الانفعالات والدافعيةعلم النفس الإكلينيكيعلم النفس المعرفي

سيكولوجيا الملل: التأطير المفاهيمي، النماذج النظرية، والآليات العصبية الحيوية

دراسة أكاديمية شاملة في سيكولوجيا الملل تتناول التأطير المفاهيمي، والنماذج النظرية المعرفية، والأسس العصبية البيولوجية، وأدوات القياس النفسي وتأثيراته السلوكية والإبداعية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 30 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 30 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل الملل إحدى أكثر التجارب الوجدانية والمعرفية تعقيداً وشيوعاً في التجربة الإنسانية، حيث يتجاوز كونه مجرد رتابة عابرة ليصبح حالة نفسية مركبة ترتبط بالانتباه والدافعية والمعنى الوجودي. في إطار علم النفس المعاصر، يُعرّف الملل بأنه تجربة غير سارة ناجمة عن الرغبة غير المحققة في الانخراط في نشاط مُرضٍ وذي مغزى، مقترنة بعدم القدرة على تركيز الانتباه أو استنفار الموارد الإدراكية بكفاءة. لا يقتصر تأثير هذه الحالة على تدني الدافعية فحسب، بل يمتد إلى إحداث تغيرات فسيولوجية وعصبية عميقة تسلط الضوء على الوظيفة التكيفية والتطورية للأنظمة الانفعالية داخل الجهاز النفسي البشري.

مدخل تعريفي وتأطير مفاهيمي لظاهرة الملل

يُعرف الملل في الأدبيات السيكولوجية الحديثة بأنه حالة وجدانية منفّرة ذات إثارة منخفضة أو متباينة، تتميز بمشاعر عدم الرضا، وفقدان الشغف، وإدراك بطيء لمرور الوقت. وضع الباحث جون إيستوود وزملاؤه (Eastwood et al., 2012) تعريفاً توافقياً مؤثراً ينص على أن الملل هو تجربة مكرهة تتمثل في الرغبة في الانخراط بنشاط مرضي مع العجز التام عن توجيه الانتباه الداخلي أو الخارجي اللازم لتحقيق هذا الانخراط، مع إرجاع السبب غالباً إلى البيئة المحيطة. يعكس هذا الطرح أن الملل ليس غياباً للمحفزات الخارجية فحسب، بل هو بالأساس خلل وظيفي في التفاعل بين رغبات الفرد وقدرته التنظيمية على توجيه انتباهه.

يميز الباحثون بدقة بين ملل الحالة (State Boredom) وملل السمة (Trait Boredom). يشير ملل الحالة إلى تجربة عابرة ومؤقتة استجابةً لبيئة تفتقر إلى التحفيز أو موقف يتسم بالتكرار، بينما يمثل ملل السمة – أو ما يُعرف بـ “الميل المزمن للملل” (Boredom Proneness) – خاصية شخصية مستقرة نسبياً تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة وتكراراً للشعور بالضجر في سياقات متعددة. يرتبط هذا الميل الفردي بخصائص أخرى مثل ضعف الضبط التنفيذي، وانخفاض الوعي الذاتي، وارتفاع مستويات البحث عن الإثارة أو التجنب العصابي.

علاوة على ذلك، يجب التمييز بين الملل وظواهر وجدانية أخرى مجاورة مثل اللامبالاة (Apathy)، والإنهاك (Burnout)، والاكتئاب. في حين تتسم اللامبالاة بغياب كامل للدافعية والاهتمام الممزوجين بتسطح المشاعر، يتضمن الملل حالة من الرغبة المحبطة في الفعل دون امتلاك مسار مناسب لتفريغ تلك الطاقة النفسية؛ فالشخص الملول يريد أن يفعل شيئاً لكنه لا يعرف ماذا يفعل أو لا يجد ما يثير اهتمامه، مما يولد توتراً وضيقاً لا يظهر عادة في حالات التبلد الوجداني الصرف.

الجذور التاريخية والفلسفية: من السأم الروحي إلى الوجودية

تمتد جذور دراسة الملل إلى عصور قديمة قبل تحوله إلى موضوع محوري في المختبرات النفسية؛ ففي الحقبة المسيحية المبكرة في العصور الوسطى، وصف الرهبان حالة أطلقوا عليها اسم “الأسيديا” (Acedia) أو شيطان الظهيرة، وهي حالة من السأم الروحي والوهن النفسي كانت تصيب النساك وتدفعهم إلى النفور من الصلاة والانعزال. لم تكن هذه الحالة تُفهم باعتبارها مشكلة نفسية أو فسيولوجية، بل بوصفها خطيئة روحية وانهياراً في الإرادة الأخلاقية تجاه الواجبات الدينية المقدسة.

