يشكّل مبدأ المعاصرة (Contemporaneity) أحد أعمق المفاهيم الإبستمولوجية التي أحدثت ثورة منهجية في دراسة السلوك الإنساني داخل الفضاء السيكولوجي؛ إذ يقرر هذا المبدأ أن أي سلوك أو حدث نفسي لا يمكن تفسيره إلا بالرجوع إلى القوى والخصائص النشطة في الحقل النفسي في اللحظة الزمنية الراهنة ذاتها. يعيد هذا الطرح صياغة العلاقة الجدلية بين الزمن والوجود النفسي، متجاوزاً النماذج الحتمية والخطية التي تجعل من الماضي علّة مباشرة وميكانيكية للحاضر. ومن خلال سبر أغوار هذا المبدأ، يتضح أن الحاضر السيكولوجي ليس مجرد نقطة زمنية عابرة، بل هو مجال دينامي ممتد يدمج في نسيجه تمثيلات الماضي وتطلعات المستقبل كوقائع راهنة تؤثر في السلوك هنا والآن.
التأصيل النظري والمفهومي لمبدأ المعاصرة في علم النفس
يُعرَّف مبدأ المعاصرة في الأدبيات السيكولوجية الرصينة بأنه الفرضية المنهجية التي تنص على أن السلوك الإنساني، في أي لحظة معينة، هو دالة حصرية للحالة الكلية للمجال النفسي في تلك اللحظة ذاتها. يعني ذلك بعبارة صريحة أن الوقائع الماضية لا تمتلك قدرة سببية مباشرة على توليد السلوك الحالي؛ إذ إن ما انقضى قد تلاشى وجودياً ولا يمكنه ممارسة أي فعل فيزيائي أو نفسي مباشر على اللحظة الآنية. وبالمثل، فإن المستقبل، باعتباره لم يتحقق بعد، لا يمكنه ممارسة جذب غائي فيزيائي مباشر. ومع ذلك، فإن الماضي والمستقبل يمارسان تأثيراً بالغاً من خلال الطريقة التي يُعاد بها تمثيلهما واستحضارهما كـ «وقائع نفسية معاصرة» داخل بنية الحاضر المعيش.
يرتبط هذا المفهوم في المقام الأول بالإسهامات التأسيسية التي قدمها عالم النفس البارز كورت ليفين (Kurt Lewin)، رائد نظرية المجال في علم النفس الاجتماعي. لقد صاغ ليفين هذا المبدأ رغبةً منه في تخليص علم النفس من النزعة التاريخية التبسيطية التي افترضت وجود صلة سببية مباشرة بين صدمات الطفولة البعيدة أو الأحداث السابقة والسلوك اللحظي للفرد. رأى ليفين أن السبب يجب أن يكون متزامناً ومزامناً لنتيجته في الزمان والمكان؛ ومن ثم فإن كل ما يؤثر في السلوك الإنساني في اللحظة (t) يجب أن يكون قائماً ونشطاً في المجال النفسي عند اللحظة (t) بعينها.
إن إعادة التفكير في المعاصرة من زاوية معرفية تستلزم التمييز الدقيق بين «الزمن الفيزيائي» و«الزمن السيكولوجي». فالزمن الفيزيائي يتدفق في مسار خطي موضوعي غير عكوس، تتوالى فيه اللحظات وفق قياسات كمية ثابتة. في المقابل، يتصف الزمن السيكولوجي بأنه بناء ظاهراتي معقد يتسع ليحتوي أبعاداً متعددة في آن واحد؛ فالذكريات والندم والحسرة (وهي ظواهر تشير إلى الماضي موضوعياً) تتواجد في الوعي كنبضات حية تؤثر في الخيارات الراهنة. وبالمثل، فإن القلق من المجهول أو التخطيط الاستراتيجي أو الآمال المعقودة على الغد (وهي أمور تشير إلى المستقبل) ليست وقائع مستقبلية تؤثر من الأمام، بل هي أحداث حاضرة تمتلك وزناً نوعياً في تشكيل القرار اللحظي وتوجيه طاقة الفرد النفسية.
من هذا المنطلق، يرتقي مبدأ المعاصرة من مجرد تقنية رصد إمبريقية إلى مستوى النموذج الفكري الشامل (Paradigm) الذي يعيد هندسة الفهم السيكولوجي؛ فهو يفرض على الباحثين والمعالجين الامتناع عن عزل الماضي كعامل تفسيري جاهز ومستقل بذاته، ويطالبهم بدلاً من ذلك بفحص الكيفية التي أدمج بها الفرد هذا الماضي في منظومته المعرفية والشعورية الآنية، وكيف تجري ترجمته في صورة شحنات دافعية، ومعتقدات مركزية، ومشاعر حية تحكم حركته في الفضاء الوجودي المعاصر.
