كراهية التجديد: سيكولوجية الخوف من التغيير والابتكار

تعتبر كراهية التجديد (Misoneism) من أبرز الظواهر النفسية والاجتماعية التي تعكس الرفض غير العقلاني والعداء لكل ما هو مستحدث؛ تعرف على أبعادها وأسبابها وسبل التعامل معها.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 8 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 8 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل النزوع البشري نحو التمسك بالمألوف ومقاومة التغيير إحدى الظواهر النفسية والاجتماعية الأكثر تجذراً في البنية السلوكية الإنسانية، حيث يتأرجح العقل البشري دوماً بين إغراء الاستكشاف ورهبة المجهول. تمثل ظاهرة كراهية التجديد (Misoneism) حالة متطرفة من الرفض غير العقلاني والعداء الصريح لكل ما هو مستحدث أو غير مألوف، سواء تجسد ذلك في أفكار فلسفية طارئة، أو تحولات تكنولوجية، أو نماذج معرفية مستجدة. إن سبر أغوار هذه الظاهرة يفتح نافذة عميقة لفهم ديناميات الدفاع النفسي، وجمود المعتقدات، وآليات التكيف العصبي المعرفي التي تسعى جاهدة للحفاظ على الاتزان الداخلي عبر درء مخاطر التحديث.

كراهية التجديد (Misoneism)

1. التعريف الموجز

تُعرّف كراهية التجديد (Misoneism) في المعاجم النفسية والاجتماعية بأنها اتجاه انفعالي ومعرفي يتسم بالنفور الشديد، أو الكراهية المتأصلة، أو الخوف المرضي والارتياب من كل ما هو جديد، مبتكر، أو مخالف للعادات والتقاليد السائدة. وتتجلى هذه الحالة كرفض قاطع لإعادة هيكلة المنظومات الفكرية أو السلوكية القائمة، مصحوبة باستجابات دفاعية تتراوح بين السخرية والإنكار إلى الهجوم الفكري والسلوكي العنيف ضد رواد التجديد.

وفي سياق علم النفس المعاصر، تتجاوز الظاهرة مجرد التحفظ الطبيعي أو الحذر العقلاني تجاه المجهول؛ إذ تعبر عن آلية تكيفية مشوهة تنبع من عدم القدرة على تحمل الغموض المعرفي والتهديد الوجودي المتخيل الذي يفرضه التغيير على مفهوم الذات والاستقرار الجمعي. وتعد كراهية التجديد عائقاً بنائياً يعترض مسارات التعلم، وتطوير المؤسسات، والتطور الثقافي، حيث يتم تأطير المستحدثات بوصفها تهديدات بيولوجية ونفسية توجب الاستنفار الدفاعي.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

يعود الأصل اللغوي لمصطلح كراهية التجديد (Misoneism) إلى الجذور الإغريقية القديمة، حيث يتركب اللفظ من مقطعين رئيسيين: الأول هو السابقة اليونانية (miso-) المشتقة من كلمة (μῖσος – misos) وتعني البغض، الكراهية، أو العداء، والمقطع الثاني هو (néos – νέος) ويعني الجديد، الحديث، أو غير المألوف. وقد دخل هذا المصطلح إلى المعجم المعرفي الحديث عبر الفلسفة والعلوم الاجتماعية الإيطالية والفرنسية في نهايات القرن التاسع عشر، ولا سيما من خلال أطروحات عالم الجريمة والأنثروبولوجيا الإيطالي سيزار لومبروزو (Cesare Lombroso)، الذي استخدمه لوصف الميل البشري الغريزي لمقاومة التغيرات الاجتماعية وتثبيت التقاليد.

أما في اللغة العربية، فيشتق مفهوم التجديد من الجذر الثلاثي (ج-د-د) الدال على حدوث الشيء بعد أن لم يكن، أو إحياء ما طرأ عليه الاندثار، في حين ينصرف مفهوم الكراهية والنفور إلى البغض والاشمئزاز والرفض الوجداني. وبذلك يعبر المركب الوصفي “كراهية التجديد” بدقة دلالية عالية عن الحالة الشعورية والسلوكية التي يواجه بها الفرد أو الجمع الأنماط الطارئة والمحدثات الفكرية والمادية.

