تُعد تجربة دمية بوبو (Bobo Doll Experiment) واحدة من أكثر الدراسات التجريبية شهرة وتأثيراً في تاريخ علم النفس الحديث، حيث قادها عالم النفس الكندي-الأمريكي ألبرت باندورا برفقة زميلتيه دوروثيا روس وشيلا روس في جامعة ستانفورد عام 1961. شكلت هذه التجربة نقطة تحول جذرية أطاحت بالهيمنة المطلقة للنموذج السلوكي الكلاسيكي، مؤكدة أن السلوك البشري، وبخاصة السلوك العدواني، لا يكتسب فقط عبر التعزيز المباشر والعقاب، بل يتشكل بعمق من خلال الملاحظة والمحاكاة والنمذجة الاجتماعية. ومن خلال تسليط الضوء على قدرة الأطفال على استيعاب الأنماط السلوكية المعقدة وتكرارها دون تلقي أي مكافأة مباشرة، وضعت التجربة حجر الأساس لصياغة نظرية التعلم الاجتماعي، مفسحة المجال لفهم أوسع وأعمق لكيفية انتقال العدوان وثقافة العنف عبر الأجيال والوسائط الإعلامية.
السياق الفكري والتاريخي لظهور التجربة
خلال النصف الأول من القرن العشرين، سيطرت المدرسة السلوكية على علم النفس الأكاديمي، متأثرة بأطروحات جون واطسون وبي إف سكينر، والتي افترضت أن السلوك البشري والحيواني عبارة عن استجابة محضة للمثيرات البيئية، وأن اكتساب أي عادة جديدة يتطلب بالضرورة وجود تعزيز إيجابي أو سلبي مباشر أو خضوعاً لاشتراط كلاسيكي صارم. واعتبر السلوكيون الراديكاليون أن العمليات الذهنية الداخلية تمثل “صندوقاً أسود” لا يمكن دراسته علمياً ولا ينبغي إقحامه في تفسير التعلم، مما جعل النظرة إلى الكائن البشري مقتصرة على كونه متلقياً سلبياً تصقله المكافآت والعقوبات الخارجية.
في المقابل، كانت المدرسة التحليلية الفرويدية تقدم تفسيراً مناقضاً للعدوان بوصفه طاقة غريزية فطرية متأصلة تنبع من غريزة الموت وتتراكم داخلياً وتتطلب تفريغاً أو “تطهيراً” (Catharsis). ووفقاً لهذه الرؤية التحليلية، فإن مشاهدة العنف أو الانخراط في ألعاب قتالية قد يساهم في تقليل النزعة العدوانية عبر تصريف الشحنة الانفعالية المكبوتة، وهو افتراض شاع بقوة في منتصف القرن العشرين واعتُمد لتبرير تزايد العنف في السينما والتلفزيون الناشئ آنذاك.
وجد ألبرت باندورا نفسه غير مقتنع بكلا الطرحين؛ إذ رأى أن السلوكية التقليدية عاجزة عن تفسير السرعة الفائقة التي يتعلم بها الأطفال اللغة والعادات الاجتماعية دون تدريب تدريجي مضنٍ، كما شكك في فرضية التطهير النفسي للعدوان، معتبراً أن مشاهدة العنف قد تؤدي على العكس تماماً إلى استثارته وتيسير ظهوره. وانطلاقاً من هذا التحدي الإبستيمولوجي، صمم باندورا تجربة دمية بوبو لاختبار فرضيته الثورية: أن السلوكيات الجديدة يمكن اكتسابها بالكامل من خلال الملاحظة البصرية لنماذج حية دون حاجة للتعزيز الفردي المباشر، وهو ما أسماه لاحقاً بـ “التعلم البديل” (Vicarious Learning).
التصميم المنهجي والعينة التجريبية
تميزت تجربة عام 1961 بتصميم تجريبي بالغ الدقة والصرامة الإجرائية للحد من المتغيرات الدخيلة وضمان أعلى درجات الصدق الداخلي. اختار الباحثون عينة مكونة من 72 طفلاً (36 من الذكور و36 من الإناث) تتراوح أعمارهم بين 37 و65 شهراً (متوسط الأعمار 51 شهراً، أي نحو أربع سنوات وثلاثة أشهر)، تم استقطابهم من حضانة جامعة ستانفورد العريقة. ونظراً لتباين الأطفال في ميولهم العدوانية الطبيعية مسبقاً، قام باندورا ومساعدوه بإجراء تقييم تمهيدي قبلي لسلوك كل طفل على مقياس مكوّن من خمس نقاط يرصد درجات العدوان الجسدي واللفظي والعدوان الموجه نحو الأشياء وضبط النفس، وذلك بالتعاون مع معلمات الحضانة اللاتي يعرفن سلوك الأطفال عن كثب.
