراها جوناثان هايدت وجيسي غراهام عبر ثقافات متباينة في قارات متعددة أن المجموعات السكانية، بغض النظر عن دياناتها أو نظمها السياسية، تجمع بدقة على تجريم ومقت السلوكيات التي تسبب ألماً غير مبرر للأفراد الضعفاء أو الخيانة الصريحة لأفراد العشيرة، مما يعزز الفرضية القائلة بأن مفهوم الشر بذاته ليس نتاج نزوة تشريعية عابرة، بل تعبير عن بنية معرفية وتكيفية راسخة في الجنس البشري.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للمجتمعات

على الرغم من وجود نواة صلبة تحظى بإجماع إنساني كوني حول شناعة أفعال الشر بذاته، فإن التمظهرات الخارجية وتحديد تخوم هذه الأفعال يتأثران بالسياقات الثقافية والدينية والأنثروبولوجية المتنوعة:

ففي الثقافات الجمعية (Collectivist Cultures)، كالمجتمعات التقليدية في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، قد يتسع نطاق مفهوم الشر بذاته ليشمل ممارسات تُرى على أنها تدمير لصلات الرحم أو انتهاك لقداسة الأسرة وشرف المجتمع أو تدنيس للمقدسات الدينية الكبرى، حيث يُنظر إلى هذه السلوكيات بنفس درجة الاشمئزاز والقبح التي يُنظر بها إلى القتل المباشر، لما تسببه من تفكك في البناء الاجتماعي الكلي. في المقابل، تركز الثقافات الفردية الغربية (Individualist Cultures) في تعريفها للشر بذاته بشكل أساسي على انتهاك حقوق الفرد وحريته الشخصية وسلامته الذاتية من الأذى.

تبدو هذه التباينات الثقافية واضحة في قضايا تاريخية مثل «جرائم الشرف»، أو التضحيات الطقسية التي مارستها حضارات قديمة كالأزتيك؛ حيث كانت بعض المجتمعات تسوغ أفعالاً يراها الضمير الإنساني الحديث تجسيداً مطلقاً للشر بذاته تحت مظلة الواجب الديني أو صون الشرف. يوضح هذا التباين كيف يمكن للمنظومات العقائدية القوية أن تعيد تشكيل الأطر الإدراكية للأفراد وتبرر أفعالاً وحشية عبر آليات التبرير والانسلاخ الأخلاقي (Moral Disengagement).

ومع ذلك، يظل هناك حد أدنى ثابت لا يتزحزح يشمل تجريم الإبادة الغادرة للأفراد دون مبرر نفعي جمعي، والاعتداء على الأطفال، ونكث العهود المؤكدة بالقسم؛ فالضمير الإنساني المشترك، المعزز بمواثيق الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، يعكس مساراً تاريخياً تطورياً يهدف لتوحيد المعايير الأخلاقية وجعل حصانة الإنسان من الشرور الذاتية حقيقة ثابتة لا تلغيها الخصوصيات الثقافية.

13. الانتقادات والجدليات وحدود المفهوم

واجه مفهوم الشر بذاته نقاشات حادة وجدليات فلسفية وقانونية عميقة، لا سيما من جانب المدارس الوضعية والنفعية والنسبية، ويمكن تلخيص أهم هذه الاعتراضات فيما يلي:

ينطلق النقد الأبرز من أنصار الفلسفة النفعية (Utilitarianism) وفلسفة العواقبية، حيث رأى فلاسفة مثل جيريمي بنثام وجون ستيوارت ميل أن تصنيف فعل ما بأنه «شر في ذاته» يمثل نوعاً من الجمود المعرفي والتعسف الأخلاقي المغلف بالقداسة؛ فالأفعال في نظرهم يجب أن تُقوّم وفقاً لآثارها ومخرجاتها الملموسة وميزان الألم والمتعة الذي تخلفه، لا بناءً على خصائص ميتافيزيقية مسبقة. كما أشاروا إلى أن التمسك بالشر الذاتي قد يقيد صناع القرار في معضلات كبرى تتطلب التضحية بقلة لإنقاذ كثرة كاثرة من الهلاك المحقق.

من زاوية أخرى، وجهت مدرسة الوضعية القانونية (Legal Positivism)، مدفوعة بأفكار هانز كيلسن وجون أوستن، انتقادات لاذعة للمفهوم، معتبرة أن إقحام المفاهيم الأخلاقية الفضفاضة كـ«الشر والخير» في عالم القانون الصارم يهدد اليقين القانوني واستقرار المعاملات. يرى الوضعيون أن الجريمة تنشأ فقط من النص القانوني الذي يقرره الحاكم أو البرلمان، وأن عبارة الشر بذاته ليست سوى توصيف سيكولوجي انفعالي لا قيمة له في غياب الجزاء القانوني الرسمي المحدد سلفاً في متون التشريعات.

إضافة إلى ذلك، يشير علماء الاجتماع النقدي والنسبية الثقافية إلى خطورة استغلال المفهوم كأداة للهيمنة؛ حيث استُخدم تصنيف «الشر الطبيعي» في حقب استعمارية تاريخية لوصف تقاليد وشعوب أصلية بالتوحش والبربرية الذاتية لتسويغ قمعهم وإخضاعهم. كما تبرز إشكاليات الحدود الرمادية، كالإجهاض، والموت الرحيم، والدفاع الاستباقي عن النفس؛ حيث يحتدم الخلاف المجتمعي والنفسي حول ما إذا كانت هذه الممارسات أفعالاً شريرة بذاتها أم خيارات اضطرارية خاضعة للموازنات الأخلاقية الدقيقة.

