يشكّل مفهوم الفعل (Action) حجر الزاوية في فهم الكينونة الإنسانية، إذ يمثّل النقطة المفصلية التي تلتقي عندها العمليات المعرفية الباطنية بالعالم المادي الخارجي. وعلى النقيض من الحركات البيولوجية الآلية أو المنعكسات الشرطية البسيطة، يتسم الفعل الإنساني بالقصدية والغاية والقدرة على التوجيه الذاتي، مما يجعله مدار بحث مكثف يتقاطع فيه علم النفس المعرفي، وعلم الأعصاب، وعلم النفس الاجتماعي، والتحليل النفسي. يقدم هذا الدليل الأكاديمي الشامل تحليلاً بنيوياً عميقاً لطبيعة الفعل، متتبعاً أصوله الفلسفية، وآلياته الإدراكية والعصبية، والنماذج النظرية التي فككت تعقيداته، وصولاً إلى دراسة اعتلالاته الإكلينيكية التي تبرز هشاشة الوعي الإنساني بالفاعلية والتحكم.
التأصيل المفاهيمي والابستمولوجي: التمييز بين الحركة والسلوك والفعل
في الفضاء الاصطلاحي لـ علم النفس، لا تمثل كل حركة جسدية فعلاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل يستلزم الأمر تحديداً معيارياً صارماً يفصل بين ثلاثة مستويات من النشاط العضوي: الحركة (Movement)، والسلوك (Behavior)، والفعل (Action). تُعرَّف الحركة بأنها الإزاحة الفيزيائية الميكانيكية للجسد أو لأحد أطرافه في الفضاء الثلاثي الأبعاد، وهي نتاج انقباضات عضلية تتحكم فيها دوائر عصبية شوكية أو تحت قشرية، مثل المنعكس الرضفي (Knee-jerk reflex)؛ وتخلو هذه الحركة من أي شحنة دلالية أو غائية شعورية ذاتية.
أما السلوك، فيمثل مفهوماً أوسع يشمل مجمل استجابات الكائن الحي للمؤثرات البيئية الداخلية والخارجية، وهو المفهوم الذي فضّلته المدرسة السلوكية الكلاسيكية لأنه يتيح رصداً وملاحظة خارجية مباشرة دون الحاجة لافتراض حالات عقلية وسيطة. ومع ذلك، فإن السلوك قد يشمل أنماطاً غير واعية، أو استجابات غريزية، أو عادات آلية قد تجرد الفرد من صفة الصانع الموجه لمصيره؛ ومن هنا يبرز مفهوم الفعل بوصفه تجلياً سامياً للنشاط الإنساني الواعي، حيث لا يُعرّف الفعل بخصائصه الميكانيكية الظاهرة، بل ببنيته القصدية وارتباطه بالأهداف والقيم.
يتميز الفعل الإنساني بوجود ما يُعرف في الفلسفة وعلم النفس المعرفي بـ القصدية (Intentionality)، وهي تلك الخاصية التي تجعل الحالات العقلية موجهة «نحو» شيء ما في العالم الخارجي؛ فالإنسان حين يقوم بفعل، فإنه يحمل مسبقاً تمثيلاً عقلياً للنتيجة المرغوبة. كما يتطلب الفعل بالضرورة وجود «الشعور بالفاعلية» (Sense of Agency)، وهو الإدراك الذاتي الواعي لدى الفرد بأنه هو البادئ في إحداث التغيير والمتحكم في مسار الأحداث ومخرجاتها، وليس مجرد كيان سلبي تنعكس عليه محفزات المحيط.
من الناحية المعرفية، يتضمن الفعل بنية تداولية دينامية تشمل مراحل التداول، والاختيار، والبدء، والمراقبة، والتقييم الختامي؛ وبالتالي، فإن كل فعل هو مركب يتضمن إدراكاً، ومعالجة معلوماتية، واستشرافاً للمستقبل، وتخطيطاً زمنياً معقداً، وهو ما يجعل دراسته مفتاحاً لفهم البنية العامة للشخصية والتنظيم الذاتي (Self-Regulation).
