تمثل ناظمة خطى الدماغ (Cerebral Pacemaker)، والمعروفة تقنياً في الطب العصبي الحديث باسم جهاز التحفيز العميق للدماغ (Deep Brain Stimulation – DBS)، إحدى أبرز القفزات النوعية في ميدان العلوم العصبية السريرية والطب النفسي البيولوجي. يعتمد هذا المفهوم على زرع أقطاب كهربائية مجهرية داخل نوى دماغية محددة بدقة بالغة، وتوصيلها بمولد نبضات إلكتروني يُزرع تحت الجلد ليرسل شحنات كهربائية مُعايرة تعمل على تعديل النشاط العصبي المضطرب داخل الشبكات الدماغية الحركية والانفعالية. ولم يعد يُنظر إلى هذه التقنية بوصفها تدخلاً جراحياً صرفاً لاضطرابات الحركة، بل غدت نافذة علاجية وبحثية استثنائية تسبر أغوار الدوائر العصبية النفسية المسؤولة عن تنظيم المزاج، والتحكم الإدراكي، ومعالجة السلوك القهري المقاوم للعلاجات التقليدية.
التطور التاريخي والجذور المفاهيمية لناظمة خطى الدماغ
تعود البدايات التاريخية لفكرة التدخل الكهربائي المباشر في الدماغ إلى منتصف القرن العشرين، حيث مهدت التجارب المبكرة في الجراحة التجسيمية (Stereotactic Surgery) لعصر جديد من فهم التوطين الوظيفي للدماغ. في سبعينيات القرن العشرين، طرح جراح الأعصاب الأمريكي إيرفينغ كوبر (Irving Cooper) مصطلح «ناظمة خطى الدماغ» لأول مرة، مستلهماً المفهوم من ناظمات خطى القلب التي أحدثت ثورة في طب القلب والأوعية. ركز كوبر في تجاربه الرائدة على تحفيز قشرة المخيخ كهربائياً لعلاج التشنجات العضلية والصرع المستعصي، مفترضاً أن التحفيز الكهربائي المزمن يمكنه تعديل السيالات العصبية وتثبيط النشاط التشنجي المفرط عبر تنشيط مسارات التثبيط الغاباوية (GABAergic Pathways).
شهدت هذه التقنية نقلة جذرية في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم بفضل الأبحاث الرائدة التي قادها البروفيسور أليم-لويس بن عبيد (Alim-Louis Benabid) وفريقه في جامعة غرونوبل بفرنسا. اكتشف بن عبيد أن التحفيز الكهربائي عالي التردد (أكثر من 100 هرتز) للنواة المهادية الباطنية يُحدث تأثيراً مشابهاً للاستئصال الجراحي التخريبي الكلاسيكي، ولكنه يتميز بكونه إجراءً عكوساً وغير مخرب للأنسجة وقابلاً للضبط الدقيق. أتاح هذا الاكتشاف استبدال العمليات التخريبية الدائمة، مثل قطع المهاد أو قطع الشاحبة، بنهج تحفيزي توازني يُمكّن الأطباء من معايرة التيار الكهربائي استجابةً للتغيرات السريرية لدى المريض.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، توسع الأفق الإكلينيكي لهذه المنظومة ليشمل الاضطرابات النفسية المقاومة للعلاج الدوائي والنفسي، لا سيما اضطراب الوسواس القهري والاكتئاب الجسيم أحادي القطب. ساهمت هذه التحولات في إعادة صياغة الاضطرابات النفسية من كونها «خللاً في التوازن الكيميائي» المجرد إلى اعتبارها اضطرابات في وظائف الشبكات والدارات العصبية الحيوية المتشابكة، مما جعل ناظمة خطى الدماغ أداة مركزية في الهندسة العصبية النفسية الحديثة لإعادة ضبط التزامن العصبي المضطرب.
