علم النفس العياديعلم النفس المعرفينظريات الشخصية والانفعال

نظرية التقييم المعرفي: الأسس المفاهيمية والتطبيقات النفسية

استكشف نظرية التقييم المعرفي في علم النفس؛ دراسة شاملة لجذورها التاريخية، ونماذج لازاروس وشيرير، والأسس العصبية لانبثاق الانفعالات، وتطبيقاتها في العلاج النفسي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 27 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 27 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد نظرية التقييم المعرفي (Appraisal Theory) إحدى الركائز الأكثر تأثيراً ورسوخاً في علم النفس المعاصر لفهم نشأة الانفعالات وتمايزها الإنساني. تنطلق هذه النظرية من فرضية جوهرية مؤداها أن الانفعالات لا تنشأ استجابةً مباشرة للأحداث البيئية الموضوعية بحد ذاتها، بل تتولد عن الطريقة التي يدرك بها الفرد تلك الأحداث ويفسرها ويقيم مغزاها الشخصي بالنسبة لرفاهيته وأهدافه وقيمه الذاتية. يوضح هذا المدخل المعرفي التباين الشاسع في ردود الأفعال الوجدانية والفسيولوجية بين شخصين يواجهان الموقف البيئي نفسه، أو حتى لدى الشخص الواحد في أزمنة متباينة، مما يجعل من عملية التقييم حلقة الوصل الديناميكية التي تحول المثير الخام إلى تجربة وجدانية مركبة ومحددة المعالم.

الجذور التاريخية والتطور الفكري لنظرية التقييم المعرفي

يعود الفضل التأسيسي الأول في صياغة مفهوم التقييم بمعناه السيكولوجي الحديث إلى عالمة النفس ماجدا أرنولد (Magda B. Arnold) في ستينيات القرن العشرين، حيث سعت إلى تجاوز النماذج الميكانيكية والسلوكية التقليدية التي اختزلت الانفعال في نمط استجابة فسيولوجية بحتة مثل نظرية جيمس-لانج أو كانون-بارد. افترضت أرنولد أن الإدراك الحسي لمثير ما يتبعه تقييم لاشعوري أو سريع وبديهي يصنف المثير بوصفه نافعاً أو ضاراً، وهو ما يولد دافعاً للتحرك نحو الشيء أو الابتعاد عنه، لتشكل هذه الاستجابة الحركية والفسيولوجية ما نختبره كعاطفة واعية. مهدت طروحات أرنولد الطريق لإعادة دمج العمليات المعرفية العليا في صلب سيكولوجيا الانفعال بعد عقود من هيمنة التوجهات السلوكية الصارمة.

في مرحلة لاحقة، أخذ عالم النفس الشهير ريتشارد لازاروس (Richard Lazarus) هذا المفهوم ونقله إلى فضاء نظري أكثر نضجاً وتفصيلاً، رابطاً إياه بدراسة الضغوط النفسية وآليات التكيف (Coping). نشر لازاروس وزملاؤه سلسلة من الدراسات التجريبية والمؤلفات المفصلية، أبرزها كتابه الرائد في عام 1966 و1984، حيث جادل بأن المشاعر هي نتاج تفاعل معرفي تحفيزي علائقي (Cognitive-Motivational-Relational Theory) بين الكائن وبيئته. بين لازاروس أن الموقف الضاغط ليس سمة متأصلة في الحدث الخارجي، بل هو حصيلة تقدير ذاتي يرى فيه الفرد أن متطلبات البيئة تفوق موارده المتاحة وتهدد سلامته النفسية أو الجسدية.

مع مطلع ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، شهدت النظرية توسعاً ملحوظاً بفضل مساهمات باحثين بارزين مثل كلاوس شيرير (Klaus Scherer) وإيرا روزمان (Ira Roseman) وفيبي إلسورث (Phoebe Ellsworth). تجاوزت هذه المساهمات التقسيمات البسيطة للتقييم، متجهة نحو نماذج معالجة متعددة الأبعاد تأخذ في الحسبان التقييمات اللحظية المتتابعة والتفاعلات الديناميكية بين التقييم والتغيرات الجسدية والتعبيرات الوجهية والسلوكية، مما حول نظرية التقييم من مجرد إطار وصفي إلى نموذج تفسيري حوسبي وعصبي بالغ التعقيد.

