علم النفس الإكلينيكيعلم النفس الاجتماعينظريات الشخصية

النزعة الأخوية: المفهوم السيكولوجي، الأبعاد التطورية، والتطبيقات الإكلينيكية لروح الإخاء

استكشاف أكاديمي متعمق لمفهوم النزعة الأخوية (Brotherliness) في علم النفس، متناولاً أصولها التطورية، ومنظور ألفريد أدلر للشعور المجتمعي، وتحليلات إريك فروم، وآلياتها العصبية الحيوية وتطبيقاتها في العلاج النفسي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل النزعة الأخوية (Brotherliness) إحدى الركائز الجوهرية التي تأسست عليها دراسة السلوك الاجتماعي والوجداني للإنسان، إذ تتجاوز مجرد الرابطة البيولوجية القائمة بين الأشقاء لتغدو موقفاً سيكولوجياً معقداً يجسد مشاعر التضامن الإنساني، والتعاطف غير المشروط، والمسؤولية الأخلاقية المتبادلة بين الأفراد. في هذا السياق، لا يُنظر إلى روح الإخاء بوصفها عاطفة ساكنة، بل كحالة ديناميكية تنطوي على إدراك عميق لوحدة المصير البشري، وتتداخل مع بنيات نفسية محورية مثل التعاطف، والإيثار، والتكامل الاجتماعي، والصحة النفسية الإيجابية. تستعرض هذه المادة الأكاديمية مفهوم النزعة الأخوية من منظور العلوم النفسية، متبعة تطورها التاريخي، وجذورها التطورية، وتجلياتها في النظريات الشخصية والتحليل النفسي، ووصولاً إلى أبعادها العصبية الحيوية وتطبيقاتها العلاجية.

التأصيل المفاهيمي واللغوي لمفهوم النزعة الأخوية في العلوم السلوكية

في المعاجم النفسية والاجتماعية، تُعرّف النزعة الأخوية بأنها نمط علائقي يتسم بالمساواة، والاحترام المتبادل، والدعم العاطفي والعملي المستمر بين شخصين أو أكثر، بصرف النظر عن وجود صلة دم مباشرة. هذا التمييز المفاهيمي بين “الأخوة البيولوجية” (Biological Consanguinity) و”الأخوة السيكولوجية” (Psychological Fraternization) كان نقطة انطلاق جوهرية للعديد من المنظرين السلوكيين؛ إذ بينما تتحدد الأولى بالجينات المشتركة، تُبنى الثانية عبر عمليات التنشئة الاجتماعية، والتفاعل الرمزي، والخبرات العاطفية المشتركة التي تعزز الشعور بالانتماء الجمعي.

تتضمن النزعة الأخوية في جوهرها بُعداً تكافؤياً أصيلاً يفرّقها عن الأنماط العلائقية الهرمية الأخرى كالنزعة الأبوية أو السلطوية. فبينما تتأسس العلاقات الأبوية غالباً على الحماية المشروطة بالتبعية أو التوجيه الرأسي، تقوم الروابط الأخوية على مبدأ التناظر الأفقي (Horizontal Symmetry)، حيث ينظر الأطراف إلى بعضهم كأنداد يشتركون في مواجهة تحديات الوجود الإنساني. هذا التناظر يسهم في خفض مستويات القلق الاجتماعي ويعزز الشعور بالأمان الوجودي، إذ يشعر الفرد بأنه ليس وحيداً في مواجهة الصعاب الحياتية، وأن هناك دعماً غير مشروط لا يتطلب التنازل عن الاستقلالية الفردية.

علاوة على ذلك، يشير التحليل السيكومتري لمفهوم روح الإخاء إلى أنه يتألف من مكونات معرفية ووجدانية وسلوكية متكاملة. يتضمن المكون المعرفي إدراك الآخر بوصفه شريكاً جديراً بالثقة متساوياً في الحقوق والكرامة، في حين يشتمل المكون الوجداني على الشفقة العميقة، والقدرة على مشاركة الأفراح والأتراح (التعاطف المتوازي والمتفاعل)، أما المكون السلوكي فيتجلى في الأفعال الإيثارية، والدفاع عن الآخر، والمشاركة الطوعية في الموارد والوقت لصالح رفاه الجماعة دون انتظار مكافأة مادية فورية.

