يمثل مفهوم الانشطار النفسي (المعروف في الأدبيات التحليلية بمصطلح Splitting أو Clivage) إحدى الركائز الجوهرية لفهم البنية الدينامية للشخصية وآليات الدفاع النفسي البدائية التي تحمي الأنا من القلق الوجودي والتفكك الداخلي. يُعد هذا المفهوم حجر زاوية في نظرية العلاقات الموضوعية والتحليل النفسي البنيوي، حيث يُفسر الكيفية التي يعزل بها العقل المشاعر والتمثيلات المتناقضة لمنع تصادمها الكارثي داخل الوعي الفردي. ومن خلال سبر أغوار هذا الميكانيزم، يتضح لنا كيف يمكن للتناقضات الوجدانية غير المحلولة أن تعيد تشكيل علاقة الفرد بذاته وبالواقع الخارجي المحيط به بصورة جذرية ومؤثرة.
التأصيل المفاهيمي لمصطلح الانشطار النفسي
يُعرَّف الانشطار النفسي بأنه عملية دفاعية لاواعية تهدف إلى الفصل الصارم والقاطع بين المشاعر أو الأفكار أو النماذج الإدراكية الإيجابية والسلبية المرتبطة بالذات أو بموضوعات الارتباط الخارجي. بدلاً من دمج السمات الجيدة والسيئة في صورة كلية متماسكة وواقعية، يلجأ الجهاز النفسي الخاضع لهذه الآلية إلى تجزئة التجربة الإنسانية إلى قطبين متطرفين وغير قابلين للمصالحة: قطب يجسد الخير المطلق والكمال، وآخر يجسد الشر المطلق والخطر الداهم. يؤدي هذا التمايز الحاد إلى حماية الأنا الهشة من مشاعر الغموض والذنب والتهديد الناتج عن تقبل فكرة أن المحبوب يمكن أن يكون مصدراً للألم في الوقت ذاته.
يتجاوز الانشطار مجرد كونه تبسيطاً معرفياً عابراً، بل هو بنية نفسية متجذرة تعيد تنظيم العالم الداخلي للفرد بطريقة تمنع حدوث التكامل العاطفي الناضج. في الحالات التي يسود فيها هذا الميكانيزم، يعجز الفرد عن إدراك الأشخاص المهمين في حياته ككيانات مركبة تمتلك فضائل ونقائص متزامنة، مما يجعله يتأرجح بين مثالية مفرطة تتسم بالتقديس، وبين إسقاط عدواني يتسم بالاحتقار المطلق وتجريد الآخر من إنسانيته بمجرد ظهور أي بادرة خيبة أمل بسيطة. هذا النمط من الإدراك المبتور يولد اضطراباً عميقاً في الاستقرار الوجداني وفي ثبات العلاقات البينشخصية على المدى الطويل.
من الناحية اللغوية والاصطلاحية، تتداخل ترجمات المصطلح بين «الانشطار»، و«الانقسام»، و«الفلج النفسي»، حيث تعكس الكلمة المشتقة من الفرنسية (Clivage) والألمانية (Spaltung) فكرة الصدع العميق في الصخرة النفسية أو انفصال بنيتين دون أن تفقدا صلابتهما الذاتية. إن الأنا المنشطرة لا تنهار بالضرورة كما هو الحال في التفكك الذهاني الشامل، بل تنظم نفسها في شطرين متوازيين يعمل كل منهما بمعزل عن الآخر، بحيث يتصرف الفرد في سياق معين بعاطفة تامة التناقض مع تصرفاته في سياق آخر دون أن يدرك التناقض الصارخ أو يشعر بالصراع المعرفي المفترض.
الجذور التاريخية وتطور المفهوم في مدرسة التحليل النفسي
تعود الجذور الأولى لمفهوم الانقسام النفسي إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث برز في أبحاث بيير جانييه حول الهستيريا والتفارق النفسي، قبل أن يعيد سيغموند فرويد صياغته ضمن الإطار الدينامي للتحليل النفسي. لم يكن فرويد في بداياته يركز على الانشطار كدفاع مستقل عن الكبت، بل كان يعتبره نتيجة حتمية للصراع بين الغرائز المحظورة وقوى الرقابة الأخلاقية، إلا أن كتاباته المتأخرة، وتحديداً مقاله الشهير عام 1938 حول «انشطار الأنا في مسار الدفاع»، شكلت نقطة تحول مفصلية في فهم الطبيعة البنيوية لهذا الميكانيزم.
