يشكل التعامل مع الفجوات في البيانات الميدانية أحد أدق التحديات الإبستمولوجية والمنهجية التي تواجه الباحثين في العلوم النفسية والسلوكية المعاصرة؛ إذ يترتب على إهمال نمط الفقدان تشويه جسيم في تقدير المعلمات الإحصائية وتهديد مباشر لصدق النتائج وقابليتها للتعميم. يبرز مفهوم «البيانات المفقودة عشوائياً» بوصفه ركيزة محورية تتيح للباحثين استعادة دقة التقدير الإحصائي وتلافي الانحيازات المنهجية من خلال نمذجة رياضية دقيقة تستند إلى المعطيات المشاهدة دون غيرها.
البيانات المفقودة عشوائياً (Missing at Random – MAR)
1. التعريف الموجز والدلالة الاصطلاحية
تُعرّف البيانات المفقودة عشوائياً (Missing at Random؛ واختصاراً MAR) إحصائياً بأنها آلية لفقدان البيانات يتحقق فيها شرط أساسي: احتمال فقدان قيمة متغير معين لا يرتبط رياضياً بالقيمة المفقودة الافتراضية ذاتها بعد ضبط ومراقبة المتغيرات الأخرى المشاهدة في نموذج القياس. وبعبارة أخرى، يفسَّر احتمال حدوث الفقدان تفسيراً تاماً بواسطة المعلومات المتوفرة والمقيسة بالفعل لدى الباحث دون الاعتماد على القيمة الكامنة غير المرصودة.
يمثل هذا المفهوم حالة شرطية دقيقة تقع في منزلة وسطى بين الفقدان العشوائي التام والفقدان غير العشوائي. ولا تعني كلمة «عشوائي» هنا المعنى الشائع للصدفة المطلقة، بل تعني أن العشوائية مشروطة بالبيانات المرصودة، مما يمنح الباحثين مسوغاً رياضياً لاستخدام طرائق معالجة متقدمة مثل تعظيم الاحتمالية الكلية والتعويض المتعدد دون الوقوع في شرك انحياز التقدير.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاق الاصطلاحي
يعود الأصل اللغوي لمفردة «الفقد» في اللسان العربي إلى الجذر الثلاثي (ف-ق-د)، وهو يدل على غياب الشيء بعد وجوده أو عدم إدراكه وحصول خلو في موضعه. أما «العشوائي» فمشتق لغوياً من (ع-ش-و)، ومنه العشواء وهي الناقة التي تخبط بصرها في الظلام دون تمييز، واستُعير المصطلح في الأدبيات العلمية للإشارة إلى العمليات الاحتمالية التي لا تخضع لغائية محددة مسبقاً.
وقد دخل المصطلح الإنجليزي (Missing at Random) إلى القاموس الإحصائي والسيكومتري عبر الورقة التأسيسية التي نشرها عالم الإحصاء الأمريكي دونالد روبين عام 1976. وقد أقر روبين لاحقاً بأن التسمية تنطوي على إشكال دلالي طفيف؛ إذ قد توحي للوهلة الأولى بالعشوائية الصرفة، بينما يقصد بها حقيقةً «العشوائية المشروطة بالبيانات المتاحة»، مما أحدث نقاشات سيمانتيكية ممتدة بين علماء المنهجيات والقياس النفسي.
3. الخصائص الصوتية والصرفية والتركيب النحوي
يُعامل مصطلح «البيانات المفقودة عشوائياً» في اللغة العربية بصفته مركباً نعتياً وتركيباً وصفياً مركباً؛ فكلمة «البيانات» جمع تكسير ومبتدأ أو مفعول بحسب الموقع الإعرابي، و«المفقودة» نعت تابع لها بصيغة اسم المفعول المشتق من الفعل الثلاثي المزيد، و«عشوائياً» مفعول مطلق نائب عن المصدر أو حال مؤولة تبين هيئة حدوث الفقدان وطبيعته الاحتمالية.