الجذور التطورية والبيولوجية للأخوة: من اصطفاء القرابة إلى الإيثار المتبادل

من المنظور التطوري، تشكلت النزعة الأخوية عبر آليات بيولوجية استهدفت تعزيز فرص البقاء والتكاثر للجماعات البشرية الأولى. تشرح نظرية اصطفاء القرابة (Kin Selection) التي صاغها ويليام هاملتون (W. D. Hamilton) كيف أن الكائنات الحية تميل إلى إظهار سلوكيات إيثارية مفرطة تجاه الأفراد الذين يشتركون معهم في نسبة عالية من المادة الوراثية، كالأشقاء. وفقاً لهذه القاعدة الرياضية التطورية، فإن التضحية الفردية من أجل الأخ تصبح ميزة تكيفية تعزز الصلاحية الشاملة (Inclusive Fitness) للفرد والجينات المشتركة على حد سواء.

ومع ذلك، لم يتوقف التطور النفسي البشري عند حدود الأقارب بيولوجياً، بل توسعت دائرته لتشمل الغرباء غير المرتبطين وراثياً من خلال آلية الإيثار المتبادل (Reciprocal Altruism) التي طوّرها روبرت تريفرز (Robert Trivers). مع تعقد المجتمعات القبلية الصائدة والجامعة، أدرك العقل البشري أن التعاون المستدام والتضامن الأفقي مع أفراد الجماعة يحقق فوائد وجودية تفوق بكثير تكلفة التنافس الفردي المحض. تحولت مشاعر الأخوة تدريجياً من استجابة مقصورة على الدم إلى رمز سيكولوجي للتحالف الآمن، حيث يتم استثمار المشاعر الأخوية لتأمين شبكات دعم اجتماعي متبادلة تقي الأفراد من مخاطر المجاعات، والافتراس، والحروب.

أدت هذه القفزة التكيفية إلى نشوء نظام سيكولوجي متقدم لرصد الغشاشين وكشف العلاقات غير المتكافئة، مما جعل النزعة الأخوية الحقيقية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم العدالة والإنصاف والالتزام المتبادل. إن الشعور بالإخاء ليس مجرد نزوة عاطفية بل هو هيكل تنظيمي تطوري أسهم في بقاء النوع الإنساني، حيث عملت المشاعر الأخوية كـ “غراء سيكولوجي” رسّخ التماسك داخل الوحدات المجتمعية الأولى ومكّنها من الصمود أمام الضغوط البيئية القاسية عبر القرون.

الأخوة في إطار علم النفس الفردي: مفهوم ألفريد أدلر للشعور المجتمعي

يحتل مفهوم الإخاء والاهتمام الاجتماعي مكانة مركزية غير مسبوقة في نظرية ألفريد أدلر (Alfred Adler) مؤسس علم النفس الفردي. صاغ أدلر المصطلح الألماني الشهير Gemeinschaftsgefühl، والذي يُترجم غالباً إلى “الشعور المجتمعي” أو “الاهتمام الاجتماعي” أو روح الإخاء الإنساني. بالنسبة لأدلر، فإن المقياس الأوحد للصحة النفسية الحقيقية والتوافق التام للفرد هو مدى قدرته على تطوير هذا الشعور الأخوي العالي والانخراط البنّاء في حياة الجماعة والمساهمة في رفاه الإنسانية.

رأى أدلر أن الاضطرابات النفسية كالعصاب والذهان، إضافة إلى الانحرافات السلوكية، تنبع في جوهرها من فشل الفرد في تنمية النزعة الأخوية، وعوضاً عن ذلك يقع في فخ البحث الأناني عن “التفوق الشخصي المعزول”. عندما يعجز الفرد عن الشعور بالأخوة تجاه أقرانه، ينظر إلى العالم الخارجي كساحة حرب مهددة مليئة بالخصوم، مما يولد مشاعر دونية تعويضية مدمرة. في المقابل، فإن الشخص الذي يتحلى بروح الإخاء يدرك أن قيمته لا تتحدد بإخضاع الآخرين أو التفوق عليهم، بل بقدرته على الوقوف معهم كتفاً بكتف وحل مشكلات الحياة المشتركة الثلاث: العمل، والصداقة، والحب.

