التحليل النفسيالمفاهيم النفسيةعلم النفس الإكلينيكي

تشكيل التسوية: صراع الرغبة وتجليات العَرَض

استكشف مفهوم تشكيل التسوية في التحليل النفسي: كيف ينشأ الصراع اللاواعي بين رغبات الهو ودفاعات الأنا، وكيف تتجلى هذه الحلول في الأعراض، والأحلام، والسلوك اليومي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل العقل البشري مسرحاً دائماً للتجاذبات الدينامية العميقة التي لا تهدأ، حيث تتصادم الدوافع الغريزية الفطرية مع متطلبات الواقع ومعايير الضمير الأخلاقي الصارمة. في خضم هذا الصدام الوجداني المستمر، يبرز مفهوم تشكيل التسوية (Compromise Formation) بوصفه أحد أرقى المفاهيم التفسيرية وأكثرها جوهرية في نظرية التحليل النفسي الكلاسيكية والمعاصرة. لا يقتصر هذا المفهوم على كونه مجرد تفسير لظهور الأعراض المرضية، بل يمتد ليشكل الركيزة الأساسية لفهم السلوك البشري اليومي، وأحلام النوم، والإبداعات الفنية، وزلات القلم واللسان على حد سواء.

المدخل المفاهيمي والتعريف الأكاديمي لتشكيل التسوية

يُعرَّف تشكيل التسوية في الأدبيات التحليلية بأنه العملية النفسية اللاشعورية التي ينتج عنها بناء ذهني أو سلوكي يوفق بين قوتين متعارضتين أو أكثر داخل الجهاز النفسي. تنشأ هذه العملية عندما تحاول رغبة لاواعية، منبثقة من نزوات الهو، أن تقتحم حيز الشعور والوعي بغية الإشباع والتفريغ الوجداني. في المقابل، تستشعر الأنا خطراً وشيكاً يهدد استقرار الفرد أو يثير مشاعر القلق والذنب، فتجند الآليات الدفاعية لكبح هذه الرغبة وإبعادها عن بؤرة الإدراك المباشر.

ونتيجة لاستحالة الإلغاء الكامل للنزوة الدافعة وعدم قدرة الدفاع على محوها كلياً من الوجود الدينامي، يضطر الجهاز النفسي إلى ابتكار حل وسط وظيفي يتيح التعبير الجزئي أو المقنع عن الرغبة مع الاحتفاظ بدرجة مقبولة من الدفاع النفسي. هذا الحل الوسط ليس مجرد استسلام لأحد الطرفين، بل هو نسيج مركب يتضمن في آن واحد كلاً من الدافع الغريزي والدفاع المضاد له، مضافاً إليهما في كثير من الأحيان مشاعر العقاب الذاتي المستمدة من متطلبات الأنا الأعلى. ومن هذا المنطلق، فإن الظاهرة النفسية الناتجة تصبح سفيرة للنوايا المتناقضة في آن معاً، وتجسد براعة العقل اللاواعي في الموازنة بين المتضادات.

إن إدراك هذا التكوين يسمح للمشتغلين بالصحة النفسية بتجاوز النظرة السطحية للأعراض العصابية، التي كثيراً ما كان يُنظر إليها على أنها مجرد أعطال بيولوجية أو اختلالات سلوكية معزولة. فالعَرَض النفسي، وفق منظور تشكيل التسوية، ليس فراغاً أو عجزاً محضاً، بل هو إنجاز تركيبي يحمل معنى دلالياً مشحوناً بالرموز ويهدف إلى الحفاظ على التوازن النفسي الداخلي وتجنب الانهيار أمام القلق الغامر. وتتجلى عبقرية الجهاز النفسي في أن هذا التكوين يمنح الفرد قدراً من الإشباع المستتر دون أن يضطره إلى مواجهة الحقيقة الصادمة لدوافعه المكبوتة بصورة واعية ومباشرة.