تتنوع التراكيب الاصطلاحية المرادفة في الكتابات السيكومترية العربية، فيرد أحياناً بصيغة «الفقد المشروط بالبيانات» أو «الغياب العشوائي الجزئي»، غير أن الاستقرار الأكاديمي استقر على «الفقدان العشوائي» كمقابل رسمي لمصطلح (MAR)، مع التنبيه الدائم على علامة الاختصار الشائعة عالمياً لضمان الدقة وتفادي الخلط المفاهيمي في الدراسات المعربة.
4. الشرح المفاهيمي المتعمق والحدود الإبستمولوجية
يرتكز الإطار المفهومي لآلية MAR على التمييز الحاسم بين البيانات المشاهدة والبيانات الناقصة داخل مصفوفة الاستجابات السيكومترية. إذا افترضنا وجود متغيرين في دراسة نفسية: المستوى الاقتصادي والاجتماعي (المتغير المشاهد $X$)، ودرجة القلق في مقياس إكلينيكي (المتغير التابع $Y$)، فإن آلية الفقدان تكون عشوائية بالمعنى الشرطي إذا كان احتمال غياب درجات القلق يختلف بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية، ولكنه ضمن فئة معينة لا يمت بصلة لمستوى القلق الكامن ذاته لدى المفحوص.
تكمن الحدود الإبستمولوجية لهذا المفهوم في اعتماده على افتراض رياضي يتعذر اختباره تجريبياً بصورة حاسمة ومطلقة من واقع العينة وحدها؛ نظراً لأن القيم المفقودة غير موجودة بالفعل للمقارنة بها. ومن ثم فإن الحكم بأن البيانات تتبع آلية MAR يستند في جوهره إلى متانة الإطار النظري للدراسة، وتطابق الفروض مع منطق الظاهرة النفسية المدروسة، وملاءمة المتغيرات المساعدة المندرجة في التحليل.
يوفر افتراض MAR ما يُعرف إحصائياً بـ«الفقدان القابل للتجاهل» (Ignorable Missingness) عند تطبيق نماذج الاحتمالية العظمى، بمعنى أن الباحث ليس مضطراً إلى بناء نموذج رياضي معقد لصياغة آلية الفقد ذاتها بجانب نموذج الاستجابة النفسية. هذا الفصل الإجرائي يمنح الباحثين مرونة فائقة في التعامل مع المعطيات الإكلينيكية المعقدة وتفادي تضخيم الخطأ المعياري دون التضحية بالاتساق الرياضي.
5. التطور التاريخي ومحطات التأسيس المنهجي
سادت في النصف الأول من القرن العشرين ممارسات منهجية تقليدية بدائية في معالجة غياب الاستجابات في البحوث السلوكية؛ حيث كان الباحثون يعتمدون على الحذف الكلي للحالات غير المكتملة (Listwise Deletion) أو تعويض المتوسط، متجاهلين التحيز الحسابي الجسيم الذي تسببه هذه الإجراءات على تقديرات الارتباط والتباين والانحدار.
جاء المنعطف التاريخي الحاسم في عام 1976 عندما نشر دونالد روبين ورقته الكلاسيكية بعنوان «الاستدلال والبيانات المفقودة» في مجلة بيومتريكا (Biometrika)؛ حيث وضع تصنيفاً ثلاثياً دقيقاً لآليات الفقد قسّمها إلى: الفقدان العشوائي تماماً (MCAR)، والفقدان العشوائي (MAR)، والفقدان غير العشوائي (MNAR). شكّل هذا النموذج نقطة تحول جذرية أسست لنظرية حديثة قائمة على النمذجة الاحتمالية الرياضية للغياب.
توالت بعد ذلك الإسهامات التطويرية؛ ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم قاد باحثون مثل رودريك ليتل (Roderick Little) ودونالد روبين جهوداً مشتركة أثمرت كتابهم المرجعي الشهير الصادر عام 1987 و2002، كما قام جوزيف شافر (Joseph Schafer) بتطوير خوارزميات برمجية رائدة للتعويض المتعدد ساهمت في نقل افتراض MAR من الأروقة النظرية المجردة إلى الاستخدام الميداني المتاح لعموم المشتغلين في القياس النفسي والتربوي.