السياق التاريخي والتحول من التفكير الأرسطي إلى التفكير الجاليلي
لفهم الجذور الفلسفية والتاريخية لمبدأ المعاصرة، لا بد من استحضار التحليل الإبستمولوجي البارع الذي قدمه ليفين للمقارنة بين نمطي التفكير: «الأرسطي» و«الجاليلي». في الفيزياء الأرسطية القديمة، كانت حركة الأشياء تُفسر إما بناءً على طبيعتها الجوهرية المتأصلة وتاريخها التكويني، أو من خلال غايات نهائية مجردة. كان التفسير الأرسطي تفسيراً نزوعياً وتاريخياً يركز على السمات الثابتة والتصنيفات الجافة، وهو ما انتقد ليفين استمراره في الدراسات النفسية التقليدية التي كانت تعزو المشكلات السلوكية إلى «سمات موروثة» أو «تجارب ماضية» كعلل جوهرية غير متغيرة.
على النقيض من ذلك، جاءت الثورة العلمية على يد جاليليو جاليلي لتؤسس لفهم دينامي جديد تماماً؛ حيث تُفسر الحركة والتغير بوصفهما نتاجاً للتفاعل الآني المعاصر بين جميع القوى المؤثرة في النظام في تلك اللحظة بالذات. استعار ليفين هذه الرؤية الجاليلية وطبّقها بصرامة على السلوك الإنساني؛ فالحركة النفسية لا تصدر عن قوى كامنة ثابتة قادمة من الماضي السحيق، بل تتولد لحظياً من شبكة المتجهات، والتوترات، والضغوط، والفرص القائمة في الحقل الكلي راهناً. وقد أحدث هذا التحول نقلة نوعية في علم النفس نقلته من خانة التصنيف التوصيفي التاريخي إلى خانة النمذجة الدينامية الوظيفية.
تأثر تطور هذا المفهوم بعمق بصعود علم نفس الجشتالت في برلين؛ حيث درس ليفين إلى جانب كبار رواد الحركة أمثال ماكس فيرتهايمر، وفولفجانج كوهلر، وكورت كوفكا. رسخت مدرسة الجشتالت مبدأ الكلية والقوانين الإدراكية التي تحكم تنظيم المجال الحسي في اللحظة الراهنة، معلنةً أن «الكل أكبر من مجموع أجزائه»، وأن الإدراك ينبثق من البنية المعاصرة للتنبيهات وعلاقاتها التبادلية. وبناءً على هذه الأرضية الصلبة، وسّع ليفين مبادئ الجشتالت من مجرد دراسة إدراك الأشكال والألوان إلى دراسة الشخصية، والدافعية، والديناميات الجماعية المعقدة، جاعلاً المعاصرة الركيزة الأساسية لهذا التوسع النظري.
المعمارية النظرية: نظرية المجال والحيز الحياتي عند كورت ليفين
تتجسد الصياغة الرياضية والمفهومية لمبدأ المعاصرة في المعادلة الشهيرة التي وضعها ليفين: B = f(P, E)، والتي تقرأ بأن: «السلوك (B) هو دالة (f) للتفاعل المتبادل بين الشخص (P) والبيئة النفسية المحيطة به (E)». تكتسب هذه الصيغة قوتها الإبستمولوجية من حقيقة أن كلا المتغيرين—الشخص وبيئته—يجب أن يُقاسا ويُفهما في حالة تزامنهما المطلق؛ فلا يمكن أن يكون المتغير (P) مأخوذاً من عام مضى، بينما المتغير (E) مأخوذ من الواقع الحالي. إن التفاعل التزامني اللحظي بين الفرد وبيئته هو ما يشكل ما أطلق عليه ليفين اسم «الحيز الحياتي» (Life Space).
