النظريات الأخلاقيةعلم النفس التطوري

مقابلات التوجه نحو الرعاية مقابل التوجه نحو العدالة – كارول غيليغان

تحليل أكاديمي شامل لمنهجية مقابلات كارول غيليغان في دراسة التوجه نحو الرعاية والعدالة، وفهم أبعاد التطور الأخلاقي وصوت المرأة في علم النفس.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 6 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 6 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل ظهور كتاب “بصوت مختلف” (In a Different Voice) الصادر عام 1982 لعالمة النفس الأمريكية كارول غيليغان (Carol Gilligan) نقطة تحول إبستمولوجية حاسمة في مسار علم النفس الأخلاقي وفلسفة الأخلاق الحديثة؛ إذ وجه هذا العمل ضربة جذرية للنماذج المعيارية التي احتكرت تعريف النضج النفسي والأخلاقي لعقود طويلة. لقد انطلقت غيليغان من إشكالية جوهرية مفادها أن النظريات الكبرى للنمو البشري — بدءاً من سيغموند فرويد وجان بياجيه وصولاً إلى أستاذها وزميلها لورانس كولبرغ — تم بناؤها استناداً إلى تجارب وعينات ذكورية بالكامل تقريباً، ومن ثم جرى تعميم هذه الرؤية التجريدية المنحازة باعتبارها معياراً كونياً للإنسانية جمعاء، مما ترتب عليه حصر النضج الأخلاقي في مفاهيم الاستقلال الفردي، والعدالة التعاقدية، والحقوق القانونية الصورية، بينما وُسمت الاستجابات الأخلاقية المرتبطة بالترابط الإنساني، والتعاطف، والمسؤولية العلائقية بالقصور أو عدم الاكتمال النمائي.

في قلب هذا المشروع التفكيكي والتركيبي الذي قادته غيليغان، تقع منهجية فريدة اعتمدت على المقابلات السريرية المعمقة والمفتوحة لدراسة الكيفية التي يفكر بها الأفراد واقعياً عند مواجهة معضلات وجودية حقيقية وليست افتراضية فحسب. ومن خلال هذه المنهجية السردية، تبلور التمييز المفاهيمي الأشهر بين التوجه نحو العدالة (Justice Orientation) الذي يرى العالم الأخلاقي كشبكة من الأفراد المستقلين المحكومين بالقواعد والحقوق المجردة، والتوجه نحو الرعاية (Care Orientation) الذي يفهم الوجود الأخلاقي بوصفه شبكة معقدة من العلاقات المتشابكة القائمة على الاستجابة لحاجات الآخرين، والحد من المعاناة، وصون الروابط الإنسانية من التمزق والقطيعة.

يهدف هذا البحث الموسع والشامل إلى تقديم دراسة أكاديمية تفصيلية ومقارنة بنيوية متعمقة لمقابلات التوجه نحو الرعاية ومقابلات التوجه نحو العدالة وفق أطروحة كارول غيليغان وتطوراتها اللاحقة. وسيتناول البحث السياقات التاريخية والنظرية المشكلة لهذه المقاربة، وتفاصيل المنهجية الإكلينيكية والسردية التي ابتكرتها غيليغان، والتشريح المعرفي والتحليلي لكل من توجهي العدالة والرعاية، إضافة إلى قراءة نصوص المقابلات الواقعية وتطبيقاتها المعاصرة والانتقادات الموجهة إليها، وصولاً إلى استشراف الآفاق المستقبلية لبناء نموذج تكاملي يعيد الاعتبار للتعدد الصوتي في التجربة الأخلاقية الإنسانية.

1. السياق التاريخي والنظري لأبحاث كارول غيليغان في علم النفس الأخلاقي

1.1 هيمنة النماذج الذكورية في نظريات النمو النفسي التقليدية

هيمنت النماذج الذكورية على دراسات علم النفس النمائي وتطور الشخصية خلال القرن العشرين، حيث ارتكزت الفرضيات الأساسية التي صاغها رواد علم النفس الكلاسيكي على تمجيد “الفرد المستقل” بوصفه الغاية القصوى والوحيدة للنضج الإنساني. في أعمال سيغموند فرويد، تجلى هذا الانحياز بشكل صارخ من خلال نظريته حول عقدة أوديب؛ إذ رأى فرويد أن الطفل الذكر يطور أناه الأعلى (Superego) كاستجابة لقلق الخصاء الصارم، مما يدفعه إلى استبطان القانون الأبوي والامتثال للمبادئ والقواعد التجريدية القاطعة. وفي المقابل، اعتبر فرويد أن الأنا الأعلى لدى المرأة يعاني من نقص بنيوي أصيل وتطور غير مكتمل، نظراً لأن مسار عقدة إلكترا لا ينطوي على نفس الخوف الضاغط؛ ومن ثم اعتبر أن أحكام النساء الأخلاقية تظل أسيرة للمشاعر الشخصية، والغيرة، والعلاقات العاطفية، وهو ما عدّه فرويد دليلاً على ضعف الحس الأخلاقي الموضوعي لديهن مقارنة بالرجال.

تواصل هذا الخط الفكري مع السويسري جان بياجيه في دراساته الرائدة حول الحكم الأخلاقي عند الأطفال، حيث ركز بياجيه على مراقبة ألعاب الصبيان المحكومة بالقواعد الصارمة مثل لعبة “الكرات الزجاجية” (Marbles). استنتج بياجيه أن النضج الأخلاقي يمر بالانتقال من الطاعة الحرفية للقواعد المفروضة خارجياً (الأخلاق غير المتجانسة) إلى إدراك أن القواعد نتاج اتفاق اجتماعي عقلاني يمكن تعديله بالتوافق والنزاهة القانونية (الأخلاق المستقلة). وعندما درس بياجيه ألعاب الفتيات، وجد أنهن كن يملن إلى إنهاء اللعبة أو التنازل عن القواعد عندما ينشأ نزاع يهدد العلاقة بين الصديقات، فاعتبر بياجيه أن هذا النمط يمثل تطوراً أخلاقياً أدنى وأقل اهتماماً بالقوانين المجردة، متجاهلاً احتمالية أن تكون أولوية الحفاظ على الصداقة والعلاقة الإنسانية نمطاً موازياً وناضجاً من التفكير الأخلاقي، وليست مجرد إخفاق في استيعاب البنية القانونية للعبة.

ترتب على هذا الإرث الفكري استبعاد ممنهج للتجربة الأنثوية من العينات الاستكشافية والتجريبية التأسيسية التي بنت عليها كبريات النظريات السيكولوجية معاييرها المعرفية. وفي هذا المناخ الفكري الذي شهدته جامعة هارفارد خلال نهايات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بدأت الأصوات النسوية الأكاديمية تشكك في هذه المسلمات الإبستمولوجية. رأت الباحثات الناشئات، ومن بينهن كارول غيليغان، أن اعتبار الاختلافات النفسية للمرأة دليلاً على نقص النضج الأخلاقي كان نتيجة حتمية لاستخدام مسطرة قياس ذكورية تُسقط مفاهيم الانفصال، والسيطرة العقلانية، والتجريد المنطقي على الطبيعة البشرية ككل، محيلة التجربة الأنثوية إلى خانة “الانحراف” أو “الدونية” السيكولوجية، وهو ما استدعى مراجعة نقدية شاملة للأسس التي تأسس عليها الخطاب النفسي السائد.