6. الأسس والمنطلقات النظرية والرياضية
تستند آلية MAR إلى الصياغة الرياضية لنظرية الاحتمالات المشروطة، حيث يُمثَّل مؤشر الفقدان بمتغير ثنائي $R$، يأخذ القيمة $1$ إذا كانت الملاحظة مرصودة والقيمة $0$ إذا كانت مفقودة. تنص القاعدة الرياضية لـ MAR على أن احتمال حدوث نمط الفقد $R$ مشروطاً بالبيانات الكلية المشاهدة $Y_{obs}$ وغير المشاهدة $Y_{mis}$ يعتمد حصراً على البيانات المشاهدة:
$$P(R | Y_{obs}, Y_{mis}, \phi) = P(R | Y_{obs}, \phi)$$
حيث تمثل $phi$ معلمات نموذج آلية الفقدان. يؤكد هذا القانون الرياضي استقلال آلية الفقد تماماً عن القيم المفقودة بمجرد مراقبة وضبط المتغيرات المشاهدة في النموذج الإحصائي، مما يلغي الانحياز المشروط ويوفر مقدِّرات غير متحيزة ومتقاربة نحو المعلمة الحقيقية للمجتمع الأصلي.
يرتبط هذا المنطلق بنظرية التقدير عبر الاحتمالية العظمى للمعلومات الكاملة (FIML)، التي تستخدم كل جزء من المعلومات المتاحة لحساب دالة الإمكان الكلية لكل مفحوص على حدة، مما يسمح بالحصول على تقديرات دقيقة لمعاملات المسار ونماذج المعادلة البنائية دون الحاجة إلى اختلاق قيم مصطنعة أو استبعاد أفراد العينة جزئياً.
7. المكونات الأساسية والأنواع والأبعاد التمييزية
تتكامل آلية MAR ضمن منظومة ثلاثية الأبعاد تحدد طبيعة السلوك الإحصائي لبيانات المقاييس النفسية المفقودة، وتتوزع هذه المنظومة على النحو التالي:
- الفقدان العشوائي تماماً (Missing Completely at Random – MCAR): أعلى درجات العشوائية؛ حيث لا يرتبط احتمال الغياب بأي متغيرات سواء كانت مشاهدة أو غير مشاهدة، وتكون العينة المتبقية ممثلة للمجتمع تماماً، وهو افتراض شديد الصرامة ونادراً ما يتحقق في الواقع الإكلينيكي والسلوكي.
- البيانات المفقودة عشوائياً (Missing at Random – MAR): حالة العشوائية المشروطة؛ إذ يعتمد الفقدان على متغيرات مُقاسة مسبقاً (كالسن، أو الجنس، أو درجات خط الأساس) دون الاعتماد على القيمة الفعلية المتروكة فارغة في الاستبانة أو الاختبار النفسي.
- الفقدان غير العشوائي (Missing Not at Random – MNAR): الحالة الأكثر تعقيداً وانحيازاً؛ حيث يرتبط احتمال غياب القيمة بالقيمة المفقودة ذاتها مباشرة، مثل امتناع الأفراد ذوي الاكتئاب الحاد جداً عن الإجابة عن أسئلة اليأس والانتحار لشدة وطأة أعراضهم النفسية.
- المتغيرات المساعدة (Auxiliary Variables): متغيرات إضافية تُجمع أثناء الدراسة لا تدخل مباشرة في النموذج النظري الأساسي، لكنها ترتبط بأنماط الفقدان وقيم المتغيرات الأساسية، وتُدمج لتعزيز مصداقية افتراض MAR وتحويل البيانات المقاربة لـ MNAR إلى إطار MAR المستقر.
8. الأمثلة التوضيحية والحالات التطبيقية في علم النفس
يتجلى سيناريو MAR بوضوح في الدراسات النفسية التتبعية الطولية التي تقيس فعالية العلاج السلوكي المعرفي على مدار عدة أشهر؛ لنفترض أن دراسة تفحص أعراض الرهاب الاجتماعي عبر جلسات تقييم متكررة، وحدث تسرب من بعض المشاركين في جلسات المتابعة المتأخرة. إذا لوحظ أن المشاركين الأكبر سناً هم الأكثر تخلفاً عن الحضور بسبب صعوبات المواصلات، ولكن مستوى القلق لديهم عند التخلف لا يختلف عن زملائهم من نفس الفئة العمرية الحاضرين، فإن هذا الفقدان يصنف مباشرة كفقدان عشوائي (MAR) مشروط بالعمر.