يشتمل الحيز الحياتي على جميع الحقائق النفسية التي تؤثر في الفرد في لحظة معينة، متضمناً ذلك كل ما يدركه الفرد، وما يشعر به، وما يرغب فيه، وما يخشاه، إلى جانب البيئة المادية والاجتماعية بالقدر الذي تُمثَّل به داخل إدراكه الذاتي. لا يتعامل مبدأ المعاصرة مع العالم الخارجي كما هو موضوعياً، بل كما هو قائم ومدرك ذاتياً في وعي الشخص في اللحظة الراهنة. ومن هذا المنطلق، تُقسّم مساحة الحيز الحياتي إلى مناطق تفصل بينها حدود ذات نفاذية متغيرة، وتتحرك فيها الكيانات النفسية تحت تأثير «متجهات» (Vectors) تعبر عن قوى الجذب (التكافؤ الإيجابي) وقوى التنافر (التكافؤ السلبي).
لتوضيح بنية الحيز الحياتي وفق مبدأ المعاصرة، يمكن تفكيك مكوناته البنيوية إلى العناصر المحورية الآتية:
- التكافؤات النفسية (Valences): وهي القيمة الجاذبة أو المنفرة التي تتسم بها الأهداف أو الأشياء أو الأفراد في اللحظة المعاصرة، وهي التي تحرك سلوك الاقتراب أو التجنب.
- المتجهات النفسية (Vectors): خطوط القوة الموجهة التي تحدد اتجاه وشدة الدافع نحو الحركة في اتجاه معين داخل الحيز الحياتي.
- التوتر النفسي (Tension): حالة من عدم الاتزان تنشأ في نظام فرعي داخلي للشخص، تدفعه للسلوك من أجل استعادة التوازن، مثلما تظهره ظاهرة زايكارنيك (Zeigarnik effect).
- الأفق الزمني المعاصر (Temporal Horizon): الإطار النفسي اللحظي الذي يشمل الماضي المستحضر والمستقبل المتوقع كأبعاد معرفية نشطة داخل الحاضر.
إن التأكيد على المعاصرة داخل الحيز الحياتي يوضح أن التغير في أي جزء من المجال يؤدي إلى إعادة تنظيم فورية للمجال بأسره. فعندما يتلقى شخص خبراً مفاجئاً أو يتعرض لتغير طفيف في بيئته، فإن الحيز الحياتي برمته يعاد تشكيله في تلك اللحظة بالذات؛ فتتغير تكافؤات الأشياء وتتبدل متجهات الحركة، وهو ما يفسر التقلبات السلوكية السريعة التي قد يعجز التحليل التاريخي الخطي عن تفسيرها بدقة.
المعاصرة في مواجهة الحتمية التاريخية ونموذج التحليل النفسي
شكّل ظهور مبدأ المعاصرة صدمة منهجية لنموذج التحليل النفسي الكلاسيكي الذي دشنه سيغموند فرويد. اعتمد فرويد بصورة مكثفة على ما يُعرف بـ «الأركيولوجيا النفسية» أو الحفر التاريخي، مفترضاً أن العصاب والسلوكيات المرضية في سن الرشد هي نتائج حتمية مباشرة لتثبيتات ليبيذية وصدمات غائرة حدثت في مراحل الطفولة المبكرة. وفقاً للتصور الفرويدي التقليدي، يعمل الماضي كمستودع للعلل الفاعلة التي تستمر في قذف آثارها المباشرة إلى الأمام عبر خط الزمن، مما جعل التحليل النفسي بحثاً دائماً في سجلات الأمس.
في المقابل، لم ينكر ليفين ومناصرو مبدأ المعاصرة أهمية الطفولة في تكوين الشخصية، لكنهم قدموا اعتراضاً جوهرياً على طبيعة العلاقة السببية؛ إذ رأوا أن صدمة الطفولة لا يمكنها التأثير في سلوك الفرد البالغ إلا بمقدار ما تستمر في الوجود حالياً كبنية نفسية قائمة، أو كمعتقد مشوه، أو كنظام توتر غير محلول داخل الحيز الحياتي الراهن. إن ما يفسر اضطراب العميل اليوم ليس الحدث الصادم الذي وقع قبل ثلاثين عاماً في حد ذاته، بل الطريقة التي يعيد بها هذا العميل بناء ذلك الحدث، وشحنه بالانفعال، وإسقاطه على علاقاته الحالية في التو واللحظة.
أفضى هذا التمايز الفلسفي إلى تداعيات منهجية بالغة الأثر؛ فالنموذج التاريخي يتطلب تنقيباً لا نهائياً في ماضي العميل للكشف عن البدايات الأولى، وهو مسار قد يستغرق سنوات طويلة دون ضمان لحدوث تحسن وظيفي في الواقع المعاش. أما نموذج المعاصرة، فيوجه الانتباه التحليلي نحو «التكوين اللحظي للمشكلة» (The contemporaneous configuration of the problem)؛ حيث يتم تفكيك الصراع باعتباره توازناً هشاً بين قوى حاضرة، مما يفتح الباب أمام التدخل السيكولوجي السريع لتعديل تلك القوى اللحظية وإحداث التغيير السلوكي المنشود.