في ذلك المقال التأسيسي، لاحظ فرويد ظاهرة سريرية محيرة تمثلت في قدرة الأنا على تبني موقفين متناقضين تماماً في آن واحد استجابة لصدمة معينة أو لتهديد بخصاء رمزي؛ الموقف الأول يعترف بالواقع الموضوعي ويخضع لمبدأ الواقع، بينما الموقف الثاني ينكر هذا الواقع تماماً ويتشبث بالرغبة الغريزية. أوضح فرويد أن هذا التثبيت المزدوج لا يحدث عبر كبت بسيط للموقف المرفوض، بل عبر شق بنيوي داخل الأنا ذاتها، بحيث يتعايش التياران دون أن يتداخلا أو ينتجا تسوية عُصابية تقليدية، مما يترك أثراً دائماً على تكامل الشخصية وتماسكها.
واصل المحللون النفسيون من بعد فرويد توسيع هذا المفهوم، فانتقل من كونه تفسيراً لحالات الشذوذ الجنسي (الفيتيشية) إلى كونه حجر الزاوية في فهم البنى الذهانية والحدية. وقد ساهمت دراسات رونالد فيربيرن في تعميق هذا الطرح من خلال تأكيده على أن انشطار الأنا ينبع أساساً من انشطار الموضوع الأولي، حيث يقوم الطفل الذي يواجه أماً محبطة أو غير متوقعة بتجزئة صورته عنها إلى «موضوع مثالي» و«موضوع رافض» و«موضوع مثير»، ويتبع ذلك بالضرورة انقسام موازٍ في الأنا إلى أجزاء ترتبط بكل موضوع من هذه الموضوعات المنفصلة.
إسهامات ميلاني كلاين ونظرية العلاقات الموضوعية
شهد مفهوم الانشطار قفزته الكبرى والأكثر ثورية مع أعمال المحللة النفسية البريطانية ميلاني كلاين، التي وضعت الانشطار في قلب التطور النفسي والوجداني للرضيع البشري. افترضت كلاين أن الرضيع يولد في حالة من الفوضى الغريزية ويكون مهدداً بما أسمته «غريزة الموت» وقلق الفناء، مما يدفعه لحماية ذاته عبر آلية فطرية تقوم على شطر الموضوع الأول المتاح في بيئته، وهو ثدي الأم، إلى نصفين متباعدين تماماً: «الثدي الجيد» الذي يشبع ويهدئ ويفيض حباً، و«الثدي السيئ» الذي يحرم ويغيب ويتحول في خيال الطفل إلى كيان عدائي ومضطهد.
أطلقت كلاين على هذه المرحلة التطورية المبكرة اسم «الموضع الفصامي-الاضطهادي» (Paranoid-Schizoid Position)، والتي تمتد خلال الأشهر الأولى من حياة الطفل. في هذا الموضع، لا يُعد الانشطار عارضاً مرضياً بل إنجازاً تطورياً ضرورياً ينقذ الطفل من الغرق في رعب القلق الاضطهادي، إذ يمكنه من الحفاظ على تجربة الخير والنقاء الداخلي بعيداً عن تلوث المشاعر العدوانية والمدمرة التي يسقطها على الموضوع السيئ. وبفضل هذا العزل الحازم، يستطيع الطفل بناء نواة صلبة من الأمان الوجداني تسمح له بالنمو العصبي والنفسي دون انهيار بنيوي.
تستكمل كلاين نظريتها بالتأكيد على أن النضج النفسي الطبيعي يتطلب الانتقال التدريجي نحو ما أسمته «الموضع الاكتئابي» (Depressive Position)، حيث يدرك الطفل في النصف الثاني من السنة الأولى أن الثدي الجيد والثدي السيئ هما في الحقيقة نفس الشخص، أي الأم ككلية موضوعية متكاملة. يثير هذا الإدراك مشاعر الحزن والذنب والقلق من احتمالية أن تكون عدوانيته السابقة قد دمرت الشخص الذي يحبه، مما يدفع الأنا إلى التخلي عن الانشطار والبدء في عمليات الإصلاح والتكامل الوجداني، وهي المرحلة التي تؤسس للقدرة الناضجة على الحب والشعور بالتعاطف والتعامل مع التناقضات الإنسانية.
