مفهوم الشر (مالوم): سيكولوجيا النزعة الشريرة

دراسة أكاديمية شاملة وموسعة لمفهوم «مالوم» (Malum) وسيكولوجيا الشر والنزعة الإيذائية، تتناول التأصيل اللغوي، والأسس التحليلية والعصبية، وأبعاد الشخصية المظلمة وسبل القياس النفسي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل البحث في ماهية السلوك التدميري والنزعة نحو إلحاق الأذى أحد أكثر الموضوعات تعقيداً في دراسات علم النفس الحديث والتحليل النفسي، حيث تتداخل المفاهيم الفلسفية التأسيسية مع البنى الإدراكية والشخصية لتفسير الدوافع الخفية وراء إيذاء الآخرين عمداً. يقودنا سبر أغوار هذا البُعد إلى مفهوم «مالوم» (Malum)، وهو الجذر المفاهيمي الكلاسيكي الذي يُعبّر عن الشر والاعتلال والأذى النفسي والأخلاقي، ويشكل نقطة ارتكاز محورية لفهم ديناميات العدوان، والسمات المظلمة، والاضطرابات السلوكية المعقدة عبر تاريخ العلوم الإنسانية.

مالوم: سيكولوجيا الشر والنزعة الإيذائية

1. التعريف الموجز والدلالة الاصطلاحية

يُعرَّف مصطلح «مالوم» (Malum) في السياق النفسي والأخلاقي بأنه القوة الدافعة أو النزعة السلوكية والوجدانية نحو توليد المعاناة، وإلحاق الأذى المتعمد بالذات أو بالآخرين، وانتهاك المعايير التوافقية والأخلاقية التي تحكم البقاء الإنساني المشترك. ويشير المفهوم بصيغته المعرفية والسلوكية إلى العمليات الباطنية والسمات الشخصية التي تُمكّن الفرد من ممارسة القسوة، وتجريد الضحايا من إنسانيتهم دون استثارة مشاعر الذنب أو التعاطف الوجداني الفطري.

يتجاوز «مالوم» كونه مجرد نقيض مجرد للخير والفضيلة؛ إذ يعبّر في الممارسة الإكلينيكية والتحليلية عن مجموعة مترابطة من التشوهات الإدراكية، والاستجابات العاطفية المتبلدة، والاستراتيجيات التكيفية المشوهة الناتجة عن اضطرابات تكوين الأنا أو الصدمات النمائية العميقة. ويمتد المفهوم ليشمل الظواهر النفسية الجمعية التي تشرعن العنف الممنهج والتسلط، مما يجعله مدار بحث رئيسي في تفسير الجرائم العنيفة والانتهاكات الصارخة لحقوق الكيانات الحية.

وفي إطار علم النفس المرضي المعاصر، يُنظر إلى تجليات هذا المصطلح بوصفها تدرجات متصلة تبدأ من الأنانية المفرطة والتلاعب الميكيافيلي، وتمر عبر السلوكيات السادية المضادة للمجتمع، وصولاً إلى الأشكال القصوى من التدميرية الذاتية والجمعية، حيث تتضافر العوامل الجينية العصبية مع البيئات التنشئية غير الآمنة لتشكيل بنية نفسية متمركزة حول إشاعة الضرر وتثبيط الاستجابات الأخلاقية الرادعة.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

تعود أصول كلمة «مالوم» (Malum) إلى اللغة اللاتينية الكلاسيكية، حيث تُعد اسماً محايداً مشتقاً من النعت (Malus)، والذي يحمل دلالات لغوية تشمل: الرديء، الخبيث، القبيح، المؤذي، والمشؤوم، إضافة إلى استخدامه للدلالة على المصيبة والضرر الفادح. وقد ارتبط المصطلح تاريخياً بالمقابل اللاتيني للفظ الإغريقي (Kakón)، الذي استخدمه فلاسفة اليونان لوصف النقص الوجودي، والاضطراب الأخلاقي، والألم الجسدي والنفسي.

انتقلت الكلمة إلى اللغات الأوروبية الحديثة كجذر تركيبي للعديد من المفاهيم العلمية والطبية والنفسية مثل (Malice) الدالة على الخبث والنية المبيتة للأذى، و(Malevolence) المعبرة عن العداء المتربص، و(Maladaptive) المشيرة إلى سوء التكيف العصابي. وفي الحقل القانوني والجنائي اللاتيني، تفرع المصطلح إلى تركيبين شهيرين: «Malum in se» (الشر المتأصل في ذات الفعل كالقتل والاعتداء) و«Malum prohibitum» (الشر المحرم بنص تشريعي وضعي)، وهما تعبيران أثرا بعمق في نشأة علم النفس الجنائي وتقييم المسؤولية العقلية للجناة.