علاوة على ذلك، أفرد أدلر اهتماماً بالغاً لدراسة “ترتيب الولادة” (Birth Order) والتفاعلات النفسية بين الأشقاء داخل الأسرة كنواة أولى لتشكيل النزعة الأخوية. فالطفل يتعلم مبادئ الإخاء الأولى من خلال تقاسم انتباه الوالدين ومواردهم مع إخوته. وإذا سارت هذه العملية في بيئة صحية يسودها العدل والدفء، تترسخ لدى الطفل قناعة بأن المشاركة تولد الأمان، وينقل هذا النموذج الأخوي الإيجابي لاحقاً إلى علاقاته مع المجتمع الأوسع، ليصبح مواطناً عالمياً تحركه روح الإخاء والتضامن المجرد.

المنظور الإنساني والتحليلي: إريك فروم والمحبة الأخوية

قدّم المحلل النفسي والفيلسوف الإنساني إريك فروم (Erich Fromm) في مؤلفه الكلاسيكي الشهير “فن الحب” (The Art of Loving) أعمق تشريح نفسي وفلسفي لمفهوم “الحب الأخوي” (Brotherly Love). يرى فروم أن الحب الأخوي هو النمط الأسمى والأساسي بين جميع أشكال الحب الإنساني، وهو الأساس الذي ترتكز عليه محبة الأمومة، والعشق الرومانسي، وحتى محبة الذات. يتميز هذا الحب بأنه غير حصري، ولا يسعى إلى التملك أو الاندماج الفردي التدميري، بل يتوجه إلى جميع الكائنات البشرية على حد سواء.

يشير فروم إلى أن الحب الأخوي يتأسس على إدراك حقيقة أننا جميعاً نشترك في الجوهر الإنساني الواحد وهشاشة المصير الإنساني المشترك. فالأفراد قد يختلفون في الذكاء، والمواهب، والمكانة الاجتماعية، والثراء، ولكن هذه الفروق في نظر الحب الأخوي ليست سوى اختلافات سطحية وهامشية مقارنة بالجوهر البشري المتطابق. يُعد الحب الأخوي تجسيداً حياً لقول فروم: “أنا في كل إنسان، وكل إنسان فيّ”؛ إنه حب لا يقوم على المنفعة المتبادلة بل على التضامن العميق، خاصة مع الضعفاء، والفقراء، والغرباء، لأن محبة المحتاج هي الاختبار الحقيقي لنقاء النزعة الأخوية الإنسانية.

من جانب آخر، يرى التحليل النفسي الوجودي أن غياب الحب الأخوي في المجتمعات الصناعية الحديثة يقف وراء انتشار مشاعر الاستلاب (Alienation) والوحدة المرضية والاكتئاب الوجودي. عندما تحل عقلية التشييء والتبادل الرأسمالي محل النزعة الأخوية، يتحول الآخرون إلى أدوات وظيفية أو منافسين محتملين، مما يفرغ العلاقات الإنسانية من عمقها الأخلاقي ويحرم الفرد من الدفء العاطفي الجمعي الذي يحمي النفس البشرية من وطأة القلق والعدمية.

نظريات التعلق والنمو النفسي: تشكيل الروابط الأخوية عبر مسار الحياة

تؤكد نظرية التعلق التي أرساها جون بولبي (John Bowlby) وماري أينسورث أن تكوين الروابط الآمنة مع الوالدين يشكل النموذج التشغيلي الداخلي (Internal Working Model) الذي يوجه السلوك العلائقي للفرد طوال حياته. يمتد هذا النموذج ليحكم الكيفية التي يعامل بها الفرد أشقاءه وأقرانه؛ فالأطفال الذين يمتلكون تعلقاً آمناً يظهرون نزعة أخوية فطرية تتجلى في مساعدة الأشقاء الأصغر سناً، والتنازل الطوعي، ومواساة الرفاق في فترات الشدة النفسية، بينما يميل ذوو التعلق القلق أو التجنبي إلى المنافسة العدائية أو الانسحاب العاطفي.