1.2 منهجية لورانس كولبرغ وموقعها في إثارة تساؤلات غيليغان

شكل النموذج النمائي الذي طرحه لورانس كولبرغ في جامعة هارفارد الذروة النظرية لعلم النفس الأخلاقي العقلاني؛ حيث اقترح نموذجاً يتألف من ست مراحل متسلسلة للنمو الأخلاقي، مقسمة على ثلاثة مستويات رئيسية: ما قبل التقليدي، والتقليدي، وما بعد التقليدي. غير أن النقطة الإشكالية الكبرى التي فجرت تساؤلات كارول غيليغان — التي كانت تعمل باحثة ومدرسة مساعدة إلى جانب كولبرغ — تمثلت في أن العينة الأصلية التي بنى عليها كولبرغ نموذجه النظري الطولي الممتد لعشرين عاماً تكونت حصرياً من 84 صبياً وشاباً من ضواحي شيكاغو. وعلى الرغم من هذه العينة الذكورية الصرفة، جرى تعميم المراحل الست لتشمل البشرية جمعاء، وصُممت أداة تقييم موحدة (المقابلة المعيارية للحكم الأخلاقي) لقياس تطور الأفراد من كلا الجنسين.

تجلت الأزمة المنهجية والمعرفية الصادمة عندما أظهرت التطبيقات العملية لاختبارات كولبرغ أن الإناث البالغات غالباً ما يتم تصنيفهن في المرحلة الثالثة من مقياسه، وهي مرحلة “العلاقات التبادلية والامتثال الشخصي المتبادل” (Good Boy/Nice Girl Orientation)، والتي يركز فيها الفرد على كسب استحسان الآخرين، والاهتمام بمشاعرهم، والحفاظ على التوافق الاجتماعي والعلائقي. ووفقاً لتراتبية كولبرغ الصارمة، فإن النضج الأخلاقي الحقيقي يتطلب تجاوز هذه المرحلة إلى المرحلة الرابعة القائمة على احترام القانون والنظام الاجتماعي، ثم إلى المرحلتين الخامسة والسادسة القائمتين على العقد الاجتماعي وحقوق الإنسان والمبادئ الأخلاقية الكونية التجريدية، وهي المراحل التي كان يحققها الذكور بنسب أعلى بكثير بحكم تنشئتهم وتدريبهم على التفكير القانوني والتجريدي. وهكذا، بدا وكأن نساء المجتمعات الإنسانية محكوم عليهن بالعجز المزمن عن بلوغ قمة الرشد الأخلاقي، والجمود في مرحلة طفولية تعتمد على العاطفة والعلاقات المباشرة.

لاحظت غيليغان وجود فجوة سحيقة بين هذا التفكير الأخلاقي الافتراضي المقاس بمعضلات مصطنعة ومعزولة عن الواقع، وبين السلوك الأخلاقي والقرارات الحياتية المعقدة التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية. لقد أدركت غيليغان أن تصنيف النساء في مرحلة نمائية أدنى لم يكن يعكس عجزاً أخلاقياً حقيقياً، بل كشف عن عجز الأداة القياسية ذاتها عن التقاط نمط مختلف من التفكير الأخلاقي ينطلق من مقدمات فلسفية ووجودية مغايرة. ومن هنا نبعت ضرورة إعادة فحص وتفكيك أدوات القياس الأخلاقية لكولبرغ؛ إذ إن معيار العدالة والحقوق الذي افترضه معياراً كونياً محايداً لم يكن سوى تجسيد لواحدة من صيغتين رئيسيتين لفهم العالم الأخلاقي، مما يستلزم تصحيح المسار عبر بناء أدوات بحثية جديدة تتسع للتجربة الإنسانية بتعدد أبعادها وتنوع أصواتها.

1.3 ولادة مفهوم الصوت المختلف والتحول الإبستمولوجي

جاء نشر كتاب كارول غيليغان التأسيسي “بصوت مختلف: النظرية النفسية وتطور المرأة” (In a Different Voice: Psychological Theory and Women’s Development) عام 1982 ليحدث زلزالاً إبستمولوجياً أعاد رسم خارطة العلوم النفسية والاجتماعية والفلسفة الأخلاقية النسوية. لم يكن “الصوت المختلف” الذي تحدثت عنه غيليغان يشير بالضرورة إلى صوت بيولوجي يخص جنس النساء دون غيرهن، بل كان استعارة معرفية تشير إلى نسق قيمي ومنظومة منطقية موازية ومهملة في فهم التجارب الإنسانية؛ نسق يتحدث بلغة الروابط والمسؤوليات والعناية بالآخرين، في مقابل الصوت السائد الذي يتحدث بلغة الانفصال والاستقلال والحقوق والمبادئ التجريدية الصارمة.

دشن هذا الطرح تحولاً إبستمولوجياً حاسماً نقل بؤرة الاهتمام النمائي من منظور “الأنا المنفصلة” (The Separated Self) المستمدة من الفلسفة الليبرالية والكانطية — التي تتصور الفرد كذات مستقلة تسعى للسيادة الذاتية وترى العلاقات كقيود يجب ضبطها بعقود وقوانين عادلة — إلى منظور “الأنا المتصلة” أو “الذات العلائقية” (The Connected or Relational Self). من هذا المنظور الجديد، يُعاد تعريف الوجود الإنساني بوصفه وجوداً متجذراً في شبكة من الترابط والاعتماد المتبادل، حيث تصبح المشكلة الأخلاقية المركزية ليست هي: كيف أحافظ على استقلالي وحقوقي في مواجهة تعديات الآخرين؟ بل هي: كيف أستجيب لحاجات الآخرين وأحافظ على استمرارية العلاقات الإنسانية مع تجنب إلحاق الأذى بأي طرف، بما في ذلك الذات؟

قاد هذا التحول المعرفي إلى تأسيس مقاربة منهجية وإبستمولوجية تصغي بانتباه للأصوات المكبوتة والمغيبة داخل الخطاب السيكولوجي السائد. لقد فتحت غيليغان الباب لشرعنة أشكال المعرفة المرتبطة بالتجربة المعاشة، والتعاطف، والتقمص الوجداني كأدوات عقلانية صالحة لبناء المعرفة الأخلاقية. وبدلاً من النظر إلى المشاعر كملوثات تعكر صفو الحكم الأخلاقي العقلاني الصارم، أعادت غيليغان الاعتبار للعاطفة والصلات الوجدانية بوصفها المادة الخام والبوصلة الأساسية التي تنبثق منها المسؤولية الأخلاقية الحقيقية في مواجهة هشاشة الكائن الإنساني ومحدودية قدراته أمام صروف الحياة.

2. الأسس المنهجية لمقابلات التوجه نحو الرعاية والعدالة

2.1 طبيعة المقابلة السريرية المفتوحة كأسلوب استقصائي

ابتعدت كارول غيليغان عن أساليب القياس الكمية المغلقة والاستبيانات المصممة مسبقاً، واعتمدت عوضاً عن ذلك على أسلوب المقابلة السريرية الحوارية المتعمقة (Clinical Interview Method)، المستوحى من التقاليد الإكلينيكية لجان بياجيه وسيغموند فرويد، ولكن مع إدخال تعديلات جوهرية جعلت منها أداة تحررية تهدف إلى الاستكشاف وليس التصنيف القهري. كان الهدف الجوهري من هذه المقابلات هو النفاذ إلى البنية العميقة للوعي الأخلاقي، والتركيز على الكيفية التي يقوم بها الأفراد أنفسهم ببناء المشكلات الأخلاقية وصياغتها، بدلاً من فرض خيارات ثنائية مسبقة التصميم تقيس مدى امتثالهم لمعايير محددة سلفاً.