المسار التاريخي لدراسة الفعل في الفكر السيكولوجي
شهد مفهوم الفعل تحولات جذرية عبر تاريخ علم النفس، عكست التحولات النموذجية (Paradigm Shifts) في نظرة العلم إلى الطبيعة الإنسانية وعلاقة العقل بالجسد. في المرحلة السلوكية المبكرة مع جون واطسون وبي إف سكينر، تم تفكيك مفهوم الفعل واختزاله في معادلة بسيطة قوامها (مثير – استجابة) أو الارتباط الإجرائي بالتعزيز؛ حيث نُظر إلى فكرة «النية» أو «الإرادة الباطنية» بوصفها وهماً ميتافيزيقياً يعوق التأسيس الصارم لعلم النفس كعلم طبيعي يقيس الظواهر الخارجية فقط.
ومع بزوغ فجر الثورة المعرفية في منتصف القرن العشرين، عاد مفهوم الفعل إلى صدارة المشهد العلمي عبر استعادة الاهتمام بالعمليات الوسيطة التي تجري داخل ما كان يُعرف بـ «الصندوق الأسود». بدأ علماء النفس المعرفي في النظر إلى الفعل بوصفه مخرجات لبرامج حركية عقلية (Motor Programs) وخطط معرفية، وأضحى الفرد يُعامل كمعالج نشط للمعلومات يقوم بتمثيل الأهداف، وتوقع العواقب، وتصحيح المسارات عبر آليات التغذية الراجعة المغلقة والمفتوحة، مما رسخ التمييز بين رد الفعل اللاإرادي والفعل المخطط له مسبقاً.
وفي سياق متوازٍ، قدمت المدرسة النفسية السوفيتية إسهاماً بالغ الأثر من خلال «نظرية النشاط» (Activity Theory) التي وضع أسسها ليف فيغوتسكي وطورها أليكسي ليونتيف؛ حيث ميّز ليونتيف بين ثلاثة مستويات متراتبة للنشاط الإنساني: مستوى «النشاط» الموجه بالدافع الكلي، ومستوى «الفعل» الموجه بهدف محدد وواعٍ، ومستوى «العمليات» التي تتحكم فيها الظروف والأدوات المادية وتتحول مع الوقت إلى مهارات آلية. تميز هذا الطرح بتأكيده على أن الفعل ليس مجرد نتاج للعمليات البيولوجية الدماغية، بل هو ظاهرة وسيطة تتشكل تاريخياً وثقافياً واجتماعياً عبر الأدوات والرموز واللغة.
أما في العقود الأخيرة، فقد أحدثت دراسات بنجامين ليبت (Benjamin Libet) في ثمانينيات القرن العشرين هزة معرفية عنيفة بشأن مفهوم الفعل الإرادي؛ حيث أظهرت تسجيلات التخطيط الدماغي أن «جهد الاستعداد» (Readiness Potential) في القشرة الحركية يبدأ قبل أن يدرك الشخص رغبته الواعية في الفعل بمئات الأجزاء من الثانية. أطلقت هذه النتائج شرارة نقاشات محتدمة لا تزال قائمة حول حرية الإرادة وطبيعة التحكم الشعوري، ووجهت أبحاث الفعل نحو دراسة التفاعل المعقد بين الشبكات العصبية اللاشعورية والإدراك الواعي المتأخر للفاعلية.
الآليات المعرفية والأسس العصبية الحيوية للتحكم في الفعل
يتطلب إصدار الفعل وتنسيقه توافقاً فائق الدقة بين شبكات متعددة في الجهاز العصبي المركزي، حيث يعمل الدماغ كمنظومة تنبؤية فائقة التعقيد. تبدأ دورة الفعل من القشرة أمام الجبهية (Prefrontal Cortex)، وتحديداً المنطقة الظهرانية الجانبية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية؛ حيث يتم هنا توليد النية، واستدعاء الأهداف من الذاكرة طويلة المدى، والمفاضلة بين البدائل السلوكية المختلفة استناداً إلى حسابات التكلفة والمكافأة المتوقعة.