في مسار علم نفس النمو، تمر النزعة الأخوية بمراحل ارتقائية متتالية:

  • مرحلة الطفولة المبكرة: تتسم العلاقات بالصراع التنافسي على الموارد والاهتمام الأبوي، مع ومضات من التعاطف البدائي والمحاكاة العاطفية، حيث يتعلم الطفل تدريجياً ضبط دوافع الغيرة لصالح بناء تحالفات لعب مشتركة.
  • مرحلة الطفولة المتوسطة وسن المدرسة: يبدأ الطفل في استيعاب مفاهيم العدالة الإجرائية والتناوب والتعاون المنظم، وتتسع دائرة النزعة الأخوية لتشمل مجموعات الأقران والرفاق في المدرسة والأندية الرياضية، مشكلة ما يُعرف بروابط الرفقة الأخوية المتينة.
  • مرحلة المراهقة: تصبح الروابط الأخوية بين الأقران مصدراً رئيسياً للدعم النفسي والاستقلال عن السلطة الوالدية، حيث تشكل هذه الروابط مختبراً حقيقياً لاختبار الهوية واكتساب الكفاءة الاجتماعية وممارسة الولاء غير المشروط.
  • مرحلة الرشد والشيخوخة: تستقر النزعة الأخوية كحالة نضج وجداني تتجاوز الضغائن الطفولية القديمة، وتتحول رابطة الأخوة في الكبر إلى صمام أمان سيكولوجي يحمي من عزلة التقاعد، ومواجهة الفقدان، ويوفر بيئة علاجية طبيعية لاسترجاع ذكريات الحياة وتقبل النهايات.

سيكولوجية الهوية الاجتماعية وديناميات الجماعة: حدود الأخوة بين الداخل والخارج

على الرغم من الطبيعة المثالية لمفهوم الأخوة، تكشف دراسات علم النفس الاجتماعي، لا سيما نظرية الهوية الاجتماعية التي طورها هنري تاتجفيل (Henri Tajfel) وجون تيرنر، عن مفارقة حاسمة تتعلق بحدود النزعة الأخوية. تُظهر التجارب الإمبريقية أن الإنسان يمتلك ميلاً فطرياً لتطبيق مشاعر الإخاء والتضامن والحماية بصورة حصرية ومكثفة على أفراد “جماعته الداخلية” (In-group)، بينما قد يمارس التمييز، والعداء، ونزع الطابع الإنساني تجاه أفراد “الجماعات الخارجية” (Out-group).

هذا التحيز الأخوي الحصري يفسر نشوء الظواهر القبلية، والتعصب القومي، والتطرف الديني؛ إذ يتم استدعاء لغة “الإخاء” لتبرير العنف ضد الآخرين الذين لا ينتمون إلى الجماعة المغلقة. في مثل هذه السياقات، لا تعود النزعة الأخوية فضيلة إنسانية شاملة، بل تتحول إلى أداة لترسيخ التضامن الداخلي بهدف الهيمنة على الجماعات المنافسة. هنا يتطلب النضج النفسي الانتقال من “الأخوة المغلقة والمشروطة” إلى “الأخوة الإنسانية الشاملة” التي تعترف بحقوق وكرامة كل فرد دون الالتفات إلى المحددات العرقية أو المذهبية.

علاوة على ذلك، تلعب العمليات المعرفية مثل إزالة التفريد (De-individuation) وضغط الامتثال دوراً مزدوجاً داخل المجموعات الأخوية. ففي حين يمكن لروح الإخاء أن تلهم أعمالاً بطولية من التضحية بالذات في سبيل نجدة الآخرين، فإنها قد تؤدي أيضاً إلى “تفكير جماعي” (Groupthink) غير نقدي يبرر الأخطاء المشتركة بدافع التضامن الأعمى والولاء للرفاق. ومن هنا، يشدد علماء النفس المعاصرون على أهمية إقران النزعة الأخوية بفضيلتي النقد الذاتي والاستقلالية الفكرية للحيلولة دون تحولها إلى شكل من أشكال التواطؤ الجمعي المرضي.