في مقابلات غيليغان، لا يُعامل المشارك بوصفه “موضوعاً للاختبار” يُراد فحصه، بل كـ “خبير” في تجربته الإنسانية الخاصة. تضمنت المقابلات أسئلة استكشافية مفتوحة من قبيل: “كيف تصف نفسك لنفسك؟”، “هل يمكنك أن تروي لي موقفاً واجهت فيه صراعاً أخلاقياً ووجدت نفسك في حيرة حول ما يجب فعله؟”، “ما الذي جعل هذا الموقف يمثل مشكلة أخلاقية بالنسبة لك؟”، و”كيف تعاملت مع الموقف، وكيف تقيم ما فعلته الآن؟”. وقد أتاح هذا الأسلوب للمشاركين والمشاركات استخدام لغتهم الطبيعية وعفوية تعبيرهم لوصف التعقيد الأخلاقي بثرائه وتناقضاته، كاشفاً عن طبقات خفية من التفكير لا تستطيع المقاييس المعيارية الصارمة رصدها.

تميزت هذه المنهجية أيضاً بالتركيز على تفكيك المعضلات الشخصية الواقعية بدلاً من الاكتفاء بالمعضلات المصطنعة أكاديمياً. فعلى الرغم من أن غيليغان استخدمت معضلات كولبرغ الافتراضية للمقارنة، إلا أن القوة التفسيرية الحقيقية لأبحاثها انبثقت من فحص صراعات حقيقية تنطوي على عواقب وخيمة على حياة المشاركين. إن الانتقال من الأخلاق الافتراضية الباردة (ماذا يجب أن يفعل رجل افتراضي يدعى هاينز؟) إلى الأخلاق المعاشة المشحونة بالعاطفة والمصيرية (ماذا يجب أن أفعل أنا حيال هذا الموقف الصعب؟) سمح للباحثة برؤية البنية النفسية للأخلاق كما تتشكل تحت وطأة المسؤولية والضغط الوجودي الفعلي.

2.2 مقاربة الإصغاء التحليلي وقراءة السرد الصوتي

لتفريغ وتحليل هذه المقابلات المتشعبة، طورت غيليغان بالتعاون مع زميلاتها (مثل لين مايكل براون ونونا ليونز) ما عُرف لاحقاً بـ “دليل القراءة الصوتية” أو “طريقة دليل الاستماع” (The Listening Guide Method). ترفض هذه المقاربة النوعية السردية اختزال نصوص المقابلات إلى مجرد كلمات مفتاحية مفرغة من سياقها يتم ترميزها إحصائياً، وتتبنى بدلاً من ذلك تقنية موسيقية متعددة الأصوات (Polyphonic Approach) تقرأ وتصغي إلى النص المقروء والمسموع عبر عدة مستويات متزامنة تكشف التوتر بين الأصوات المتصارعة داخل الذات الواحدة.

تتضمن طريقة دليل الاستماع أربع قراءات متتالية لنص المقابلة:

  • القراءة الأولى (الإصغاء للحبكة والقصة والسياق): تركز على استيعاب الرواية الكلية للمشارك، وسياقه الثقافي والاجتماعي، والانتباه لردود أفعال الباحث نفسه ومشاعره وانحيازاته المحتملة إزاء النص لضمان وعي نقدي مستمر بالعلاقة البحثية.
  • القراءة الثانية (تتبع حضور الأنا المتكلمة – I Poems): تتبع صوت الذات من خلال تجميع كل العبارات التي يستخدم فيها الراوي ضمير المتكلم “أنا” مقروناً بفعل (مثل: أنا أشعر، أنا أعتقد، أنا خائفة، أنا أردت)، وترتيبها في مقاطع شعرية تكشف عن كيفية إدراك الشخص لموقعه داخل العالم وعلاقته بقوته وفاعليته الخاصة.
  • القراءة الثالثة (الإصغاء لصوت العدالة): تبحث عن علامات ومنطق التوجه نحو العدالة؛ كالمصطلحات المرتبطة بالقواعد، والحقوق، والواجبات، والمساواة، والإنصاف، والتفكير القياسي والمنطقي الصارم.
  • القراءة الرابعة (الإصغاء لصوت الرعاية): تتقصى التعبيرات المرتبطة بالترابط الإنساني، والاستجابة لحاجات الآخرين، والحد من الأذى، والخوف من التخلي أو العزلة، والتركيز على ديناميات المشاعر والعلاقات المباشرة.

تتيح هذه المقاربة التحليلية رصد نبرات الشك، والمقاومة، والشعور بالذنب، وتوكيد الذات، وحتى التردد والصمت داخل المقابلة. وبذلك تحولت المقابلة من أداة استجواب موضوعية باردة تستخرج البيانات، إلى مساحة حوارية تشاركية تسمح بسماع المستويات النفسية العميقة التي تعبر عن صراع الفرد في محاولته التوفيق بين معايير المجتمع وتطلعاته الأخلاقية الأصيلة.

2.3 عينة المشاركين ومعايير الاختيار في الدراسات الميدانية

استندت أعمال غيليغان المبكرة التي قادت إلى كتاب “بصوت مختلف” إلى ثلاث دراسات نوعية محورية شملت عينات متباينة تم اختيارها بدقة لتمثيل طيف واسع من التجارب والقرارات الأخلاقية:

الدراسة الأولى كانت “دراسة أطفال الكليات” (College Student Study)، والتي تتبعت طلاباً وطالبات في جامعة هارفارد خلال سنوات دراستهم لمراقبة الكيفية التي يتحدثون بها عن خياراتهم الأكاديمية والأخلاقية وهويتهم وتطلعاتهم المستقبلية في مرحلة الانتقال إلى الرشد المبكر. أما الدراسة الثانية فكانت “دراسة الإجهاض والقرار الأخلاقي” (Abortion Decision Study)، والتي ضمت 29 امرأة من خلفيات عرقية وطبقية وديموغرافية متنوعة، تراوحت أعمارهن بين 15 و33 عاماً، تمت مقابلتهن أثناء اتخاذ قرار فعلي ومصيري بشأن ما إذا كن سيجهضن حملهن أم يستمررن فيه. والدراسة الثالثة كانت “دراسة الحقوق والمسؤوليات” (Rights and Responsibilities Study)، وشملت ذكوراً وإناثاً من مختلف الأعمار جرت مقابلتهم حول أسئلة العدالة والحكم الأخلاقي وتصور الذات.

حرصت غيليغان على أن تضمن تلك العينات تمثيلاً حقيقياً للنساء في سياقات الصراع الأخلاقي الواقعي المشحون بالقلق والمسؤولية، وهو أمر كان غائباً بالكامل في دراسات النماذج التجريدية السابقة. وقد واجه هذا التكوين الديموغرافي والطبقي لاحقاً تحديات تتعلق بمدى إمكانية تعميم النتائج، لاسيما وأن جزءاً من العينات ضم طلبة من جامعات النخبة أو نساء في ظروف نفسية استثنائية. ومع ذلك، دافعت غيليغان عن خياراتها بأن الهدف من المنهجية السردية لم يكن التعميم الإحصائي (Statistical Generalization) بقدر ما كان تحقيق “التعميم النظري أو المفهومي” (Theoretical Generalization) عبر تفكيك الفرضيات الأحادية السائدة، وإثبات وجود بنية أخلاقية بديلة كانت مغفلة تماماً.

كما فرضت هذه الدراسات الميدانية مراعاة فائقة للأبعاد الأخلاقية وحساسية السرية؛ إذ تطلبت مقابلة نساء يواجهن أزمات وجودية معقدة مثل الإجهاض بيئة آمنة تماماً، خالية من الأحكام القيمية، قائمة على الإنصات التقمصي والمساندة الوجدانية، وضمان عدم استغلال هشاشة المشاركات لخدمة أهداف بحثية دون تقديم مساحة شفائية واستبصارية لهن أثناء عملية الحوار.