الأبعاد الفينومينولوجية والزمن السيكولوجي: جدلية الحاضر والماضي والمستقبل
يتشابك مبدأ المعاصرة بعمق مع الفلسفة الفينومينولوجية (الظاهراتية)، ولا سيما أطروحات إدموند هوسرل ومارتن هايدجر وموريس ميرلوبونتي حول طبيعة الوعي والزمنية. لقد بيّن هوسرل في تحليلاته لوعي الزمن الداخلي أن اللحظة الحاضرة ليست نقطة رياضية مجردة تخلو من الامتداد (عديمة السُمك)، بل هي بنية ثلاثية تتألف من: «الانطباع الأولي» (Primal impression) اللحظي، و«الاستبقاء» (Retention) الذي يمسك بالماضي القريب فور انقضائه، و«الاستباق» (Protention) الذي يتطلع إلى المستقبل الوشيك؛ وكل هذه العمليات تجري بالتزامن داخل الوعي المعاصر.
وعلى المنوال ذاته، طرح هايدجر مفهوم «الآنية» (Dasein) بوصفها كينونة متجذرة في العالم، حيث يُعرَّف الوجود الإنساني بأنه مشروع متقدم نحو الأمام، محكوم بماضٍ يُلقى فيه الفرد، ومستقبل يرتحل إليه عبر القلق والاهتمام؛ غير أن هذا «الارتحال» الأنطولوجي لا ينبثق إلا من أرضية الحاضر المعاش. يُظهر هذا التقارب الفلسفي أن مبدأ المعاصرة في علم النفس ليس اختزالاً فجاً للوجود الإنساني في اللحظة العابرة، بل هو إقرار بفينومينولوجيا الامتداد الزمني المكثف داخل الوعي الراهن.
إن إعادة صياغة الماضي والمستقبل وفق مبدأ المعاصرة تؤكد أنهما «بُعدان معرفيان» داخل الشخصية المعاصرة. فالماضي السيكولوجي هو الذاكرة الفعالة، والتقييمات الذاتية، ومشاعر الذنب أو الفخر القائمة الآن؛ والمستقبل السيكولوجي هو التطلعات، والأهداف الشخصية، ومستوى الطموح، والقلق التوقعي الحاضر. وعندما تتغير بنية الحاضر (على سبيل المثال، عند اكتساب العميل لبصيرة جديدة أو تغير مكانته الاجتماعية)، فإن الماضي ذاته يعاد تأويله وتلوينه انفعالياً في الحاضر، وتتغير توقعات المستقبل تلقائياً، مما يؤكد أن الإدراك الزمني خاضع باستمرار لإعادة البناء المعاصر.
التطبيقات الإكلينيكية والعلاجية لمبدأ المعاصرة
ألقى مبدأ المعاصرة بظلاله الكثيفة على ميدان العلاج النفسي والتدخلات الإكلينيكية، متجسداً بشكل جلي في ما يُعرف بمبدأ «هنا والآن» (Here-and-Now). وقد تجلى هذا التأثير بصورة راديكالية في «العلاج الجشتالتي» الذي أسسه فريدريك (فريتز) بيرلز وزوجته لورا بيرلز؛ حيث يُنظر إلى كل محاولة من جانب العميل للحديث عن ماضيه البعيد أو الهروب إلى استشراف المستقبل بوصفها حيلة دفاعية لتجنب الاتصال المباشر بالخبرة المعاصرة الجارية في غرفة العلاج.
في العلاج الجشتالتي، يُشجَّع العميل على اختبار مشاعره، وأحاسيسه الجسدية، وأفكاره كما تظهر وتتدفق في اللحظة الراهنة بالذات. فبدلاً من أن يروي العميل كيف كانت والدته تنتقده في طفولته بأسلوب سردي تاريخي، يطلب منه المعالج أن يتخيل والدته جالسة على «الكرسي الفارغ» أمامه ويخاطبها بصيغة المضارع، متلمساً التوتر العضلي ونبرة الصوت الحالية. من خلال هذا الإجراء، تتحول المشكلة التاريخية إلى «خبرة معاصرة حية» قابلة للملاحظة وإعادة التشكيل والتفريغ الانفعالي المباشر داخل الحيز الحياتي اللحظي للعميل.