14. المصطلحات المقترنة والفروق الدقيقة

لتحديد المعالم السيكولوجية للمصطلح بدقة، يجب موازنته مع مجموعة من المفاهيم المجاورة والمتضادة عبر المقارنات الآتية:

  • الشر بذاته (Malum in se) مقابل الشر المحظور قانوناً (Malum prohibitum): يمثل هذا التباين أهم ثنائية قانونية ونفسية؛ فالشر المحظور قانوناً يشير إلى سلوكيات لا تحمل قبحاً ذاتياً فطرياً وإنما يُحظر ارتكابها لمجرد تنظيم المجتمع ومنع الفوضى، مثل مخالفات السير، والصيد بدون ترخيص، والتهرب الضريبي الشكلي. ارتكاب الأخير لا يستجلب وصمة سيكولوجية أخلاقية عميقة ولا يرتبط بفساد الضمير، بينما يستوجب الأول إدانة وجدانية قاطعة.
  • الشر بذاته مقابل القصد الجنائي العام (Mens Rea): يشير القصد الجنائي إلى الحالة العقلية الواعية للمتهم لحظة ارتكاب الجريمة بمعناها التقني الإجرائي، في حين يغوص الشر بذاته في المحتوى الأخلاقي والنوعي للجريمة والنزعة التدميرية المتأصلة فيها، سواء أكان الجاني واعياً بكل النصوص العقابية أم غافلاً عنها.
  • الشر الطبيعي مقابل الشر الاصطناعي/المستحدث: يتطابق الشر الطبيعي مع الشر بذاته في جذوره الإنسانية البديهية المشتركة، بينما يشير الشر الاصطناعي إلى الانتهاكات المستحدثة بفعل تطور المجتمعات الرأسمالية والتقنية الحديثة، مثل جرائم أمن المعلومات، والجرائم المالية المعقدة، والانتهاكات البيئية الإجرائية.
  • اللاأخلاقية (Amorality) مقابل اللاإنسانية (Inhumanity): تتعلق اللاأخلاقية بجهل المعايير السلوكية أو الحياد التام تجاهها (كما في بعض الحالات النمائية المبكرة)، في حين تجسد أفعال الشر بذاته انتهاكاً مباشراً وفظيعاً يصل إلى مستوى «اللاإنسانية»، حيث يُداس الكيان الإنساني بلا مبالاة سادية متعمدة.

15. الخلاصة والنتائج المستفادة

يجسد مفهوم الشر بذاته التعبير الأسمى عن التلاقي البنيوي بين الضمير الإنساني وقواعد العدالة الفطرية، مبيناً أن هناك حداً فاصلاً بين الانتهاكات الفنية البسيطة والاعتداءات الصارخة التي تمس أصل الحياة الإنسانية وكرامتها. يؤكد هذا المبدأ أن مشروعية القوانين وجدواها لا تنبع فقط من قوة السلطة الحاكمة، بل تستمد نسغها الحي من توافقها مع الحدس الأخلاقي الجمعي المشترك، الذي يرفض إلحاق الأذى الغادر والمتعمد بالآخرين كضرورة بيولوجية ونفسية لا غنى عنها لبقاء النوع البشري.

وتخلص الرؤى النفسية والقانونية الحديثة إلى أن إهمال هذا التمييز يؤدي إلى تشويه الحس الجمعي بالعدالة؛ فالقوانين التي تسوي بين المخالفات الإجرائية وجرائم القتل أو العنف الجسدي تفقد مصداقيتها السيكولوجية وسلطتها المعنوية في عيون المجتمع. ومن ثَمَّ، يظل مفهوم الشر بذاته بمثابة الحصن الأخلاقي الأخير والبوصلة الهادية التي تحمي الضمير البشري من الانزلاق نحو العدمية والنسبية الأخلاقية المطلقة، مؤكداً أصالة كرامة الإنسان وحرمة حياته عبر العصور.

المراجع

  • بلاكستون، و. (2016). تعليقات على قوانين إنجلترا (ترجمة: د. رضوان الحكيم). المنظمة العربية للترجمة.
  • كولبرغ، ل. (1981). فلسفة التطور الأخلاقي: المقاييس الأخلاقية وسيكولوجية التطور الإنساني (ط. 1). هاربر آند رو.
  • جاروفالو، ر. (2005). علم الجريمة: دراسة في طبيعة الجريمة ونظرية العقاب (ط. كلاسيكية منقحة). مكتبة القانون المقارن.
  • هايدت، ج. (2012). العقل الصالح: لماذا ينقسم الناس الأخيار بسبب السياسة والدين؟ نيويورك: كتب بانثيون.
  • بلوم، ب. (2013). أطفال بمشاعر طيبة: أصول الخير والشر في النفس الإنسانية. دار كراون ناشرون.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 7). الشر بذاته: سيكولوجية الجريمة الفطرية والضمير. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/malum-in-se-psychology/
looti, Mohammed. “الشر بذاته: سيكولوجية الجريمة الفطرية والضمير.” عرب سايكلوجي, 7 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/malum-in-se-psychology/.
looti, Mohammed. “الشر بذاته: سيكولوجية الجريمة الفطرية والضمير.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 7, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/malum-in-se-psychology/.