3. التوجه نحو العدالة: البنية المعرفية والمحددات الأخلاقية

3.1 مفهوم الذات المستقلة في إطار منطق العدالة

ينبثق التوجه نحو العدالة (Justice Orientation) من رؤية فلسفية وسيكولوجية تنظر إلى الذات بوصفها “كياناً مستقلاً ومكتفياً بذاته” (The Autonomous, Separated Self). تعود جذور هذا التصور إلى الفلسفة السياسية لعصر التنوير وفكر العقد الاجتماعي لدى جون لوك، وإيمانويل كانط، وتطبيقاتها المعاصرة لدى جون رولز. وفقاً لهذا الإطار، يُعرّف الفرد بأنه ذات عاقلة، حرة، ومجردة من روابطها الاجتماعية الأولية، ويُنظر إلى هويته بوصفها قائمة على رسم حدود صارمة وواضحة تفصل بين الأنا والآخر.

في هذا النموذج المعرفي، يتحقق النضج والنمو النفسي عبر تعزيز الاستقلالية والسيادة الذاتية، والانفصال عن الاعتمادية على الآخرين، والتفريق الحاسم بين المشاعر الذاتية والحقائق الموضوعية. وتبعاً لذلك، فإن العلاقة بالآخرين يُنظر إليها غالباً على أنها علاقة تعاقدية قائمة على المنفعة المتبادلة أو التنافس، ويُخشى أن تؤدي الروابط العاطفية المفرطة أو الاعتماد المتبادل إلى تآكل الاستقلالية الفردية وطمس الحدود الشخصية، مما يولد قلقاً وجودياً من “التورط” (Entanglement) الذي قد يهدد حرية الذات وموضوعيتها.

تتمظهر هذه البنية في مقابلات التوجه نحو العدالة في ميل الأفراد إلى تقييم الأحداث الأخلاقية من موقع “المراقب المحايد والموضوعي” الذي يقف خارج شبكة العلاقات ليزن الأمور بميزان العقل المجرد. ومن خلال الاحتكام إلى مبادئ كونية غير شخصية، يسعى صاحب هذا التوجه إلى ضمان الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص بين الأفراد، بحيث يتم التعامل مع كل إنسان بوصفه وحدة قانونية قائمة بذاتها، لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات المفروضة على غيرها، بصرف النظر عن أي اعتبارات شعورية أو روابط قرابة أو خصوصيات سياقية.

3.2 منطق الحقوق والقواعد العامة المجردة

يعتمد التفكير الأخلاقي في إطار التوجه نحو العدالة على منطق استنباطي صارم يماثل المنطق الرياضي أو القانوني؛ حيث تُختزل المعضلات الأخلاقية إلى قضايا تتعلق بـ “تضارب الحقوق الفردية المتنافسة” (Competing Rights). وتتمثل وظيفة الأخلاق في هذه الحالة في صياغة واكتشاف قواعد ومعايير عامة ومجردة يمكن تطبيقها بصرامة وحياد على الجميع دون تمييز أو استثناء، وذلك لتحديد أي الحقوق أولى بالرعاية والتقديم عند حدوث النزاع.

تحتل مفاهيم مثل “الإنصاف” (Fairness)، و”المساواة الصورية” (Formal Equality)، و”عدم التعدي” المكانة الأسمى في هذا النسق القيمي؛ حيث يُفهم الواجب الأخلاقي بوصفه التزاماً سلبياً بالأساس: الامتناع عن انتهاك حرية الآخر، واحترام ممتلكاته، والوفاء بالعقود والالتزامات الصريحة. وعندما يواجه الفرد نزاعاً أخلاقياً، يقوم بتحييد السياقات العاطفية والتاريخية والاجتماعية المحيطة بأطراف النزاع، معتبراً أن إقحام هذه المشاعر يعوق الوصول إلى قرار عادل ويتعارض مع متطلبات النزاهة والحياد.

وكما تُظهر نصوص المقابلات، فإن الذين ينطلقون من هذا التوجه يفضلون دائماً تحويل المشكلات الإنسانية المعقدة إلى معادلات منطقية من نوع: “إذا كان (أ) يملك الحق في (س)، و(ب) يملك الحق في (ص)، فإن الحق الأسبق أو الأكثر جوهرية يلغي الحق التابع”. إن هذا التركيز المكثف على القواعد الإلزامية المجردة يجعل أصحاب توجه العدالة مرتاحين لتطبيق القوانين الجاهزة واللوائح المنطقية، لكنه في الوقت ذاته يعميهم عن رؤية المعاناة الفردية الخاصة التي قد تنجم عن التطبيق الأعمى للمبادئ الصورية على مواقف إنسانية متباينة وظروف قاهرة لا تتسع لها القوالب الجافة.

3.3 استجابة التوجه نحو العدالة لمعضلات كولبرغ الافتراضية

تعتبر “معضلة هاينز” (Heinz Dilemma) الشهيرة التي وظفها لورانس كولبرغ نموذجاً كلاسيكياً لاختبار التوجه نحو العدالة؛ وتدور حبكتها حول رجل يدعى هاينز يحتضر زوجته بسبب نوع نادر من السرطان، وهناك دواء اكتشفه صيدلي محلي يمكن أن ينقذها، لكن الصيدلي يطلب سعراً باهظاً يعجز هاينز عن دفعه، وبعد أن رفض الصيدلي تخفيض السعر أو تقسيطه، وجد هاينز نفسه في مواجهة خيارين: إما أن يقتحم الصيدلية ويسرق الدواء لإنقاذ زوجته، أو يمتنع عن السرقة احتراماً للقانون فيموت الزوجة.

في مقابلات غيليغان، مثل استجابة صبي يبلغ من العمر أحد عشر عاماً يدعى “جيك” (Jake) التجسيد المكتمل لتوجه العدالة في مواجهة هذه المعضلة؛ فعندما سُئل جيك عما إذا كان يجب على هاينز سرقة الدواء، أجاب دون تردد وبثقة منطقية حاسمة: “نعم، يجب عليه سرقة الدواء”. وقد بنى جيك حكمه الأخلاقي عبر استدلال منطقي استنباطي يوازن بين “حق الملكية” للصيدلي و”حق الحياة” للمرأة المريضة، مستنتجاً أن حق الحياة يحتل مكانة أعلى في تراتبية المبادئ الإنسانية العامة والكونية؛ لأن الملكية يمكن تعويضها بالمال لاحقاً، في حين أن الحياة المفقودة لا يمكن تعويضها أبداً، وبالتالي فإن السرقة في هذا السياق تصبح واجباً عقلانياً مبرراً وفق هرمية المبادئ.

نظر جيك إلى المعضلة كما لو كانت مسألة رياضية تتطلب حلاً منطقياً قاطعاً لا يحتمل الشك، معتبراً أن القاضي الذي سيحاكم هاينز لاحقاً سيتفهم حتماً هذه التراتبية وسيحكم ببراءته أو بتخفيف العقوبة عنه لأن القانون نفسه مشتق من صيانة الحياة. ومع ذلك، تكشف لغة جيك عن تجريد كامل للموقف؛ فهو لم يتساءل عن مشاعر هاينز، ولم يهتم بما قد يحدث للعلاقة الزوجية إذا سُجن هاينز بعد السرقة، ولم يفكر في شخصية الصيدلي ودوافعه أو إمكانية التفاوض معه. لقد تم اختزال الوجود الإنساني المركب إلى تصادم ميكانيكي بين مبدأين تجريديين، محققاً بذلك أعلى الدرجات في مقياس كولبرغ الأخلاقي، ولكنه ترك الواقع العلائقي الملموس خارج مجال الرؤية تماماً.