عقب تحديد الهدف، تتولى القشرة الحركية التكميلية (Supplementary Motor Area) والباحة الحركية أمامية (Premotor Cortex) ترجمة الأهداف المعرفية المجردة إلى برامج حركية محددة ترسم التسلسل الزمني والفضائي للحركات المطلوبة. تتدخل في هذه المرحلة العقد القاعدية (Basal Ganglia) عبر مساراتها المباشرة وغير المباشرة لتسهيل انطلاق الأنماط الحركية الملائمة وتثبيط أي استجابات منافسة أو غير ملائمة، وهو المسار الذي يعتمد بشكل مكثف على الناقل العصبي الدوبامين لتزويد الفعل بالطاقة التحفيزية اللازمة.
ولتفسير الكيفية التي يشعر بها الإنسان بملكيته لأفعاله وتصحيحها لحظياً، طور علماء النفس العصبي ما يُعرف بـ «نموذج المقارن» (Comparator Model). ينص هذا النموذج على أنه عند إرسال أمر حركي من القشرة الحركية الأولية إلى العضلات التنفيذية، يرسل الدماغ في الوقت نفسه نسخة مكررة تسمى «نسخة التفريغ» (Efference Copy) إلى مراكز التنبؤ في المخيخ والقشرة الجدارية؛ يقوم الدماغ بمقارنة التغذية الراجعة الحسية الفعلية القادمة من الحواس مع النتيجة المتوقعة عبر نموذج التنبؤ الداخلي، وفي حال التطابق التام، يتشكل الشعور بالفاعلية وتنخفض الإثارة الحسية الناتجة عن الفعل الذاتي (وهو ما يفسر عدم قدرة الإنسان على دغدغة نفسه).
علاوة على ذلك، أضاف اكتشاف الخلايا العصبية المرآتية في القشرة أمام الحركية والباحة الجدارية السفلية بعداً ثورياً لفهم الفعل البشري؛ فهذه الخلايا تنشط ليس فقط عندما ينفذ الفرد فعلاً موجهاً نحو هدف معين، بل أيضاً عندما يراقب فرداً آخر يقوم بالفعل ذاته. تدل هذه الآلية على أن فهم أفعال الآخرين وتوقع مقاصدهم ليس عملية تأملية منطقية بحتة، بل هو محاكاة حسية-حركية مجسدة في الدماغ، مما يجعل الفعل جسراً فسيولوجياً للتفاعل والتعاطف الاجتماعي.
النماذج السيكولوجية الرائدة في تنظيم وتفسير الفعل
سعت العديد من المدارس النفسية المعاصرة إلى صياغة أطر نظرية متماسكة تشرح كيفية انتقال الفرد من الحالة الذهنية المجردة (الرغبة أو النية) إلى الإنجاز الفعلي للسلوك، ومن أبرز هذه النماذج:
1. نموذج روبيكون لمراحل الفعل (The Rubicon Model of Action Phases)
صاغ هذا النموذج عالما النفس هاينز هاكهاوزن وبيتر غولفيتزر (Heinz Heckhausen & Peter Gollwitzer)، ويصف الرحلة الزمنية للفعل عبر مجاز عبور «نهر روبيكون» الذي يفصل بين حالة التفكير وحالة الالتزام الحاسم. يقسم النموذج عملية الفعل إلى أربع مراحل متتابعة:
- مرحلة ما قبل القرار (Pre-decisional Phase): مرحلة دافعية يقيّم فيها الفرد رغباته المتعددة ويزن جدواها وقيمتها؛ ويسودها نمط تفكير تداولي منفتح (Deliberative Mindset).