المكونات التقنية والفسيولوجية لمنظومة التحفيز الدماغي
تتألف منظومة ناظمة خطى الدماغ المعاصرة من ثلاثة مكونات رئيسية متكاملة مصممة بيولوجياً للتوافق التام مع الأنسجة الحية وتجنب الرفض المناعي. المكون الأول هو «المسرى العصبي» أو القطب الكهربائي (Electrode/Lead)، وهو سلك رفيع للغاية مصنوع من البلاتين والإيريديوم المعزول بالبولي يوريثان، يحتوي في نهايته الطرفية على نقاط تلامس متعددة (Contacts) تتراوح بين أربع إلى ثماني نقاط أو أكثر في الأنظمة الاتجاهية الحديثة. يُزرع هذا القطب بدقة ميليمترية داخل النواة المستهدفة باستخدام التوجيه بالتصوير بالرنين المغناطيسي وتخطيط الصدى المجهري الفيزيولوجي لتسجيل نشاط الخلايا العصبية الفردية أثناء الجراحة لضمان دقة الموقع.
المكون الثاني هو «كابل التوصيل الممتد» (Extension Wire)، وهو سلك عازل يمر تحت جلد فروة الرأس والرقبة ليربط القطب بالطرف الثالث، وهو «مولد النبضات القابل للزرع» (Implantable Pulse Generator – IPG). يُزرع هذا المولد عادة في جيب تحت الجلد في المنطقة تحت الترقوة أو في جدار البطن. يحتوي المولد على بطارية متطورة (قد تكون قابلة لإعادة الشحن عبر الحث الكهرومغناطيسي الخارجي أو غير قابلة للشحن تدوم لعدة سنوات) ومعالج دقيق فائق التعقيد يقوم بتوليد نبضات كهربائية مبرمجة من حيث السعة (الفولتية أو شدة التيار)، وعرض النبضة (Pulse Width)، والتردد (Frequency).
يعتمد التحكم في هذا الجهاز على أجهزة برمجة لاسلكية متطورة تُتيح للطبيب المعالج ضبط معايير التحفيز وتغيير أنماط التوصيل الكهربائي بما يتناسب مع الحالة الوظيفية للمريض. كما توفر بعض الأنظمة المعاصرة وحدات تحكم للمريض تسمح له بالتبديل بين إعدادات مسبقة البرمجة أو تشغيل وإيقاف الجهاز ضمن حدود أمان مشددة، مما يمنحه شعوراً بالتحكم الذاتي في إدارة أعراضه المرضية تحت الإشراف الإكلينيكي المباشر.
الآليات البيولوجية العصبية للتحفيز الكهربائي
على الرغم من النجاح السريري الواسع لناظمات خطى الدماغ، فإن الآليات الفيزيولوجية العصبية الجزيئية الكامنة وراء فعاليتها تظل موضوعاً لبحث مستفيض ومتعدد المستويات. في البداية، سادت فرضية «التثبيط الوظيفي» التي اعتبرت أن التيار الكهربائي عالي التردد يُعطل النشاط الخلوي المفرط في موقع الزرع عبر استنزاف النواقل العصبية أو إحداث إحصار في قنوات الصوديوم المعتمدة على الفولتية، مما يماثل الأثر التخريبي للجراحة التقليدية ولكن بدون إتلاف نسيجي.
أظهرت الدراسات الكهروفسيولوجية اللاحقة أن الآلية تتجاوز مجرد التثبيط الموضعي لتشمل تعديلاً ديناميكياً واسع النطاق للشبكات العصبية. فالتحفيز عالي التردد يعمل على فك الارتباط الباثولوجي وتثبيط التذبذبات غير الطبيعية المتزامنة (مثل موجات بيتا التزامنية المفرطة في العقد القاعدية لمرضى باركنسون)، مع تعزيز النبضات الفسيولوجية الطبيعية في المسارات الصادرة. بعبارة أخرى، تقوم الناظمة الدماغية بإلغاء «الضجيج العصبي المرضي» واستعادة النغمة الترددية التوافقية بين النوى القشرية وتحت القشرية.
علاوة على ذلك، يُحفز التيّار الكهربائي المستمر إفراز نواقل عصبية حاسمة مثل الدوبامين، والسيروتونين، والغلوتامات، والغابا (GABA)، مما يؤدي إلى تعديل كيميائي عصبي تركيبي ممتد. كما أثبتت الأبحاث البيولوجية أن للتحفيز الدماغي دوراً في تعزيز اللدونة العصبية (Neuroplasticity)، حيث يحفز التعبير الجيني لعوامل التغذية العصبية مثل «عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ» (BDNF)، ويعزز نمو التشعبات العصبية وتكوين نقاط تشابك جديدة، مما يشير إلى أن آثاره ليست وقتية فحسب، بل تمتد لتعديل البنية الهيكلية للدوائر العصبية على المدى الطويل.