4. التوجه نحو الرعاية: النموذج العلائقي والاستجابة للآخر

4.1 تعريف الذات العلائقية والترابط الإنساني المتبادل

في الطرف المقابل، ينبثق التوجه نحو الرعاية (Care Orientation) من تصور أنطولوجي ونفسي مختلف جذرياً للذات، حيث تُعرّف الذات بأنها “ذات علائقية متصلة” (The Relational, Interdependent Self). وفقاً لهذا النموذج الذي صاغته كارول غيليغان، لا ينشأ الإنسان ككائن معزول ومستقل ثم يقرر لاحقاً الدخول في علاقات عبر عقود عقلانية، بل يولد الإنسان داخل شبكة من العلاقات وهو في حالة مطلقة من الهشاشة والعجز والاعتمادية على الآخرين، وتتشكل هويته وإنسانيته وتتطور عبر ومن خلال هذه الروابط المستمرة.

تعتبر “العلائقية” في هذا السياق بنية أساسية للوجود الإنساني وليست مجرد خيار ثانوي أو قيد يحد من حرية الفرد. وبدلاً من الخوف الوجودي من “التورط” والارتباط الذي يعاني منه أصحاب توجه العدالة، ينشأ لدى أصحاب توجه الرعاية خوف وجودي عميق من “العزلة” (Isolation)، و”القطيعة” (Fracture)، و”التخلي” (Abandonment)؛ لأن تآكل العلاقات وتمزق أواصر التواصل يعني انهيار الحاضنة التي تمنح المعنى والأمان للوجود الإنساني.

يترتب على هذا الفهم للذات أن المسؤولية الأخلاقية لا تنبع من إلزام ذاتي ناجم عن واجب كانطي مجرد أو التزام بقاعدة قانونية، بل تنبثق بشكل تلقائي وفوري من “الاستجابة لحاجة الآخر الملموس والمحدد” (Responsiveness to the concrete other). إن رؤية الآخر في لحظة ضعفه أو حاجته أو معاناته تفرض واجباً علائقياً لا يمكن التهرب منه، حيث تتحدد الأخلاق ليس بالقدرة على إقامة حواجز عقلانية لحماية الذات، بل بالقدرة على مد جسور التواصل، وإدراك حساسية الروابط الإنسانية، وصون شبكة الحياة المشتركة من الانهيار والدمار.

4.2 أخلاقيات المسؤولية والاستجابة والحد من الأذى

ترتكز أخلاقيات الرعاية على ثلاثة مفاهيم مركزية متكاملة: المسؤولية (Responsibility)، والاستجابة (Responsiveness)، والحد من الأذى (Harm Reduction). لا تعني المسؤولية هنا مجرد المساءلة القانونية عن أفعال ارتكبها الفرد خرقاً للقواعد، بل تعني القدرة على الإصغاء والاستجابة (Response-ability) لنداء الاستغاثة الضمني أو الصريح الصادر عن الآخر، والمبادرة بالاهتمام به ورعايته في ظروفه الملموسة والخاصة.

يتوجه الفعل الأخلاقي في هذا الإطار نحو غاية جوهرية تتمثل في تقليل المعاناة الإنسانية ومنع إلحاق الضرر أو الأذى بأي طرف يتأثر بالقرار، بدلاً من مجرد البحث عن “من يملك الحق ومن عليه الباطل”. يقتضي ذلك الانغماس العميق في السياق الواقعي والتاريخي للنزاع، وفحص التفاصيل الدقيقة للموقف بدلاً من التعالي عليها بالقواعد الكونية المطلقة. في أخلاق الرعاية، لا توجد صيغ جاهزة أو “وصفات معيارية مسبقة” يمكن تطبيقها آلياً على كل الحالات؛ لأن كل علاقة إنسانية هي علاقة فريدة تتطلب حكمة عملية وحساسية فائقة لتعقيداتها وظروف أطرافها.

علاوة على ذلك، تعيد أخلاقيات الرعاية الاعتبار للمشاعر والتعاطف والتقمص الوجداني (Empathy) كأدوات معرفية (Epistemic Tools) أساسية ولا غنى عنها لفهم المشكلة الأخلاقية وحلها؛ إذ كيف يمكن لفرد أن يدرك بدقة ما إذا كان فعله سيلحق ألماً بالآخر ما لم يمتلك القدرة على الشعور بوضعه وتقمص موقعه الإنساني؟ وبذلك يُعاد تعريف الواجب الأخلاقي ليتحول من خضوع بارد لسلطة الأمر التجريدي إلى التزام حي ومتحرك بالاهتمام والاكتراث النشط (Active Caring) بالآخرين ودعم رفاههم وكرامتهم في العالم المعاش.

4.3 الاستجابة لمعضلة هاينز من منظور الرعاية والاتصال

في مقابل استجابة الصبي “جيك” المنطقية لمعضلة هاينز، قدمت فتاة تبلغ من العمر أحد عشر عاماً أيضاً تدعى “إيمي” (Amy) في مقابلات غيليغان نموذجاً نموذجياً لتوجه الرعاية. فعندما طُرح عليها نفس السؤال: “هل يجب على هاينز سرقة الدواء؟”، جاءت إجابتها مربكة ومترددة للوهلة الأولى بالنسبة لمقياس كولبرغ المعياري؛ إذ قالت: “لا أعتقد أنه يجب عليه السرقة، ولكن يجب ألا تموت زوجته أيضاً”.

لم تفهم إيمي المعضلة بوصفها مسألة رياضية أو صراعاً بين حقين مجردين، بل فهمتها كـ “أزمة في التواصل وفشل في العلاقات الإنسانية”. وعندما سألها الباحث لماذا لا يجب عليه السرقة، شرحت إيمي رؤيتها العميقة قائلة إن هاينز إذا سرق الدواء، فإنه قد ينقذ زوجته مؤقتاً، ولكنه سيلقى القبض عليه ويوضع في السجن، وإذا انتكست صحة زوجته مجدداً وهي بمفردها، فلن يجد من يعتني بها أو يجلب لها الدواء؛ ومن ثم فإن السرقة لا تمثل حلاً مستداماً للرعاية، بل تقطع حبل الاتصال بين الزوجين وتدمر مستقبلهما المشترك.

اقترحت إيمي عوضاً عن ذلك أن يعود هاينز إلى الصيدلي، وأن يتحدث معه مطولاً ويشرح له عمق المأساة، وأن يتدخل الجيران والمجتمع لجمع التبرعات أو إقناع الصيدلي بتغيير رأيه. في نظر كولبرغ ونظامه التقييمي، صُنفت إيمي في مرتبة متدنية (المرحلة الثالثة المتخلفة عن التفكير المنطقي التجريدي) لأنها “فشلت في استيعاب الطبيعة القانونية للتعارض وفشلت في استخدام القياس المنطقي”، في حين كشفت غيليغان أن إيمي أظهرت نضجاً موازياً بالغ الذكاء؛ حيث رفضت الخضوع للفرضية القسرية التدميرية للمعضلة، وحاولت إنقاذ الموقف عبر إعادة بناء العلاقات وتأمين شبكة أمان رعاية طويلة الأجل تضمن بقاء الزوجة خارج القبر والزوج خارج القضبان.