أما في اللغة العربية، فيتقاطع مفهوم «مالوم» مع حقول دلالية غنية تتصدرها ألفاظ «الشر»، و«الأذى»، و«الخبث»، و«السوء»؛ حيث يدل أصل كلمة الشر على الانتشار والتطاير والميل إلى الفساد والتلف، بينما يرتبط الخبث بفساد الباطن ورداءة الطوية. ويعكس التوظيف النفسي العربي للمصطلح دراسة علل النفس، ونزعات الهوى التدميرية، وظلمات الباطن التي تُفقد الإنسان اتزانه السلوكي وتدفعه نحو استمراء العدوان.

3. الخصائص الصوتية والصرفية والاستعمال في اللغة العربية

يُعامل لفظ «مالوم» في الكتابات النقدية والتحليلية كاسم علم جنس دخيل ومفهوم اصطلاحي مجرد، ويُنطق بفتح الميم الأولى مع ألف مد ساكنة وضم اللام المتبوعة بواو المد ثم ميم ساكنة مقيدة. وتتطابق صيغته الصوتية ظاهرياً في العربية مع اسم المفعول من الفعل الثلاثي الأجوف «لامَ – يَلُومُ – مَلُوم»، إلا أن الدلالة اللاتينية الأصيلة مستقلة تماماً عن اللوم والتثريب اللغوي العربي؛ حيث يُقصد بها الماهية الفلسفية والنفسية للشر والخبث الفاعل.

يُستعمل المصطلح في الأدبيات السيكولوجية والأكاديمية كاسم مفرد لا ينصرف إلا بقرينة السياق، ويشيع استخدامه في التراكيب الإضافية والوصفية مثل: «عقدة مالوم»، و«الميل المالومي نحو التدمير»، و«سيكوديناميات المالوم». وتُفضّل المعاجم النفسية الحديثة ترجمة المفهوم إلى مركبات اصطلاحية عربية رصينة مثل «النزعة الإيذائية المفرطة» أو «الشر السيكولوجي»، مع الإبقاء على الأصل اللاتيني في الهوامش لتأكيد المرجعية التراثية التحليلية.

من الناحية التداولية، يتطلب استعمال المفهوم دقة أكاديمية صارمة لتفادي خلطه بالأحكام الوعظية الأخلاقية؛ إذ ينحصر توظيفه في علم النفس بوصفه بنية افتراضية تفسر الأنماط السلوكية الشاذة والمتطرفة، دون إضفاء طابع الإدانة الغيبية على الفرد، بل من خلال تفكيك الآليات الدفاعية، والخلل في الدوائر العصبية المسؤولة عن معالجة التهديد والتعاطف، والتاريخ الصدمي للفاعل.

4. الشرح المفاهيمي المعمق ونطاق المفهوم

يمثل مفهوم «مالوم» في البناء النفسي تركيبة معقدة تلتقي عندها الدوافع الغريزية البدائية مع العمليات المعرفية المتطورة لإنتاج سلوك هدام يتسم بالقصدية والانتظام. ولا يقتصر هذا المفهوم على الأفعال الانفعالية اللحظية كالغضب العابر أو الدفاع عن النفس، بل يشمل حصراً السلوكيات القائمة على الاستغلال البارد، وحسابات المنفعة الشخصية الخالية من أي اعتبار لمعاناة الضحية، والتلذذ أحياناً بكسر القواعد المعيارية واستعراض القوة القهرية في العلاقات الإنسانية.

يشمل النطاق السيكولوجي للمفهوم ثلاثة أبعاد مترابطة: البُعد المعرفي المتمثل في تحريف الإدراك وتبرير العدوان عبر آليات عقلنة الأذى، والبُعد الوجداني المتجسد في انعدام الرنين العاطفي وتبلد المشاعر والافتقار الصارخ للتعاطف المنعكس، والبُعد السلوكي الذي يترجم هذه المنظومة إلى ممارسات تدميرية تتراوح بين الإساءة النفسية الصامتة والعنف الجسدي المطلق. وتعمل هذه الأبعاد كحلقة مغلقة تغذي استمرار النزعة التدميرية وتمنع الفرد من استشعار التنافر المعرفي أو مراجعة الذات.