مع بزوغ عصر النهضة والثورة الصناعية، أخذ المفهوم بُعداً فلسفياً ووجودياً عميقاً. في القرن التاسع عشر، تناول الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور السأم باعتباره جذر كل شر ومحركاً أساسياً لديناميكية الوجود البشري، معتبراً أن محاولات الهروب من الملل تدفع الإنسان إما إلى السلوك الجمالي العابث أو إلى قفزات الإيمان الوجودية. من جانبه، خصص مارتن هايدغر جزءاً كبيراً من محاضراته لتفكيك “الملل العميق” (Tiefen Langeweile)، واصفاً إياه بأنه الحالة المزاجية الأساسية التي تجرد الكينونة من أوهامها اليومية وتضع الإنسان وجهاً لوجه أمام حقيقة العدم والزمن.

أما في المنظور الفلسفي النفسي لأرثر شوبنهاور، فإن الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل؛ فبمجرد أن يُشبع الإنسان حاجاته الأساسية ويتخلص من المعاناة، يسقط في فخ الفراغ والسأم الوجودي. هذا التاريخ الفلسفي الطويل وفّر لعلم النفس المعاصر تركة مفاهيمية أظهرت أن الملل ليس مجرد رد فعل سطحي على حصة دراسية رتيبة أو انتظار في طابور، بل هو نافذة تطل على آليات صناعة المعنى والجدوى في حياة الكائن البشري.

النماذج والنظريات النفسية المعاصرة في تفسير الملل

طوّر علماء النفس عدداً من النماذج المعرفية والوجدانية لتفسير نشأة تجربة الملل وآلياتها. من أبرز هذه النماذج نظرية الاستثارة (Arousal Theory) المرتبطة بأعمال دانيال بيرلاين (Berlyne, 1960). تفترض هذه النظرية أن الدماغ البشري يسعى دائماً إلى الحفاظ على مستوى أمثل من الاستثارة الفسيولوجية والمعرفية (Optimal Level of Arousal). عندما تكون البيئة فقيرة بالمدخلات، ينخفض مستوى الاستثارة دون الحد الأمثل، مما يولد الملل ويدفع الكائن للبحث عن مصادر تحفيز؛ وبشكل مفارِق، يمكن للبيئات شديدة التعقيد والتشتيت أن تحدث مللاً ناتجاً عن “فرط الاستثارة”، حيث يعجز الفرد عن معالجة المعلومات المتدفقة، فينسحب نفسياً كآلية دفاعية.

في المقابل، يركز النموذج المعرفي القائم على الانتباه (Attentional Model) الذي اقترحه إيستوود وغيره، على الصعوبات التنفيذية المتعلقة بالانتباه المستدام. ووفقاً لهذا المنظور، يحدث الملل نتيجة انكسار في حلقة الانتباه: لا يستطيع الفرد الحفاظ على تركيزه على المهمة الحالية، ويعي في الوقت ذاته هذا التشتت، لكنه ينسب صعوبة التركيز إلى رداءة المهمة بدلاً من إرجاعها إلى قصور داخلي مؤقت. هذا الإدراك الواعي بخلل الانتباه المقترن بعجز التوجيه الإرادي هو المحرك الأساسي للألم الوجداني المرتبط بالملل.

من زاوية أخرى، تقترح نظرية التحكم والقيمة (Control-Value Theory) التي طورها رينهارد بيكرون (Pekrun, 2006) في سياق علم النفس التربوي، أن مشاعر الإنجاز مثل الملل تنشأ من تفاعل تقييمين معرفيين: التحكم المدرك في المهمة، والقيمة الذاتية الممنوحة لها. يشعر الفرد بأعلى درجات الملل عندما تنخفض القيمة المدركة للمهمة (أي لا يرى الفرد أي أهمية أو مغزى في العمل)، مقترنة إما بتحكم منخفض للغاية (المهمة بالغة الصعوبة وتفوق المهارة) أو بتحكم مرتفع للغاية (المهمة سهلة ورتيبة جداً ولا تشكل أي تحدٍ ذهني).

