تُعد التنافسية واحدة من أكثر السمات والدوافع الإنسانية تعقيداً وتشابكاً في النسيج النفسي والاجتماعي للبشر، إذ تعكس الرغبة الجوهرية لدى الفرد في إثبات الكفاءة وتحقيق الأفضلية مقارنة بالآخرين أو مقارنة بمعايير التميز الذاتية. لا تقتصر هذه الظاهرة على مجرد صراع خارجي من أجل الموارد أو المكانة، بل تمثل بنية نفسية متعددة الأبعاد تتداخل فيها آليات المقارنة الاجتماعية، والدوافع الذاتية، واستراتيجيات التكيف مع الضغوط البيئية. يسعى هذا المدخل الموسوعي إلى تقديم تفكيك منهجي رصين لمفهوم التنافسية من منظور علم النفس المعاصر والتحليل السلوكي، مستعرضاً تطوره النظري وأبعاده المتنوعة وتجلياته في مختلف ميادين الحياة الإنسانية.
المفهوم والتعريف النفسي للتنافسية
تُعرّف التنافسية (Competitiveness) في الأدبيات السيكولوجية الحديثة بوصفها سمة شخصية ودافعاً سلوكياً موجهاً نحو تحقيق التفوق في المواقف التي تنطوي على مقارنة اجتماعية أو تقييم للأداء. إنها الاستعداد النفسي الثابت نسبياً الذي يدفع الفرد إلى السعي للفوز، وتحقيق مراتب متقدمة، والتفوق على المنافسين الفعليين أو الافتراضيين. يميز علماء النفس بين التنافسية كسمة شخصية متأصلة (Trait Competitiveness) تُلازم الفرد عبر سياقات زمنية ومكانية متباينة، وبين التنافسية كحالة ظرفية (State Competitiveness) تثيرها شروط البيئة الخارجية والبنى الهيكلية للموقف، مثل الاختبارات الأكاديمية أو المسابقات الرياضية أو التنافس المؤسسي على الترقيات الوظيفية.
تتجاوز التنافسية المفهوم السطحي المتمثل في العدائية؛ فهي تمثل نسقاً تفاعلياً معقداً بين إدراك الذات وتقييم إمكانات الآخرين. عندما ينخرط الفرد في سلوك تنافسي، فإنه يقوم بعملية معالجة معرفية للمعلومات تتضمن تقدير احتمالية النجاح، وتقييم كلفة الخسارة، ووزن العوائد النفسية والمادية المترتبة على الفوز. علاوة على ذلك، لا تنحصر التنافسية في الفوز على طرف خارجي فقط، بل تمتد لتشمل ما يُعرف بالتنافسية الذاتية (Self-oriented Competitiveness)، حيث يتبارى المرء مع إنجازاته السابقة في مسار لا نهائي لتجاوز حدوده الراهنة، مما يجعلها وثيقة الصلة بمفاهيم دافعية الإنجاز وتحقيق الذات.
من الناحية المعجمية والنفسية، يرتبط المفهوم بمصطلح “التنافس الهيكلي” (Structural Competition) الذي صاغه الباحثون لدراسة المواقف التي تكون فيها مكاسب أحد الأطراف متوقفة حتماً على خسارة الطرف الآخر، وهو ما يُعرف في نظرية الألعاب بمواقف المجموع الصفري (Zero-sum games). وفي المقابل، يبرز مصطلح “التنافس البناء” (Constructive Competition) ليعبر عن الحالة التي يُنظر فيها إلى العملية التنافسية كحافز للارتقاء المتبادل وتبادل الخبرات دون إلحاق الضرر بالخصم، مما يبرز التباين الشاسع بين الأشكال الوظيفية التكيفية للتنافسية وتلك التي تقود إلى اختلالات نفسية وسلوكية.