علاوة على ذلك، يتقاطع المفهوم مع دراسات «العامل المظلم للشخصية» (D-Factor)، حيث أثبتت النماذج التجريبية المعاصرة وجود نواة نفسية مشتركة توحد كافة السمات المنحرفة كالنرجسية الخبيثة، والسيكوباتية، والميكيافيلية، والسادية. تتمثل هذه النواة في القناعة الراسخة بأن مصلحة الذات تُبرر سحق حقوق الآخرين، مقترنة بعقائد تسويغية تدعي أن العالم غابة تحكمها القوة المطلقة ولا مكان فيها للضعفاء أو القيم التبادلية المنصفة.

يمتد نطاق «مالوم» كذلك إلى المستوى المؤسسي والجمعي، حيث لا ينحصر في الأفراد المنعزلين بل يظهر في التكوينات الاجتماعية التي تخضع لظاهرة «العمى الأخلاقي» (Moral Blindness) أو التحلل من الالتزامات الإنسانية تحت وطأة الأيديولوجيات الشمولية. في هذه البيئات، يتم تفكيك البنية الفردية للضمير وتوجيه العدوان نحو جماعات خارجية مستهدفة، مما يبرهن على أن هذا الشر النفسي قابل للاستنبات والتعزيز المنظومي إذا توافرت البيئة النفسية والاجتماعية المساعدة.

5. التطور التاريخي للمفهوم في الفكر النفسي والفلسفي

نشأ البحث في مفهوم الشر كمعضلة فلسفية ولاهوتية كبرى حاولت تفسير وجود الألم والفساد في العالم، بدءاً من أطروحات القديس أوغسطينوس الذي صاغ المفهوم بوصفه «سلب الخير» (Privatio Boni) والنقص في الكمال الوجودي، مروراً بأطروحة إيمانويل كانط حول «الشر الجذري» (Radical Evil) الذي رأى فيه ميلاً فطرياً في الطبيعة البشرية لتقديم المنفعة الفردية على الواجب الأخلاقي المطلق. غير أن ولادة علم النفس كعلم تجريبي أواخر القرن التاسع عشر نقلت هذا الجدل من فضاء الميتافيزيقا إلى مختبرات القياس والتحليل الإكلينيكي.

شهدت البدايات التحليلية نقلة ثورية مع طروحات سيغموند فرويد، ولا سيما بعد مآسي الحرب العالمية الأولى؛ حيث عدّل نموذجه الغريزي في مؤلفه الشهير «ما وراء مبدأ اللذة» (1920) ليطرح فرضية «غريزة الموت» (Thanatos) كقوة بيولوجية ونفسية تتجه ذاتياً نحو التفتيت وتتحول نحو الخارج في هيئة عدوان وتدمير. تلاه بعد ذلك كارل غوستاف يونغ الذي بلور مفهوم «الظل» (The Shadow)، مشيراً إلى أن الشر ليس شذوذاً خارجياً بل هو الجانب المظلم المكبوت في اللاشعور الجمعي والفردي الذي يتغذى على الإنكار والتبرؤ الواعي.

في منتصف القرن العشرين، وتحت صدمة المحارق وجرائم الحرب المنظمة، تحول المسار البحثي نحو سيكولوجيا التوافقية والامتثال؛ حيث برزت أبحاث حنة آرندت حول «تفاهة الشر»، والتي تجسدت مختبرياً في تجارب ستانلي ميلغرام الشهيرة على الطاعة العمياء في جامعة ييل (1963)، وتجربة سجن ستانفورد التي قادها فيليب زيمباردو (1971). أوضحت هذه المحطات المفصلية أن الأفعال التدميرية المرتبطة بمفهوم «مالوم» لا تتطلب بالضرورة وجود شخصيات مريضة سادياً، بل قد تصدر عن أفراد عاديين وُضعوا داخل أنساق بنيوية تعزل ضمائرهم وتجرد الضحايا من كرامتهم الإنسانية.

أما في العقود الأخيرة، فقد قادت الثورة المعرفية والعصبية إلى إعادة تعريف المفهوم؛ حيث صاغ إريش فروم مفهوم «التدميرية الخبيثة» والنرجسية الجمعية، بينما قاد باحثون معاصرون مثل دلروي بولهوس وروبرت هير أبحاثاً دقيقة لتقنين قياس الاعتلال النفسي والميكيافيلية، مما حوّل «مالوم» من مقولة لاهوتية غامضة إلى منظومة من المتغيرات النفسية الحيوية القابلة للفحص التجريبي والتنبؤ الإحصائي.