- مرحلة ما بعد القرار أو ما قبل الفعل (Pre-actional Phase): بمجرد اختيار رغبة معينة وعبور الروبيكون، يتحول نمط التفكير إلى النمط التنفيذي (Implemental Mindset)؛ حيث يضع الفرد «نوايا التنفيذ» (Implementation Intentions) التي تأخذ صيغة شرطية صارمة: (إذا حدث الموقف X، سأقوم بالفعل Y).
- مرحلة الفعل (Actional Phase): مرحلة إرادية تتضمن الاستثمار الفعلي للجهد، وتوجيه الانتباه، وتثبيط المشتتات للحفاظ على مسار السلوك حتى بلوغ الهدف.
- مرحلة ما بعد الفعل (Post-actional Phase): مرحلة دافعية تقويمية، يقارن فيها الفرد بين ما تحقق بالفعل وبين ما كان مخططاً له، لاستخلاص الدروس وتحديث منظومة الأهداف المستقبلية.
2. نظرية تنظيم الفعل (Action-Regulation Theory)
تعتبر هذه النظرية التي طورها فينفريد هاكر وميكائيل فريزه (Winfried Hacker & Michael Frese) في سياق علم نفس العمل والتنظيم، من أكثر المقاربات شمولاً في تفكيك بنية المهام الإنسانية. تنطلق النظرية من أن الفعل ينظم عبر ثلاث مستويات هرمية تكاملية:
- المستوى الحسي-الحركي (Sensorimotor Level): يضم الحركات التلقائية واللاواعية التي تتم دون إجهاد معرفي معتمد على التغذية الراجعة البيئية الفورية.
- مستوى البرمجة الإجرائية والمعرفية (Level of Flexible Action Patterns): يتضمن خططاً سلوكية ونماذج ذهنية محفوظة يمكن تعديلها بمرونة وفقاً لتغير متطلبات الموقف.
- المستوى الفكري/العقلي الواعي (Intellectual Level): أعلى المستويات، ويتدخل في المواقف الجديدة أو المعقدة التي تتطلب تحليلاً استراتيجياً، وحل مشكلات، وتوليد خطط عمل مبتكرة لم يسبق تعلمها.
3. نظرية السلوك المخطط (Theory of Planned Behavior)
طرح إيزيك أجزين (Icek Ajzen) نموذجاً معرفياً-اجتماعياً يركز على التنبؤ بالفعل الإنساني ضمن السياقات الحياتية. يؤكد أجزين أن المحدد المباشر للفعل هو «النية السلوكية» (Behavioral Intention)، والتي تتشكل بدورها من تضافر ثلاثة عوامل رئيسية: الموقف الفردي تجاه الفعل (مدى إيجابيته أو سلبيته)، والمعايير الذاتية (الضغوط الاجتماعية والتوقعات المحيطة)، والإدراك الذاتي للقدرة على التحكم في السلوك (Perceived Behavioral Control)؛ ويساعد هذا النموذج في فهم التناقض الشهير بين ما ينوي الإنسان فعله وما يفعله حقاً (Intention-Behavior Gap).
الفعل في المنظور الدينامي والتحليلي: صراع الرغبة والكف
يمتلك مفهوم الفعل في مدرسة التحليل النفسي أبعاداً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصراع اللاشعوري، والطاقة النفسية (ليبيدو)، والآليات الدفاعية للأنا. في أطروحات سيغموند فرويد، لا يُعد الفعل مجرد آلية لتحقيق الأهداف الواقعية، بل هو أيضاً قناة أساسية لتفريغ الشحنات والتوترات الغريزية الناتجة عن الصراع الدائم بين الهو (Id) والأنا الأعلى (Superego) في ظل متطلبات الواقع.
أحد المفاهيم الإكلينيكية المحورية في هذا السياق هو مفهوم «التمثيل السلوكي الخارجي للنزوات» أو ما يُعرف بـ (Acting Out). يشير هذا المصطلح إلى لجوء الفرد إلى تصريف الصراعات والدوافع اللاشعورية غير المحتملة عبر أفعال اندفاعية دراماتيكية بدلاً من استدعائها إلى حيز الوعي والتعبير عنها رمزياً أو لفظياً. في حالة التعبير الفعلي الخارجي، يعمل الفعل كآلية دفاعية تهدف إلى تفادي القلق وتجنب الألم النفسي المرتبط بالاستبصار (Insight)، حيث يحل الإنجاز الحركي محل التذكر والمعالجة العاطفية.