حالة أخرى شائعة في بيئات القياس التربوي والنفسي داخل المدارس؛ حين يُطبق اختبار لقياس الاحتراق الأكاديمي لدى الطلبة، ويتخلف بعض الطلاب عن تسليم الجزء الأخير المتعلق بتقدير الذات الأكاديمي. إذا كشفت البيانات أن الطلاب ذوي المعدل التراكمي المنخفض (وهو متغير مشاهد مسجل مسبقاً) هم الذين يميلون لترك تلك الفقرات فارغة بدافع الملل الدراسي، فإن الفقدان يُعد عشوائياً بمجرد إدراج المعدل التراكمي في معادلات النمذجة كمتغير مساعد.
9. القياس والتقييم واختبار الفرضيات الإحصائية
من الناحية المنهجية الصارمة، لا يوجد اختبار إحصائي قاطع ومباشر يمكنه إثبات صحة فرضية MAR في مقابل فرضية MNAR اعتماداً على مصفوفة البيانات المشاهدة وحدها؛ نظراً لأن التحقق الكامل يتطلب الوصول إلى القيم غير المشاهدة، وهو أمر مستحيل بطبيعة الحال. ومع ذلك، يعتمد السيكومتريون على استبعاد فرضية MCAR أولاً كخطوة تأسيسية عبر تطبيق اختبار ليتل لعشوائية الفقد التام (Little’s MCAR Test).
إذا أظهر اختبار ليتل دلالة إحصائية ($p < 0.05$)، تُرفض فرضية الفقدان العشوائي التام، ويدخل الباحث في مرحلة فحص العلاقات بين أنماط الفقد والمتغيرات الديموغرافية والنفسية المشاهدة عبر نماذج الانحدار اللوجستي للتنبؤ باحتمال الفقد. فإذا تبين أن مؤشرات الفقد ترتبط بوضوح بالمتغيرات المشاهدة المتاحة في ملف البيانات، فإن ترجيح افتراض MAR يصبح خياراً نظرياً وإحصائياً معقولاً وقابلاً للدفاع العلمي المنهجي.
تكتمل إجراءات التقييم بإجراء تحليلات الحساسية (Sensitivity Analyses)، ومنها نمذجة نمط الانقطاع (Pattern-Mixture Models) ونماذج الاختيار (Selection Models)، لاختبار مدى متانة النتائج السيكومترية المستخلصة في حال انحرفت البيانات انحرافاً طفيفاً أو متوسطاً عن افتراض MAR وتوجهت نحو الفقدان غير العشوائي، مما يضفي موثوقية عالية على القرارات التشخيصية والبحثية.
10. التطبيقات الإكلينيكية والميدانية والأهمية العملية
تكتسب آلية MAR أهمية عملية حاسمة في التجارب الإكلينيكية العشوائية المنتظمة الخاصة بالتدخلات النفسية والدوائية. ففي دراسات تقييم مضادات الاكتئاب، كثيراً ما ينسحب المرضى بسبب تعرضهم لآثار جانبية مبكرة، كالدوخة أو الغثيان؛ وحيث إن الآثار الجانبية تُسجل وتُقاس بانتظام في الزيارات الأولى، فإن نمذجة انسحاب المريض استناداً إلى تلك الأعراض المشاهدة يجعل البيانات تندرج تحت مظلة MAR، مما يمكن من إنقاذ التجربة السريرية من الهدر الإحصائي.