6. الأسس والنظريات النفسية المفسرة للنزعة الشريرة

تتعدد النماذج النظرية التي سعت لتفكيك آليات النزعة الشريرة والعدوان المدمر، ويمكن تصنيفها إلى أربعة تيارات رئيسية تتكامل في رسم الصورة الشاملة للظاهرة:

1. نظرية التحليل النفسي والعلاقات الموضوعية: ترى هذه المدرسة أن النزعة التدميرية تنبع من التثبيت المبكر في المراحل النمائية الأولى والفشل في تحقيق تكامل الأنا. ركزت ميلاني كلاين على مفهوم الحسد الأولي وغريزة التدمير التي تسعى لتخريب «الموضوع الجيد» (الثدي المغذي)، مما يولد رغبة لاشعورية في إفساد كل ما هو خيّر ومبدع لدى الآخرين. وعندما يعجز الرضيع عن احتواء القلق الاضطهادي، يلجأ إلى الدفاعات البدائية كالانشطار والإسقاط، مما يجعل الآخر مصدراً للأذى يتوجب سحقه استباقياً.

2. المنظور المعرفي والتحلل الأخلاقي: قاد هذا التوجه العالم ألبرت باندورا عبر نظريته المرجعية حول «فك الارتباط الأخلاقي» (Moral Disengagement). تفترض هذه النظرية أن البشر يمتلكون معايير داخلية تردعهم عن ممارسة القسوة، إلا أن العمليات المعرفية المتطرفة تتدخل لتعطيل هذه الموانع عبر ثماني آليات محددة تشمل: التبرير الأخلاقي، والتسمية الملطفة للأفعال الشنيعة، وتشتيت المسؤولية، واللوم المستمر للضحية، وتجريد المستهدفين من صفاتهم البشرية، مما يتيح ارتكاب أقصى درجات الإيذاء دون لوم ذاتي.

3. نظرية الداروينية التطورية وعلم النفس الحيوي: يفسر هذا المنظور النزعة الإيذائية بوصفها استراتيجية تكيفية استغلالية (Exploitative Strategy) نشأت لانتزاع الموارد الشحيحة وضمان التفوق التكاثري في البيئات القاسية عبر مسار «تاريخ الحياة السريع». ويقترن هذا التفسير بالمعطيات البيولوجية العصبية التي تبرز وجود قصور وظيفي في قشرة الفص الجبهي الحجاجي المسؤولة عن كبح النزوات، إلى جانب تبلد نشاط اللوزة الدماغية (Amygdala) التي تقود الاستجابات الخوفية والتعاطفية عند مواجهة آلام الآخرين.

4. نظرية البناء الموقفي والنسقي: تركز على أن السياقات الاجتماعية المشوهة قادرة على استدعاء أسوأ ما في الطبيعة البشرية. يرى فيليب زيمباردو في نظريته المعروفة باسم «تأثير لوسيفر» (Lucifer Effect) أن القوة لا تكمن في «التفاحات الفاسدة» فقط، بل في «البراميل الفاسدة» التي تصنعها الأنظمة القمعية والمؤسسات الفاقدة للرقابة الأخلاقية، حيث تؤدي الضغوط التوافقية وإخفاء الهوية الفردية إلى غمر الضمير الواعي وتفعيل سلوكيات الغطرسة والتنكيل دون رادع.

7. الأبعاد والمكونات والأنماط الرئيسية

يتألف مفهوم «مالوم» في الشخصية الإنسانية من منظومة معقدة من السمات والأنماط السلوكية التي تتداخل لتشكل المظهر الإيذائي الخارجي، وتتفرع هذه الأبعاد إلى البنى السيكولوجية الآتية:

  • السيكوباتية الجريئة (Psychopathy): تتسم بالجرأة الوقحة، والاندفاع السلوكي، وتدني الخوف من العواقب، مع عجز وظيفي تام عن التعاطف والشعور بالندم، مما يجعل صاحبها قادراً على ممارسة أشد أنواع العنف ببرود تام.
  • الميكيافيلية الاستغلالية (Machiavellianism): ترتكز على التخطيط الاستراتيجي البارد، والتلاعب النفسي طويل الأمد، والنظرة البراغماتية الصرفة التي تجعل العلاقات مجرد أدوات لتحقيق المكاسب والنفوذ الشخصي على حساب مشاعر الآخرين.
  • النرجسية الخبيثة (Malignant Narcissism): تمثل الاندماج الأخطر بين جنون العظمة، وتضخم الأنا، والعداء المصحوب بالشكوك والنزعة السادية للانتقام من أي محاولة لتقويض الصورة الذاتية المتخيلة.
  • السادية اليومية (Everyday Sadism): الميل المزمن لاشتقاق اللذة والنشوة النفسية من مشاهدة المعاناة الجسدية أو الإهانة المعنوية للآخرين، وممارستها في سياقات روتينية كالتنمر الرقمي والبيئات الوظيفية.
  • النزعة الحاقدة المبيتة (Spitefulness): الاستعداد النفسي الكامل لإلحاق الضرر بالنفس وتكبد الخسائر الفادحة شريطة أن يلحق بالطرف الآخر أذى أكبر منه، وهي من أدق مؤشرات الانحراف التدميري المطلق.
  • تجريد الآخر من الإنسانية (Dehumanization): آلية إدراكية تنزع عن المخالفين أو الضحايا صفاتهم الوجدانية وقيمتهم الوجودية، وتصويرهم كأرقام أو كائنات طفيلية تستحق الإبادة والاستئصال.