3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية

يُنطق المصطلح باللغة الإنجليزية /ˌmɪsəˈniːɪzəm/ (ميسونيزم)، ويُصنف نحوياً كاسم مجرد غير معدود (Noun, Uncountable)، ويُشتق منه نعت الفاعل (Misoneist) للإشارة إلى الشخص المعادي للتجديد، وتُستخدم صيغة النعت الوصفي (Misoneistic) لوصف الأنظمة أو الممارسات المقاومة للابتكار. وفي اللسان العربي، يُعامل المصطلح كمركب إضافي (كراهيةُ التجديدِ)؛ حيث تُعرب كلمة “كراهية” حسب موقعها في الجملة الإعرابية، بينما تعرب كلمة “التجديدِ” مضافاً إليه مجروراً، وتتعدد المرادفات الاصطلاحية مثل “بُغض الاستحداث” أو “رهاب التغيير” أو “الجمود النكوصي”.

4. التفسير المفاهيمي المفصل

يمثل مفهوم كراهية التجديد بناءً نفسياً مركباً يتقاطع فيه البعد الإدراكي مع الشحنة الوجدانية والنزوع السلوكي؛ فالإنسان المعادي للتجديد لا ينطلق من محاكمة منطقية محايدة لعيوب ومحاسن الفكرة المستحدثة، بل ينطلق من قناعة مسبقة ومطلقة بأن القديم ينطوي بطبيعته على الفضيلة والأمان، في حين أن الجديد يحمل في طياته بذور التفكك والفوضى والانهيار الأخلاقي أو العملي. ويعزى هذا النزوع إلى رغبة الجهاز النفسي في تقليل الجهد الإدراكي المبذول لمعالجة المعلومات الجديدة، ذلك أن استيعاب المفاهيم الطارئة يتطلب تفكيك الأطر الإدراكية المستقرة وإعادة تركيبها، وهي عملية مكلفة طاقياً ومثيرة للقلق على المستوى العصبي.

يمتد نطاق هذا المفهوم ليشمل استجابات متنوعة تبدأ من مقاومة التقنيات الحديثة (Technophobia) في البيئات المهنية والتعليمية، وصولاً إلى التعصب العقائدي والسياسي ضد الأفكار التحررية أو النظريات العلمية الثورية. وتعمل كراهية التجديد بمثابة درع دفاعي نرجسي؛ فالاعتراف بجدوى الفكرة الجديدة ينطوي ضمنياً على الاعتراف بقصور النموذج المعرفي القديم الذي استثمر فيه الفرد أو المجتمع هويته ومكانته لعقود طويلة. ومن ثم، فإن محاربة الجديد هي في جوهرها دفاع مستميت عن استمرارية الذات والتماسك الداخلي ضد خطر الانحلال والاضطراب.

وعلى المستوى الحدودي، ينبغي التمييز بين كراهية التجديد العصابية وبين النقد المنهجي المسؤول أو المحافظة الرشيدة؛ فالأخيرة تخضع الأفكار المستحدثة لمعايير الفحص والتقييم الموضوعي للتأكد من مواءمتها وفاعليتها قبل تبنيها، في حين تتسم كراهية التجديد بالطابع الدوغمائي الجبري، والرفض الانفعالي الفوري غير القائم على براهين منطقية، والخلط المتعمد بين التغيير الموضوعي والتهديد الوجودي.

5. التطور التاريخي للمفهوم

تعود الإرهاصات الأولى لتأطير هذه الظاهرة إلى اللحظات المفصلية في تاريخ التحولات العلمية، حيث واجه الرواد الأوائل مثل غاليليو غاليلي وميغيل سيرفيتوس وجيوردانو برونو مقاومة شرسة لم تكن مجرد خلاف علمي، بل كانت تعبيراً صريحاً عن ذعر جمعي من تقويض المعالم الثابتة للكون. وفي نهايات القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1893، قدم عالم الجريمة الإيطالي سيزار لومبروزو في كتابه “كراهية التجديد والمؤامرات في التاريخ” (Le Néophobie et les conjurations dans l’histoire) أول صياغة بنيوية للمفهوم، معتبراً أن كراهية التجديد تمثل “قانوناً كونياً للجمود النفسي والاجتماعي”، حيث تميل المجتمعات الإنسانية بطبيعتها الحيوية إلى الحفاظ على توازنها البيولوجي والاجتماعي عبر رفض أي اضطراب ناجم عن الابتكارات السياسية أو الفكرية، مالم تكن متدرجة وبطيئة للغاية.