النموذج الكيرنبيرغي وتوصيف التنظيم الحدي للشخصية
يُعد العالم والمحلل النفسي المعاصر أوتو كيرنبيرغ أبرز من نقَل مفهوم الانشطار من الحقل النظري الكلايني إلى التطبيق الإكلينيكي المنهجي في دراسة اضطرابات الشخصية، ولا سيما تنظيم الشخصية الحدي (Borderline Personality Organization). بيّن كيرنبيرغ أن الانشطار يمثل آلية الدفاع المحورية التي تميز المرضى الحديين عن المرضى العصابيين؛ فبينما يعتمد العصاب على الكبت كدفاع رئيسي يقوم بإخفاء الدوافع في اللاوعي، يعتمد التنظيم الحدي على الانشطار لإبقاء المشاعر المتناقضة في مستوى الوعي مع حرمانها من الارتباط المنطقي والوجداني فيما بينها.
يوضح كيرنبيرغ أن استمرار الاعتماد على الانشطار كدفاع مسيطر في مرحلة البلوغ يؤدي إلى ما يُعرف بـ «انتشار الهوية» (Identity Diffusion)، وهي حالة من عدم الاستقرار الجذري في مفهوم الذات وفي إدراك الآخرين. يشعر هؤلاء الأفراد بفراغ مزمن وعجز عن تقديم صورة متسقة عن شخصياتهم أو عن المقربين منهم، فتراهم يصفون شخصاً ما في جلسة علاجية بأنه الملاك الحارس والمنقذ الأوحد، ثم يعودون في الجلسة التالية ليصفوه بأنه شيطان متآمر ومجرد من أي مشاعر إنسانية، دون أن يشعروا بأي إحراج من هذا التناقض الجذري.
يمتد تأثير الانشطار في نظر كيرنبيرغ ليشمل ديناميات العلاج النفسي ونقل المشاعر (Transference) والنقل المقابل (Countertransference). فالمريض الذي يستخدم الانشطار يحاول لاواعياً تفكيك الفريق المعالج أو شطر المحلل النفسي داخلياً، من خلال إلقاء مشاعر الإعجاب المطلق على معالج وإلقاء مشاعر العداء والكراهية على معالج آخر، مما يفرض تحديات سريرية بالغة التعقيد تستدعي تدخلاً علاجياً يركز على إظهار هذا الانشطار وتفكيكه تمهيداً لبناء قدرة تكاملية تعيد التوازن لبنية الشخصية.
الميكانيزمات الدفاعية المرتبطة بالانشطار النفسي
لا يعمل الانشطار في العزلة النفسية بمفرده، بل يتشابك بصورة وثيقة مع حزمة متكاملة من الدفاعات النفسية البدائية التي تعزز بقاءه وتحميه من التفكك أمام متطلبات الواقع، ومن أبرز هذه الميكانيزمات:
- التماهي الإسقاطي (Projective Identification): عملية معقدة يقوم فيها الفرد بشطر جزء غير محتمل من ذاته (كالعدوانية الشديدة أو الضعف المهين) وإسقاطه في شخص آخر، ثم ممارسة ضغوط غير واعية على ذلك الشخص لجعله يتصرف فعلياً وفقاً لتلك السمات المسقطة، مما يبرر للفرد مهاجمته أو السيطرة عليه.
- المثالية البدائية والتحقير المطلق (Primitive Idealization and Devaluation): ميل نفسي متطرف لتضخيم محاسن الموضوع وإضفاء صفات القدرة المطلقة والجمال الكامل عليه لحماية الذات من الخوف، يعقبه انهيار سريع وتجريد قاسٍ لنفس الموضوع من أي قيمة بمجرد أن يظهر أي نقص طفيف يخالف الصورة الخيالية المسبقة.
- الإنكار الدفاعي البدائي (Denial): رفض قاطع للاعتراف بوجود حقائق مؤلمة أو تجارب حسية واضحة تتعارض مع الشطر النفسي المهيمن في تلك اللحظة، وهو إنكار يتجاوز الشك المعرفي ليصل إلى التحييد التام للواقع التجريبي.
- القدرة المطلقة (Omnipotence): شعور وهمي بالسيطرة الكاملة والتحكم المطلق في الموضوعات الخارجية، ناتج عن محاولة تغطية العجز العميق والرعب الكامن وراء التمزق الناجم عن انشطار الذات.