التطبيقات في الاضطرابات النفسية الشديدة
يعد تطبيق ناظمة خطى الدماغ في حقل الطب النفسي من أكثر التطورات إثارة وأشدها تأثيراً على جودة حياة المرضى الذين استنفدوا كافة الخيارات العلاجية الدوائية والعلاج النفسي المكثف، والعلاج بالتخليج الكهربائي (ECT). وتستهدف هذه التطبيقات تفكيك الحلقات المغلقة المفرطة النشاط في الدوائر العاطفية والمعرفية بالدماغ.
اضطراب الوسواس القهري المقاوم للعلاج
حصلت منظومة ناظمة خطى الدماغ على استثناء الأجهزة الإنسانية (HUD) من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لعلاج الوسواس القهري المستعصي. تستهدف الأقطاب الكهربائية في هذا الاضطراب مسارات حيوية مثل الساق الأمامية للمحفظة الداخلية (Anterior Limb of the Internal Capsule – ALIC)، أو النواة المتكئة (Nucleus Accumbens)، أو المنطقة البطنية للمحفظة الداخلية والمنطقة البطنية للجسم المخطط (VC/VS).
تعمل هذه النوى والمسارات بوصفها عقد اتصال حرجة داخل «الدائرة الجبهية المخطية المهادية القشرية» (CSTC Loop)، المسؤولة عن تقييم المخاطر وتوليد الأفكار المتكررة والتحكم في النزعات القهرية. يؤدي التحفيز الدماغي إلى تهدئة الإشارات القهرية المفرطة المنبثقة من القشرة الجبهية الحجاجية، مما يمنح المريض القدرة الإدراكية على فك الارتباط بالأفكار الوسواسية والانخراط في سلوكيات تكيفية، مع انخفاض ملحوظ في درجات مقياس ييل-براون للوسواس القهري (Y-BOCS).
الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج
قادت طبيبة الأعصاب هيلين مايبرغ (Helen Mayberg) وفريقها البحثي مساراً ثورياً في فهم الأساس العصبي للاكتئاب السريري عبر تحديد القشرة الحزامية تحت الركبية (Subcallosal Cingulate Cortex – Brodmann Area 25) بوصفها عقدة محورية لفرط النشاط الانفعالي السلبي في حالات الاكتئاب المقاوم للعلاج. أظهرت التجارب السريرية أن زرع ناظمة خطى الدماغ في الباحة 25 أو في حزمة الدماغ الأمامي الإنسية (Medial Forebrain Bundle – MFB) يُحدث هبوطاً سريعاً ومستداماً في النشاط المفرط لهذه المنطقة، مما ينتج عنه انحسار المزاج الكئيب واستعادة القدرة على اختبار المتعة (Hedonic Capacity).
لا يقتصر أثر التحفيز في حالات الاكتئاب على تخفيف الحزن الظاهري، بل يمتد إلى إعادة تفعيل شبكات المكافأة الدوبامينية، وتحسين المعالجة الإدراكية للمنبهات البيئية الإيجابية، واستعادة تنظيم النوم والاستجابة للضغوط النفسية عبر محور الغدة النخامية والكظرية (HPA Axis). ورغم تباين نتائج التجارب السريرية العشوائية المزدوجة التعمية في بعض مراحلها لأسباب منهجية تتعلق بضبط الجرعة واختيار المرضى، تظل المتابعات طويلة الأمد مؤكدة للفوائد الاستثنائية والتحسن الوظيفي الممتد لسنوات لدى فئات واسعة من المرضى المصابين بالاكتئاب المزمن المنهك.
اضطرابات نفسية وسلوكية أخرى
تمتد الأبحاث الاستكشافية لناظمة خطى الدماغ إلى اضطرابات نفسية وسلوكية معقدة أخرى، منها:
- متلازمة توريت الشديدة: حيث تُزرع الأقطاب في المهاد الإنسي أو الشاحبة لتثبيط اللوازم الحركية والصوتية المؤلمة والمعيقة اجتماعياً.