الجذور النظرية والتطور التاريخي للمفهوم
يعود التأصيل التاريخي للتنافسية في الفكر النفسي إلى المحاولات الأولى لتحليل الطبيعة البشرية ودوافع البقاء. في بواكير التحليل النفسي الكلاسيكي، نظر سيغموند فرويد إلى التنافس بوصفه انعكاساً للصراعات الغريزية الدفينة، لاسيما في مرحلة الطفولة المبكرة عبر عقدة أوديب، حيث يتولد صراع لا واعٍ للتنافس على مشاعر الوالدين ورعايتهم، مما يضع بذور التنافسية اللاحقة في البلوغ. ومع ذلك، أخذ المفهوم بُعداً اجتماعياً أكثر عمقاً مع تلميذه المنشق ألفرد أدلر، الذي اعتبر التنافس والسعي نحو التفوق (Striving for Superiority) المحرك الأساسي للشخصية الإنسانية للتعويض عن مشاعر النقص الطبيعية التي يختبرها الإنسان منذ طفولته المبكرة في مواجهة بيئة تفوقه قوة وحجماً.
في منتصف القرن العشرين، قدّمت المحللة النفسية كارين هورني (Karen Horney) مساهمة جوهرية من خلال تحليلها للشخصية العصابية، حيث وصفت ما سمّته “التنافسية العصابية” (Neurotic Competitiveness). رأت هورني أن هذا النمط ينشأ نتيجة القلق الأساسي وانعدام الأمان العاطفي، حيث لا يبحث الفرد عن النجاح في حد ذاته، بل يسعى بصورة قهرية للشعور بأنه فريد ومتفوق على الجميع، وغالباً ما يترافق ذلك برغبة دفينة في إذلال المنافسين وإلحاق الهزيمة بهم. وضع هذا الطرح الأساس النظري للتفريق بين التنافسية الصحية المنبثقة من تقدير الذات الإيجابي والتنافسية المفرطة التدميرية الناشئة من الهشاشة النفسية الداخلية.
مع بزوغ الثورة المعرفية وعلم النفس التجريبي، تحول التركيز نحو دراسة آليات المكافأة والإدراك وعلم النفس الاجتماعي. قدّم مورتون دويتش (Morton Deutsch) في عام 1949 نظريته الرائدة حول التنافس والتعاون، مستعرضاً كيف أن إدراك الأفراد لترابط أهدافهم يحدد ما إذا كانوا سيتعاملون بروح تنافسية سلبية تعيق الأداء الجمعي، أم بروح تعاونية تدفع نحو الإنتاجية المشتركة. مهّد عمل دويتش الطريق أمام فهم التنافسية كبنية تفاعلية تتأثر بالبيئة الثقافية، والمعايير المؤسسية، وعمليات التنشئة الاجتماعية، بدلاً من النظر إليها كحتمية غريزية بيولوجية صرفة.
الأبعاد والأنماط النفسية للتنافسية
أظهرت بحوث القياس النفسي على مدى العقود الثلاثة الماضية أن التنافسية ليست مفهوماً أحادي البعد، بل هي طيف يتكون من مسارات وأبعاد نفسية متباينة في غاياتها ومآلاتها. يُعد النموذج الذي طوره الباحث ريتشارد ريكمان (Richard Ryckman) وفريقه من أبرز النماذج التي ميزت بين نمطين أساسيين: التنافسية المفرطة (Hypercompetitiveness) والتنافسية الموجهة نحو تطوير الذات (Personal Development Competitiveness). يعكس هذا التمايز الفارق الجوهري بين الدافع المستند إلى تأكيد المكانة عبر سحق الآخرين، والدافع المستند إلى استثمار الموقف التنافسي لتنمية المهارات الذاتية وبلوغ الإتقان.
تتسم التنافسية المفرطة بحاجة قهرية وعشوائية للانتصار بأي ثمن في جميع الميادين، حتى في المواقف اليومية غير التنافسية بطبيعتها. يميل الأفراد المصابون بهذا النمط إلى إدراك العلاقات الإنسانية كمعارك دائمة، وينظرون إلى الآخرين كتهديدات محتملة يجب تحييدها أو التفوق عليها للحفاظ على قيمة الذات. ترتبط التنافسية المفرطة في الدراسات الإكلينيكية بمعدلات مرتفعة من القلق، والاكتئاب، وانخفاض الرضا عن الحياة، ومشاعر العداوة ونقص التعاطف، مما يجعلها عاملاً مؤهباً للاحتراق النفسي وتدهور العلاقات الاجتماعية.