التطور التاريخي للمفهوم: من فرويد إلى مدرسة علم نفس الأنا

تعود الجذور الأولى لمفهوم تشكيل التسوية إلى الكتابات التأسيسية التي وضعها سيغموند فرويد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ففي مؤلفه الرائد “تفسير الأحلام” (1900)، بَيَّن فرويد كيف أن الحلم ليس سوى تشكيل تسوية بين الرغبات اللاواعية الساعية للظهور والرقابة النفسية التي تحرّف تلك الرغبات وتطمس معالمها لتسمح للنائم بمواصلة نومه دون إزعاج مفرط. استخدم فرويد في البداية مصطلحات تقارب هذا المعنى لوصف الهستيريا والوسواس، مشيراً إلى أن العَرَض العصابي يمثل دائماً تقاطعاً بين اندفاع النزوة والردع الدفاعي الممارَس ضدها من قبل المجتمع والأخلاق.

ومع تطور الفكر الفرويدي وانتقاله من “النموذج الطبوغرافي” (الواعي، ما قبل الواعي، اللاواعي) إلى “النموذج البنيوي” ثلاثي الأبعاد (الهو، الأنا، الأنا الأعلى) في عشرينيات القرن الماضي، اكتسب تشكيل التسوية صلابة نظرية بالغة الأهمية. أصبح يُنظر إلى الأنا بوصفها الكيان التنفيذي المسؤول عن إدارة الصراع وتنسيق الضغوط المتأتية من الهو المنفلت، والواقع الخارجي القاهر، والأنا الأعلى اللائم. في هذا السياق، أصبح تشكيل التسوية الوظيفة الجوهرية للأنا، حيث تسعى دائماً لتفادي اجتياح القلق عبر نسج حلول تحافظ على تماسك الذات بأقل قدر ممكن من الألم النفسي والمعاناة الوجودية.

واصل المحللون النفسيون من بعد فرويد، وخاصة رواد علم نفس الأنا مثل آنا فرويد وهاينز هارتمان، فحص الآليات التي تتفاعل بها الدفاعات مع الغرائز لإنتاج هذه التسويات. إلا أن النقلة النوعية الكبرى في صياغة المفهوم جاءت على يد المحلل النفسي الأمريكي تشارلز برينر (Charles Brenner) في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. رأى برينر أن تشكيل التسوية ليس مجرد آلية ضمن آليات أخرى، بل هو المبدأ التفسيري الشامل لكل ظواهر الحياة النفسية السوية والشاذة، مما أعاد موضعة المفهوم في قلب التحليل النفسي المعاصر.

المكونات الرباعية لتشكيل التسوية وفقاً لنظرية تشارلز برينر

قدم تشارلز برينر صياغة منهجية رصينة لتشكيل التسوية، مجرداً إياه من التعقيدات الميتاعلمية الزائدة وموضحاً أنه يتألف حتماً من أربعة عناصر دينامية تتفاعل فيما بينها بشكل لا ينفصم في كل مظهر من مظاهر النشاط النفسي البشري:

  • الرغبة الغريزية (Drive Wish): وهي المحرك الابتدائي المستمد من دوافع الطفولة المبكرة، سواء كانت نزوات جنسية، شبقية، أو رغبات عدوانية تدميرية موجهة نحو موضوعات الارتباط الأولية (كالوالدين).
  • الكدر أو الانفعال المؤلم (Unpleasure/Affect): وهو التقدير الوجداني للخطر المرتبط بتحقيق الرغبة؛ ويتخذ بصورة نموذجية شكلين رئيسيين هما القلق (Anxiety) المبني على توقع عقاب أو كارثة وشيكة، والحزن أو الاكتئاب (Depressive affect) المرتبط بشعور الفقدان والانهزام الذاتي.
  • الآليات الدفاعية (Defenses): وهي مجمل الإجراءات النفسية اللاشعورية التي تلجأ إليها الأنا لتقليل الكدر ومنع الرغبة من التحقق الصريح، كالكبت، والنكوص، والتكوين العكسي، والعزل، والإسقاط.
  • العقاب الذاتي وتأنيب الضمير (Self-Punishment): وهو العنصر المشتق من الأنا الأعلى، حيث يشعر الفرد لاواعياً بالحاجة إلى التكفير عن مجرد التفكير في الرغبة المحظورة، ويتجلى ذلك في الشعور بالذنب، أو إيقاع الأذى بالذات، أو فرض قيود مؤلمة على مجريات الحياة اليومية.