أما نموذج تنظيم المعنى (Meaning-Regulation Model) لكل من فان تيلبورغ وإيغو (Van Tilburg & Igou, 2012)، فيجادل بأن الوظيفة الجوهرية للملل هي العمل كإشارة تحذيرية تكيفية تدل على أن النشاط الحالي يفتقر إلى الهدف والمغزى الوجودي. وبناءً على ذلك، يدفع الملل الإنسان إلى تقييم انخراطه والبحث بنشاط عن غايات وبدائل تمنح حياته شعوراً بالقيمة والأهمية الشخصية، مما يجعله محفزاً حاسماً لإعادة بناء المعنى النفسي.

التصنيفات والأنماط الفرعية لتجربة الملل

لم يعد الملل في التصنيفات الإكلينيكية والسيكولوجية يُعامل ككتلة وجدانية صماء متجانسة، بل كظاهرة متعددة الأوجه تختلف في درجات استثارتها وتلوينها الانفعالي. قدم توماس غوتز وفريقه (Goetz et al., 2014) تصنيفاً تجريبياً رائداً حدد خمسة أنماط متباينة من الملل بناءً على تقاطع مستويات التكافؤ الوجداني (الإيجابية مقابل السلبية) ومستويات الإثارة الفسيولوجية:

  • الملل اللامبالي (Indifferent Boredom): يتسم بحالة من الاسترخاء، وانخفاض الإثارة، والانسحاب الهادئ، مع غياب شبه تام للانزعاج الشديد؛ يشبه الاستسلام المريح للفراغ وغالباً ما يشبه تجربة الاستجمام الباهت.
  • الملل المعاير (Calibrating Boredom): ينطوي على استثارة منخفضة لكنها مصحوبة بحالة من الشرود الذهني والبحث غير الموجه عن أفكار جديدة، حيث يكون الفرد منفتحاً على تغيير الموقف دون سعي حثيث لذلك.
  • الملل الباحث (Searching Boredom): يترافق مع استثارة متوسطة إلى مرتفعة وشعور ملحوظ بالضيق، مما يدفع الفرد للبحث الفاعل والنشط عن بدائل سلوكية، وتغيير الأنشطة، والهروب من الموقف الرتيب.
  • الملل الرافض أو المتفاعل (Reactant Boredom): يمثل شكلاً حاداً يتسم باستثارة مرتفعة ومشاعر سلبية قوية مثل الغضب والعدوانية والفرار الذهني، ويظهر بوضوح لدى الأفراد المقيدين بمواقف قسرية لا يستطيعون مغادرتها جسدياً كالصفوف المدرسية أو بيئات العمل الصارمة.
  • الملل التبلدي أو العاجز (Apathetic Boredom): تم اكتشافه كنمط خامس بارز يتسم بمشاعر سلبية عميقة مصحوبة بعجز وفتور تام، وهو النمط الأكثر ارتباطاً بإكلينيكيات الاكتئاب والعجز المتعلم حيث يعجز الفرد عن إيجاد مخرج لنفسه.

يوضح هذا التقسيم أن استجابة الأفراد للملل تخضع لتباينات فردية وموقفية واسعة؛ فالشخص الذي يواجه الملل الباحث قد يستفيد منه لتحفيز مبادرات جديدة، في حين أن الوقوع المتكرر في الملل التبلدي قد يؤشر على هشاشة نفسية كامنة تستدعي الفحص والدعم السريري.

الأساس العصبي البيولوجي والوظائف الدماغية المرتبطة بالملل

حققت أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والدراسات الفيزيولوجية العصبية قفزات ملحوظة في تحديد الشبكات الدماغية والناقلات العصبية المتورطة في تجربة الملل. تشير الدلائل إلى أن الملل يرتبط بنمط فريد من التفاعل بين شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network – DMN)، المسؤولة عن التفكير المرجعي الذاتي والشرود الذهني وأحلام اليقظة، وشبكة الانتباه التنفيذي (Executive Control Network) المنوطة بتوجيه التركيز المهامي.