في المقابل، تمثل التنافسية الموجهة نحو تطوير الذات بعداً تكيفياً ناضجاً يركز فيه الفرد على العملية التنافسية كفرصة لاختبار القدرات والتعلم واكتساب الكفاءة. في هذا السياق، لا يُنظر إلى المنافس كعدو يجب القضاء عليه، بل كشريك يُسهم وجوده في استثارة أفضل ما لدى الفرد من طاقات. يُظهر الأشخاص الذين يتسمون بهذا النمط مرونة نفسية ملحوظة؛ إذ يتقبلون الهزيمة بروح موضوعية، ويعيدون صياغتها كفرصة لتقييم الأخطاء وإعادة ضبط الأداء، مما يعزز لديهم تقدير الذات الداخلي والمناعة النفسية في مواجهة الإخفاقات.
الأسس النيوروبيولوجية والتطورية للسلوك التنافسي
من منظور علم النفس التطوري، تعود جذور التنافسية إلى استراتيجيات البقاء والانتقاء الجنسي التي شكّلت السلوك البشري عبر آلاف السنين. في البيئات القديمة التي اتسمت بندرة الموارد من غذاء ومأوى وشركاء تزاوج، كان الأفراد الذين يمتلكون نزعة تنافسية مدروسة أكثر قدرة على ضمان الموارد ونقل جيناتهم للأجيال اللاحقة. ومع ذلك، لم تكن النزعة التنافسية تعمل بمعزل عن التعاون؛ فالجماعات التي وازنت بين التنافس الداخلي المنضبط على المكانة والتعاون الوثيق في مواجهة الأخطار الخارجية كانت الأكثر قدرة على البقاء، مما أنتج دماغاً بشرياً مبرمجاً على التكيف التنافسي الواعي.
على المستوى النيوروبيولوجي، يرتبط السلوك التنافسي بنظام المكافأة في الدماغ، وتحديداً المسارات الدوبامينية في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) والمنطقة السقيفية البطنية (VTA). عند تحقيق الفوز أو التفوق على الخصم، يفرز الدماغ تدفقات قوية من ناقل الدوبامين، مما يخلق شعوراً بالنشوة والابتهاج ويعزز سلوك السعي التنافسي عبر آليات التعزيز العصبي. بالإضافة إلى ذلك، تلعب القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex) دوراً محورياً في حساب القيمة النسبية للمكافآت الناتجة عن التفوق، ومقارنة النتائج الحالية بالأهداف المتوقعة.
كذلك يلعب التوازن الهرموني، وتحديداً هرموني التستوستيرون والكورتيزول، دوراً أساسياً في تشكيل وتعديل الاستجابة التنافسية. تُشير نظرية الهرمون المزدوج (Dual-Hormone Hypothesis) إلى أن ارتفاع مستويات التستوستيرون يرتبط بالبحث عن المكانة والسيطرة التنافسية فقط عندما تكون مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) منخفضة، مما يتيح للفرد خوض التحديات برباطة جأش وشجاعة. أما عندما يقترن ارتفاع التستوستيرون بارتفاع الكورتيزول، فإن الفرد يصبح أكثر ميلاً للانسحاب أو إظهار استجابات دفاعية عدائية غير منضبطة نتيجة غلبة مشاعر التهديد والقلق على دافع الإنجاز الهادئ.
النظريات النفسية المفسرة للتنافسية
سعت العديد من النظريات النفسية إلى تأطير التنافسية وفهم محدداتها المعرفية والدافعية، وتأتي في مقدمتها نظرية المقارنة الاجتماعية التي صاغها ليون فستينغر (Leon Festinger) عام 1954. افترض فستينغر أن لدى البشر دافعاً أصيلاً لتقييم آرائهم وقدراتهم، وفي غياب المعايير المادية الموضوعية، يلجأ الأفراد حتماً إلى مقارنة أنفسهم بأقرانهم. تولد التنافسية في إطار هذه النظرية عندما تتم المقارنة التصاعدية (Upward Social Comparison) مع أفراد يُنظر إليهم على أنهم متفوقون قليلاً؛ مما يحفز دافع التحسين والتفوق، أو قد تنحدر إلى المقارنة التنازلية لحماية تقدير الذات الهش.
وتُقدم نظرية أهداف الإنجاز (Achievement Goal Theory) التي طورها باحثون مثل جون نيكولز وكارول دويك إطاراً دقيقاً لتفسير تباين التنافسية باختلاف التوجهات الهدفية. تفرق النظرية بين نوعين رئيسيين من الأهداف:
- أهداف الإتقان (Mastery Goals): يركز فيها الفرد على تطوير الكفاءة الذاتية وفهم المهمة بعمق دون انشغال مرضي بترتيبه بين أقرانه، مما يولد تنافسية داخلية صحية وبناءة.