يؤكد هذا النموذج الرباعي أن أي سلوك نفسي ناضج أو مرضي هو محصلة متوازنة تتوزع فيها هذه القوى الأربع. فإذا اختل هذا الميزان لصالح الرغبة دون دفاع ملائم، واجه الفرد قلقاً هلعياً كاسحاً؛ وإذا اشتط الدفاع والعقاب الذاتي بصورة مفرطة، أُصيبت الشخصية بالجمود والفقر الوجداني أو ظهرت الأعراض الاكتئابية الحادة. وبالتالي، فإن نجاح تشكيل التسوية يكمن في قدرته على الحفاظ على استمرارية الأداء الوظيفي للفرد دون استنزاف موارده العاطفية في معارك داخلية لا تنتهي.

تشكيل التسوية في الحياة النفسية السوية: زلات اللسان، الأحلام، والإبداع

من الأخطاء الشائعة حصر مفهوم تشكيل التسوية في دائرة الأمراض والاضطرابات العصابية؛ إذ تُبين القراءة التحليلية المعمقة أن الحياة اليومية للإنسان الطبيعي زاخرة بهذه التشكيلات غير العادية. تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في أفعال الهفوات وزلات اللسان (Parapraxes)، التي استعرضها فرويد في كتابه الشهير “سيكوباثولوجيا الحياة اليومية”. في زلة اللسان، تنجح الرغبة المكبوتة في الهروب من قبضة الرقابة للحظة وجيزة، ولكنها تفعل ذلك عبر تحوير الكلمة المنطوقة، مما ينتج صياغة لغوية تجمع بين النية الواعية والتصريح اللاشعوري الكامن خلفها.

كذلك تُمثل الأحلام الأنموذج الأوضح لتشكيل التسوية البنائي غير المَرَضي. في الحلم، ترغب النزوة الطفولية في التعبير عن ذاتها والانطلاق الحر نحو الإشباع، إلا أن الرقابة النفسية (وهي جهاز الدفاع أثناء النوم) تفرض شروطها وتُجبر الرغبة على ارتداء أقنعة الرمزية، والتكثيف (Condensation)، والإزاحة (Displacement). والنتيجة الحتمية لهذا التفاوض هي “محتوى الحلم الظاهر”، الذي يبدو غريباً أو عبثياً في ظاهره، ولكنه في جوهره حل توفيقي متقن يؤدي وظيفة الرغبة من جهة، ويحفظ هدوء النائم وسلامته الذهنية من جهة أخرى.

ويمتد هذا التشكيل ليشمل مجالات السمو الإنساني الرفيع، لا سيما في الإبداع الفني والإنتاج الفكري والثقافي. فالفنان التشكيلي، أو الكاتب الروائي، أو الموسيقي البارع، يوظف طاقاته اللاشعورية الغريزية غير المقبولة اجتماعياً، ويعيد صياغتها عبر مسارات التسامي والتصعيد (Sublimation). في العمل الفني، نجد تجسيداً مبهراً لتسوية راقية تسمح للمبدع بالاعتراف برغباته الدفينة، وتمنح المتلقي متعة جمالية تشاركية، وتكافئ الأنا والمجتمع بقيمة حضارية أصيلة دون إثارة نزاعات هدامة أو تأنيب ضمير عقيم.

تشكيل التسوية في الباثولوجيا النفسية: بناء الأعراض والاضطرابات العصابية

عندما تعجز التسويات الاعتيادية عن احتواء الصراع النفسي الداخلي وتفشل آليات التسامي في توفير منافذ آمنة للطاقة الحبيسة، يتحول تشكيل التسوية إلى المجال المرضي متمثلاً في تكوين الأعراض (Symptom Formation). يُعد العَرَض العصابي، كالوسواس القهري أو المخاوف المرضية (الرهاب)، تسوية متكلفة ودفاعية تنفق فيها الذات جزءاً ضخماً من طاقتها النفسية من أجل تثبيت جبهة الصراع في بؤرة محددة تمنع انتشار القلق إلى سائر الشخصية.