عندما يشعر الفرد بالملل، يُلاحظ فرط نشاط في شبكة الوضع الافتراضي مترافقاً مع محاولات متقطعة وغير فعالة من الشبكة التنفيذية لقمع هذا النشاط واستعادة السيطرة على الانتباه. يؤدي هذا الصراع العصبي الداخلي بين الشرود الذهني والرغبة في استئناف التركيز إلى حالة الإجهاد المعرفي والشعور بعدم الراحة؛ فالجهاز العصبي يستنزف طاقة أيضية في مقاومة تشتت الانتباه دون أن يجني ثمار الانغماس في تدفق العمل المعرفي السلس.

على الصعيد الكيميائي العصبي، يلعب مسار المكافأة المعتمد على الدوبامين (Dopaminergic System) في الدماغ دوراً محورياً في هذه التجربة. يرتبط انخفاض إفراز الدوبامين في المناطق تحت القشرية، ولا سيما النواة المتكئة (Nucleus Accumbens)، بانخفاض الحافز والشعور بالرتابة، مما يجعل الدماغ في حالة تعطش حاد لأي محفز يعيد تنشيط دائرة المكافأة. وتبرز هنا دراسات تظهر أن الأفراد الذين يمتلكون حساسية منخفضة لمستقبلات الدوبامين يكونون أكثر عرضة لملل السمة المزمن، ويسعون بشكل قهري وراء مثيرات عالية الكثافة لسد هذا العجز الدوباميني.

بالإضافة إلى ذلك، يلعب القشر الجزيري الأمامي (Anterior Insular Cortex) والقشر الحزامي الأمامي (Anterior Cingulate Cortex) دوراً محورياً في معالجة الجوانب الوجدانية المزعجة المرافقة للملل؛ حيث تعكس هذه المناطق مراقبة التناقضات بين الحالة المتوقعة والمدركة لمستويات التحفيز، مما يولد الشعور بـ “الضيق الفسيولوجي” الذي يجعل الملل تجربة مجهدة للأعصاب وليس مجرد استرخاء خامد.

التداعيات النفسية والسلوكية: بين العجز الوظيفي والدافع الإبداعي

يمتد تأثير الملل عميقاً في نسيج السلوك الإنساني، مسبباً تداعيات متناقضة تتراوح بين السلوكيات التدميرية من جهة، والإنتاج الإبداعي من جهة أخرى. في الجانب السلبي، يمثل الميل المزمن للملل عاملاً تنبؤياً خطيراً بالعديد من الاضطرابات النفسية والسلوكية؛ فقد أظهرت الدراسات الوبائية والإكلينيكية ارتباطاً وثيقاً بين ارتفاع درجات ملل السمة وكل من إدمان المخدرات، والقمار القهري، والاضطرابات السلوكية الاندفاعية، والقيادة المتهورة. يلجأ الأفراد في هذه الحالات إلى الانخراط في سلوكيات خطرة كوسيلة سريعة وفعالة لكسر الرتابة وإشباع الاستثارة المفقودة عبر إفراز الأدرينالين والدوبامين.

كما يرتبط الملل داخل السياقات الأكاديمية والمهنية بانخفاض ملحوظ في الأداء، وارتفاع معدلات التغيب والتسرب، وتنامي ظاهرة “الاحتراق النفسي” الناتجة عن قلة التحدي المعرفي (Boreout)، وهي متلازمة مهنية تتميز بالإرهاق والانفصال عن العمل الناجم عن نقص المهام ذات المعنى والتحفيز الذهني. يترافق ذلك أيضاً مع اضطرابات الأكل، حيث يُعد “الأكل بدافع الملل” (Boredom Eating) استراتيجية شائعة للهروب من الوعي بالذات وتخفيف التوتر الوجداني عبر الإشباع الحسي السريع.

في المقابل، كشفت أبحاث علم النفس الإيجابي والمعرفي عن الوجه التكيفي المشرق للملل؛ إذ يعد محركاً أساسياً لـ التفكير الإبداعي وابتكار الحلول. ففي دراسات كلاسيكية أجرتها الباحثة ساندي مان (Mann & Cadman, 2014)، تبيّن أن المشاركين الذين كُلفوا بمهام مملة للغاية (مثل نسخ أرقام من دليل هواتف) تفوقوا بشكل ملحوظ على أقرانهم في اختبارات التفكير التباعدي (Divergent Thinking) لاحقاً. يسمح الملل للعقل بالانفصال عن المحفزات المقيدة، مما يحفز الشرود الإيجابي ويُمكّن الروابط الذهنية البعيدة وغير المألوفة من التشكل.