تعمل هذه الترسانة الدفاعية كمنظومة مغلقة تُحصن الفرد ضد الشعور بالقلق التكاملي، لكنها في المقابل تكلفه ثمناً باهظاً يتمثل في تشويه الواقع وفقدان القدرة على النقد الذاتي البناء وتدمير الروابط الإنسانية الصادقة، مما يديم الحلقة المفرغة من التهديد النفسي والدفاع الهش.
التجليات الإكلينيكية للاضطرابات المرتبطة بالانشطار
يظهر الانشطار النفسي بأوضح صوره في العيادات النفسية ضمن سياق اضطرابات المحور الثاني وفق الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، ويحتل الصدارة في اضطراب الشخصية الحدية (BPD). يعاني المرضى الحديون من تقلبات مزاجية حادة وعلاقات عاصفة تتأرجح باستمرار بين طرفي المثالية والازدراء، حيث يعكس سلوكهم تفعيلاً متواصلاً لتمثيلات الذات والموضوع المنشطرة، مما يدفعهم إلى السلوكيات الاندفاعية، وجرح الذات، والتهديد بالانتحار كاستجابة للشعور بالهجر المحدق الناتج عن رؤية الموضوع ككيان كلي السوء.
كذلك يلعب الانشطار دوراً محورياً في بنية اضطراب الشخصية النرجسية (NPD)، وإن كان يتجلى بطريقة مختلفة قليلاً؛ حيث يعتمد النرجسي على شطر ذاته إلى «ذات متضخمة ومتفوقة» تُعرض على العالم الخارجي وتتطلب الإعجاب الدائم، و«ذات منبوذة ومليئة بالخزي والعجز» تُسقط بشكل صارم على الآخرين أو تُدفن في أعماق اللاوعي عبر آليات احتقار مكثفة لمن يحيطون به لمنع الاتصال بتلك المشاعر المهددة.
وفي مجال الصدمات النفسية واضطرابات التفارق الحاد (Dissociative Disorders)، يظهر الانشطار كرد فعل وقائي فوري تجاه الانتهاك الجسدي أو الإساءة في مرحلة الطفولة. يعمد الطفل المعنف إلى فصل الوعي بالاعتداء عن الحياة اليومية المستمرة مع الشخص المعتدي، خصوصاً إذا كان المعتدي هو نفس مقدم الرعاية المسؤول عن بقائه، فينشطر وعي الطفل ليحافظ على «صورة الأب الصالح» نهاراً بينما يعزل الرعب والألم في حجرة نفسية مفصولة ومنعزلة، وهو ما قد يتطور لاحقاً في الحالات الشديدة إلى اضطراب الهوية التفارقي.
الأبعاد الاجتماعية والسياسية لظاهرة الانشطار الجمعي
لا تقتصر تجليات الانشطار على الأفراد داخل غرف العلاج النفسي، بل تمتد آثاره بصورة ملموسة إلى الديناميات الجماعية والمشهد السياسي والثقافي، وهو ما درسته نظريات علم النفس الاجتماعي وعلم النفس السياسي المتأثرة بالتحليل النفسي. في أوقات الأزمات الاقتصادية، والحروب، والتهديدات الوجودية، تميل المجتمعات الإنسانية إلى التراجع النكوصي نحو الموضع الفصامي-الاضطهادي، حيث تتراجع الرؤى النقدية والرمادية المعقدة لصالح خطاب تبسيطي قطبي يقسم العالم إلى «نحن» الأخيار والمظلومين والمثاليين، و«هم» الأشرار والمتآمرين والمسؤولين عن كافة الشرور.
يغذي هذا الانشطار الجمعي ظواهر الاستقطاب الأيديولوجي الشديد، والتطرف الديني، والتعصب القومي والعنصري؛ إذ يوفر للجماعة راحة نفسية زائفة من خلال إسقاط كل نوازعها العدوانية وعيوبها الداخلية على جماعة خارجية مستهدفة تُتخذ ككبش فداء. تصبح الجماعة الخارجية مجردة من الإنسانية وتُوصم بصفات تجعل من اضطهادها أو إبادتها واجباً أخلاقياً لتطهير الجماعة النقية، وهي دينامية تتطابق بنيوياً مع محاولة الرضيع تدمير الثدي السيئ لحماية ذاته الجيدة من الفناء.