مع بزوغ مدرسة التحليل النفسي في أوائل القرن العشرين، فسر سيغموند فرويد وزملاؤه مقاومة التجديد كشكل من أشكال التمسك بـ “مبدأ اللذة” و”تكرار القهر” وتجنب الألم المرتبط بتهديد الأنا الأعلى، حيث يُنظر إلى التغيير كفقدان للموضوع الآمن (Loss of the secure object). وفي منتصف القرن العشرين، انتقل المفهوم إلى حقل علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي، لا سيما مع دراسات ثيودور أدورنو حول “الشخصية الاستبدادية” (The Authoritarian Personality) في خمسينيات القرن العشرين، والتي أثبتت الارتباط الوثيق بين الجمود المعرفي، والامتثال القهري للمعايير، والعداء الصريح لكل ما هو جديد ومبتكر.

وفي العقود المتأخرة، أعاد علماء النفس التطوري وعلم الأعصاب النظر في المفهوم بوصفه بقايا تكيفية؛ فالإنسان القديم الذي تجنب النباتات المجهولة أو الكهوف غير المألوفة كان يمتلك فرصاً أعلى للبقاء مقارنة بالمغامر المستكشف. وبذلك استقر المفهوم في الأدبيات المعاصرة ليس بوصفه مجرد شذوذ نفسي، بل كنتيجة لتفاعل معقد بين ميراث النشوء البيولوجي والتشريط الاجتماعي والسمات الشخصية الفردية.

6. الأسس والأطر النظرية

تتضافر عدة مدارس نفسية في تفسير ديناميات كراهية التجديد، حيث تقدم كل مدرسة منظوراً يضيء جانباً من هذا البناء المركب:

النظرية المعرفية ونظرية التنافر المعرفي: ترتكز هذه الرؤية على أطروحات ليون فيستينغر (Leon Festinger)، حيث يُحدث استقبال معلومة جديدة تتعارض مع المعتقدات الراسخة حالة حادة من التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance). ولتخفيف وطأة هذا التوتر الداخلي، يلجأ العقل تلقائياً إلى آليات التحيز التأكيدي وتشويه الفكرة المستحدثة أو رفضها جملة وتفصيلاً، تفادياً للألم الإدراكي المصاحب لتعديل البنى المعرفية (Schemas) القائمة مسبقاً.

التحليل النفسي ونظريات الدفاع عن الأنا: يرى التحليل النفسي أن الجديد يحرك مكامن القلق البدائي، ولا سيما قلق الانفصال والانهيار والتوجس من المجهول. وتعمل كراهية التجديد هنا كحيلة دفاعية نكوصية تتضمن “الإنكار” و”الإسقاط”، حيث يسقط الفرد مخاوفه من العجز الداخلي على العنصر المبتكر، واصفاً إياه بالخبيث والمدمر، لحماية البنية النرجسية للأنا من التصدع.

علم النفس التطوري وعلم الأعصاب السلوكي: تؤكد الأطر التطورية أن الدماغ البشري قد جرى تشكيله انتخابياً للحفاظ على الطاقة الحيوية والنجاة من الأخطار. ترتبط معالجة المجهول بفرط استثارة اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي مركز معالجة الخوف والتهديد في الجهاز الحوفي، مما يطلق استجابة “الكر أو الفر”، بينما يتطلب الابتكار نشاطاً مكثفاً ومجهداً من قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex)؛ وعليه فإن الرفض الغريزي للجديد يمثل استجابة أوتوماتيكية مبرمجة بيولوجياً لتقليل المخاطر واستهلاك الطاقة.

7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية

تتفرع كراهية التجديد إلى عدة أبعاد ومكونات هيكلية وأنماط سلوكية يمكن تفصيلها فيما يلي:

  • المكون المعرفي: يتمثل في الأفكار اللاعقلانية والمعتقدات الدوغمائية التي تفترض مسبقاً خلو المستحدثات من أي قيمة حقيقية، واقترانها الحتمي بالخطر والضرر، مدعومة بقوالب نمطية متصلبة.
  • المكون الوجداني الانفعالي: يتجلى في مشاعر القلق، الخوف، النفور، الاشمئزاز، والغضب الاستباقي بمجرد التعرض لمثير فكري أو مادي غير مألوف.
  • المكون السلوكي: يتجسد في المقاومة النشطة أو السلبية للتغيير، بما في ذلك التجنب، التخريب المتعمد للأدوات الجديدة، التحريض ضد المبتكرين، وممارسة الضغط الجمعي لعزل أي تجديد.
  • كراهية التجديد التكنولوجي (Technological Misoneism): العداء الصريح للأجهزة والوسائط الرقمية والتقنيات الذكية، والشعور بالاغتراب والتهديد أمام تسارع الثورات التقنية.
  • كراهية التجديد الفكري واللغوي (Intellectual & Linguistic Misoneism): مقاومة المصطلحات الجديدة والمناهج الفلسفية المعاصرة، والجمود على قوالب بلاغية ونظرية تراثية مغلقة.
  • كراهية التجديد الاجتماعي والمؤسسي (Organizational & Social Misoneism): التمسك الهيكلي بالبيروقراطية المتقادمة والهرمية الإدارية العتيقة، ومحاربة أي إعادة هيكلة لسياسات العمل أو الأدوار المجتمعية.

8. أمثلة وحالات توضيحية

تزخر التجربة الإنسانية اليومية والسريرية بنماذج حية تجسد تجليات كراهية التجديد؛ فعلى الصعيد الإكلينيكي والاستشاري، تبرز حالة مدير تنفيذي تجاوز العقد الخامس من عمره، يرفض بشكل قاطع التحول إلى الأنظمة الرقمية وأدوات الحوسبة السحابية في إدارته، متذرعاً بعدم موثوقيتها، ويجبر موظفيه على التوثيق الورقي اليدوي. وقد كشف التحليل النفسي المعرفي للحالة أن هذا الرفض لا ينبع من كفاءة النظام الورقي، بل من رعب دفين من كشف عجزه التقني، وشعوره بفقدان السيطرة، وتهديد مكانته القيادية التي بناها على إتقان الأدوات التقليدية القديمة.

أما على الصعيد التاريخي والاجتماعي، فإن مقاطعة الآلات البخارية ومطابع الكتب في مهدها، ورفض التخدير الطبي في العمليات الجراحية في بداياته بوصفه “تدخلاً غير أخلاقي في مشيئة الألم الطبيعية”، يقدم شواهد ساطعة على كيف تحولت كراهية التجديد إلى ظاهرة جمعية هددت حياة الآلاف قبل أن تسود المنفعة العقلانية. وفي البيئات الأكاديمية، يتجلى ذلك في محاربة بعض الأساتذة الجامعيين للنظريات البينية المستحدثة، مفضلين تدريس مناهج بالية لم يطرأ عليها تعديل لعقود، حماية لمناطق راحتهم الفكرية.

9. القياس والتقييم النفسي

تخضع كراهية التجديد للتقييم والقياس عبر بطاريات من المقاييس السيكومترية التي تقيس أبعاد الانغلاق المعرفي، والجمود العقلي، ومقاومة التغيير؛ نظراً لعدم وجود أداة أحادية معزولة تحمل مسمى التشخيص السريري المباشر، ومن أبرز هذه الأدوات:

مقياس مقاومة التغيير (Resistance to Change Scale – RTC): أعده شاهول أوريغ (Shaul Oreg)، ويقيس النزوع الفردي لمقاومة التغييرات عبر أربعة أبعاد جوهرية: البحث عن الروتين، رد الفعل الانفعالي تجاه التغيير المفروض، التركيز القصير الأجل، والجمود الإدراكي.

مقياس الحاجة إلى الانغلاق المعرفي (Need for Cognitive Closure Scale – NFCS): صممه أري كروغلانسكي (Arie Kruglanski)، ويقيس الرغبة الشديدة في الحصول على إجابة قاطعة وسريعة في مواجهة الغموض، وتفضيل النظام والقدرة على التنبؤ، ورفض الأفكار البديلة المنفتحة.

استخبار العوامل الخمسة الكبرى للشخصية (Big Five Inventory – BFI): يوفر مؤشراً عكسياً دقيقاً، حيث يرتبط الانخفاض الحاد في عامل الانفتاح على الخبرة (Openness to Experience) ارتباطاً ارتباطاً وثيقاً بظاهرة كراهية التجديد والتمسك المفرط بالتقاليد والطرائق التقليدية في التفكير والشعور.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تحظى دراسة كراهية التجديد بأهمية استراتيجية بالغة في ميادين تطبيقية متعددة، في طليعتها إدارة التغيير المؤسسي (Organizational Change Management)؛ إذ تفشل أكثر من ثلثي مبادرات التطوير والتحول الرقمي في الشركات الكبرى نتيجة اصطدامها بالمقاومة السيكولوجية للموظفين والقيادات الوسطى المعادية للتجديد. ويتطلب تجاوز هذه العقبة تطبيق استراتيجيات التدخل المعرفي السلوكي في بيئة العمل، من خلال تقليل الغموض، وإشراك العاملين في صياغة الحلول، وبناء بيئة من الأمان النفسي تحيد استجابات الخوف من المجهول.