الآليات العصبية الحيوية للنزعة الأخوية والتعاطف المشترك

أزاحت التطورات الحديثة في علم الأعصاب الإدراكي (Cognitive Neuroscience) الستار عن الأسس البيولوجية والعصبية الكامنة وراء مشاعر الإخاء والتضامن الوجداني. في مقدمة هذه الآليات، يبرز “نظام الخلايا العصبية المرآتية” (Mirror Neuron System)، الذي يمكّن الدماغ البشري من محاكاة مشاعر وأفعال وآلام الآخرين تلقائياً كما لو كانت خبرة ذاتية حية. هذا النظام يشكل الجسر العصبي المباشر الذي يقوم عليه التعاطف الحسي، حيث يتيح للفرد اختبار مشاعر الألم والارتياح لدى “أخيه” في الإنسانية بصورة حشوية فورية تتجاوز الاستدلال المنطقي البارد.

تلعب النواقل العصبية والهرمونات أيضاً دوراً حاسماً في ضبط وتوجيه السلوك الأخوي:

  • هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin): يُعرف هذا الهرمون بدوره الجوهري في ترسيخ مشاعر الثقة، والترابط، والتعاطف، والحد من استجابات اللوزة الدماغية (Amygdala) المسؤولة عن الخوف من الغرباء، مما يعزز النزعة نحو التقارب الوجداني والتعاون الإيثاري.
  • نظام المكافأة والدوبامين (Dopamine Reward System): أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن الانخراط في أفعال العطاء والتضامن ومساعدة الآخرين ينشط مناطق المكافأة في الدماغ (مثل النواة المتكئة والمخطط البطني) بنفس الدرجة التي تنشط بها عند تلقي مكافآت مادية شخصية، وهي الظاهرة العصبية المعروفة باسم “التوهج الدافئ” (Warm Glow).
  • قشرة الفص الجبهي البطني الإنسي (vmPFC): تلعب هذه المنطقة الدماغية المتقدمة دوراً حاسماً في التقييم الأخلاقي واتخاذ القرارات الإيثارية، إذ تتيح للإنسان قمع الدوافع الأنانية العاجلة وتغليب المنافع الجمعية طويلة الأجل، وهي الركيزة المعرفية التي تسمح بالارتقاء بالنزعة الأخوية من مستوى الغريزة إلى مستوى المبدأ الفلسفي الواعي.

التطبيقات الإكلينيكية والعلاجية لتعزيز مشاعر الإخاء

لم يعد مفهوم الأخوة حكراً على الدراسات النظرية، بل غدا أداة تدخل علاجي محورية في سياقات العلاج النفسي الفردي والجماعي. في مجال العلاج النفسي الجماعي (Group Psychotherapy)، الذي أرسى قواعده إرفين يالوم (Irvin Yalom)، تمثل “العمومية” (Universality) ومشاعر الإخاء بين أعضاء المجموعة عاملاً علاجياً حاسماً لا غنى عنه للتعافي النفسي. فعندما يكتشف المريض أن معاناته وعقده النفسية ليست فريدة أو شاذة، وأن أفراد المجموعة الآخرين يشاركونه آلاماً وجودية مماثلة ويبادلونه مشاعر التفهم والدعم الأخوي المتكافئ، تتلاشى وصمة العزلة النفسية وتبدأ مسارات الشفاء العاطفي في التدفق.