لنأخذ على سبيل المثال طقوس غسل اليدين القهرية لدى مريض الوسواس القهري؛ إن هذا السلوك الخارجي يمثل تشكيل تسوية بالغ التعقيد والرمزية. فالرغبة اللاواعية قد تكون نزعة عدوانية تدميرية عارمة تجاه شخص مقرب، أو دافعاً جنسياً محرماً يُنظر إليه بوصفه “قذارة” تستوجب التطهير. يتصاعد كدر القلق من إمكانية تنفيذ هذه النزوة، فتتدخل الأنا عبر آلية التكوين العكسي والإلغاء الإبطالي (Undoing) لتقوم بفعل الغسل المتكرر. غير أن الغسل ذاته يشتمل على عقاب ذاتي من خلال التشققات الجلدية وضياع الوقت، كما يتضمن في طياته تمثيلاً للرغبة ذاتها عبر ملامسة المواد الملوثة بالخيال؛ وبذلك يستوفي العَرَض شروط التسوية التامة بجمعه بين الرغبة، والقلق، والدفاع، والعقاب.

وينطبق التحليل ذاته على الأعراض التحويلية الهستيرية (Conversion Symptoms)، حيث يُترجم الصراع النفسي غير المحتمل إلى عطل جسدي حسي أو حركي، كالشلل الوظيفي غير العضوي لأحد الأطراف. هذا الشلل يمنع الفرد جسدياً من ممارسة فعل عدواني يرغب فيه لاواعياً (دفاع)، وفي الوقت نفسه يجلب له رعاية واهتماماً استثنائيين من البيئة المحيطة كإشباع نكوصي بديل، علاوة على كونه يجسد عقاباً قاسياً بحرمانه من الحركة وحرية الممارسة اليومية. إن هذه البنية المتكاملة للعَرَض تفسر مقاومة المريض المستميتة للتخلي عنه، نظراً لما يحققه له من “مكاسب ثانوية” ومكاسب أولية تحفظ توازنه النفسي الهش.

المكاسب الأولية والثانوية للعَرَض كأبعاد لتشكيل التسوية

يرتبط مفهوم تشكيل التسوية ارتباطاً وثيقاً بنظرية المكاسب النفسية الكامنة وراء استمرار الأعراض المرضية. يميز التحليل النفسي بين نمطين أساسيين من هذه المكاسب، يساهم كلاهما في ترسيخ التسوية الباثولوجية واستدامتها على المدى الطويل:

المكسب الأولي (Primary Gain): يمثل الهدف الجوهري المباشر لتشكيل التسوية، ويتمثل في إخماد التوتر والقلق الداخلي الناتج عن الصراع اللاشعوري. يتيح العَرَض للفرد إبقاء النزعة المحرمة بعيدة عن الوعي المباشر، وبالتالي تخفيف حدة الكدر الداخلي وتحقيق حالة من الاستقرار النسبي على حساب الأداء الوظيفي للجهاز النفسي. هذا المكسب هو السبب في أن بعض المرضى يظهرون حالة غريبة من اللامبالاة الهادئة تجاه أعراضهم الجسدية الشديدة، وهي الظاهرة الكلاسيكية المعروفة باسم “الهدوء الجميل” (La belle indifférence).

المكسب الثانوي (Secondary Gain): يشير إلى المزايا الخارجية والعلائقية التي يجنيها الفرد من محيطه الاجتماعي بعد تثبيت العَرَض واستقراره. تتضمن هذه المزايا الحصول على العطف والمساندة من الآخرين، التهرب من المسؤوليات الوظيفية أو الأسرية الشاقة، وممارسة سلطة لاواعية للتحكم في مشاعر المقربين وسلوكياتهم. ورغم أن المكسب الثانوي ليس هو المنشئ الأصلي لتشكيل التسوية، فإنه يعمل بمثابة تعزيز خارجي يغذي مقاومة المريض للعلاج ويجعله يتمسك بالتسوية القائمة خوفاً من فقدان تلك المكتسبات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هويته ونمط معيشته اليومية.