كذلك استفادت مدارس العلاج المعرفي السلوكي (CBT) بموجاتها المختلفة من منطق المعاصرة؛ فالعلاج المعرفي الكلاسيكي لآرون بيك لا ينشغل بفك ألغاز الماضي بقدر ما يركز على رصد «الأفكار التلقائية المشوهة» والمخططات المعرفية (Schemas) النشطة التي تعمل كمرشحات تأويلية معاصرة للأحداث اليومية. وإذا كان التاريخ التنموي للفرد يفسر كيفية نشوء تلك المخططات تاريخياً، فإن العلاج يركز على كيفية استمرارها وتغذيتها لنفسها في الوقت الحاضر، وتعديل سلوكيات التحقق والحفاظ على الذات القائمة راهناً.
أما الموجة الثالثة من العلاج المعرفي السلوكي، والمتمثلة في «العلاج بالقبول والالتزام» (ACT) وتدخلات «اليقظة الذهنية» (Mindfulness)، فقد جعلت من المعاصرة قطب الرحى في العملية العلاجية بأسرها؛ إذ يتم تدريب العميل على ترسيخ وعيه الكامل في اللحظة الحالية دون إطلاق أحكام تقييمية، وتعلم كيفية مراقبة الأفكار والمشاعر باعتبارها أحداثاً عقلية عابرة تتزامن مع الوعي ولا تحدد هويته المطلقة، مما يفكك الاندماج المعرفي ويفتح آفاقاً جديدة للمرونة النفسية الموجهة بالقيم.
المعاصرة في ضوء علم النفس المعرفي والديناميات المعقدة
مع تطور الثورة المعرفية ونظريات المعالجة المعلوماتية، اكتسب مبدأ المعاصرة دعماً علمياً وتجريبياً متزايداً؛ إذ بينت أبحاث «الذاكرة العاملة» (Working Memory) والتحكم التنفيذي أن العقل البشري يعالج المدخلات، ويسترجع التمثيلات المخزنة، ويولد القرارات الحركية بناءً على «الحالة الراهنة لشبكات التنشيط العصبي». فالذاكرة طويلة المدى لا تؤثر في السلوك ككتلة تاريخية نائمة، بل يجب أن يُستحضر محتواها ويُعاد تشفيره وتنشيطه داخل نظام الذاكرة العاملة المعاصر ليصبح مؤثراً وقادراً على توجيه الانتباه والفعل.
من زاوية نظرية النظم الدينامية المعقدة (Complex Dynamical Systems Theory)، يُعبَّر عن السلوك البشري من خلال نماذج «فضاء الحالة» (State Space)؛ حيث تكون حالة النظام في اللحظة الزمنية القادمة [S(t+1)] دالة مباشرة للحالة الإجمالية الكلية للنظام في اللحظة الزمنية الحالية [S(t)] بالإضافة إلى المدخلات الآنية المؤثرة فيه. لا تملك الحالات السابقة للنظام [S(t-n)] تأثيراً مباشراً عبر الزمن، إلا بقدر ما تركت آثاراً متبقية شكلت البنية الداخلية الراهنة لـ [S(t)]. يمثل هذا الصياغة الرياضية الحديثة والأكثر دقة لمبدأ المعاصرة الليفيني في سياق النمذجة الحسابية للسلوك وعلم الأعصاب الإدراكي.
تؤكد أبحاث العلوم العصبية المعاصرة هذه الرؤية من خلال دراسة «شبكة الوضع الافتراضي» (Default Mode Network) وشبكات الانتباه التنفيذي؛ حيث تشير البيانات إلى أن استحضار الماضي (التذكر السيرذاتي) وتخيل المستقبل (التفكير المستقبلي العرضي) ينشطان ذات الشبكات العصبية المعاصرة في الدماغ اللحظي، مما يعني أن الدماغ يعالج الذكريات والتنبؤات بوصفهما محاكاة معاصرة قائمة تجري في الحاضر وتؤثر في الحالة الفسيولوجية والهرمونية للكائن في لحظة التنشيط ذاتها.
الانتقادات والحدود الإبستمولوجية لمفهوم المعاصرة
على الرغم من القوة المنهجية الفائقة لمبدأ المعاصرة، فإنه لم يسلم من انتقادات رصينة وجهها علماء النفس النمائيون والتاريخيون وعلماء الاجتماع السلوكي. يتمحور الانتقاد الأبرز حول خطر «الاختزال اللحظي» (Atemporal Reductionism)؛ حيث جادل النقاد بأن التركيز المفرط على المجال الراهن قد يؤدي إلى إغفال المسارات التطورية التراكمية، وإهمال السياقات الطولية المعقدة التي تنمو الشخصية عبرها على مدار عقود من التفاعل والتكيف الاجتماعي.