تم ترتيب الأطفال وتوزيعهم على مجموعات التجربة باستخدام أسلوب المجموعات المتكافئة (Matched Pairs Design) لضمان توزيع متجانس للمستويات التأسيسية للعدوان عبر كافة شروط الدراسة. تم تقسيم الأطفال إلى ثلاث مجموعات رئيسية تتألف كل منها من 24 طفلاً:
- مجموعة النموذج العدواني: شاهد أطفالها نموذجاً بالغاً يُظهر تصرفات عنيفة جسدياً ولفظياً تجاه دمية بوبو.
- مجموعة النموذج غير العدواني: شاهد أطفالها نموذجاً بالغاً يتجاهل دمية بوبو ويلعب بهدوء وسكينة بمجموعة أخرى من الألعاب.
- المجموعة الضابطة: لم يتعرض أطفالها لأي نموذج بالغ على الإطلاق، بل وُضعوا مباشرة في بيئة الاختبار لتقييم سلوكهم الأساسي.
وعلاوة على هذا التقسيم، أدخل باندورا متغيراً حاسماً يتعلق بنوع الجنس؛ حيث جرى تقسيم المجموعتين التجريبيتين إلى مجموعات فرعية، بحيث يتعرض نصف الأطفال الذكور والإناث لنموذج بالغ من نفس الجنس (ذكر-ذكر، أنثى-أنثى)، بينما يتعرض النصف الآخر لنموذج من الجنس المغاير (ذكر-أنثى، أنثى-ذكر)، مما أتاح دراسة دقيقة لتأثير جنس النموذج على درجة التطابق السلوكي والمحاكاة لدى الأطفال.
مراحل تنفيذ التجربة والإجراءات الميدانية
جرى تطبيق التجربة من خلال ثلاثة أطوار متسلسلة ومحكمة تم تصميمها لعزل المتغيرات البيئية والتأكد من الدافع الحقيقي وراء ظهور السلوك العدواني:
المرحلة الأولى: التعرض للنموذج (Modeling Phase)
كان يُقتاد الطفل بمفرده إلى غرفة لعب مجهزة، حيث يُجلس في زاوية مخصصة تحتوي على أنشطة جذابة ومناسبة لعمره مثل التلوين وصنع الملصقات. في الزاوية المقابلة من الغرفة، وُجدت طاولة ومقعد ومجموعة من ألعاب التركيب، ومطرقة خشبية، إلى جانب دمية بوبو، وهي دمية قابلة للنفخ مصنوعة من الفينيل يبلغ طولها نحو متر إلى متر ونصف، ذات قاعدة ثقيلة تجعلها تعود إلى وضعها الرأسي القائم كلما دُفعت أو ضُربت.
في حالة مجموعة النموذج العدواني، كان الشخص البالغ يشرع في البداية باللعب بقطع التركيب لدقيقة واحدة، ثم يتحول فجأة وبصورة درامية نحو دمية بوبو ليبدأ في ممارسة سلوكيات عنيفة متقنة ومحددة بدقة؛ فكان يطرح الدمية أرضاً، ويجلس فوقها ويسدد إليها اللكمات المتكررة على الأنف، ويضربها بالمطرقة الخشبية، ويركلها بقوة في أرجاء الغرفة، ويلقي بها في الهواء. وترافق هذا الأداء الحركي مع تعبيرات لفظية عدوانية متميزة تم توحيدها مثل: “اضربه على أنفه!” و”ارمِه في الهواء!” و”ركلة قوية!”، مصحوبة بعبارات غير عدوانية مثل “إنه قوي حقاً”. استمر هذا العرض لمدة عشر دقائق، بينما في مجموعة النموذج الهادئ، اكتفى البالغ باللعب بمكعبات التركيب متجاهلاً الدمية تماماً طوال المدة المحددة.