الأبعاد الإكلينيكية والمنهجية في العلاج التحليلي

ينعكس الفهم العميق لتشكيل التسوية بصورة حاسمة على الأسلوب العلاجي داخل عيادة التحليل النفسي والعلاج الدينامي المعاصر. لم يعد المعالج ينظر إلى المقاومة التي يبديها المستبصر أثناء الجلسات كعائق سلبي يجب تحطيمه بالقوة والتفسير الفج، بل يتعامل معها كتشكيل تسوية حاضر وحي يتجلى في العلاقة العلاجية ذاتها عبر ديناميات التحويل (Transference).

إن محاولة انتزاع العَرَض بسرعة عبر التقنيات السلوكية الصرفة دون معالجة الصراع الدفين الكامن وراءه قد تؤدي في أحيان كثيرة إلى ما يعرف باسم “إبدال العَرَض” (Symptom Substitution). يحدث هذا الإبدال لأن الطاقة الوجدانية للرغبة والحاجة إلى الدفاع والعقاب لا تزال نشطة ومتأججة؛ فإذا أُغلق في وجهها منفذ معين، اضطر الجهاز النفسي إلى ابتكار تشكيل تسوية جديد ومختلف، قد يكون أشد إيلاماً وإعاقة للشخصية من العَرَض الأول المسلوب.

لذلك، تتركز المهمة التحليلية على تفكيك عناصر التسوية الأربعة بروية وتأنٍ: إظهار الرغبة المدفونة، ومساعدة الأنا على تحمل الكدر الانفعالي المرتبط بها، وفحص الدفاعات العقيمة التي استهلكت حيوية المريض، والتخفيف من قسوة الأنا الأعلى الانتقامية. حين تتسع دائرة الوعي وتستعيد الأنا سيطرتها واستبصارها، يصبح بوسع الفرد إعادة التفاوض الداخلي وصياغة تسويات بديلة تتسم بالمرونة والنضج، متحررة من العذاب الباثولوجي ومفتوحة على آفاق الحب والعمل والإنتاج الحر.

التحليل المقارن: تشكيل التسوية في مواجهة آليات الدفاع المنفردة

من الضروري التمييز الدقيق بين مفهوم تشكيل التسوية ومفاهيم الدفاعات النفسية المستقلة، تجنباً للخلط المصطلحي الشائع في الكتابات النفسية غير المتخصصة:

  • الدفاع النفسي المنفرد: يمثل عملية إجرائية تقوم بها الأنا، كالإنكار أو الكبت أو التبرير، ويهدف أساساً إلى حجب المثير المؤلم وإبعاده، وهو جهة واحدة فقط من المعادلة.
  • تشكيل التسوية: هو البناء الكلي والمنتج الختامي الذي يجمع بين الدفاع وما يقابله؛ إنه الصرح المتكامل الذي يضم الرغبة، والمشاعر الناجمة عنها، والرد الدفاعي عليها، والقصاص الوجداني المرافق لها في توليفة واحدة متماسكة.

فالكبت، كآلية دفاعية مثلاً، لا يشكل بحد ذاته تسوية كاملة إلا إذا فشل جزئياً وتطلب عودة للمكبوت في ثوب تنكري. هنا فقط ينشأ تشكيل التسوية ليملأ الفراغ ويستوعب الفشل النسبي للكبت المطلق. وبناء على ذلك، فإن دراسة تشكيل التسوية تمثل انتقالاً منهجياً من دراسة المكونات الذهنية المجردة إلى دراسة المنتجات الوظيفية الحية التي يفرزها الصراع الإنساني في معتركه الوجودي.

المنظورات المعاصرة وتحديات المفهوم في التحليل النفسي الراهن

شهدت العقود الأخيرة حوارات مكثفة حول مدى راهنية مفهوم تشكيل التسوية في ظل صعود نظريات العلاقات بالموضوع (Object Relations Theory) والتحليل النفسي البين-ذاتي (Intersubjectivity). يرى نقاد النموذج المحركي التقليدي أن التركيز المفرط على النزوات البيولوجية قد يغفل السياق العلائقي والبيئي الذي تنشأ فيه التسويات النفسية منذ الطفولة المبكرة.