تتجلى النزعة الأخوية أيضاً في برامج إعادة التأهيل المجتمعي، مثل مجموعات الدعم الذاتي (كـ “مدمني الكحول المجهولين” وغيرها من برامج الخطوات الاثنتين عشرة)، حيث تعتمد هذه المجموعات فلسفياً وبنيوياً على رابطة الإخاء والتضامن الأفقي الخالي من أي هرمية سلطوية أو رقابية. يشير المتعافون في هذه البرامج باستمرار إلى أن مشاعر القبول غير المشروط والمسؤولية الأخوية تجاه زملاء التعافي تشكل العامل الرئيسي في الصمود وتجنب الانتكاس، حيث يستبدل الفرد عزلته الإدمانية بشبكة أخوية حامية تمنحه معنى جديداً للحياة القائمة على خدمة الآخرين.

إضافة إلى ذلك، توظف التدخلات السلوكية الإيجابية المعاصرة، مثل العلاج القائم على الشفقة (Compassion-Focused Therapy – CFT)، تمرينات عقلية تهدف إلى توسيع مشاعر الدفء والأخوة تجاه الذات والآخرين. تساعد هذه التدخلات على خفض مستويات النقد الذاتي المرضي والقلق الاكتئابي عبر استبدال منظومة التهديد الداخلي بنظام الرعاية والانتماء المتبادل، مما يثبت أن استحضار المشاعر الأخوية وتنميتها عمداً يمثلان تقنية علاجية قوية لإعادة التوازن للجهاز العصبي الذاتي وتحقيق الاستقرار السيكولوجي العميق.

خاتمة

في الختام، يتبين أن النزعة الأخوية ليست مجرد سمة وجدانية عابرة أو فكرة طوباوية رومانسية، بل هي حاجة سيكولوجية أساسية، وبناء تطوري متجذر في صميم البقاء البشري، ومعيار جوهري للصحة النفسية الفردية والجمعية. تكشف الرؤى المتكاملة للتحليل النفسي، والنظريات التطورية، وعلم الأعصاب الإدراكي، أن قدرة الإنسان على تجاوز مركزيته الذاتية وبناء روابط قائمة على الإخاء والتكافؤ تمثل قمة النضج الارتقائي للشخصية الإنسانية. إن تعزيز روح الإخاء في المؤسسات التربوية والعيادية والاجتماعية ليس مجرد التزام أخلاقي عام، بل هو ضرورة حتمية لمجابهة أمراض العصر الحديث المتمثلة في العزلة، والتفكك الاجتماعي، والاستلاب النفسي، مما يجعل من الأخوة مساراً حيوياً نحو التعافي والتكامل الإنساني المستدام.

المراجع

  • Adler, A. (1938). Social Interest: A Challenge to Mankind. Faber and Faber.
  • Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. Basic Books.
  • Fromm, E. (1956). The Art of Loving. Harper & Row.
  • Hamilton, W. D. (1964). The genetical evolution of social behaviour. I and II. Journal of Theoretical Biology, 7(1), 1–52. https://doi.org/10.1016/0022-5193(64)90038-4
  • Rizzolatti, G., & Craighero, L. (2004). The mirror-neuron system. Annual Review of Neuroscience, 27, 169–192. https://doi.org/10.1146/annurev.neuro.27.070203.144230
  • Tajfel, H., & Turner, J. C. (1986). The social identity theory of intergroup behavior. In S. Worchel & W. G. Austin (Eds.), Psychology of Intergroup Relations (pp. 7–24). Nelson-Hall.
  • Trivers, R. L. (1971). The evolution of reciprocal altruism. The Quarterly Review of Biology, 46(1), 35–57. https://doi.org/10.1086/406755
  • Yalom, I. D., & Leszcz, M. (2020). The Theory and Practice of Group Psychotherapy (6th ed.). Basic Books.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). النزعة الأخوية: المفهوم السيكولوجي، الأبعاد التطورية، والتطبيقات الإكلينيكية لروح الإخاء. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/psychology-of-brotherliness/
looti, Mohammed. “النزعة الأخوية: المفهوم السيكولوجي، الأبعاد التطورية، والتطبيقات الإكلينيكية لروح الإخاء.” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/psychology-of-brotherliness/.
looti, Mohammed. “النزعة الأخوية: المفهوم السيكولوجي، الأبعاد التطورية، والتطبيقات الإكلينيكية لروح الإخاء.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/psychology-of-brotherliness/.