المبادئ والمفاهيم الجوهرية لنظرية التقييم

تقوم نظرية التقييم على مجموعة من المبادئ المحورية التي تميزها عن المقاربات الداروينية الأساسية للانفعالات والمقاربات البنائية الاجتماعية البحتة. المبدأ الأول يتمثل في الوساطة المعرفية (Cognitive Mediation)، والتي تقرر أن العمليات المعرفية تمثل شرطاً مسبقاً ومكوناً بنيوياً لا غنى عنه لانبثاق أي انفعال مميز. إن الغضب أو الخوف أو الفرح لا يندلع بصورة أوتوماتيكية عمياء، بل هو تجلٍّ فوري لحكم قيمي حول الحدث ومدى ملاءمته لدوافع الفرد وتوقعاته، مما يعني أن تغيير نمط التقييم يؤدي حتماً إلى تغيير نوع الانفعال الناتج وحدته.

المبدأ الثاني هو النسبية الذاتية (Subjective Relativity)، التي تفسر لماذا يُستقبل حدث واحد كفقدان وظيفة معينة بمشاعر متباينة جذرياً؛ إذ قد يراه شخص كارثة ساحقة تولد الاكتئاب والذعر، في حين يراه آخر فرصة مواتية للتحرر والبدء في مشروع جديد يولد الحماس والأمل. هذه الذاتية تنبع من أن مصفوفة التقييم المعرفي تتغذى على التاريخ الشخصي للمتعامل، ومعتقداته المركزية، ومنظومته القيمية، ومستوى كفاءته الذاتية المدركة، مما يجعل الاستجابة الانفعالية مرآة دقيقة للمنظومة المعرفية الكلية للفرد.

أما المبدأ الثالث فيتمثل في الديناميكية والتغذية الراجعة (Recursiveness and Dynamism)؛ فالتقييم ليس عملية خطية جامدة تحدث لمرة واحدة ثم تنتهي، بل هو سيل متدفق ومستمر من التقديرات وإعادة التقدير التي تتعدل وتتحدث باستمرار استجابة للتغيرات الطارئة على البيئة الخارجية أو الحالة الداخلية للجسد. عندما يستجيب الجسد فسيولوجياً لانفعال الخوف مثلاً، تصبح ضربات القلب المتسارعة بحد ذاتها مدخلاً تقييمياً جديداً قد يضخم الإحساس بالخطر أو يوجه الفرد نحو اتخاذ تدابير استجابة مختلفة.

أبعاد ومستويات التقييم: التقييم الأولي والتقييم الثانوي

في إطار صياغة ريتشارد لازاروس الكلاسيكية، تُقسم عملية التقييم إلى مرحلتين وظيفيتين متكاملتين: التقييم الأولي والتقييم الثانوي. تجدر الإشارة هنا إلى أن مصطلحي “أولي” و”ثانوي” لا يشيران بالضرورة إلى تسلسل زمني صارم، بل يعكسان وظيفتين نوعيتين مختلفتين في معالجة المعلومات البيئية، وغالباً ما تتداخل هاتان العمليتان بشكل فوري وبالغ التعقيد في الدماغ البشري.

التقييم الأولي (Primary Appraisal)

يتمحور التقييم الأولي حول السؤال الوجودي البديهي: “هل هذا الأمر يعنيني؟” أو “ما الذي يعنيه هذا الحدث لرفاهيتي؟”. خلال هذا التقييم، يحدد الفرد ما إذا كان الحدث غير ذي صلة، أو حميداً وإيجابياً، أو يمثل تهديداً وتحدياً. يتفرع هذا التقييم إلى ثلاثة عناصر رئيسية: مدى ملاءمة الهدف (Goal Relevance) لمعرفة ما إذا كان للحدث أي مساس باهتمامات الفرد، والتطابق الغائي (Goal Congruence) لتحديد ما إذا كان الحدث يعرقل أهداف الفرد أو ييسرها، وأخيراً نوع الارتباط بالأنا (Type of Ego-involvement) الذي يحدد ما إذا كانت كرامة الفرد، أو معتقداته الأخلاقية، أو سلامته الجسدية هي المعرضة للمساس.

إذا خلص التقييم الأولي إلى أن الموقف يتسم بالتطابق الغائي، تنشأ الانفعالات الإيجابية كالابتهاج والارتياح والامتنان. أما إذا خلص إلى وجود عدم تطابق غائي وتهديد مباشر، تنبثق الانفعالات السلبية المنفرة؛ فالتهديد بفقدان مؤكد ينشئ الحزن، والتهديد بخطر وشيك ينشئ القلق والخوف، والتهديد الناجم عن انتهاك شخصي غير مبرر ينشئ الغضب.