المرحلة الثانية: استثارة الإحباط الخفيف (Aggression Arousal)
أدرك باندورا أن ملاحظة العدوان قد لا تترجم تلقائياً إلى فعل ظاهر إلا إذا توافرت حالة تحفيزية أو انفعالية، ولذلك أخضع جميع الأطفال، بلا استثناء بما في ذلك أطفال المجموعة الضابطة، لموقف إحباط مصطنع. أُخذ الطفل إلى غرفة مليئة بألعاب جذابة للغاية وعالية القيمة مثل سيارات الإطفاء والدمى الفاخرة وعربات الأطفال. وبعد السماح للطفل بالاندماج في اللعب لمدة دقيقتين فقط والشعور بالمتعة، كان الباحث يتدخل فجأة بحجة مدروسة قائلاً: “هذه ألعابي الخاصة والمفضلة، وقررت ألا أسمح لأي أحد باللعب بها، وسأحتفظ بها للأطفال الآخرين”. كان هذا الإجراء كفيلاً بتوليد شحنة انفعالية من الإحباط والتوتر النفسي لدى الطفل قبل نقله إلى غرفة الاختبار النهائية.
المرحلة الثالثة: اختبار النمذجة والملاحظة (Test for Delayed Imitation)
نُقل الطفل إثر ذلك إلى غرفة الاختبار التجريبية التي احتوت على مزيج مختار بعناية من الألعاب غير العدوانية (مثل ألوان الشمع، ورق الرسم، دمى صغيرة، أطقم شاي، حيوانات بلاستيكية) وألعاب ذات صبغة عدوانية واضحة (مثل دمية بوبو، المطرقة الخشبية، بنادق السهام، وكرة معدنية معلقة). تُرك الطفل حراً للعب لمدة 20 دقيقة، في حين كان الباحثون يراقبون سلوكه بدقة عبر مرآة ذات اتجاه واحد (One-way mirror)، مسجلين استجاباته كل 5 ثوانٍ بواسطة نظام ترميز سلوكي متقدم.
تم تصنيف السلوكيات المرصودة إلى ثلاث فئات أساسية:
- العدوان المحاكي تماماً (Imitative Aggression): ويكمل في تكرار حركات البالغ بحذافيرها، مثل الجلوس على بوبو ولكمها على الأنف، ضربها بالمطرقة، أو ترديد نفس العبارات اللفظية الدقيقة (“اضربه على أنفه”).
- العدوان المحاكي جزئياً (Partially Imitative Aggression): مثل استخدام المطرقة لضرب أشياء أخرى غير الدمية، أو الجلوس فوق بوبو دون ضربه بعنف.
- العدوان غير المحاكي (Non-Imitative Aggression): ابتكار أشكال جديدة من العنف لم يفعلها النموذج إطلاقاً، كاستخدام البندقية لإطلاق السهام على بوبو، أو توجيه شتائم وألفاظ عدائية مبتكرة لم تُذكر في الطور الأول.
النتائج التجريبية والبيانات الإحصائية
جاءت نتائج التجربة قاطعة وصادمة للأوساط النفسية آنذاك، مؤكدة صحة الفرضيات التي طرحها باندورا ومقدمة دليلاً تجريبياً دامغاً على حدوث التعلم عبر المشاهدة:
أظهر الأطفال الذين تعرضوا للنموذج العدواني مستويات أعلى بكثير، إحصائياً وسلوكياً، من السلوكيات العدوانية المحاكية وغير المحاكية مقارنة بالأطفال في مجموعتي النموذج الهادئ والضابطة. لقد قام هؤلاء الأطفال بنسخ الحركات الجسدية واللكمات والضربات بالمطرقة بدقة متناهية، ورددوا نفس الألفاظ العدائية التي تفوه بها البالغ، مما أثبت أن العنف لم يكن مجرد استجابة فطرية غير منظمة بل كان نمطاً سلوكياً تم تعلمه واكتسابه بالتفصيل عبر الملاحظة البصرية الخالصة.
وعلى النقيض من ذلك، أظهرت مجموعة النموذج غير العدواني سلوكيات عدائية تكاد لا تُذكر، بل إن سلوكهم كان في كثير من الأحيان أقل عدوانية حتى من أفراد المجموعة الضابطة، مما أشار إلى أن مراقبة سلوك هادئ ومضبوط يمكن أن يعمل ككابح سلوكي (Inhibitory effect) يهدئ من استجابات الإحباط لدى الأطفال.