يرى الباحثون في علم النفس النمائي أن فهم السلوك البشري فهماً كلياً لا يكتمل بمجرد أخذ «لقطة فوتوغرافية» معاصرة للحيز الحياتي؛ فبعض البنى والعمليات النفسية تتطلب معرفة تاريخية بالوتيرة والسرعة والمراحل الانتقالية التي مرت بها (مثل مراحل بياجيه أو أريكسون) لإدراك معناها الوظيفي العميق. كما أن عزل الحاضر عن جذوره قد يوقع الباحث في فخ السطحية التفسيرية، معتبراً بعض الاستجابات التكيفية العميقة مجرد ردود أفعال على منبهات بيئية آنية عابرة.
إضافة إلى ذلك، واجه التطبيق الرياضي الطوبولوجي الذي اقترحه ليفين لقياس الحيز الحياتي صعوبات إجرائية جمة؛ إذ تبين أن التحديد الدقيق لجميع المتجهات والقوى النفسية والتكافؤات المتزامنة داخل فضاء الشخص في لحظة زمنية متناهية الصغر يمثل تحدياً إمبريقياً هائلاً يتجاوز قدرة أدوات القياس السيكومترية التقليدية. ومع ذلك، فقد رد المدافعون عن المبدأ بأن هذه الانتقادات تستهدف صعوبات التطبيق التقني لا جوهر الحقيقة الإبستمولوجية التي يقررها المبدأ، والتي تظل حجر زاوية لا غنى عنه في أي علم تجريبي يسعى لتفسير السببية وفق القوانين التزامنية المباشرة.
خاتمة استشرافية: موقع المعاصرة في مستقبل العلوم النفسية
يمثل مبدأ المعاصرة انعطافة فكرية جوهرية حررت علم النفس من أسر الأحادية التاريخية والتفسيرات الحتمية الجامدة، وأعادت الاعتبار لقيمة الحاضر النفسي كبؤرة حية تتفاعل فيها كافة القوى الإنسانية. ومن خلال التأكيد على أن السلوك وليد التفاعل الدينامي المعاصر بين الشخص وبيئته النفسية، وضع هذا المفهوم الأسس المنهجية التي ازدهرت عليها مدارس العلاج المعرفي والسلوكي والوجودي والجشتالتي على حد سواء. إن الحاضر في علم النفس، بحسب منطق المعاصرة، ليس فاصلاً زجاجياً رقيقاً بين ماضٍ رحل ومستقبل لم يأتِ، بل هو حقل طاقي زاخر يعاد فيه تشكيل الوجود الإنساني في كل لحظة، فاتحاً آفاقاً مستمرة للتحرر والتغيير والنمو النفسي الإيجابي.
المراجع
- Allport, G. W. (1937). Personality: A psychological interpretation. Henry Holt & Co.
- Beck, A. T. (1979). Cognitive therapy of depression. Guilford Press.
- Hayes, S. C., Strosahl, K. D., & Wilson, K. G. (2012). Acceptance and commitment therapy: The process and practice of mindful change (2nd ed.). Guilford Press.
- Husserl, E. (1991). On the phenomenology of the consciousness of internal time (1893–1917) (J. B. Brough, Trans.). Kluwer Academic Publishers.
- Lewin, K. (1935). A dynamic theory of personality: Selected papers (D. K. Adams & K. E. Zener, Trans.). McGraw-Hill.
- Lewin, K. (1936). Principles of topological psychology. McGraw-Hill.
- Lewin, K. (1951). Field theory in social science: Selected theoretical papers (D. Cartwright, Ed.). Harper & Row.
- Perls, F., Hefferline, R. F., & Goodman, P. (1951). Gestalt therapy: Excitement and growth in the human personality. Julian Press.
- Thelen, E., & Smith, L. B. (1994). A dynamic systems approach to the development of cognition and action. MIT Press.
- Varela, F. J. (1999). The specious present: A neuromethodology for time consciousness. In J. Petitot, F. J. Varela, B. Pachoud, & J. M. Roy (Eds.), Naturalizing phenomenology: Issues in contemporary phenomenology and cognitive science (pp. 266–314). Stanford University Press.