التقييم الثانوي (Secondary Appraisal)

في مقابل التقييم الأولي، يركز التقييم الثانوي على السؤال الإجرائي: “ما الذي يمكنني فعله حيال هذا الأمر؟”. إنه يمثل فحصاً نقدياً لموارد التكيف المتاحة للفرد وقدرته على التعامل مع المتطلبات الماثلة. يشتمل التقييم الثانوي على تقدير اللوم أو الاستحقاق (Blame or Credit)، أي تحديد المسؤول عن حدوث الموقف سواء كان الذات أم الآخرين أم الظروف الخارجة عن الإرادة، وهو ما يحدد الاتجاه النوعي للانفعال (كالفرق بين الشعور بالذنب الموجه نحو الذات أو الغضب الموجه نحو الآخر).

علاوة على ذلك، يشتمل التقييم الثانوي على تقييم إمكانات التكيف (Coping Potential)، والتي تنقسم إلى تكيف موجه نحو المشكلة (Problem-focused Coping) يتعلق بالقدرة على تغيير الموقف الواقعي، وتكيف موجه نحو الانفعال (Emotion-focused Coping) يرتبط بالقدرة على إدارة المشاعر الداخلية والتعايش النفسي مع الواقع إذا تعذر تغييره. وأخيراً، يتضمن التقييم توقعات المستقبل (Future Expectations)، أي مدى ترجيح تغير الأمور للأفضل أو للأسوأ بناءً على التدخلات المحتملة.

إعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal)

تمثل إعادة التقييم العملية المستمرة التي يقوم الفرد من خلالها بتعديل تفسيره الأولي للحدث بناءً على معلومات جديدة واردة من البيئة أو نتيجة لردود فعله السلوكية والفسيولوجية الذاتية. وتُعد إعادة التقييم من أهم آليات تنظيم الانفعال (Emotion Regulation) التكيفية؛ إذ تتيح للإنسان إعادة تأطير المواقف السلبية بطريقة تخفف من وطأة الضغط النفسي وتمنع الانهيار المعرفي، كما أنها تشكل حجر الزاوية الإجرائي في العلاجات النفسية المعرفية المعاصرة.

النماذج النظرية البارزة في سيكولوجيا التقييم

لم تتوقف نظرية التقييم عند الطرح الثنائي للازاروس، بل تفرعت إلى نماذج بنيوية وديناميكية بالغة الدقة سعت إلى تحديد تركيبات التقييم المحددة التي تنتج كل انفعال بشري بعينه بدقة تجريبية قابلة للقياس والاختبار.

نموذج معالجة المكونات لكلاوس شيرير (Component Process Model)

يعد نموذج كلاوس شيرير من أكثر النماذج شمولاً وديناميكية في دراسات الانفعال المعاصرة. يرى شيرير أن الانفعال ليس حالة جامدة، بل حلقة متزامنة ومتناسقة من التغيرات التي تطرأ على خمسة نظم فرعية للكائن الحي: النظام المعرفي (تقييم المعلومات)، والنظام العصبي الذاتي (الدعم الفسيولوجي)، ونظام المحركات الحركية (التعبيرات الوجهية والصوتية)، ونظام التحفيز (الاستعداد للعمل والسلوك)، ونظام المراقبة الذاتية (الشعور الذاتي الواعي).

يقترح شيرير أن التقييم يتم عبر سلسلة متعاقبة وسريعة جداً من فحوصات التقييم المتتالية (Stimulus Evaluation Checks – SECs)، تبدأ من المستوى الأدنى غير الواعي وتتصاعد نحو المستويات المعرفية العليا المعقدة عبر أربع مراحل رئيسية:

  • فحص الجدة (Novelty Check): تقييم ما إذا كان المثير مفاجئاً أو غير متوقع أو مألوفاً، مما يستدعي الانتباه الفوري وتغيير التركيز الحسي.
  • فحص المتعة الجوهرية (Intrinsic Pleasantness Check): تحديد ما إذا كان المثير ممتعاً أو غير سار بطبيعته الفطرية، بغض النظر عن اتصاله بالأهداف الآنية.
  • فحص صلة الهدف والحاجة (Goal/Need Conduciveness Check): تقييم مدى توافق الحدث مع الأهداف الحالية، وعواقبه المتوقعة على تلبية حاجات الفرد.
  • فحص إمكانات التكيف (Coping Potential Check): قياس مستوى السيطرة، والقوة الذاتية، وإمكانية تعديل النتيجة عبر الوسائل المتاحة، والقدرة على التكيف النفسي.
  • فحص التوافق مع المعايير (Norm/Self-Compatibility Check): تقييم مدى توافق السلوك أو الحدث مع المعايير الاجتماعية والقيم الأخلاقية ومفهوم الذات المثالي، وهو الفحص المسؤول عن توليد انفعالات معقدة كالعار والفخر والشعور بالذنب.

النماذج البنيوية لروزمـان وسميث وإلسورث

ركزت النماذج البنيوية الأخرى، مثل نموذج إيرا روزمان ونموذج كرايغ سميث وفيبي إلسورث، على نمذجة مصفوفات الأبعاد التقييمية لربط كل انفعال بنمط تقييمي فريد ومحدد. حدد سميث وإلسورث ستة أبعاد أساسية توجه التجارب الوجدانية: اليقين (Certainty)، والجهد المتوقع (Pleasantness)، والانتباه الإرادي (Attentional Activity)، والسيطرة الشخصية أو الظرفية (Control)، والمسؤولية المنسوبة (Responsibility)، وتوقع العائق (Obstacle).

بناءً على هذه الأبعاد، يمكن التمييز رياضياً وسيكولوجياً بين انفعالات متقاربة؛ فالغضب ينشأ عندما يقيّم الفرد الحدث بأنه عائق غير سار ناجم عن سي责ة ومسؤولية شخص آخر مع شعور الفرد بقدرته على المواجهة والسيطرة. في المقابل، ينشأ الخوف عند تقييم الموقف بأنه غير سار ويتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين وضعف السيطرة الشخصية مع الاعتقاد بسيادة قوى ظرفية طاغية.

المسارات العصبية والفسيولوجية للتقييم المعرفي

أثبتت أبحاث علم الأعصاب الوجداني الحديثة أن عملية التقييم المعرفي ليست مجرد فكرة مجردة تدور في فراغ ذهني، بل هي نشاط عصبي معقد تشارك فيه شبكات واسعة تمتد بين القشرة المخية والمناطق تحت القشرية. وفرت دراسات جوزيف لودو (Joseph LeDoux) حول الخوف أرضية بيولوجية لفهم مستويات التقييم المتعددة، مبيناً وجود مسارين متكاملين لمعالجة التهديد:

المسار الأول، المعروف بالمسار التحتي السريع أو “الطريق المنخفض” (Low Road)، ينقل المعلومات الحسية الخام مباشرة من المهاد (Thalamus) إلى اللوزة الدماغية (Amygdala) دون المرور بالقشرة المخية. يتيح هذا المسار تقييماً فائق السرعة وبدائياً للغاية ومجرداً من التفاصيل الدقيقة، والهدف منه إطلاق استجابة فسيولوجية عاجلة للنجاة (كركيزة للتأهب البدائي). يفسر هذا المسار التقييمات الآلية شبه اللاشعورية التي تحدث في أجزاء من الثانية قبل أن نتمكن من صياغة إدراك واعي للمثير.

المسار الثاني، أو “الطريق المرتفع” (High Road)، يوجه الإشارات الحسية من المهاد إلى القشرة الحسية الأولية ومن ثم إلى مناطق المعالجة المعرفية العليا في قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex) والتلفيف الحزامي الأمامي (Anterior Cingulate Cortex). يقوم هذا المسار بتحليل تفصيلي للمثير، مستدعياً الذاكرة طويلة المدى والسياق المعرفي لتقييم الحدث بدقة بالغة. بمجرد اكتمال هذا التقييم الواعي والمفصل، ترسل قشرة الفص الجبهي إشارات تعديلية هابطة إما لتثبيط استجابة اللوزة الدماغية وإيقاف جرس الإنذار، أو لتعزيز الاستجابة وتوجيه السلوك التكيفي المناسب.