- أهداف الأداء (Performance Goals): ينصب تركيز الفرد فيها على إظهار الكفاءة مقارنة بالآخرين وتجنب الظهور بمظهر العاجز، وتنقسم إلى: أهداف الأداء-الإقدام (السعي الحثيث للتفوق على الآخرين وإبراز الامتياز)، وأهداف الأداء-الإحجام (تجنب الخسارة والتراجع خوفاً من النقد الاجتماعي).
من زاوية أخرى، تقدم نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory) لإدوارد ديسي وريتشارد رايان رؤية نقدية معمقة لكيفية تأثير التنافسية على الدافعية الجوهرية (Intrinsic Motivation). وفقاً لهذه النظرية، لكي تسهم البيئات التنافسية في تعزيز الصحة النفسية والدافعية، يجب ألا تُقوض الاحتياجات النفسية الأساسية الثلاثة: الحاجة إلى الكفاءة، والحاجة إلى الاستقلالية، والحاجة إلى الانتماء. إذا تحول التنافس إلى أداة ضغط خارجي ومراقبة مستمرة وسيطرة، فإنه يؤدي إلى تآكل الشغف الداخلي وتحويل النشاط إلى مهمة استنزافية مرهقة تسعى فقط لتجنب الشعور بالذنب أو كسب الاستحسان الخارجي.
التنافسية عبر سياقات الحياة الإنسانية
تتجلى التنافسية بصورة ملموسة في ثلاثة سياقات حياتية كبرى تُشكل الهوية الإنسانية وسلوك الفرد: المجال الرياضي، والبيئة الأكاديمية والتربوية، والميدان المهني والمؤسسي. يُمثل كل سياق من هذه السياقات مختبراً حياً تتفاعل فيه سمات الأفراد مع معايير الثقافة المؤسسية لتنتج أنماطاً سلوكية متمايزة.
1. المجال الرياضي وعلم نفس الأداء
يُعد الميدان الرياضي البيئة النموذجية والأكثر وضوحاً لدراسة التنافسية في حالتها النقية. يتطلب الأداء الرياضي توازناً دقيقاً بين الرغبة الشرسة في الفوز والقدرة على التحكم في الإثارة الانفعالية وسلوك الروح الرياضية. تظهر الأبحاث أن الرياضيين النخبويين يتميزون بمستويات استثنائية من التنافسية الموجهة نحو الذات مقترنة بتوجه عالٍ نحو الإتقان؛ فهم يرون في الخصم محفزاً يجبرهم على استخراج أقصى طاقاتهم الكامنة وتجاوز أرقامهم القياسية الشخصية، بينما يؤدي الانغماس في التنافسية المفرطة في الرياضة إلى ظواهر سلبية مثل الغش، وتناول المنشطات، والاعتداءات اللفظية والجسدية، والانهيار تحت الضغط (Choking under pressure).
2. البيئة الأكاديمية والتربوية
في المدارس والجامعات، تلعب التنافسية دوراً سلاحاً ذا حدين في تشكيل التحصيل المعرفي والمناخ النفسي للطلاب. بينما يمكن للمنافسة الأكاديمية المعتدلة أن تحفز الطلبة على الالتزام والاستذكار الجاد، فإن الإفراط في التركيز على المنحنى المعياري (Curving) والترتيب النسبي للدرجات يُفرز بيئة تعليمية سامة تتسم بالقلق الامتحاني، وتدني التعاون الطلابي، وظاهرة الاحتراق الأكاديمي المبكر. يؤكد علماء النفس التربوي ضرورة تبني استراتيجيات “التعلم التعاوني” التي تحوّل الطاقة التنافسية من صراع بين الطلاب إلى تنافس جماعي في مواجهة مشكلات معرفية وتحديات فكرية معقدة تتطلب تكاملاً في القدرات والمهارات.