في مقابل التمثيل السلوكي، تبرز ظاهرة «الكف الفعلي» (Action Inhibition) أو تعطل القدرة على الفعل، والتي فسرها التحليل النفسي بكونها نتاجاً لطغيان الأنا الأعلى العقابي. عندما يرتبط الفعل -في البنية اللاشعورية للمريض- بذنب محرم أو رغبة عدوانية موجهة نحو موضوعات الحب الأولية، يعمد الأنا إلى تجميد الفعل بالكامل وإصابته بالشلل؛ ويتجلى ذلك في التردد المرضي الشديد، أو التسويف القهري، أو التراجع النكوصي إلى عالم الفانتازيا والأحلام كبديل آمن عن المخاطرة بالفعل في العالم الحقيقي.
أما في إطار العصاب الوسواسي، فيكتسب الفعل طابعاً شعائرياً قهرياً (Compulsive Acts). هنا، يُجبر المريض على تكرار أفعال حركية نمطية بدقة متناهية (مثل غسل اليدين المتكرر أو التأكد من إغلاق الأبواب)؛ وتستمد هذه الأفعال قوتها الجبرية من كونها «أفعالاً إبطالية سحرية» (Undoing) تهدف بصورة لاواعية إلى معادلة فكرة وسواسية محظورة أو درء كارثة متخيلة، مما يحول الفعل من وسيلة للسيطرة على البيئة إلى قيد يستعبد الأنا ويهدر طاقته التكيفية.
البعد الاجتماعي والعلائقي للفعل الإنساني
لا يتحقق الفعل الإنساني داخل فراغ معزول، بل يتأطر دائماً ضمن نسيج من العلاقات والرموز الاجتماعية المشتركة. لقد أكد عالم الاجتماع ماكس فيبر منذ وقت مبكر أن دراسة الفعل تتطلب فهم «المعنى الذاتي» الذي يخلعه الفاعل على تصرفه بالنظر إلى سلوك الآخرين؛ وهو ما مهد لظهور نظريات التفاعل الرمزي وعلم النفس الاجتماعي المعاصر، التي ترى أن الفعل هو حوار دائم وتفاوض مستمر بين الذات والمجموع.
في علم النفس الاجتماعي المعرفي الحديث، تتجه الأبحاث نحو دراسة ما يُعرف بـ «الفعل المشترك» (Joint Action)، وهو التنسيق الدينامي الحركي والمعرفي بين شخصين أو أكثر لتحقيق تحول بيئي مشترك لا يمكن لطرف واحد إنجازه بمفرده (مثل عزف ثنائي موسيقي، أو حمل قطعة أثاث ثقيلة). يتطلب الفعل المشترك بناء ما يسمى «النوايا المشتركة» (Shared Intentions)، حيث يقوم كل طرف بتمثيل خطة فعله وخطة فعل شريكه في جهازه العصبي في آن واحد، ومراقبة أداء الآخر وتوقع حركاته تصحيحياً عبر أجزاء الثانية.
كما تؤثر البيئة الثقافية تأثيراً جذرياً في توجيه الفعل ومعايير تقييمه؛ فالثقافات الفردانية تميل إلى تعزيز الأفعال المستقلة التي تؤكد الذات والمبادأة الفردية والشعور العالي بالمسؤولية الشخصية عن مخرجات الفعل. وفي المقابل، تميل الثقافات الجمعية إلى تفضيل الأفعال المتوافقة مع الإجماع الجماعي والتي تحافظ على الانسجام الاجتماعي، مما يبرهن على أن البنية النفسية لتنظيم الفعل ليست قالباً بيولوجياً جامداً، بل هي صياغة مرنة تتشكل في مرآة السياق الحضاري والاجتماعي المحيط.