واستجابة لهذه الرؤى، تمت إعادة تأطير تشكيل التسوية ليتسع لمفهوم الصراعات العلائقية؛ فالرغبة لم تعد تُفهم فقط كنزوة جسدية خام، بل كرغبة ملحة في الارتباط الحميمي والاعتراف الوجداني بالأنا، بينما يتحدد الدفاع والكدر في ضوء الخوف من هجر الموضوع أو تدمير العلاقة مع الآخر المهم. هذه النظرة التوسيعية تؤكد حيوية المفهوم وقدرته على التكيف مع المدارس التحليلية المتنوعة دون أن يفقد بريقه الدينامي الرصين.

علاوة على ذلك، بدأت الأبحاث المستندة إلى التحليل النفسي العصبي (Neuropsychoanalysis) ترصد الركائز البيولوجية العصبية لهذه التسويات؛ حيث تظهر دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي صراعات مستمرة بين مناطق الجهاز الحوفي (Limbic system) المسؤولة عن الانفعالات والدوافع الفطرية، وقشرة الفص الجبهي (Prefrontal cortex) المسؤولة عن التثبيط والتنظيم التنفيذي، مما يقدم شواهد تجريبية تتقاطع بعمق مع صياغات فرويد وبرينر حول تسويات الجهاز النفسي البشري.

خاتمة

يظل مفهوم تشكيل التسوية شاهداً فكرياً بارزاً على النظرة العميقة للتحليل النفسي حيال الطبيعة البشرية المركبة والمتشابكة. إنه يذكرنا بأن الإنسان ليس كائناً أحادي البعد يسيره المنطق الصارم أو تحركه الغريزة العمياء بمفردها، بل هو كيان دائم التفاوض مع ذاته ومحيطه، يبتكر حلولاً مؤلمة أحياناً وإبداعية أحياناً أخرى للبقاء متزناً وسط عواصف الرغبة وقيود الواقع. ومن خلال إدراك هذا التكوين البديع، تتكشف لنا الأعراض النفسية لا كعلامات على العجز المطلق، بل كرسائل رمزية بالغة الدقة تدعونا للإنصات إلى الصراع الدفين والبحث عن مسارات أكثر نضجاً وإنسانية للسلام الداخلي والتكامل الوجودي.

المراجع

  • Brenner, C. (1982). The Mind in Conflict. International Universities Press.
  • Brenner, C. (2002). Conflict, compromise formation, and structural theory. The Psychoanalytic Quarterly, 71(3), 397–417. https://doi.org/10.1002/j.2167-4086.2002.tb00519.x
  • Freud, A. (1936). The Ego and the Mechanisms of Defence. Hogarth Press.
  • Freud, S. (1900). The Interpretation of Dreams. Standard Edition (Vols. 4-5). Hogarth Press.
  • Freud, S. (1923). The Ego and the Id. Standard Edition (Vol. 19, pp. 1–66). Hogarth Press.
  • Hartmann, H. (1958). Ego Psychology and the Problem of Adaptation. International Universities Press.
  • Moore, B. E., & Fine, B. D. (Eds.). (1990). Psychoanalytic Terms and Concepts. American Psychoanalytic Association.
  • Solms, M., & Turnbull, O. (2002). The Brain and the Inner World: An Introduction to the Neuroscience of Subjective Experience. Other Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). تشكيل التسوية: صراع الرغبة وتجليات العَرَض. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/tashkeel-al-taswiya-compromise-formation-2/
looti, Mohammed. “تشكيل التسوية: صراع الرغبة وتجليات العَرَض.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/tashkeel-al-taswiya-compromise-formation-2/.
looti, Mohammed. “تشكيل التسوية: صراع الرغبة وتجليات العَرَض.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/tashkeel-al-taswiya-compromise-formation-2/.