وفي حقل التربية والتعليم، تسهم معرفة آليات كراهية التجديد في مساعدة المعلمين على تفكيك مقاومة الطلاب للمناهج الإبداعية وغير التقليدية، وتدريبهم على مهارات التفكير النقدي وتطوير مرونة التفكير. أما في الممارسة السريرية، فإن استبصار المعالج بالجذور المعادية للتجديد لدى العميل يساعد في علاج اضطرابات الشخصية الوسواسية واضطرابات القلق المعمم، حيث يشكل الخوف من التغيير عقبة كأداء أمام نجاح التدخل العلاجي ذاته.

11. البحث والأدلة التجريبية

أكدت الدراسات التجريبية الحديثة في علم النفس العصبي وعلم النفس التجريبي الأسس الفسيولوجية لظاهرة مقاومة الجديد؛ فقد كشفت أبحاث الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) التي أجراها باحثون في جامعة هارفارد ومعهد كاليفورنيا للتقنية أن تعريض الأفراد ذوي الدرجات المرتفعة في الانغلاق العقلي لأفكار تتحدى منظوماتهم يثير نشاطاً مكثفاً في القشرة الجزيرية (Insular Cortex) واللوزة الدماغية، وهي نفس المناطق التي تنشط عند استشعار الألم الجسدي والاشمئزاز، مما يؤكد أن الدماغ يترجم الأفكار الجديدة المناوئة كاعتداء حسي مباشر.

كما بينت دراسات عالم النفس الاجتماعي جون يوست (John Jost) وفريقه حول “نظرية تبرير النظام” (System Justification Theory) أن كراهية التجديد ليست مجرد سمة مزاجية فردية، بل هي حاجة دفاعية تدفع الأفراد إلى تفضيل الأوضاع القائمة وتبريرها والدفاع عنها حتى وإن كانت جائرة أو غير فعالة، وذلك لتقليل مشاعر الشك والتهديد وعدم الاستقرار النفسي المرتبط بأي تغيير جوهري في المنظومة الاجتماعية.

12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافات

تتباين مستويات ومظاهر كراهية التجديد تبايناً جذرياً تبعاً للسياق الثقافي؛ ففي المجتمعات الجمعية والتقليدية (Collectivist Cultures) التي تعلي من شأن الولاء للماضي وطاعة الرموز الاجتماعية، يُنظر إلى كراهية التجديد كقيمة أخلاقية تحمي المجتمع من التحلل وفقدان الهوية، ويصنف المبتكر غالباً كشخص منشق أو مهدد للسكينة العامة. في المقابل، تشجع المجتمعات الفردية (Individualist Cultures) الابتكار والتحول المستمر وتعدهما دلالة على الحيوية والنجاح والتقدم، مما يجعل مظاهر كراهية التجديد تنحصر في الأطر البنيوية التحتية أو في صراعات الأجيال.

علاوة على ذلك، تلعب الخلفيات التاريخية المرتبطة بالصدمات الاستعمارية دوراً جوهرياً في تغذية كراهية التجديد في بعض المجتمعات النامية، حيث يُقرن كل تحديث فكري أو مؤسسي قادم من الخارج بالهيمنة الثقافية والاستلاب الحضاري، مما يحول كراهية التجديد إلى جدار حماية نفسي وثقافي جمعي للحفاظ على الخصوصية والسيادة الرمزية.

13. الانتقادات والجدل والحدود المنهجية

على الرغم من القيمة التفسيرية لمفهوم كراهية التجديد، إلا أنه يواجه انتقادات منهجية وفلسفية جوهرية؛ إذ يحذر علماء الاجتماع ونقاد الحداثة من خطورة “إضفاء الطابع المرضي” (Pathologization) على التحفظ والنقد المشروع للمستحدثات. فالرفض الحذر للتقنيات غير الآمنة كالتطبيقات غير المنضبطة للذكاء الاصطناعي أو الهندسة الوراثية لا يمكن تصنيفه بصورة ساذجة ككراهية للتجديد، بل هو ممارسة لليقظة العقلانية والمسؤولية الأخلاقية.