تؤثر نتائج هذا التقييم العصبي مباشرة في الجهاز العصبي المستقل، ومحور الغدة النخامية-الكظرية (HPA axis)، مطلقة استجابات هرمونية وفارماكولوجية تشمل إفراز الأدرينالين والكورتيزول. هذا الاقتران الحيوي يبرهن على أن الجسد لا يستجيب للواقع المادي بحد ذاته، بل للصورة العصبية المنسوجة عبر عملية التقييم المعرفي المستمر.

التطبيقات الإكلينيكية والعملية لنظرية التقييم

تمتلك نظرية التقييم المعرفي تطبيقات ملموسة وعميقة في ميادين متعددة، وفي مقدمتها الطب النفسي والعلاج النفسي الإكلينيكي. يرتكز العلاج المعرفي السلوكي (CBT) الذي طوره آرون بيك وألبرت أليس في جوهره على المبادئ ذاتها لنظرية التقييم؛ حيث يفترض أن الاضطرابات النفسية كالرهاب ونوبات الهلع والاكتئاب ليست نتيجة حتمية للمواقف الحياتية الضاغطة، بل هي انعكاس لأنماط تقييمية مشوهة ومنحازة تبالغ في تقدير حجم التهديد وتقلل بصورة منهجية من تقدير موارد التكيف الذاتية.

في حالة اضطرابات القلق، يُظهر المرضى انحيازاً تقييمياً ثابتاً يرى البيئة مكاناً محفوفاً بالمخاطر المحدقة، مع تقييم ثانوي متدنٍ لقدراتهم على الاحتمال والتحكم، مما يولد حالة مزمنة من التأهب العصبي المنهك. يركز المعالج المعرفي هنا على مساعدة العميل على فحص هذه التقييمات وتفكيكها عبر تقنيات دحض الأفكار وإعادة الهيكلة المعرفية، واستبدال الأنماط التقييمية الكارثية بتقييمات واقعية ومتزنة تؤدي تلقائياً إلى خفض حدة الاستثارة الانفعالية السلبية.

وفي مجال الصحة المهنية وسيكولوجيا المنظمات، تقدم نظرية التقييم نموذجاً فائق الفعالية لفهم متلازمة الاحتراق الوظيفي (Burnout). تشير الأبحاث إلى أن الموظفين الذين يقيمون المتطلبات الوظيفية الشاقة بوصفها “تحديات” تتيح فرصاً للنمو والإنجاز يظهرون مستويات مرتفعة من الدافعية والمناعة النفسية مقارنة بأولئك الذين يقيمون المتطلبات ذاتها على أنها “تهديدات” مدمرة، على الرغم من تماثل أعباء العمل في الحالتين. بناءً على ذلك، تعتمد برامج التدريب الإداري الحديثة على تنمية استراتيجيات إعادة التقييم لرفع الكفاءة التكيفية للعاملين وضمان رفاههم النفسي.

الانتقادات والجدالات المعاصرة والتوجهات المستقبلية

على الرغم من النجاح التجريبي الواسع لنظرية التقييم، إلا أنها لم تخلُ من الجدالات الفكرية المحتدمة. كان أشهر هذه السجالات هو الجدال التاريخي بين روبرت زايونس (Robert Zajonc) وريتشارد لازاروس في أوائل الثمانينيات حول أسبقية الانفعال على المعرفة (The Zajonc-Lazarus Debate). جادل زايونس بأن المشاعر لا تتطلب بالضرورة أي معالجة معرفية مسبقة، مستنداً إلى ظواهر مثل تأثير التعرض المحض (Mere Exposure Effect)، حيث تتولد التفضيلات والمشاعر قبل أن يتمكن الإدراك المعرفي من التعرف على المثير. رد لازاروس بتوسيع تعريف “المعرفة” ليشمل المعالجة الحسية السريعة والبدائية اللاواعية، وهو ما أفرز لاحقاً إجماعاً معاصراً على أن التقييم يمكن أن يعمل عبر مستويات متعددة، بدءاً من المعالجة الحسية الدنيا غير اللفظية وحتى التفكير التجريدي المعقد.

انتقاد آخر موجه لبعض نماذج التقييم البنيوية يتعلق بكونها ترسم عمليات التقييم بطريقة مفرطة في العقلانية والمنطقية، وتفترض تسلسلات تحليلية قد تبدو بعيدة عن الطبيعة العاصفة والارتجالية لبعض الانفعالات الإنسانية الحادة. علاوة على ذلك، يبرز التساؤل حول مدى عالمية أبعاد التقييم المعرفي عبر الثقافات المختلفة؛ فبينما تبدو بعض الأبعاد (مثل الملاءمة الغائية) كونية بين بني البشر، تُظهر أبعاد أخرى (مثل نسب المسؤولية، والتحكم الفردي، والامتثال للمعايير) تبايناً ثقافياً عميقاً يعكس الفروق الجوهرية بين الثقافات الفردية والثقافات الجمعية.