8. دراسات حالة وأمثلة توضيحية من الواقع والعيادة

تتجلى أبعاد هذا المفهوم بوضوح في سجلات الطب الشرعي والعيادات النفسية عبر حالات توثق السلوك التدميري المتجرد من العواطف. تقدم دراسات القتلة المتسلسلين، ومنهم حالة «تيد بندي»، نموذجاً كلاسيكياً لما يعنيه «مالوم» من الناحية الإكلينيكية؛ حيث اجتمعت الكاريزما الاجتماعية الجذابة والذكاء المعرفي العالي مع انفصال وجداني تام وسادية متوحشة. كان بندي يرى ضحاياه كممتلكات مادية خالية من الحياة، ولم يظهر طوال جلسات الفحص النفسي أدنى بادرة للتأنيب الذاتي، بل كان يتحدث عن جرائمه بحيادية باردة تفضح عمق العطب في بنيته الوجدانية.

وفي السياق الوظيفي والمؤسسي، تكشف دراسة حالة واقعية لمدير تنفيذي نرجسي وميكيافيلي (يُشار إليه في السجلات العيادية بـ «م. ع») عن النمط الهادئ والمستتر للأذى؛ إذ لم يلجأ للعنف البدني، بل شيد بيئة عمل قائمة على الترهيب، والتفرقة بين الموظفين، ودفع الكفاءات المستقلة إلى الانهيار النفسي والاكتئاب السريري عبر «الاستلاب العقلي» (Gaslighting) وسرقة جهودهم. وعند إخضاعه للاستشارة النفسية بناءً على دعاوى قضائية، أظهر إنكاراً كلياً للأثر التدميري لأفعاله، معتبراً أن «تدمير النفوس الضعيفة ضريبة ضرورية لصناعة النجاح المالي».

وعلى الصعيد الجمعي، تظهر محاكمات مجرمي الحرب، مثل محاكمة أدولف أيخمان، التطبيق الميداني لمفهوم الشر الروتيني؛ إذ لم يكن الرجل وحشاً سيكوباتياً بالمعنى التقليدي، بل أظهرت الاختبارات النفسية والإسقاطية شخصية شديدة الامتثال والبلادة، استبدلت التفكير الأخلاقي الذاتي بتنفيذ الأوامر البيروقراطية اللوجستية التي أودت بحياة الملايين، مما يوضح أن التخلي الطوعي عن المساءلة الفردية يمثل التربة الخصبة لنمو أبشع صور الإيذاء الجماعي.

9. القياس النفسي والتقييم التشخيصي

يواجه علماء النفس تحدياً منهجياً كبيراً في قياس النزعات التدميرية نظراً لميل الأفراد ذوي السمات المظلمة إلى التزييف، وتوظيف استراتيجيات الإجابة المرغوبة اجتماعياً لإخفاء نواياهم الحقيقية. وقد قاد هذا التحدي إلى تطوير أدوات قياس إسقاطية وسلوكية بالغة التعقيد، إلى جانب مقاييس التقرير الذاتي المقننة لاكتشاف السمات الخبيثة في الشخصية، ومن أهمها:

1. مقياس روبرت هير للاعتلال النفسي (PCL-R): يُعد المعيار الذهبي المعتمد عالمياً في البيئات الجنائية والعيادية؛ حيث يعتمد على مقابلة شبه مقننة ممتدة وتحليل شامل للسجلات التاريخية لتقييم عوامل تبلد المشاعر، والتلاعب، ونمط الحياة الطفيلي، والسلوك الإجرامي الصريح عبر سلم تصنيفي دقيق.

2. مقياس العامل المظلم للشخصية (D-Factor Scale): طوره الباحثون مورتن موشهاجن وبنجامين هيلبرت وإنجو زيتلر، ويقيس بدقة الرياضية النواة الإحصائية الموحدة لكافة النزعات الإيذائية، متضمناً مؤشرات تقيس تبرير الضرر، والسعي نحو الهيمنة، والشعور بالاستحقاق المطلق على حساب الآخرين.