تلعب المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة دوراً متزايداً في تعزيز هذا الانشطار المعرفي والوجداني عبر خوارزميات غرف الصدى (Echo Chambers) التي تكافئ التطرف الثنائي وتلغي المساحات المشتركة للتفاوض الفكري. يتم دفع الجماهير باستمرار إلى اتخاذ مواقف حدية لا تقبل التعددية، مما يؤدي إلى تآكل النسيج الاجتماعي الديمقراطي وصعوبة بناء توافقات سياسية عقلانية تتطلب الاعتراف بتعقيد المصالح الإنسانية والقبول بالتسويات الواقعية.
المقاربات العلاجية للتعامل مع الانشطار النفسي
يتطلب علاج الأفراد الذين يعتمدون على آلية الانشطار تدخلاً علاجياً تخصصياً يتجاوز مجرد تقديم الدعم النفسي السطحي، نظراً لقدرة هذه الآلية على تخريب العلاقة العلاجية نفسها. يعد العلاج النفسي القائم على نقل المشاعر (Transference-Focused Psychotherapy – TFP)، الذي طوره أوتو كيرنبيرغ وزملاؤه، من أبرز النماذج التحليلية المصممة خصيصاً لمواجهة هذا التحدي عبر مساعدة المريض على إدراك الانشطار في لحظة حدوثه داخل الجلسة.
يعمل المعالج في هذا الإطار على تحديد قطبي الانشطار وتسمية تمثيلات الذات والموضوع المنشطرة بوضوح عندما تتجلى في علاقة المريض بالمعالج، ومن ثم الربط التفسيري بين المشاعر المتناقضة التي تظهر في سياقات مختلفة. الهدف النهائي هو تشجيع الأنا على تحمل الألم والقلق المصاحبين لدمج الصورتين الإيجابية والسلبية، والوصول إلى إدراك ناضج ومستقر مفاده أن الشخص ذاته يمكن أن يكون محباً ومرضياً في أوقات، وناقصاً ومخيباً للآمال في أوقات أخرى، دون أن يفقد قيمته الإنسانية أو يستوجب التدمير.
من جهة أخرى، تقدم مدرسة العلاج السلوكي الجدلي (DBT)، الذي أسسته مارشا لينهان، مدخلاً معرفياً سلوكياً فعالاً للتعامل مع التفكير الانشطاري الثنائي (التفكير بالأبيض والأسود). يعتمد هذا العلاج على فلسفة الديالكتيك لتعليم المريض مهارات الملاحظة واليقظة الذهنية والقبول الجذري، وتدريبه على إيجاد «المسار الأوسط» الذي يجمع بين المتناقضات، متجاوزاً بذلك التصلب الوجداني نحو مرونة نفسية تسمح بالتكيف مع تعقيدات الحياة اليومية وعلاقاتها المتشابكة.
خاتمة
يظل الانشطار النفسي مفهوماً تأسيسياً لا غنى عنه لفهم التمزقات العميقة التي تصيب التجربة الإنسانية على المستويين الفردي والجمعي؛ فهو ليس مجرد خلل دفاعي عابر، بل هو استجابة وجودية معقدة في مواجهة تهديدات القلق والتناقض والعدوانية الكامنة في الطبيعة البشرية. ورغم دوره الأولي الحاسم في حماية الأنا الغضة في المراحل التطورية المبكرة، فإن استمراره كنمط مهيمن في الرشد يفرض ثمناً باهظاً من التفكك وتشويه الواقع واضطراب العلاقات. إن الانتقال من الانشطار إلى التكامل يمثل جوهر النضج الإنساني والشفاء النفسي، حيث يتعلم الفرد تقبل النقص في ذاته وفي العالم الخارجي، مستبدلاً المثالية الزائفة والعداء المطلق بقدرة حقيقية على التعاطف والتحمل والتعايش الخلاق مع التناقضات الحتمية للحياة.
المراجع
- Freud, S. (1938). Splitting of the ego in the process of defence. The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, 23, 271-278.
- Klein, M. (1946). Notes on some schizoid mechanisms. The International Journal of Psychoanalysis, 27, 99-110.
- Kernberg, O. F. (1975). Borderline Conditions and Pathological Narcissism. Jason Aronson.
- Kernberg, O. F. (1984). Severe Personality Disorders: Psychotherapeutic Strategies. Yale University Press.
- Fairbairn, W. R. D. (1952). Psychoanalytic Studies of the Personality. Routledge & Kegan Paul.
- Linehan, M. M. (1993). Cognitive-Behavioral Treatment of Borderline Personality Disorder. Guilford Press.
- Volkan, V. D. (1988). The Need to Have Enemies and Allies: From Clinical Practice to International Relationships. Jason Aronson.