- فقدان الشهية العصبي الحاد (Anorexia Nervosa): باستهداف القشرة الحزامية تحت الركبية أو النواة المتكئة لكسر حلقة التفكير الهوسية حول وزن الجسد وصورته المشوهة وتعديل القلق المرضي المرتبط بتناول الطعام.
- اضطرابات الإدمان وتعاطي المواد: عبر استهداف النواة المتكئة ومسارات الدوبامين الوسطية للحد من الرغبة التوقية الشديدة (Craving) وإعادة موازنة نظام المكافأة الدماغي.
التأثيرات العصبية النفسية والمعرفية
ينطوي زرع ناظمة خطى الدماغ على تفاعل دقيق ومعقد مع الوظائف المعرفية العليا والشخصية الإنسانية. نظراً لأن الأقطاب تُزرع بالقرب من مسارات عصبية حساسة أو ضمن نوى تتصل وظيفياً بمناطق الدماغ الحركية والانفعالية والمعرفية على حد سواء، فإن التأثيرات النفسية العصبية قد تتباين بين التحسن الملحوظ والآثار الجانبية غير المرغوبة.
في التطبيقات الحركية الشائعة كمرض باركنسون، حيث تستهدف الناظمة النواة تحت المهاد (Subthalamic Nucleus – STN)، أظهرت التقييمات النفسية العصبية أن التحفيز قد يترافق في بعض الأحيان مع تراجع طفيف في الطلاقة اللفظية (Verbal Fluency) وزيادة في الاندفاعية السلوكية (Behavioral Impulsivity). يُعزى ذلك إلى دور النواة تحت المهاد بوصفها «مكبحاً إدراكياً» في عملية اتخاذ القرارات؛ فعند تثبيطها كهربائياً، قد يتخذ المريض قرارات سريعة تحت وطأة ضغط الخيارات دون تدقيق كافٍ، وهو ما يستدعي تعديلاً دقيقاً لمواقع التوصيل الكهربائي وشدة الفولتية.
على الجانب الآخر، يرتبط تخفيف الأعراض النفسية المزمنة بتحسن جذري في المرونة الإدراكية، والانتباه التنفيذي، والذاكرة العاملة، حيث يؤدي التخلص من وطأة القلق والاجترار الوسواسي أو التباطؤ الحركي النفسي الاكتئابي إلى تحرير الموارد المعرفية للمريض. يتمثل التحدي الإكلينيكي في تحقيق «النافذة العلاجية المثلى» التي تضمن السيطرة على الأعراض السلوكية دون إحداث تدهور معرفي أو انفعالي، وهو ما يفرض إخضاع المرضى لبروتوكولات تقييم عصبي نفسي صارمة قبل الجراحة وبعدها دورياً.
التحولات في الشخصية والأبعاد الفلسفية والأخلاقية العصبية
يثير استخدام ناظمة خطى الدماغ حزمة من التساؤلات الفلسفية والأخلاقية الفريدة ضمن حقل الأخلاقيات العصبية (Neuroethics). يرتبط السؤال الجوهري بمفاهيم «الهوية الشخصية»، و«الأصالة الإنسانية» (Authenticity)، و«الإرادة الحرة». ففي بعض الحالات السريرية، أبلغ المرضى أو ذووهم عن تغيرات في السمات المزاجية، مثل التحول نحو الهوس الخفيف (Hypomania)، أو الانخراط في سلوكيات مخاطرة غير مألوفة، أو الشعور بالاغتراب الذاتي حيث يتساءل المريض: «هل هذا السلوك نابع مني شخصياً، أم أنه صادر عن البطارية المزروعة في صدري؟».
تُعرف هذه المعضلة في الأدبيات الفلسفية الطبية بمسألة «الفاعلية الاصطناعية» (Cyborg Agency)، حيث تتداخل التكنولوجيا الدقيقة مع النسيج الحيوي لتوليد المشاعر والتصرفات. يرى بعض الفلاسفة أن التحفيز الدماغي لا يشوه الهوية بل يعيد «الأصالة الذاتية» للمريض، إذ إن المرض النفسي الشديد هو القيد الذي سلب منه حريته وإرادته الحقيقية، وما تفعله الناظمة هو إزالة هذا العائق المرضي لتمكين الذات من التعبير عن كينونتها الحقيقية مجدداً.