5. دراسة قرار الإجهاض: مختبر الصراع الأخلاقي الواقعي

5.1 أهمية اختيار سياق قرار الإجهاض كبيئة بحثية

للانتقال بنظريتها من دائرة نقد المعضلات الافتراضية والردود الطفولية إلى مستوى الحقيقة الوجودية الناضجة، اختارت كارول غيليغان دراسة قرار الإجهاض (The Abortion Decision Study) ليكون المختبر الميداني والتجريبي الأساسي لأبحاثها. كان هذا الاختيار في غاية الجرأة والدقة المنهجية؛ فالإجهاض لم يكن قضية فلسفية مجردة تُناقش في غرف التدريس، بل كان صراعاً أخلاقياً ووجودياً واقعياً له تبعات جسدية ونفسية واجتماعية مصيرية ولا رجعة فيها تمس حياة النساء اللواتي يواجهنه في الصميم.

أتاح هذا السياق للباحثة فرصة تجاوز الفرضيات الذهنية والأسئلة الافتراضية المعقمة، والاقتراب من آليات التفكير الأخلاقي الفعلي وهي تعمل تحت وطأة الضغط النفسي الشديد والصراع العاطفي المتفجر. في تجربة الإجهاض، ينهار الوهم القائل بإمكانية حل المشكلات الأخلاقية بمجرد تطبيق قاعدة منطقية باردة؛ إذ تجد المرأة نفسها في قلب تناقض حاد بين رعاية الذات وطموحاتها ومستقبلها من جهة، وبين رعاية الجنين المحتمل أو الالتزام تجاه الشريك والأسرة والمجتمع من جهة أخرى.

علاوة على ذلك، وضع قرار الإجهاض النساء أمام السؤال المحوري المعقد حول ماهية “الأنانية” (Selfishness) مقابل “المسؤولية” (Responsibility). ففي الثقافة الأبوية التقليدية، كان يُنتظر من المرأة دوماً أن تضحي باحتياجاتها ورغباتها في سبيل الآخرين، وتُعتبر أي محاولة لتأكيد ذاتها أو اتخاذ قرار مصيري يخدم بقاءها وكرامتها فعلاً أنانياً مداناً. ومن هنا، مثل قرار الإجهاض بيئة استكشافية مثالية لدراسة كيفية تحول وتطور الصوت الأخلاقي الأنثوي من مرحلة الخضوع السلبي لمعايير التضحية بالذات، إلى مرحلة النضج المستقل الذي يدمج الذات والآخرين في معادلة أخلاقية شاملة خالية من العنف.

5.2 بروتوكول المقابلات مع النساء في مرحلة اتخاذ القرار

صممت غيليغان وفريقها البحثي بروتوكولاً إكلينيكياً بالغ الدقة والحساسية لإجراء المقابلات مع تسع وعشرين امرأة تقدمن إلى عيادات ومراكز استشارية مخصصة للحمل والإجهاض، في وقت كان هذا الإجراء قد أُقر قانونياً للتو في الولايات المتحدة بموجب حكم المحكمة العليا في قضية رو ضد وايد (Roe v. Wade) عام 1973. أُجريت المقابلة الأولى مع كل مشاركة خلال المرحلة الحرجة التي تسبق اتخاذ القرار النهائي مباشرة؛ أي في ذروة الأزمة والصراع النفسي الداخلي.

ركز بروتوكول المقابلة على تتبع لغة التبرير، والمفردات المستعملة، وتحديد أطراف النزاع، والكيفية التي تدرك بها المشاركة خياراتها الوجودية. تضمنت الأسئلة استفسارات حول: “ما هي العوامل التي تفكرين بها وأنتِ بصدد هذا القرار؟”، “ما هو الخيار الصائب في نظرك ولماذا؟”، “من هم الأشخاص الذين يشاركونك هذا المأزق وما هو أثر قرارك عليهم؟”، و”كيف تفهمين الفرق بين التصرف الأناني والتصرف المسؤول؟”. لم تكن المقابلات موجهة لإصدار أحكام توجيهية أو تقييم مدى صحة القرار، بل كانت تهدف إلى مساعدة الباحثة على الإصغاء للبنية المعرفية والشعورية التي تقود مسار التفكير لدى المرأة.

ولم يتوقف البروتوكول عند هذا الحد؛ بل تضمن إجراء مقابلات متابعة طولية (Follow-up Interviews) بعد عام كامل من اتخاذ القرار — سواء كان القرار هو الإجهاض، أو الاستمرار في الحمل والولادة وتربية الطفل، أو عرضه للتبني. كان الغرض من هذه المقابلات اللاحقة هو تقييم الأثر النفسي طويل المدى للقرار، ورصد الكيفية التي تحول بها فهم المشاركات لذواتهن ولمفهوم المسؤولية والذنب عبر الزمن، وما إذا كانت تجربة خوض الصراع الأخلاقي الواقعي قد قادت إلى إحداث نقلة نوعية وتطور نمائي في بنائهن الأخلاقي العام.

5.3 الرؤى والنتائج النوعية المستخلصة من نصوص المقابلات

أسفر التحليل النوعي المستفيض لنصوص هذه المقابلات عن كشف ثوري حول طبيعة التطور الأخلاقي؛ إذ تبين أن الأزمة الأخلاقية العميقة التي عانت منها المشاركات لم تكن ناتجة عن “جهل بالقواعد الأخلاقية”، بل عن الوقوع في فخ تعريف ثقافي مشوه للأخلاق يحصر فضيلة المرأة في “التضحية المطلقة بالذات” وإنكار احتياجاتها الخاصة لصالح إرضاء الآخرين. وقد ظهر في النصوص أن الكثير من النساء كن يعشن تمزقاً مدمراً بين اعتبار الإجهاض فعلاً أنانياً يستوجب الإدانة، وبين إدراكهن الواعي بأن المضي في الحمل سيلحق أذىً محققاً بهن أو بالأطفال القائمين أو بالشريك العاجز عن التحمل.

كشفت المقابلات عن مسار تحولي مذهل في تفكير النساء خلال رحلة معالجة الأزمة؛ حيث تمثل التطور الحاسم في الانتقال من التبعية الخارجية وطاعة توقعات المحيط الاجتماعي، إلى القدرة على تولي زمام المسؤولية الشخصية واتخاذ قرار نابع من الداخل. تجلى ذلك في لحظة الاستبصار المعرفي التي أدركت فيها العديد من المشاركات حقيقة أن “إيذاء النفس هو أيضاً شكل من أشكال الأذى والعنف غير المبرر أخلاقياً”، وأن مبدأ الرعاية الأخلاقية لا يمكن أن يكتمل إذا استثنى الشخص نفسه من دائرة التعاطف والاهتمام.

أبرزت نصوص المقابلات ظهور ما سمته غيليغان “صوت الرعاية الشاملة والمتحررة”؛ وهو الصوت الذي ينأى عن الخضوع لمجرد التضحية السلبية بالذات بدافع الخوف من لوم المجتمع، ويتجاوز في الوقت ذاته الأنانية البدائية التي تعمي الفرد عن آلام الآخرين. لقد تحولت الرعاية من مجرد دور وظيفي مفروض على الأنثى لتكون “خادمة ومضحية”، إلى موقف وجودي وأخلاقي واعٍ يدمج الذات ضمن شبكة العلاقات الإنسانية على قدم المساواة مع الآخرين، مؤكداً أن حماية الروابط تتطلب بالضرورة صون كرامة ووجود كل الأطراف المشاركة فيها بما في ذلك الذات صاحبة القرار.