تتجلى الأهمية كذلك في مراكز الاستشارات النفسية والتقييم المؤسسي؛ إذ تتيح استراتيجيات التعامل القائمة على MAR استبقاء كامل أفراد العينة عند تطبيق نماذج الاستجابة للمفردة الاختبارية (IRT) ونمذجة المعادلات البنائية (SEM)، متجنبة الانخفاض الحاد في حجم العينة الفعلية (Effective Sample Size)، مما يضمن المحافظة على القوة الإحصائية (Statistical Power) اللازمة لاكتشاف الفروق الحقيقية بين المجموعات العلاجية.
11. الشواهد التجريبية والأدلة البحثية في العلوم السلوكية
أكدت دراسات المحاكاة واسعة النطاق التي أجراها جراهام (John W. Graham, 2009) وإندرز (Craig K. Enders, 2010) أن تقنيات الحذف التقليدي مثل الحذف بالحالة يؤدي إلى تحيزات كارثية في حساب أحجام التأثير والخطأ من النوع الأول عند تحقق شروط MAR، في حين أثبتت أساليب التعويض المتعدد (Multiple Imputation) ونمذجة FIML قدرة فائقة على استعادة المعلمات الحقيقية وتقليل التباين غير المبرر إلى مستويات مهملة إحصائياً.
وفي مجال القياس النفسي العصبي، أظهرت أبحاث متعددة تقيم التدهور المعرفي لدى كبار السن أن البيانات المفقودة في الاختبارات النفسية العصبية غالباً ما ترتبط بمتغيرات مشاهدة كالتعليم والحالة الصحية العامة؛ وبيّنت الدراسات التجريبية المقارنة أن التعامل مع البيانات بافتراض MAR أسفر عن نتائج تنبؤية تطابقت بدقة متناهية مع دراسات المتابعة الواقعية طويلة المدى، مقارنة بالنماذج الساذجة لتعويض القيمة المتوسطة التي شوهت المنحنيات النمائية للمشاركين.
12. الاعتبارات الثقافية والسياقية عبر المجتمعات
تتأثر أنماط الفقدان في البحوث النفسية عبر الثقافات بالمعايير الاجتماعية ومحددات المرغوبية الاجتماعية الحاكمة للمجتمعات المختلفة؛ ففي البيئات الثقافية التي تتسم بالتحفظ الشديد، قد يرتفع معدل امتناع الأفراد عن إجابة أسئلة مقاييس الصحة النفسية المرتبطة بالوصمة، كتعاطي المواد أو الاضطرابات السلوكية والجنسية.
يتطلب التحقق من افتراض MAR في المجتمعات العربية والنامية وعياً سياقياً فريداً؛ إذ يجب على الباحث ألا يفترض آلياً أن الفقد ناتج عن صدفة بحتة، بل يتعين عليه جمع متغيرات ثقافية وديموغرافية غنية (مثل مستوى التدين، والمكانة العشائرية أو القبلية، والبيئة الريفية مقابل الحضرية)، لاستخدامها كمتغيرات مساعدة في التحليل لتحويل الفقدان المحتمل من مسار MNAR المنحاز إلى مسار MAR المشروط والقابل للمعالجة الرياضية الآمنة.
13. الانتقادات والجدليات المنهجية والمحددات العلمية
تتمحور الانتقادات الموجهة للاعتماد على MAR حول كونه «افتراضاً غير قابل للاختبار التجريبي المباشر» (Untestable Assumption)، حيث لا يمكن للباحث الجزم يقيناً بأن القيمة المفقودة لا تحمل في طياتها دافعاً ذاتياً خاصاً للغياب لم ترصده المتغيرات المقاسة في الدراسة، وهو ما يجعل النماذج الإحصائية المبنية عليه عرضة للتشكيك في الدراسات الحساسة للغاية.
كما يثار جدل واسع حول الإفراط في استخدام المتغيرات المساعدة دون ترشيد علمي دقيق؛ حيث يؤدي حشو النماذج بعشرات المتغيرات غير المرتبطة نظرياً بالظاهرة النفسية بهدف تبرير افتراض MAR إلى مشكلات تتعلق بتعدد الارتباط الخطي (Multicollinearity) وفقدان درجات الحرية في العينات الصغيرة، مما يتطلب توازناً حصيفاً بين متطلبات النظرية السيكولوجية والرياضيات الإحصائية.