أما بخصوص الفروق الفردية القائمة على النوع الاجتماعي، فقد كشفت البيانات أن الذكور كانوا أكثر ميلاً بوجه عام لتبني العدوان الجسدي ومحاكاته بصورة تفوق الإناث، لا سيما إذا كان النموذج المعروض أمامهم ذكراً. في المقابل، تساوت الإناث تقريباً مع الذكور في معدلات محاكاة العدوان اللفظي، إلا أن تقليدهن للعدوان الجسدي كان يتضاعف إذا كان النموذج أنثى، مما أبرز دور المطابقة الجنسية (Same-sex model influence) في تعزيز قوة النمذجة وقبول السلوك كمعيار متوافق مع الدور الاجتماعي.
توسيع التجربة: دور التعزيز والعقاب البديل (1965)
لم يتوقف باندورا عند دراسة عام 1961، بل أتبعها في عام 1965 بدراسة مكملة وفارقة استهدفت تفكيك العلاقة الجدلية بين “اكتساب السلوك” (Acquisition) و”الأداء الفعلي للسلوك” (Performance)، ومعرفة مدى تأثير ما أسماه بـ التعزيز البديل (Vicarious Reinforcement) والعقاب البديل (Vicarious Punishment).
في هذه التجربة المعدلة، شاهد الأطفال فيلماً مسجلاً لشخص بالغ يعتدي على دمية بوبو، ولكن بنهايات درامية مختلفة قُسمت إلى ثلاثة شروط تجريبية:
- شرط مكافأة النموذج (Model-Rewarded): ينتهي العرض بدخول شخص بالغ آخر يمدح النموذج المعتدي، واصفاً إياه بـ “البطل القوي”، ويكافئه بحلويات وعصائر ومشروبات لذيذة.
- شرط معاقبة النموذج (Model-Punished): ينتهي العرض بدخول البالغ الآخر وتوبيخ النموذج بعنف، وضربه بمجلة وملامته قائلاً إنه “متنمر وسيء السلوك”، وطرده من المكان.
- شرط غياب العواقب (No-Consequences): يغادر النموذج الغرفة دون أن يتلقى أي ثناء أو لوم أو عقاب، ليكون بمثابة معيار محايد.
عندما وُضع الأطفال لاحقاً في غرفة اللعب بشكل فردي، أظهر أطفال مجموعة “معاقبة النموذج” سلوكاً عدوانياً أقل بكثير وبشكل دال إحصائياً مقارنة بالمجموعتين الأخريين؛ حيث شكل عقاب النموذج رادعاً معرفياً كبح جماح المحاكاة الفورية لديهم خوفاً من مصير مماثل.
لكن المفاجأة الكبرى التي حسمت الجدل السلوكي ظهرت في المرحلة الثانية من التجربة؛ حيث دخل الباحث إلى غرفة الاختبار وقدم للأطفال حافزاً إيجابياً مباشراً (جوائز ومكافآت لكل حركة عدوانية يستطيعون تذكرها وإعادة تمثيلها مما فعله النموذج في الفيلم). وهنا تلاشت الفروق بين المجموعات الثلاث تماماً؛ إذ استطاع أطفال مجموعة “النموذج المعاقب” استعادة وتكرار كافة الحركات العدوانية بنفس الدقة والبراعة التي أظهرها بقية الأطفال.
برهنت هذه النتيجة الحاسمة على مبدأ ثوري في علم النفس المعرفي: أن التعلم بالملاحظة يحدث بصورة كاملة ويبقى مخزوناً في الذاكرة المعرفية للفرد سواء تمت مكافأة النموذج أو معاقبته، إلا أن العواقب المترتبة على السلوك تحدد فقط ما إذا كان الفرد سيختار “أداء” هذا السلوك وإخراجه إلى حيز الواقع أم كبته داخلياً.