الباثولوجيا النفسية والعصبية لاضطرابات الفعل والفاعلية
تؤدي الاضطرابات النفسية والخلل في الشبكات العصبية الدماغية إلى تفكك منظومة الفعل وتشوهها، وتوفر هذه الحالات الإكلينيكية أدلة علمية حاسمة تسلط الضوء على العمليات التي تجري في الظروف السوية؛ ومن أبرز هذه الاعتلالات:
1. اضطرابات الفاعلية والإرادة (Disorders of Agency and Volition)
تعتبر متلازمة «وهم التحكم» (Delusions of Control) التي تصيب مرضى الفصام نموذجاً صارخاً لخلل الشعور بالفاعلية؛ حيث ينفذ المريض أفعالاً حركية معقدة بكفاءة تامة، ولكنه ينكر بشدة أنه هو من بادر بها أو يتحكم فيها، مدعياً أن قوى خارجية (كائنات فضائية، أجهزة استخباراتية، أو طاقات كهرومغناطيسية) هي التي تحرك أطرافه رغماً عنه. يرجع التفسير العصبي المعرفي لهذه الظاهرة إلى فشل «نموذج المقارن» في الدماغ؛ حيث تعجز نسخة التفريغ عن التنبؤ بالآثار الحسية للحركة، مما يجعل الدماغ يفسر حركاته الذاتية وكأنها حدث حسي غريب وفد إليه من العالم الخارجي.
وفي قطب مرضي آخر، تتجلى اضطرابات الإرادة في صورة «اللاإرادية» أو غياب الدافعية للفعل (Avolition / Abulia)، والتي تعد من الأعراض السالبة الجوهرية لمرض الفصام وحالات الاكتئاب الجسيم وتلف الفص الجبهي. يعاني المريض هنا من عجز بنيوي في استحضار الطاقة النفسية الكافية للبدء في أبسط الأفعال الموجهة نحو هدف (كالاستحمام أو إعداد الطعام)، حيث تظل الأهداف في حيز الإدراك النظري السلبي دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الحركي نظراً لانهيار منظومة الترقب والمكافأة الدوبامينية.
2. متلازمة اليد الغريبة ولاأدائية الفعل (Alien Hand Syndrome and Apraxia)
تنتج متلازمة «اليد الغريبة» عن تلف في الجسم الثفني (Corpus Callosum) أو باحات القشرة الجدارية والجبهية الإنسية؛ حيث تبدو إحدى يدي المريض وكأنها تملك إرادة مستقلة ومتمردة، فتشرع في تنفيذ أفعال موجهة ذات معنى دون وعي منه أو موافقة (كالتقاط الأشياء، أو فك أزرار القميص التي تغلقها اليد الأخرى، أو حتى محاولة خنق المريض لنفسه). في هذه الحالة، تحتفظ اليد بالقدرة على تخليق «الفعل»، لكن الرابط بين البرنامج الحركي والوعي الذاتي بالتحكم ينقطع كلياً.
أما تعذر الأداء أو «الأبراكسيا» (Apraxia)، فهو عجز عصبي إدراكي يفقد فيه الفرد القدرة على تنفيذ الحركات الهادفة المكتسبة مسبقاً وتنسيقها رغم سلامة القوة العضلية والإحساس الأولي؛ ففي «الأبراكسيا الفكرية» (Ideational Apraxia)، يفقد المريض المخطط المفاهيمي العام لتسلسل الفعل (مثل وضع القهوة في فنجان جاف قبل غلي الماء وسكبه)، بينما في «الأبراكسيا الحركية الفكرية» (Ideomotor Apraxia)، يعرف المريض تسلسل الفعل المطلوب نظرياً لكنه يفشل في ترجمته إلى أوامر حركية ملائمة عند محاولة تقليده أو تنفيذه إرادياً.