3. البيئة المهنية والمؤسسية
في المنظمات المعاصرة وسوق العمل، تُعد التنافسية المحرك الأساسي للابتكار والكفاءة الإنتاجية؛ حيث تسعى الشركات إلى تحفيز موظفيها عبر حوافز الأداء والترقيات التنافسية. ومع ذلك، عندما تتبنى الإدارة أنظمة تقييم تقصي التعاون وتعتمد على المقارنة الإجبارية المستمرة (مثل نظام الترتيب الإجباري المنحدر)، فإن ذلك يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة بين الموظفين، وحجب المعلومات الحيوية، وشيوع سلوكيات العمل المضادة للإنتاجية (CWB). تنجح المؤسسات الذكية في موازنة التنافس من خلال مكافأة الأداء المتميز مع الحفاظ على روح الفريق الواحد وثقافة الأمان النفسي داخل فرق العمل.
الآثار النفسية والسلوكية: التكيف الإيجابي مقابل الاعتلال النفسي
يحمل الانخراط في السلوك التنافسي عواقب متباينة على البناء النفسي للفرد، وتعتمد هذه النتائج على الدوافع الكامنة خلف هذا التنافس والبنية المعرفية المفسرة للنتائج. عندما تنبع التنافسية من إحساس بالفاعلية الذاتية والرغبة في تحقيق الذات، فإنها تُسهم بشكل فعال في بناء المرونة النفسية (Psychological Resilience)، وصقل مهارات حل المشكلات، ورفع عتبة تحمل الإحباط، وتعزيز الصلابة العقلية التي تمكن الفرد من مواجهة صعاب الحياة بثبات وإصرار.
على النقيض من ذلك، عندما تصبح التنافسية دفاعاً عصابياً ومحاولة يائسة لحماية ذات هشة، فإنها تتحول إلى عامل خطر يُهدد الصحة النفسية والعقلية. يرتبط النمط المفرط من التنافسية بنمط الشخصية (أ) (Type A Personality)، المعروف بارتباطه الوثيق بارتفاع احتمالية الإصابة بأمراض القلب التاجية وارتفاع ضغط الدم المزمن نتيجة الإفراز المستمر لهرمونات التوتر والاستثارة الدائمة للجهاز العصبي الودي. يعاني هؤلاء الأفراد من عدم القدرة على الاسترخاء، والشعور الدائم بالإلحاح الزمني، والعجز عن الاستمتاع بإنجازاتهم، إذ يتلاشى فرح الفوز سريعاً ليحل محله قلق جارف من التحدي القادم والتهديد المحتمل للمكانة المكتسبة.
تنعكس هذه الديناميكيات بوضوح على جودة العلاقات الشخصية والاجتماعية؛ فالأفراد الذين يفتقرون للقدرة على فصل ذواتهم عن الرغبة في الانتصار غالباً ما يجدون صعوبة بالغة في إقامة علاقات حميمية متوازنة تقوم على الثقة والتعاطف المتبادل. إن ميلهم الدائم لتحويل المحادثات العادية، والمناسبات الاجتماعية، وحتى العلاقات الأسرية، إلى ساحات للمبارزة وإثبات الجدارة يقود تدريجياً إلى عزلتهم الاجتماعية ونفور المقربين منهم، مما يخلق حلقة مفرغة من الشعور بالوحدة يدفعهم مجدداً إلى مزيد من الانغماس القهري في السعي التنافسي المنهك لتعويض النقص العاطفي.
أدوات القياس والتقييم في القياس النفسي
طوّر علماء القياس النفسي مجموعة من المقاييس والأدوات المقننة لتقييم مستويات التنافسية وأبعادها لدى الأفراد في البيئات البحثية والإكلينيكية والتنظيمية. صُممت هذه الأدوات لعزل مكونات التنافسية وتحديد ما إذا كان الدافع التنافسي للشخص ينتمي إلى المسار التكيفي الصحي أو المسار العُصابي المضطرب، مع مراعاة الخصائص السيكومترية من صدق وثبات.
- مقياس التنافسية المفرطة (Hypercompetitive Attitude Scale – HCA): طوّره ريكمان وزملاؤه عام 1990، ويتألف من 26 بنداً صُممت لقياس الحاجة القهرية لدى الفرد للسيطرة، والعداء الصريح أو المبطن تجاه المنافسين، والرغبة في الفوز بأي وسيلة ممكنة.