المبادئ المعرفية الأربعة للتعلم بالملاحظة
بناءً على نتائج تجارب دمية بوبو وتطبيقاتها اللاحقة، بلور باندورا أربعة ميكانيزمات وسيطة متسلسلة تشكل معاً جوهر عملية التعلم الاجتماعي المعرفي وتفسر كيف يتحول المشهد الخارجي إلى تصرف سلوكي متكامل:
1. عمليات الانتباه (Attentional Processes)
لا يمكن للإنسان محاكاة سلوك لا يدركه بوعي. يتأثر الانتباه بخصائص النموذج المعروض؛ فالنماذج ذات الجاذبية، أو المكانة العالية، أو التي تتسم بالقوة والهيبة تحظى بانتباه بصري وتركيز معرفي أكبر من قبل الأطفال والمراهقين. في تجارب بوبو، كان الأداء الصاخب والمتميز حركياً للبالغ كافياً للاستحواذ الكامل على انتباه الأطفال.
2. عمليات الاحتفاظ والتمثيل الرمزي (Retention Processes)
لكي يُعاد إنتاج السلوك في وقت لاحق بمعزل عن النموذج، يجب ترميزه وتخزينه في الذاكرة طويلة المدى. ويتم هذا التمثيل إما عبر الصور الذهنية البصرية (Imaginal coding) أو عبر الترميز اللفظي الدلالي (Verbal coding). فالأطفال قاموا بترميز تصرفات النموذج كصور ذهنية وعبارات مجردة (“ضرب على الرأس بالمطرقة”) استطاعوا استدعاءها لاحقاً وتطبيقها بدقة.
3. عمليات الإنتاج الحركي (Motor Reproduction Processes)
تتعلق هذه الخطوة بالقدرة الجسدية والميكانيكية للفرد على تحويل التمثيلات العقلية المخزونة إلى أفعال حركية مطابقة. يتطلب هذا الجانب توفر النضج الحركي والتناسق العضلي-العصبي، فضلاً عن وجود تغذية راجعة تصحيحية تتيح للمتعلم مواءمة حركاته مع الصورة الذهنية الأصلية للنموذج الملاحظ.
4. العمليات الدافعية والتعزيزية (Motivational Processes)
يمثل الدافع الجسر الرابط بين المعرفة والأداء. قد يتعلم الفرد سلوكاً معيناً ويتقن تفاصيله الذهنية، لكنه لا يقدم على تطبيقه ما لم يتوفر حافز كافٍ. قسّم باندورا الدوافع إلى ثلاثة أصناف: التعزيز المباشر (مكافأة يتلقاها الشخص ذاته)، والتعزيز البديل (رؤية مكافأة شخص آخر على سلوكه)، والتعزيز الذاتي النابع من مشاعر الفخر والكفاءة الذاتية وضبط الضمير الداخلي.
الانتقادات المنهجية والأخلاقية للتجربة
على الرغم من المكانة الرفيعة التي تحظى بها تجارب دمية بوبو في تاريخ البحث السلوكي، إلا أنها واجهت انتقادات حادة من جانب علماء النفس التجريبي والمنهجيين، تمحورت حول عدد من النقاط الإشكالية الجوهرية:
أولاً، طعن نقاد كثر في الصدق البيئي (Ecological Validity) للتجربة وملاءمتها لمحاكاة الواقع الاجتماعي الحقيقي. فدمية بوبو صُممت في الأصل لتكون لعبة بهلوانية تهدف إلى اللكم والضرب واستعادة توازنها التلقائي؛ ومن ثم، فإن ضربها لا يعكس بالضرورة اعتداءً عدوانياً حقيقياً يحمل نية إيذاء كائن حي أو شخص بشري. ورأى البعض أن التجربة رصدت لعباً صاخباً ومرحاً أكثر من كونها قياساً للعدوان الإجرامي أو العنيف.
ثانياً، برزت إشكالية خصائص الطلب (Demand Characteristics) وتأثير الملاحظة؛ حيث أشار بعض الباحثين إلى أن الأطفال قد استشفوا ما يريده الباحثون منهم بذكاء فطري؛ فوجود المطرقة بالقرب من الدمية في غرفة الاختبار فُسر من قبل الأطفال كدعوة ضمنية وتلميح إيجابي للقيام بضربها إرضاءً لتوقعات الكبار، وليس بدافع رغبة عدائية أصيلة متولدة من النمذجة وحدها.