من الناحية الأخلاقية الطبية التطبيقية، تبرز قضايا الموافقة المستنيرة كأولوية قصوى، خاصة عند التعامل مع مرضى يعانون من اكتئاب سوداوي منهك يفقدهم الرغبة في الحياة والأمل في الشفاء، أو مرضى الهوس الذين قد تضطرب لديهم القدرة على تقدير العواقب. يستلزم ذلك وجود لجان أخلاقيات بيولوجية متعددة التخصصات لتقييم أهلية المريض، وضمان حمايته من الاستغلال، والتأكيد على حقه المستمر في إيقاف التحفيز أو تعديله في أي مرحلة من مراحل العلاج دون وصمة أو إكراه.
التحديات السريرية والظواهر النفسية بعد الزرع
لا تنتهي الرحلة العلاجية للمريض بنجاح العملية الجراحية وتثبيت ناظمة خطى الدماغ؛ بل تبدأ مرحلة جديدة من التكيف النفسي والاجتماعي تنطوي على تحديات إكلينيكية معقدة. من أبرز هذه الظواهر ما يُعرف في الطب النفسي بظاهرة «عبء العودة إلى الحالة الطبيعية» (Burden of Normality). يعاني بعض المرضى بعد تحسن أعراضهم الحركية أو النفسية المزمنة من صدمة التكيف مع أدوارهم الجديدة في الأسرة والمجتمع؛ إذ يجد المريض نفسه فجأة مطالباً بتحمل مسؤوليات مهنية واجتماعية كان معفياً منها لسنوات بسبب عجزه المرضي.
قد تنشأ اضطرابات تكيف حادة أو أزمات زوجية وأسرية نتيجة تغير ديناميكيات الاعتماد والاتكالية التي استقرت لسنود طويلة، مما يؤكد أن التدخل البيولوجي العصبي المحض يظل قاصراً إذا لم يقترن ببرامج إعادة تأهيل نفسي واجتماعي شاملة (Psychosocial Rehabilitation). يحتاج المريض وأسرته إلى جلسات دعم نفسي متخصصة لإعادة بناء الهوية، وإعادة صياغة التوقعات الحياتية، وتطوير مهارات التكيف مع الجسد المدمج تقنياً.
بالإضافة إلى ذلك، تفرض عملية برمجة الجهاز تحدياً طبياً يتطلب صبراً ومتابعة دقيقة قد تستمر لشهور. قد يؤدي التحفيز المفرط أو اختيار جهات اتصال غير ملائمة إلى ظهور أعراض نفسية حادة عابرة، مثل نوبات الهلع، أو الضحك أو البكاء القهري المرضي (Pseudobulbar Affect)، أو نوبات القلق غير المبرر. يبرز ذلك الحاجة الماسة إلى التعاون الوثيق بين أطباء جراحة الأعصاب، وأطباء الأعصاب، والأطباء النفسيين، والمعالجين السلوكيين لتعديل المعايير الكهربائية بالتزامن مع الدعم العلاجي النفسي.
الجيل القادم: ناظمات خطى الدماغ ذات الحلقة المغلقة والذكاء الاصطناعي
تشهد تقنية ناظمات خطى الدماغ ثورة هندسية وعصبية متسارعة تقودها منظومات «التحفيز الدماغي التكيفي» أو ما يُعرف بـ «الحلقة المغلقة» (Closed-Loop DBS). في الأنظمة التقليدية مفتوحة الحلقة (Open-Loop)، يتدفق التيار الكهربائي بنمط ثابت ومستمر على مدار الساعة بغض النظر عما إذا كان المريض يمر بنوبة وسواسية أو في حالة استرخاء تام، مما قد يسبب استنزافاً للطاقة وتأثيرات جانبية غير ضرورية وتشبعاً للوصلات العصبية.
على النقيض من ذلك، تعمل الناظمات التكيفية الحديثة بوصفها أجهزة استشعار وتعديل متزامنة؛ إذ تحتوي على مجسات فائقة الحساسية قادرة على قراءة وتسجيل «الإشارات الحيوية الكهروفسيولوجية» المحلية (Local Field Potentials – LFPs) من الدماغ نفسه في الوقت الحقيقي. وبناءً على خوارزميات برمجية معقدة مدعومة بتقنيات تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي، يستشعر الجهاز اللحظة الدقيقة التي تبدأ فيها التذبذبات الباثولوجية بالظهور في الدارة العصبية، ليطلق حينها فقط نبضات تحفيزية مُعايرة بالقدر والمدة اللازمين لإحباط النشاط المرضي وإعادة النظام العصبي إلى حالته التوازنية.