كما يؤخذ على استخدامات المصطلح في أدبيات القرن التاسع عشر طابعها الأيديولوجي، حيث استخدمته القوى الاستعمارية والنخب التقدمية لتبرير سحق الثقافات الأصلية ومقاومتها المشروعة بدعوى أنها تعاني من “عقدة كراهية التجديد والتخلف الغريزي”. يفرض هذا التحدي ضرورة وضع خط فاصل صارم بين التحفظ العقلاني المبني على تقييم المخاطر وبين النزوع العصابي العشوائي لكراهية المستحدثات.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة

تتقاطع كراهية التجديد مع منظومة من المفاهيم النفسية القريبة، ويمكن تبيان الفروق الدقيقة بينها كالتالي:

  • رهاب الجديد (Neophobia): خوف حاد وغريزي من المثيرات غير المألوفة (كالطعوم أو الأماكن الجديدة)، وغالباً ما يكون له جذر بيولوجي وتطوري مباشر، في حين أن كراهية التجديد تتسم بطابع فكري وإيديولوجي وسلوكي أكثر تعقيداً وشمولاً يتضمن مشاعر البغض والعداء الواعي.
  • الانغلاق العقلي (Dogmatism / Closed-Mindedness): جمود في المنظومة المعرفية يرفض مراجعة المعتقدات أياً كانت، بينما تركز كراهية التجديد تحديداً على استهداف عنصر “الحداثة والابتكار” بالرفض والمحاربة.
  • المحافظة السياسية والاجتماعية (Conservatism): فلسفة ورؤية تفضل التغيير المتدرج والإبقاء على المؤسسات المجربة تاريخياً، ولا تعني بالضرورة العداء المرضي لكل جديد إن ثبتت جدواه، على عكس كراهية التجديد التي تتسم بالرفض غير العقلاني.
  • عشق التجديد (Neophilia): النقيض المباشر للظاهرة، ويعني الهوس الاندفاعي بكل ما هو حديث ومستحدث لمجرد كونه جديداً فقط، ودون النظر إلى قيمته الوظيفية أو عواقبه.

15. الخلاصة والنتائج الرئيسية

تجسد كراهية التجديد (Misoneism) نزوعاً نفسياً عميقاً نحو رفض المستحدثات ومقاومة الأفكار والتقنيات الطارئة بدافع حماية الاتزان الداخلي وتفادي القلق الناجم عن الغموض والتنافر المعرفي. ورغم أن جذورها التطورية وفرت للإنسان القديم حماية حيوية ضد أخطار البيئات غير المستكشفة، إلا أنها تتحول في العالم المعاصر إلى عائق معرفي وسلوكي يعرقل الإبداع، ويكرس التكلس المؤسسي، ويغذي الاستقطاب الدوغمائي. يتطلب تجاوز هذه الظاهرة بناء مناخات تعليمية ونفسية تعزز المرونة المعرفية، وتشجع على التفكير النقدي المنفتح، وتقدم التغيير بوصفه فرصة للتطور والنمو لا تهديداً يوجب الاستنفار والدفاع.

المراجع

  • Lombroso, C. (1893). Le Néophobie et les conjurations dans l’histoire. Félix Alcan.
  • Oreg, S. (2003). Resistance to change: Developing an individual differences measure. Journal of Applied Psychology, 88(4), 680–693. https://doi.org/10.1037/0021-9010.88.4.680
  • Kruglanski, A. W., & Webster, D. M. (1996). Motivated closing of the mind: “Seizing” and “freezing”. Psychological Review, 103(2), 263–283. https://doi.org/10.1037/0033-295X.103.2.263
  • Jost, J. T., Banaji, M. R., & Nosek, B. A. (2004). A decade of system justification theory: Accumulated evidence for alternative realities. Political Psychology, 25(6), 881–919. https://doi.org/10.1111/j.1467-9221.2004.00402.x
  • Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The Authoritarian Personality. Harper & Row.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 8). كراهية التجديد: سيكولوجية الخوف من التغيير والابتكار. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/misoneism-psychology-fear-of-change/
looti, Mohammed. “كراهية التجديد: سيكولوجية الخوف من التغيير والابتكار.” عرب سايكلوجي, 8 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/misoneism-psychology-fear-of-change/.
looti, Mohammed. “كراهية التجديد: سيكولوجية الخوف من التغيير والابتكار.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 8, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/misoneism-psychology-fear-of-change/.