ثالثاً، أثيرت اعتراضات أخلاقية جسيمة بمقاييس البحث العلمي المعاصرة. تضمنت التجربة تعريض أطفال صغار في طور التكوين النفسي لنماذج بالغة تمارس العنف بضراوة، فضلاً عن إخضاعهم عمداً لضغوط الإحباط والتوتر النفسي دون توفير جلسات تفريغ أو علاج تعقيبي (Debriefing) لإزالة الآثار السلوكية العدوانية المكتسبة بعد انتهاء التجربة، مما أثار قلقاً حول إمكانية استمرار هذه السلوكيات المغروسة في تفاعلاتهم اليومية لاحقاً خارج أسوار المختبر.
التأثير العلمي والتطبيقات المجتمعية المعاصرة
أحدثت نتائج دمية بوبو صدى واسعاً تجاوز الأوساط الأكاديمية الصرفة ليخترق النقاشات السياسية والتشريعية والإعلامية لعقود متتالية. شكلت هذه النتائج الذخيرة العلمية الأقوى في المعارك القانونية والاجتماعية المناهضة لبث العنف غير المقيد في وسائل الإعلام المرئية، وأسهمت بصورة مباشرة في جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس الأمريكي ولجان الاتصالات الفيدرالية لتقنين المحتوى الموجه للأطفال وتأسيس أنظمة التصنيف العمري للأفلام والمسلسلات الكرتونية وبرامج التلفاز.
وفي عصرنا الرقمي الراهن، تظل نظرية باندورا ونتائج بوبو هي الإطار النظري الأبرز الذي يستند إليه الباحثون في تفكيك ظواهر التأثر بالعنف في ألعاب الفيديو التفاعلية (Video Games)، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومقاطع الفيديو المنتشرة على الإنترنت. وبالمثل، أحدث هذا النموذج تحولاً عميقاً في أساليب التربية الحديثة والتعليم المدرسي؛ حيث تحول التركيز التربوي من الاعتماد الحصري على العقاب المادي إلى تبني استراتيجيات “القدوة الإيجابية” ونمذجة السلوك الاجتماعي القويم وحل النزاعات بطرق سلمية أمام النشء.
خاتمة
تظل تجربة دمية بوبو لألبرت باندورا علامة فارقة رسخت الفهم العلمي للتعلم بالملاحظة وأثبتت أن البيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد ليست مجرد مصدر للمكافآت والعقوبات، بل هي ساحة معرفية حية تُستقى منها النماذج السلوكية وتُحفر في الذاكرة لتشكل أنماط الاستجابة المستقبلية. وبإبرازها للقدرة المعرفية الفذة التي يمتلكها الأطفال على استيعاب سلوكيات المحيطين بهم وإعادة إنتاجها، أزاحت هذه التجربة الستار عن المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية الكبرى الملقاة على عاتق الوالدين والمربين ومؤسسات الإعلام في تشكيل السلوك الإنساني وبناء ثقافة تنبذ العنف وتؤسس للتعاطف والتعايش الإيجابي.
المراجع
- Bandura, A. (1973). Aggression: A social learning analysis. Prentice-Hall.
- Bandura, A. (1977). Social learning theory. Prentice-Hall.
- Bandura, A. (1986). Social foundations of thought and action: A social cognitive theory. Prentice-Hall.
- Bandura, A., & Ross, D., & Ross, S. A. (1961). Transmission of aggression through imitation of aggressive models. Journal of Abnormal and Social Psychology, 63(3), 575–582. https://doi.org/10.1037/h0045925
- Bandura, A., & Ross, D., & Ross, S. A. (1963). Imitation of film-mediated aggressive models. Journal of Abnormal and Social Psychology, 66(1), 3–11. https://doi.org/10.1037/h0048680
- Bandura, A. (1965). Influence of models’ reinforcement contingencies on the acquisition of imitative responses. Journal of Personality and Social Psychology, 1(6), 589–595. https://doi.org/10.1037/h0022070
- Ferguson, C. J. (2010). Blazing angels or resident evil? Can violent video games be a force for good?. Review of General Psychology, 14(2), 68–81. https://doi.org/10.1037/a0018941
- Huesmann, L. R. (2007). The impact of electronic media violence: Scientific theory and research. Journal of Adolescent Health, 41(6), S6–S13. https://doi.org/10.1016/j.jadohealth.2007.09.005