14. المصطلحات المقارنة والمفاهيم المتداخلة ووجوه التمايز
لتوضيح البنية المفاهيمية بدقة وتجلي الفروق الجوهرية بين تصنيفات البيانات المفقودة، يستعرض التحليل السيكومتري المقارن التمايزات التالية:
- الفقدان العشوائي (MAR) مقابل الفقدان العشوائي تماماً (MCAR): في MCAR لا توجد أي علاقة إطلاقاً بين الفقد وأي متغير في الدراسة سواء كان مشاهداً أو مفقوداً؛ بينما في MAR يرتبط احتمال الفقد بالمتغيرات المشاهدة فقط، مما يجعل MAR حالة أعم وأكثر واقعية في بحوث علم النفس مقارنة بندرة تحقق MCAR.
- الفقدان العشوائي (MAR) مقابل الفقدان غير العشوائي (MNAR): في MAR يمكن التنبؤ باحتمال الغياب بصورة كاملة بالاعتماد على البيانات المتوفرة، في حين يعتمد الفقد في MNAR على القيمة غير المشاهدة ذاتها، مما يتطلب في حالة MNAR نمذجة صريحة ومكلفة لمعادلة الفقدان بجانب معادلة القياس النفسي الأساسية.
- التعويض المتعدد (Multiple Imputation) مقابل التعويض الفردي (Single Imputation): يوفر التعويض المتعدد تحت مظلة MAR توليد عدة مجموعات بيانات مكتملة مع دمج أخطاء القياس لإنتاج خطأ معياري واقعي، في حين يتجاهل التعويض الفردي (كمتوسط الدرجات) التباين الطبيعي ويؤدي لتضخيم مؤشرات الدلالة الزائفة.
- الحذف بالحالة (Listwise Deletion) مقابل التقدير باحتمالية عظمى (FIML): يؤدي الحذف بالحالة إلى إسقاط أي مفحوص تغيبت لديه استجابة واحدة مما يقلص العينة ويزيد الانحياز، بينما يستثمر FIML المنسجم مع MAR جميع الاستجابات المتوفرة للمفحوص دون أي استبعاد جائر للحالات.
15. الخلاصة والتوصيات الإرشادية للباحثين
تمثل البيانات المفقودة عشوائياً (MAR) مفهوماً مفصلياً في القياس والتقويم السيكولوجي يوازن بين متطلبات الواقع الميداني المشحون بالفقدان وتطلعات الصرامة الرياضية في التحليل الإحصائي. إن جوهر التعامل مع هذه الآلية لا يقوم على تجاهل الفجوات أو إخفائها بأساليب الحذف التقليدية، بل على التخطيط الاستباقي للبحث العلمي بتضمين متغيرات مساعدة ثرية قادرة على تفسير دوافع الفقد والغياب وتطويعها إحصائياً.
يوصى الباحثون في ميدان العلوم النفسية والاجتماعية بالابتعاد التام عن الحذف الآلي للحالات الناقصة، والتحقق المنهجي من أنماط الغياب، وتبني أساليب التحليل الحديثة كالتعويض المتعدد ونمذجة الاحتمالية العظمى للمعلومات الكاملة FIML، مع إجراء تحليلات الحساسية الكافية لضمان موثوقية النتائج السيكومترية وجودة القرارات المترتبة عليها في السياقات الإكلينيكية والتربوية والبحثية.
المراجع
- Enders, C. K. (2010). Applied missing data analysis. Guilford Press.
- Graham, J. W. (2009). Missing data analysis: Making it work in the real world. Annual Review of Psychology, 60, 549-576. https://doi.org/10.1146/annurev.psych.58.110405.085530
- Little, R. J. A. (1988). A test of missing completely at random for multivariate data with missing values. Journal of the American Statistical Association, 83(404), 1198-1202. https://doi.org/10.1080/01621459.1988.10478722
- Little, R. J., & Rubin, D. B. (2019). Statistical analysis with missing data (3rd ed.). John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9781119482865
- Rubin, D. B. (1976). Inference and missing data. Biometrika, 63(3), 581-592. https://doi.org/10.1093/biomet/63.3.581