3. استخبار الثالوث المظلم (Dark Triad Dirty Dozen) وثلاثي النوايا المظلمة (Short Dark Triad): مقاييس مختصرة ذات كفاءة سيكومترية عالية تُستخدم في بحوث علم النفس الاجتماعي والتنظيمي لتقييم درجات النرجسية، والسيكوباتية، والميكيافيلية عبر بنود تقيس السلوك الاستغلالي اليومي.

4. مقاييس التقييم العصبي الإدراكي: تشمل اختبارات الاستجابة الجلدية (Galvanic Skin Response) لقياس ردود الفعل الانفعالية التلقائية عند رؤية صور الضحايا، واختبارات زمن الرجع لقياس الانحياز المعرفي نحو المنبهات العدوانية، بالإضافة إلى تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي ترصد النشاط في شبكة الخلايا المرآتية والدوائر الجبهية اللمبية المسؤولة عن معالجة المعاناة الإنسانية.

10. التطبيقات النفسية والسريرية والاجتماعية

تكتسب أبحاث النزعة الشريرة والاعتلال السلوكي أهمية تطبيقية قصوى في قطاعات متعددة تمس أمن المجتمعات وصحة الأفراد النفسية. ففي المجال الإكلينيكي والعلاجي، يُسهم فهم هذه الديناميات في تطوير بروتوكولات حماية متخصصة لمعالجة ضحايا العلاقات السامة والنرجسية الخبيثة، ومساعدتهم على التعافي من آثار «الصدمة المعقدة» الناتجة عن التعرض الممتد للتلاعب النفسي والتدمير الممنهج لتقدير الذات.

وفي الحقل الجنائي وإدارة المؤسسات الإصلاحية، تُوظف أدوات قياس هذه السمات في تقدير نسب خطورة العود الجرمي، وتحديد مدى جدوى إطلاق السراح المشروط، فضلاً عن رسم الاستراتيجيات الوقائية للتعامل مع الشخصيات العنيفة التي لا تستجيب للبرامج التأهيلية الكلاسيكية، والتي تتطلب بيئات علاجية صارمة ومغلقة لمنع استغلال الزملاء أو المعالجين.

وعلى الصعيد التنظيمي والإداري، تركز الشركات الكبرى على تطبيق إجراءات الفحص النفسي المسبق للقيادات العليا لتفادي ما يُعرف بـ «السيكوباتية المؤسسية»؛ إذ ثبت أن الأفراد الحاملين لسمات ميكيافيلية وسادية يتسببون في إهدار رأس المال البشري، وتسميم بيئات العمل، وإشعال الفضائح المالية والأخلاقية نتيجة اندفاعهم نحو الربح غير الأخلاقي وتدمير منافسيهم بأي ثمن.

11. الشواهد التجريبية والأبحاث المعاصرة

أكدت الأبحاث الإمبيريقية الحديثة في علم الأعصاب المعرفي أن النزعة نحو الأذى ترتبط باختلالات وظيفية وتشريحية ملموسة في الدماغ الإنساني؛ حيث بينت دراسات جيمس فالون وجان ديسيتي عبر الرنين المغناطيسي الوظيفي أن الأفراد المصابين باعتلال نفسي حاد يُظهرون خمولاً واضحاً في المناطق الدماغية المسؤولة عن الشفقة والتعاطف التلقائي (مثل الفص الجزيري والقشرة الحزامية الأمامية) عند مشاهدة صور لأطراف تُبتر أو وجوه تعاني ألماً مبرحاً.

وفي دراسة مرجعية كبرى قادها مورتن موشهاجن وزملاؤه (Moshagen et al., 2018) شملت أكثر من 25 ألف مشارك، تم التحقق الرياضي من وجود «العامل العام للظلام» (D-Factor)، حيث أثبتت التحليلات الإحصائية أن كافة السمات المنحرفة تشترك في تباين جيني ونفسي كامن وراء السلوكيات المؤذية، وأن الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة على هذا العامل يميلون بشكل منهجي لرفض التعاون التبادلي، ويفضلون انتزاع المكاسب حتى لو لم يكن هناك دافع تنافسي يستوجب ذلك.

من جهة أخرى، كشفت أبحاث علم الجينات السلوكي المتعلقة بالجين الناقل لإنزيم أحادي أمين الأوكسيديز (MAOA)، والمشهور إعلامياً باسم «جين المحارب»، عن وجود تفاعل جيني بيئي عميق؛ حيث تبين أن حاملي النسخة منخفضة النشاط من هذا الجين لا يُظهرون نزعات إيذائية وسلوكية مدمرة إلا إذا تعرضوا لإساءة المعاملة والإهمال الشديد في طفولتهم الباكرة، مما يدحض الحتمية البيولوجية المطلقة ويؤكد مركزية البيئة التنشئية في تفعيل النزعات الكامنة أو كبحها.