علاوة على ذلك، يعمل الملل كبوصلة تطورية تحمي الإنسان من الاستمرار في مسارات غير مجدية. وفقاً لنظرية الإشارة العاطفية، يُشعرنا الملل بعدم الرضا ليحثنا على استكشاف بيئات ومصادر جديدة، ولولا هذه الحماية الوجدانية لبقي الكائن البشري متمسكاً بمهام آمنة ومريحة لكنها تفتقر إلى أي قيمة نفعية أو تطورية مستقبلية.

القياس السيكومتري وأدوات التقييم النفسي للملل

تطلبت دراسة الملل بشكل علمي دقيق تطوير أدوات سيكومترية تمتلك درجات مقبولة من الصدق والثبات لقياس كل من ملل السمة وملل الحالة عبر بيئات وسياقات متنوعة. اعتمد الباحثون على مجموعة من المقاييس المرجعية التي شكلت أساساً للأبحاث التجريبية، منها:

  • مقياس الميل للملل (Boredom Proneness Scale – BPS): وضعه فارمر وسوندبرغ (Farmer & Sundberg, 1986)، وهو أول مقياس شامل لتقييم ملل السمة. يضم المقياس 28 بنداً تغطي أبعاداً متعددة مثل الحاجة إلى الاستثارة، والقدرة على الانخراط الذاتي، وإدراك وتيرة الوقت، ومستويات الصبر.
  • مقياس ملل الحالة متعدد الأبعاد (Multidimensional State Boredom Scale – MSBS): صممه فودريك وزملاؤه (Fahlman et al., 2013)، ويعد الأداة المعيارية لقياس تجربة الملل الراهنة في لحظة معينة. يحتوي المقياس على 29 بنداً تتوزع على خمسة عوامل أساسية: خلل الانتباه، وتمدد الزمن، وتدني الاستثارة، وفرط الاستثارة، وعدم الانخراط.
  • مقياس الملل الأكاديمي (Academic Boredom Scale): يشكل جزءاً من استبيان انفعالات الإنجاز (Achievement Emotions Questionnaire – AEQ) لبيكرون وزملائه، ويقيس مشاعر الملل الخاصة بالطلاب أثناء المحاضرات، أو أثناء المذاكرة المستقلة، أو أثناء أداء الاختبارات.
  • مقياس الملل المهني (Dutch Boredom Scale – DUBS): طوره ريف وزملائه لقياس مظاهر الرتابة وغياب التحدي داخل بيئة العمل الصناعية والمؤسسية الحديثة.

تخضع هذه المقاييس لتحديات منهجية تتعلق بمدى قدرة التقارير الذاتية (Self-reports) على التقاط الظاهرة بدقة دون التداخل مع أعراض الاكتئاب السريري أو سمة العصابية، مما يدفع الدراسات المعاصرة لدمجها مع مؤشرات فيزيولوجية موضوعية مثل تقلب معدل ضربات القلب (HRV)، والتوصيل الجلدي (EDA)، وحركات العين وتتبع اتساع حدقة العين.

الاستراتيجيات العلاجية والتدخلات النفسية لإدارة الملل

تتطلب الإدارة الفعالة للملل تدخلاً متعدد المستويات يتعامل مع الصعوبات الإدراكية والتنظيمية الوجدانية التي تعطل قدرة الفرد على استثمار وقته. يُظهر العلاج السلوكي المعرفي (CBT) نجاحاً بارزاً في هذا الصدد عبر تعديل التقييمات المعرفية المشوهة؛ إذ يتعلم الأفراد إعادة تأطير المواقف المملة، وتفكيك المهام الكبيرة والمعقدة لتفادي الإحباط، أو إدخال عناصر تحدٍ شخصي في الأنشطة الرتيبة لرفع مستوى الاستثارة المثلى.

كما تُعد ممارسة اليقظة الذهنية (Mindfulness) تدخلاً ثورياً في كسر حلقة الملل المعطلة. بدلاً من السعي المستمر واللاهث للهروب من الفراغ الذهني عبر التشتيت الرقمي واستخدام الهواتف الذكية – وهو ما يؤدي في الغالب إلى تفاقم الملل نتيجة إجهاد الدوائر الانتباهية – تدرب اليقظة الذهنية الفرد على تقبل اللحظة الحاضرة بفضول وتأمل دون إطلاق أحكام مسبقة. يساعد هذا التقبل الواعي على خفض المقاومة النفسية، ويحول الرتابة المزعجة إلى تجربة سكون واستبصار داخلي هادئ.