3. الاندفاعية وضعف التثبيط السلوكي (Impulsivity and Disinhibition)
يتميز طيف واسع من الاضطرابات -مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، واضطراب الشخصية الحدية، وإدمان المواد، واعتلالات الفص الجبهي السلوكية- بوجود خلل جسيم في آليات «تثبيط الفعل» (Action Inhibition). يتطلب الفعل التكيفي الناضج ليس فقط القدرة على التقدم والحركة، بل والقدرة المتساوية على الكبح والامتناع والتأجيل (Veto Power). وعندما تضعف كفاءة الدوائر القشرية-المخططية الجبهية، يقفز الفرد مباشرة إلى الفعل استجابةً لأول مثير حسي أو رغبة عاجلة دون تفكير في العواقب المستقبلية، مما يفرغ الفعل من بعده القاصد والتداولي ليحوله إلى استجابة انفعالية تفاعلية بدائية.
خاتمة
يتضح من هذا المسح المعرفي المعمق أن الفعل يمثل الكيان الجوهري الذي تتجسد عبره الهوية الإنسانية ويتحقق به الوعي في العالم؛ فهو ليس مجرد تفريغ فيزيولوجي لطاقة حركية، بل هو بنية غائية هرمية تدمج النوايا، والتوقعات، والتمثيلات العصبية، والضوابط الاجتماعية والأخلاقية. إن الفهم الرصين للفعل يتطلب تجاوز الثنائيات التقليدية الحادة بين العقل والجسد، والذاتي والموضوعي، والبيولوجي والاجتماعي، والنظر إليه كمنظومة تنبؤية تكيفية مستمرة الصياغة. ومع التقدم المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي، وواجهات الدماغ والحاسوب، وعلوم الإدراك المجسد، تزداد الحاجة إلى تعميق البحث السيكولوجي حول الفعل؛ إذ إن الحفاظ على الشعور البشري بالفاعلية والمسؤولية الأخلاقية عن الفعل يظل الشرط الأساسي لصيانة معنى الوجود الإنساني وكرامته.
المراجع
- Ajzen, I. (1991). The theory of planned behavior. Organizational Behavior and Human Decision Processes, 50(2), 179–211. https://doi.org/10.1016/0749-5978(91)90020-T
- Davidson, D. (2001). Essays on Actions and Events (2nd ed.). Oxford University Press.
- Frese, M., & Zapf, D. (1994). Action as the core of work psychology: A German approach. In H. C. Triandis, M. D. Dunnette, & L. M. Hough (Eds.), Handbook of Industrial and Organizational Psychology (Vol. 4, pp. 271–340). Consulting Psychologists Press.
- Frith, C. D., Blakemore, S. J., & Wolpert, D. M. (2000). Abnormalities in the awareness and control of action. Philosophical Transactions of the Royal Society of London. Series B: Biological Sciences, 355(1404), 1771–1788. https://doi.org/10.1098/rstb.2000.0734
- Gollwitzer, P. M. (1999). Implementation intentions: Strong effects of simple plans. American Psychologist, 54(7), 493–503. https://doi.org/10.1037/0003-066X.54.7.493
- Hacker, W. (2003). Action regulation theory: A heuristic for the design of work. German Journal of Human Resource Management, 17(2), 241–259. https://doi.org/10.1177/239700220301700207
- Heckhausen, H., & Gollwitzer, P. M. (1987). Thought contents and cognitive functioning in motivational versus volitional states of mind. Motivation and Emotion, 11(2), 101–120. https://doi.org/10.1007/BF00992338
- Leontiev, A. N. (1978). Activity, Consciousness, and Personality. Prentice-Hall.
- Libet, B. (1985). Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in voluntary action. Behavioral and Brain Sciences, 8(4), 529–539. https://doi.org/10.1017/S0140525X00044903
- Rizzolatti, G., & Craighero, L. (2004). The mirror-neuron system. Annual Review of Neuroscience, 27(1), 169–192. https://doi.org/10.1146/annurev.neuro.27.070203.144230
- Searle, J. R. (1983). Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind. Cambridge University Press.
- Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.