6. مراحل تطور أخلاق الرعاية وفق بيانات المقابلات السريرية

6.1 المستوى الأول: التوجه نحو البقاء الفردي والاهتمام بالذات

بناءً على المعطيات المستخلصة من دراسة الإجهاض والدراسات الميدانية المرافقة، صاغت كارول غيليغان نموذجاً نمائياً تطورياً لأخلاقيات الرعاية يتألف من ثلاثة مستويات رئيسية تفصل بينها فترتان انتقاليتان. في المستوى الأول (Level 1: Orientation to Individual Survival)، يتمحور التفكير الأخلاقي للفرد بالكامل تقريباً حول “البقاء الفردي” ورعاية الذات وتلبية احتياجاتها الفورية والضرورية، بمعزل عن احتياجات الآخرين أو متطلبات المجتمع.

في هذا المستوى البدائي من تطور الرعاية، يُدرك الصواب الأخلاقي من منظور عملي براغماتي بحت: “الصواب هو ما يحقق مصلحتي ويضمن أمني وبقائي، والخطأ هو ما يهددني أو يعرضني للعقاب والألم”. ينظر الفرد إلى ذاته ككيان هش ومعزول ومحروم في عالم قاسٍ ومملوء بالتهديدات، وتُعامل العلاقات مع الآخرين إما كمصادر للضغط والتهديد يجب تفاديها، أو كأدوات ذرائعية مؤقتة يمكن استغلالها لتحقيق الرغبات الشخصية وتأمين السلامة الفردية. يسود هذا النمط عادة لدى اليافعين الصغار أو الأفراد الذين تعرضوا لصدمات نفسية وإهمال عاطفي حاد جعلهم في حالة طوارئ دائمة للدفاع عن النفس.

ومع ذلك، لا يستقر الوعي الأخلاقي طويلاً في هذا المستوى عند مواجهة تحديات الحياة المركبة؛ إذ تبدأ المرحلة الانتقالية الأولى (First Transition: From Selfishness to Responsibility) بالظهور عندما يبدأ الفرد في الشعور بعدم كفاية منطق البقاء الفردي المحض. يكتشف الشخص أن التمحور الكامل حول الذات يعزله عن الدفء الإنساني ويجلب له وصمة “الأنانية” من محيطه القريب. وهنا تنشأ ومضات الوعي الأولى بمفهوم “المسؤولية”؛ حيث يدرك الفرد أن هناك كائنات أخرى ترتبط به، وأن وجوده جزء من نسيج اجتماعي يتطلب تقديم تنازلات لبناء روابط الانتماء ونيل القبول والحب.

6.2 المستوى الثاني: التضحية بالذات وتبني مفهوم الخير التقليدي

يقود الانتقال السابق الفرد إلى المستوى الثاني (Level 2: Goodness as Self-Sacrifice)، وهو المستوى الذي يتوافق ظاهرياً مع المرحلة الثالثة من مقياس كولبرغ، ولكنه يحظى بقراءة نقدية أعمق لدى غيليغان. في هذا المستوى، يستبطن الفرد — وتحديداً المرأة تحت وطأة التنشئة الجندرية — المعايير والقيم الاجتماعية التقليدية للأنوثة والفضيلة، حيث تتم مساواة “الأخلاق والخير” بـ “إنكار الذات المطلق والتضحية المستمرة” (The Good Equated with Self-Sacrifice).

يصبح الشعار المركزي لهذا المستوى هو: “أن تكون شخصاً خيراً يعني ألا تكون أنانياً، وأن لا تكون أنانياً يعني أن تضع رغبات واحتياجات ومشاعر الآخرين دوماً فوق احتياجاتك الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب سحق ذاتك وصحتك النفسية”. يُعرّف الواجب الأخلاقي هنا بالخضوع لرعاية الآخرين والاستجابة السلبية لتوقعاتهم، وتحظى المرأة بالإشادة الاجتماعية بوصفها “الأم المثالية المضحية” أو “الشريكة المتفانية المخلصة” التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين. ورغم أن هذا المستوى يعكس نمواً حقيقياً في القدرة على التعاطف والارتباط، إلا أنه يعاني من خلل بنيوي خطير؛ إذ إنه يقصي الذات بالكامل من دائرة الرعاية الأخلاقية ويجعل قيمتها مشروطة بمدى استلابها للآخرين.

تنفجر أزمة هذا المستوى عند الوصول إلى المرحلة الانتقالية الثانية (Second Transition: From Goodness to Truth)؛ حيث تبدأ المرأة في اختبار مشاعر الاستياء الداخلي (Resentment)، والمرارة، والإنهاك النفسي التام نتيجة الإفراط في العطاء وتجاهل حاجاتها الوجودية. تبدأ المرأة في التشكيك في نزاهة ومنطق التضحية الذاتية الإجبارية: “لماذا يجب أن أكون أنا الضحية دائماً؟ ألا أمتلك أنا أيضاً كينونة وحقوقاً ومشاعراً تستحق الرعاية؟”. يقود هذا التساؤل المؤلم إلى إعادة النظر الجذرية في مفهوم “الأنانية”، والتفريق الواعي بين الأنانية المستهترة بالآخرين وبين “الرعاية المشروعة للنفس” وتأكيد الصدق والأصالة الذاتية (Truthfulness) كأساس لأي علاقة صحية ومستقيمة.

6.3 المستوى الثالث: أخلاقية اللاعنف وتكامل رعاية الذات والآخر

تتويجاً لهذا المسار النمائي الصاعد، ينبثق المستوى الثالث (Level 3: The Morality of Nonviolence)، والذي يمثل ذروة النضج والرشد الأخلاقي في نظرية كارول غيليغان. في هذا المستوى، يتحقق استبصار فلسفي ونفسي تركيبي بالغ العمق مفاده: “الإدراك التام للترابط العضوي الذي لا ينفصم بين رعاية الذات ورعاية الآخر”. تتجاوز الذات في هذه المرحلة الثنائية الزائفة والمدمرة بين “أنانية رعاية الذات” و”فضيلة التضحية بالنفس”، وتصل إلى فهم تكاملي يرى أن النفس والآخرين جزء لا يتجزأ من شبكة علاقات واحدة، وأن إلحاق الأذى بالذات هو انتهاك أخلاقي صريح لا يقل بشاعة عن إلحاق الأذى بالغير.

يصبح المبدأ الأخلاقي الموجه والأسمى في المستوى الثالث هو “مبدأ اللاعنف الشامل” (The Principle of Nonviolence) المستلهم جزئياً من فلسفة غاندي وأخلاقيات السلام. يُعاد تعريف الرعاية لتصبح قوة تحررية واعية تهدف إلى تقليل المعاناة ومنع الأذى في العالم بأكمله، بدءاً من الذات وامتداداً إلى الآخرين الملموسين. لم يعد الفعل الأخلاقي خضوعاً لمعايير المجتمع التقليدية لإرضاء الآخرين (كما في المستوى الثاني)، ولا هروباً دفاعياً لحماية الأنا الفردية (كما في المستوى الأول)، بل غدا قراراً نابعاً من التزام حر، وواعٍ، ومسؤول تماماً عن تبعات الاختيارات.

تتميز لغة المشاركات اللواتي بلغن هذا المستوى في المقابلات بالشفافية والصدق العلائقي والشجاعة الوجودية؛ إذ إنهن يتحملن المسؤولية الكاملة عن قراراتهن الصعبة دون التستر وراء لوم الظروف الخارجية أو ادعاء العجز، ويصبحن قادرات على قول “لا” للاستغلال دون خوف من اتهامهن بنقص الأنوثة أو غياب الفضيلة. إن النضج هنا يكمن في القدرة على إقامة توازن ديناميكي ومستمر بين تلبية نداء حاجات الآخرين وصيانة الحدود الوجودية والكرامة الإنسانية للذات، محققين بذلك الوعد الأسمى لأخلاق الرعاية الإنسانية.