من منظور العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، يتم التركيز على مساعدة العميل في توضيح منظومة قيمه الشخصية الجوهرية واستخدامها كبوصلة لاختيار الأنشطة؛ فالأنشطة التي تتسق مع القيم العميقة تكتسب تلقائياً مناعة ضد الملل التبلدي والوجودي، لأن الفرد يدرك الهدف النهائي الكامن وراء التحديات والصعوبات اللحظية. على الجانب التربوي والوظيفي، أثبتت استراتيجيات “تصميم المهام” وإعادة التشكيل المهني (Job Crafting) أهميتها القصوى عبر توفير هوامش من الاستقلالية الذاتية وتنويع المهارات، مما يعزز مناخ التدفق النفسي (Flow) ويقضي على الجمود والضجر المؤسسي.

خاتمة

في المحصلة التركيبية، يظهر الملل كظاهرة نفسية بالغة العمق والتعقيد تتجاوز الصور النمطية البسيطة التي تختزله في الكسل أو غياب المحفزات الخارجية؛ إنه مؤشر بيولوجي ومعرفي حاسم ينبه الجهاز النفسي إلى نفاد المعنى وتوقف النمو في بيئته الراهنة. إن فهمنا للملل – بآلياته الدوبامينية، وشبكاته العصبية المتصارعة، ونماذجه المعرفية – يقدم لنا مفتاحاً قيماً لتحسين الصحة النفسية والارتقاء بالأداء الإنساني، ليتحول هذا العبء الوجداني من عائق وظيفي إلى طاقة دافعة نحو الابتكار، والوعي الذاتي، وإعادة تشكيل أهداف الحياة بما يخدم التطور الفردي والجمعي.

المراجع

  • Berlyne, D. E. (1960). Conflict, arousal, and curiosity. McGraw-Hill.
  • Eastwood, J. D., Frischen, A., Fenske, M. J., & Smilek, D. (2012). The unengaged mind: Defining boredom in terms of attention. Perspectives on Psychological Science, 7(5), 482-495. https://doi.org/10.1177/1745691612456044
  • Fahlman, S. A., Mercer-Lynn, K. B., Flora, D. B., & Eastwood, J. D. (2013). Development and validation of the Multidimensional State Boredom Scale. Assessment, 20(1), 68-85. https://doi.org/10.1177/1073191111421303
  • Farmer, R., & Sundberg, N. D. (1986). Boredom proneness: The development and correlates of a new scale. Journal of Personality Assessment, 50(1), 4-17. https://doi.org/10.1207/s15327752jpa5001_2
  • Goetz, T., Frenzel, A. C., Hall, N. C., Nett, U. E., Pekrun, R., & Lipnevich, A. A. (2014). Types of boredom: An experience sampling approach. Motivation and Emotion, 38(3), 401-419. https://doi.org/10.1007/s11031-013-9385-y
  • Mann, S., & Cadman, R. (2014). Does being bored make us more creative?. Creativity Research Journal, 26(2), 165-173. https://doi.org/10.1080/10400419.2014.901073
  • Pekrun, R. (2006). The control-value theory of achievement emotions: Assumptions, corollaries, and implications for educational research and practice. Educational Psychology Review, 18(4), 315-341. https://doi.org/10.1007/s10648-006-9029-9
  • Van Tilburg, W. A., & Igou, E. R. (2012). On boredom: Lack of challenge and meaning as distinct boredom experiences. Motivation and Emotion, 36(2), 181-194. https://doi.org/10.1007/s11031-011-9234-9

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 30). سيكولوجيا الملل: التأطير المفاهيمي، النماذج النظرية، والآليات العصبية الحيوية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/psychology-of-boredom-academic-entry/
looti, Mohammed. “سيكولوجيا الملل: التأطير المفاهيمي، النماذج النظرية، والآليات العصبية الحيوية.” عرب سايكلوجي, 30 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/psychology-of-boredom-academic-entry/.
looti, Mohammed. “سيكولوجيا الملل: التأطير المفاهيمي، النماذج النظرية، والآليات العصبية الحيوية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 30, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/psychology-of-boredom-academic-entry/.