12. الاعتبارات الثقافية وعبر الحضارية

تتفاوت المعايير التي تحدد وتؤطر السلوك الإيذائي بحسب السياق الثقافي والمصفوفة القيمية السائدة؛ ففي المجتمعات الفردانية الغربية، يُنظر إلى انتهاك الحقوق الفردية، وتجاوز الحدود الجسدية والنفسية، وتدمير الحريات الشخصية كأدلة قاطعة على الفعل المضر والشرير، بينما تركز المجتمعات الجمعانية على أن تفكيك التماسك الأسري، ونكران الروابط المجتمعية، والتعدي على الشرف الجمعي يمثل الجوهر الأشد خطورة للنزعة الإيذائية والتخريبية.

تلعب الأساطير والموروثات الدينية والثقافية دوراً حاسماً في صياغة تفسير «مالوم» لدى الشعوب؛ فبينما مالت الفلسفات الشرقية (كالبوذية والداوية) إلى اعتبار الشر اضطراباً في الانسجام الطبيعي وجهلاً بالطبيعة الحقيقية للأشياء يتطلب الاستنارة والتهذيب بدلاً من الإقصاء، اتجهت المنظومات الإبراهيمية إلى توصيفه كمعركة أخلاقية وصراع وجودي بين نوازع النور والإفساد في الأرض يستوجب المحاسبة والردع الحاسم.

كما تُظهر الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة خطورة التوظيف الثقافي للمفهوم في الصراعات العرقية والدولية؛ حيث تلجأ الأطراف المتنازعة إلى «شيطنة» الآخر وتصويره كمصدر مطلق للخبث والخطر الوجودي. يؤدي هذا الإسقاط الجمعي إلى تبرير الجرائم المتبادلة والفظائع الإنسانية تحت لافتة الدفاع المقدس واستئصال الشر، مما يبرهن على أن المفاهيم النفسية قد تُسخر لتبرير ذات السلوكيات التي نشأت في الأصل لإدانتها ومنعها.

13. الانتقادات والجدليات الفكرية والحدود المنهجية

يثير التناول السيكولوجي لمفهوم «مالوم» عواصف من النقد المنهجي والفلسفي من جانب مدارس فكرية متعددة؛ حيث يرى أقطاب المدرسة السلوكية الراديكالية ومفكرو التحليل الاجتماعي أن مصطلحات مثل «الشر» أو «النزعة الخبيثة» تمثل بقايا ميتافيزيقية محملة بالأحكام القيمية غير العلمية، محذرين من أن إعادة إحياء هذه المفاهيم يُضفي غموضاً أيديولوجياً على ظواهر سلوكية يمكن تفسيرها عبر آليات التعزيز، والاشتراط الإجرائي، ومحددات البيئة دون الحاجة لاستدعاء ثنائيات الخير والشر المطلقة.

وفي سياق فلسفة القانون والأخلاق، يتخوف النقاد من أن الإفراط في «علمنة وطبينة الشر» (Medicalization of Evil) عبر ربطه باختلالات الفصوص الدماغية أو الطفرات الجينية قد يقود إلى نسف مفهوم الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية الفردية. فإذا تحول السلوك الإجرامي الصارخ إلى مجرد عرض لعيب عصبي خارج عن إرادة الفاعل، فإن منظومة العدالة الجنائية برمتها تصبح مهددة بالانهيار لصالح جبرية بيولوجية تعفي الجناة من المحاسبة.

كما يواجه القياس السيكومتري لهذه النزعات نقداً منهجياً حول صدق الأدوات وثباتها؛ إذ تستند غالبية الدراسات إلى استبيانات التقرير الذاتي المطبقة على عينات من طلاب الجامعات بدلاً من العينات الإكلينيكية والجنائية الحقيقية، الأمر الذي يضع قيوداً صارمة على تعميم النتائج. ويشير المعارضون إلى أن المظاهر الشديدة للأذى قد تكون وليدة ديناميات موقفية عابرة وضغوط مؤسسية ساحقة وليست بالضرورة سمات شخصية جوهرية ثابتة في جبلة الفرد.