- مقياس التنافسية لتطوير الذات (Personal Development Competitive Attitude Scale – PDCA): أعده ريكمان أيضاً لموازنة مقياس HCA؛ حيث يقيس مدى استخدام الفرد للمواقف التنافسية كمحفز للنضج الشخصي، واستكشاف الإمكانات، والتعاون مع الآخرين في مسارات التميز المشترك.
- مقياس التوجه التنافسي (Competitiveness Index – CI): صاغه هيوستن وزملاؤه عام 1992 لتقييم التنافسية العامة عبر ثلاثة أبعاد فرعية تشمل: الاستمتاع بالمنافسة (Enjoyment of Competition)، والتنافس على المحتوى (Contentiousness)، والرغبة في الفوز (Desire to Win).
- استبيان التوجه نحو الإنجاز في الرياضة (Sport Orientation Questionnaire – SOQ): صممته جيل وديتر عام 1988 خصيصاً للبيئات الرياضية، ويقيس ثلاثة أبعاد محورية هي: التنافسية العامة، والتوجه نحو الفوز، والتوجه نحو تحقيق الأهداف الشخصية.
تُعد هذه المقاييس ركيزة أساسية في أبحاث علم نفس الشخصية والإرشاد المهني؛ حيث تساعد المستشارين النفسيين ومسؤولي التوظيف على تقييم مدى ملاءمة الأفراد للأدوار القيادية والوظيفية، وتحديد التدخلات الإرشادية المناسبة للأفراد الذين يعانون من مستويات مدمرة من التنافسية تعيق تكيفهم الاجتماعي وأدائهم المهني وتسبب لهم استنزافاً نفسياً مزمناً.
خاتمة
تظل التنافسية قوة دافعة مركبة تتأرجح في طبيعتها بين تحفيز أسمى إمكانات الإبداع والتفوق الإنساني وبين إشعال نيران الاستنزاف والقلق والفرقة الاجتماعية. إن الفيصل الجوهري في تحديد ما إذا كانت التنافسية ستعمل كنعمة دافعة أو كنقمة مدمرة يكمن في البناء القيمي والدافعي الذي يؤطرها؛ فعندما ترتبط بالسعي الأصيل نحو إتقان المهارات وتطوير الذات ومساعدة الآخرين على الارتقاء، تتحول التنافسية إلى فضيلة نفسية وطاقة بناءة تسهم في ارتقاء المجتمعات. أما حين تنفصل عن التعاطف الإنساني وتتحول إلى غاية عُصابية تتغذى على سحق الآخرين بحثاً عن تأكيد ذاتي هش، فإنها تفضي حتماً إلى عزلة الفرد وتدهور صحته النفسية وتفكك أواصر التعاون الإنساني النبيل.
المراجع
- Adler, A. (1938). Social Interest: A Challenge to Mankind. Faber and Faber.
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The “what” and “why” of goal pursuits: Human needs and the self-determination of behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227-268. https://doi.org/10.1207/S15327965PLI1104_01
- Deutsch, M. (1949). A theory of co-operation and competition. Human Relations, 2(2), 129-152. https://doi.org/10.1177/001872674900200204
- Dweck, C. S. (2006). Mindset: The New Psychology of Success. Random House.
- Festinger, L. (1954). A theory of social comparison processes. Human Relations, 7(2), 117-140. https://doi.org/10.1177/001872675400700202
- Gill, D. L., & Deeter, T. E. (1988). Development of the Sport Orientation Questionnaire. Research Quarterly for Exercise and Sport, 59(3), 191-202. https://doi.org/10.1080/02701367.1988.10605504
- Horney, K. (1937). The Neurotic Personality of Our Time. W. W. Norton & Company.
- Houston, J. M., McIntire, S. A., & Kinnie, J. (1992). A factor analysis of scales measuring competitiveness. Educational and Psychological Measurement, 52(3), 747-755. https://doi.org/10.1177/0013164492052003025
- Ryckman, R. M., Hammer, M., Kaczor, L. M., & Gold, J. A. (1990). Construction of a Hypercompetitive Attitude Scale. Journal of Personality Assessment, 55(3-4), 630-639. https://doi.org/10.1080/00223891.1990.9674103
- Ryckman, R. M., Hammer, M., Kaczor, L. M., & Gold, J. A. (1996). Construction of a Personal Development Competitive Attitude Scale. Journal of Personality Assessment, 66(2), 374-385. https://doi.org/10.1207/s15327752jpa6602_15