يمثل هذا التطور خطوة هائلة نحو «الطب النفسي الشخصي الدقيق» (Precision Psychiatry)، حيث لا يُعامل الدماغ ككتلة ثابتة، بل كعضو ديناميكي يتقلب نشاطه الكهروكيميائي مع تغير الحالات المزاجية والبيئية على مدار اليوم. تتيح هذه التكنولوجيا قراءة «بصمات الحزن الدماغية» أو «بصمات التوتر والوسواس»، والتدخل الآني الذكي لتصحيحها قبل أن تتبلور في صورة أعراض سريرية مدمرة، مما يقلل الآثار الجانبية بشكل جذري ويزيد من كفاءة البطاريات الافتراضية لعقود.
خاتمة واستشراف نسقي
تجسد ناظمة خطى الدماغ الانتقال التاريخي للعلوم العصبية والنفسية من المقاربات الوصفية والعلاجات الكيميائية المعممة إلى عصر التدخل الهندسي الميكروي الدقيق في شبكات الدماغ الوظيفية. لقد برهنت هذه التكنولوجيا على قدرة فائقة في استعادة الوظائف وتخفيف المعاناة الإنسانية لدى مرضى عانوا لعقود من وطأة أمراض عصبية ونفسية مستعصية هددت استقلاليتهم ووجودهم الإنساني.
إن مستقبل هذا الميدان لا يرتبط فقط بتطوير أجهزة أكثر صغراً وذكاءً وتكاملاً، بل يرتهن بمدى قدرتنا على فهم تعقيدات الشبكات العصبية العاطفية والتكامل بين العلاج البيولوجي وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي. تظل ناظمة خطى الدماغ نموذجاً ملهماً لكيفية تسخير التكنولوجيا الطبية المتقدمة لإصلاح الدوائر الحيوية المتصدعة، مع الحفاظ على كرامة الإنسان وهويته الفردية في توازن دقيق ومستمر بين البيولوجيا والآلة.
المراجع
- Benabid, A. L., Pollak, P., Louveau, A., Henry, S., & de Rougemont, J. (1987). Combined (thalamotomy and stimulation) stereotactic surgery of the VIM thalamic nucleus for bilateral Parkinson. Applied Neurophysiology, 50(1-6), 344-346.
- Cooper, I. S., Upton, A. R., & Amin, I. (1976). Chronic cerebellar stimulation (cerebral pacemaker) in chronic psychiatric illness. The Lancet, 307(7963), 795.
- Denys, D., Mantione, M., Figee, M., van den Munckhof, P., Koerselman, F., Westenberg, H., … & Schuurman, R. (2010). Deep brain stimulation of the nucleus accumbens for treatment-refractory obsessive-compulsive disorder. Archives of General Psychiatry, 67(10), 1061-1068.
- Holtzheimer, P. E., & Mayberg, H. S. (2011). Deep brain stimulation for psychiatric disorders. Annual Review of Neuroscience, 34, 289-307.
- Kopell, B. H., & Greenberg, B. D. (2008). Anatomy and physiology of the deep brain stimulation target for obsessive-compulsive disorder and depression. Current Mental Health Reports, 10(4), 304-311.
- Mayberg, H. S., Lozano, A. M., Voon, V., McNeely, H. E., Seminowicz, D., Hamani, C., … & Kennedy, S. H. (2005). Deep brain stimulation for treatment-resistant depression. Neuron, 45(5), 651-660.
- Synofzik, M., & Schlaepfer, T. E. (2008). Stimulating personality: Ethical questions concerning deep brain stimulation of the subthalamic nucleus in patients with Parkinson’s disease. Biotechnology Journal, 3(12), 1511-1520.
- Widge, A. S., Dougherty, D. D., & Moritz, C. T. (2019). Clinical electrical stimulation: Closing the loop. Neuropsychopharmacology, 44(1), 220-221.