14. المصطلحات المقترنة والفروق الدقيقة

لتجنب اللبس والخلط المفاهيمي، تقتضي الدقة العلمية التمييز بين مفهوم «مالوم» والعديد من المصطلحات السيكولوجية والظاهراتية المتقاطعة معه:

  • العدوان التفاعلي (Reactive Aggression): استجابة انفعالية حادة ودفاعية تظهر كرد فعل مباشر على تهديد حقيقي أو متخيل، في حين يتسم «مالوم» بالقصدية المبيتة، والتخطيط الاستباقي البارد، والهدف الاستغلالي دون وجود استفزاز مسبق.
  • السلوك المضاد للمجتمع (Antisocial Behavior): مفهوم سلوكي يصف خرق القوانين والأعراف المكتوبة، بينما يمثل «مالوم» بنية شخصية ووجدانية أعمق قد لا تخرق القانون بالضرورة، وتتجسد أحياناً في أفعال قانونية لكنها مدمرة أخلاقياً ونفسياً.
  • النزعة السادية (Sadism): تشير بدقة إلى اشتهاء واستعذاب مشاعر اللذة والنشوة الناتجة عن تعذيب الآخرين وإيلامهم، بينما قد يمارس حامل النزعة المالومية الأذى ليس من أجل المتعة الذاتية، بل لتحقيق مكاسب استراتيجية ببرود وانفصال وجداني كامل.
  • القسوة (Cruelty): هي الفعل الإيذائي الظاهر في حد ذاته وتجريد الكائن الحي من الرأفة، في حين يمثل «مالوم» المنظومة الفلسفية والنفسية الكامنة التي تشمل الإدراك، والمعتقدات، والتبريرات المسبقة التي تُنتج تلك القسوة.
  • الشر الطبيعي (Natural Evil): يرتبط بالكوارث والآلام الناتجة عن قوى الطبيعة والفيزياء (كالزلازل والأمراض)، بينما ينحصر «مالوم» السيكولوجي حصراً في «الشر الأخلاقي» (Moral Evil) الصادر عن كائن واعٍ يمتلك القدرة على الاختيار والتمييز.

15. خلاصة القول والنتائج الجوهرية

يخلص التحليل العلمي الموسع لمفهوم «مالوم» إلى أنه يشكل بنية ديناميكية معقدة في النفس الإنسانية؛ إذ تتداخل الجذور البيولوجية المتمثلة في عطب دوائر التعاطف والتحكم الجبهي، مع الانحرافات النمائية وصدمات الطفولة المبكرة، لتستقر في هيئة سمات مظلمة راسخة تتمحور حول الأنانية المطلقة وتسويغ الأذى الموجه ضد الآخرين دون اكتراث لمعاناتهم.

كما يُظهر المفهوم أن ارتكاب الأفعال المدمرة ليس حكراً على ذوي الشخصيات السادية المشوهة سريرياً، بل يمتد ليشمل أفراداً عاديين حين يتم تفكيك روابطهم الأخلاقية عبر التضليل المعرفي والضغوط الجمعية الموجهة من أنساق سلطوية تمنحهم التفويض لإيذاء المختلفين. وعليه، فإن الوقاية من هذا التدمير النفسي تتطلب تكاملاً حثيثاً بين بناء الحصانة المعرفية الذاتية، وتفعيل التربية الوجدانية القائمة على تنمية التعاطف، وتشييد مؤسسات شفافة تحول دون انزلاق الأفراد والمجتمعات نحو التحلل الأخلاقي والعمى الوجداني.

المراجع

Bandura, A. (1999). Moral disengagement in the perpetration of inhumanities. Personality and Social Psychology Review, 3(3), 193–209. https://doi.org/10.1207/s15327957pspr0303_3

Hare, R. D. (2003). The Hare Psychopathy Checklist-Revised (PCL-R) (2nd ed.). Multi-Health Systems.

Moshagen, M., Hilbig, B. E., & Zettler, I. (2018). The dark core of personality. Psychological Review, 125(5), 656–688. https://doi.org/10.1037/rev0000111

Paulhus, D. L., & Williams, K. M. (2002). The dark triad of personality: Narcissism, Machiavellianism, and psychopathy. Journal of Research in Personality, 36(6), 556–563. https://doi.org/10.1016/S0092-6566(02)00505-6

Zimbardo, P. (2007). The Lucifer Effect: Understanding how good people turn evil. Random House.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 7). مفهوم الشر (مالوم): سيكولوجيا النزعة الشريرة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/malum-psychology-of-evil/
looti, Mohammed. “مفهوم الشر (مالوم): سيكولوجيا النزعة الشريرة.” عرب سايكلوجي, 7 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/malum-psychology-of-evil/.
looti, Mohammed. “مفهوم الشر (مالوم): سيكولوجيا النزعة الشريرة.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 7, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/malum-psychology-of-evil/.