أما في الوقت الحاضر، فتتجه الأبحاث نحو دمج نظرية التقييم مع الثورة التكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة العاطفية (Affective Computing). يسعى مهندسو وعلماء الأعصاب الحوسبيون إلى برمجة وكلاء اصطناعيين وروبوتات قادرة على إجراء تقييمات معرفية شبيهة بالبشر لتقدير السياقات الاجتماعية والاستجابة انفعالياً بطرق متسقة، مما يفتح آفاقاً غير مسبوقة لفهم الآليات الرياضية الدقيقة التي تنتج التجربة الوجدانية من رحم التقييم المعرفي.

الخاتمة

تظل نظرية التقييم المعرفي حجر الزاوية الأكثر عمقاً وتماسكاً في دراسة الانفعال البشري، حيث استطاعت بنجاح رأب الصدع التاريخي بين الفكر والشعور، وبين العقل والجسد. من خلال تأكيدها على أن المعنى الذاتي هو الصانع الحقيقي للتجربة الوجدانية، منحت النظرية الإنسان دوراً إيجابياً وفاعلاً في تشكيل واقعه النفسي، مؤكدة أننا لسنا مجرد متلقين سلبيين للمؤثرات البيئية أو أسرى لردود أفعال غريزية عمياء، بل كائنات تمنح العالم معناه، وتولد مشاعرها من رحم التفسير والتأويل، مما يتيح لنا عبر الوعي وإعادة التقييم القدرة على توجيه مساراتنا النفسية نحو التكيف والتوافق والازدهار.

المراجع

  • Arnold, M. B. (1960). Emotion and personality (Vols. 1-2). Columbia University Press.
  • Ellsworth, P. C., & Scherer, K. R. (2003). Appraisal processes in emotion. In R. J. Davidson, K. R. Scherer, & H. H. Goldsmith (Eds.), Handbook of affective sciences (pp. 572-595). Oxford University Press.
  • Lazarus, R. S. (1966). Psychological stress and the coping process. McGraw-Hill.
  • Lazarus, R. S. (1991). Emotion and adaptation. Oxford University Press.
  • Lazarus, R. S., & Folkman, S. (1984). Stress, appraisal, and coping. Springer Publishing Company.
  • LeDoux, J. E. (1996). The emotional brain: The mysterious underpinnings of emotional life. Simon & Schuster.
  • Roseman, I. J. (2001). A model of appraisal composed of discrete emotions. In K. R. Scherer, A. Schorr, & T. Johnstone (Eds.), Appraisal processes in emotion: Theory, methods, research (pp. 68-91). Oxford University Press.
  • Scherer, K. R. (2001). The dynamic architecture of emotion: Evidence for the component process model. Cognition & Emotion, 15(1), 93-123. https://doi.org/10.1080/02699930151130090
  • Scherer, K. R., Schorr, A., & Johnstone, T. (Eds.). (2001). Appraisal processes in emotion: Theory, methods, research. Oxford University Press.
  • Smith, C. A., & Ellsworth, P. C. (1985). Patterns of cognitive appraisal in emotion. Journal of Personality and Social Psychology, 48(4), 813-838. https://doi.org/10.1037/0022-3514.48.4.813
  • Zajonc, R. B. (1980). Feeling and thinking: Preferences need no inferences. American Psychologist, 35(2), 151-175. https://doi.org/10.1037/0003-066X.35.2.151

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 27). نظرية التقييم المعرفي: الأسس المفاهيمية والتطبيقات النفسية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/nazariyat-al-taqyeem-al-maerifi/
looti, Mohammed. “نظرية التقييم المعرفي: الأسس المفاهيمية والتطبيقات النفسية.” عرب سايكلوجي, 27 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/nazariyat-al-taqyeem-al-maerifi/.
looti, Mohammed. “نظرية التقييم المعرفي: الأسس المفاهيمية والتطبيقات النفسية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 27, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/nazariyat-al-taqyeem-al-maerifi/.