7. تحليل الخطاب واللغة الأخلاقية في نصوص المقابلات

7.1 دلالات التردد ولغة الشك لدى المشاركات

عند تفكيك نصوص المقابلات التي أجرتها غيليغان، يبرز نمط لغوي وأسلوبي فريد كان يُفسر في دراسات القياس الكمي التقليدية بوصفه علامة على الارتباك المعرفي ونقص الكفاءة التحليلية؛ ويتجلى هذا النمط في التكرار الكثيف لعبارات الشك والتردد مثل: “لا أعلم حقاً” (I don’t know)، “أعتقد فقط”، “يبدو لي”، و”ربما”. غير أن القراءة السردية المعمقة كشفت أن هذا التردد اللغوي الظاهري يحمل دلالات نفسية وسياسية بالغة الخطورة والعمق.

يمثل تكرار عبارة “لا أعلم” في نصوص المشاركات مؤشراً دقيقاً على وجود “كبت معرفي وصوتي” ناتج عن الصراع المؤلم بين المعرفة الأخلاقية الباطنية الحقيقية للمرأة، وبين الخطاب الثقافي والاجتماعي السائد الذي يلقنها كيف “ينبغي” أن تفكر وتشعر لتنال القبول. تستخدم المشاركات عبارة “لا أعلم” كغطاء دفاعي لا شعوري لحماية أنفسهن من عواقب الإفصاح عن رؤى أخلاقية صادمة للمجتمع الذكوري؛ فالمرأة “تعلم” في قرارة نفسها ما هو الخيار الصائب وما تحتاجه حقاً، ولكنها إذا عبرت عن ذلك بصراحة، ستُتهم بالأنانية والقسوة والتمرد؛ لذا تلجأ إلى التشكيك في معرفتها الشخصية درءاً للصراع وحفاظاً على سلامة العلاقات المحيطة بها.

كما يعكس هذا النمط اللغوي استخدام استراتيجيات “الصمت والتنازل” (Self-Silencing) كآليات تكيفية لتفادي المواجهة في سياقات القوة غير المتكافئة. فعندما تشعر المشاركة بأن صوتها ورؤيتها الأخلاقية القائمة على الرعاية لا تجد صدىً أو اعترافاً في لغة الحقوق والقوانين الجافة المحيطة بها، فإنها تصاب بنوع من “الانفصال النفسي”؛ فتبدأ بالتحدث بنبرة منكسرة ومترددة توحي بالضياع، بينما يخفي هذا الانكسار تحته فهماً مركباً لتعقيد الموقف الإنساني ورفضاً داخلياً لاختزاله في ثنائيات قطعية وحلول سهلة يفرضها المنطق الصوري المجرد.

7.2 المجازات البلاغية: الاستعارات المكانية وشبكات الاتصال

تكشف التحليلات البلاغية والمجازية لنصوص المقابلات عن تباين جوهري في البنية الاستعارية المستخدمة من قِبل أصحاب توجه العدالة مقارنة بأصحاب توجه الرعاية، وهو ما يعكس الفروق العميقة في كيفية تصور العالم الأخلاقي ورسم خريطته الذهنية:

يميل أصحاب توجه العدالة إلى استخدام استعارات مكانية تراتبية ومستقيمة، وأبرزها استعارة “السُّلّم” (The Ladder)؛ حيث يُتصور العالم الأخلاقي كتراتبية هرمية عمودية للمبادئ والقيم، يتنافس فيها الأفراد للصعود نحو القمة التي تمثل الاستقلال الذاتي والامتثال للمبادئ الكونية العليا. في هذا الفضاء الهرمي، يُقاس النضج بالارتفاع والانفصال عن القاعدة، ويتم التعبير عن الأخلاق بلغة التوازن الميكانيكي، والحدود الفاصلة، والمكاييل المتساوية، وحماية المساحات الشخصية من الاختراق والتعدي.

في المقابل، يوظف أصحاب توجه الرعاية استعارات مكانية أفقية وترابطية، وأهمها استعارات “الشبكة” (The Web) و“النسيج” المتشابك (The Tapestry)؛ حيث يُتصور العالم الأخلاقي كفضاء علائقي مرن ومتداخل يربط الذوات بخيوط لا حصر لها من المسؤولية والاهتمام المشترك. في هذا الفضاء الشبكي، يُختبر الخوف الأكبر ليس في “السقوط من أعلى السلم” بل في “تمزق خيوط الشبكة والوقوع في فخ العزلة والانقطاع التام عن الآخرين”.

وفقاً لهذه الاستعارة، يُعاد تفسير “السقوط الأخلاقي”؛ فالخطيئة الأخلاقية في لغة العدالة هي “خرق القانون أو التعدي على حقوق الآخر”، بينما الخطيئة الكبرى في لغة الرعاية هي “الفشل في مد يد العون، وإشاحة الوجه عن المتألم، وتجاهل نداء الاستغاثة”. إن دراسة هذه اللغة المجازية توضح بجلاء أن الاختلاف بين التوجهين ليس مجرد خلاف في الرأي حول سلوكيات محددة، بل هو اختلاف جذري في “المخيال الوجودي” الذي يصوغ من خلاله الإنسان تصوره للوجود والمكان والمصير الإنساني المشترك.

7.3 مقاربة القراءة المتعددة للأصوات وسماع الطبقات السردية

يوفر التطبيق المنهجي لـ “دليل الاستماع” في قراءة المقابلات نموذجاً تطبيقياً فريداً لتفكيك الطبقات السردية المتزامنة، وهو ما يتجاوز التسطيح الاختزالي للدراسات السيكولوجية التقليدية. ولتوضيح ذلك، يستعرض الجدول التالي المستويات التحليلية الأربعة لكيفية قراءة مقطع حواري نموذجي من دراسة الإجهاض لمشاركة تُدعى “سارة”:

المستوى التحليلي تركيز المنهج والإصغاء الرؤية المستخلصة من النص
القراءة الأولى: الحبكة والسياق تتبع الرواية الدرامية، والعوامل الاجتماعية، وموقع الباحثة الوجداني إزاء ألم المشاركة. شابة تواجه أزمة حمل غير مخطط له في ظل ظروف اقتصادية هشة وشريك يرفض تحمل المسؤولية المشتركة.
القراءة الثانية: قصيدة الأنا (I Poems) عزل تعبيرات الذات: “أنا كنت، أنا أردت، أنا أخاف، أنا أعلم الآن”. تتحول الأنا من حالة الهشاشة والسلب (“أنا مجرد متلقية”) إلى فاعلية المقاومة واتخاذ القرار (“أنا أقرر ما هو محتمل”).
القراءة الثالثة: صوت العدالة البحث عن مصطلحات: الحقوق، الإنصاف، موازنة المصالح، والعقود غير المعلنة. الشعور بغياب العدالة والمساواة في تحمل أعباء القرار البيولوجية والاجتماعية مقارنة بالشريك المتهرب.
القراءة الرابعة: صوت الرعاية البحث عن: الروابط، منع الأذى، الرعاية المستقبلية للطفل، وصون كرامة الذات من الانهيار. إدراك أن إنجاب طفل في بيئة مدمرة هو إلحاق أذى صريح به، وأن الرعاية تقتضي اتخاذ قرار حاسم وقاسٍ لوقف تيار المعاناة.

تثبت هذه المقاربة السردية متراكبة الأصوات أن المقابلات لا تقدم “بيانات جامدة”، بل مسرحاً حياً لصراع التناغم والتنافر البوليفوني (Polyphony)؛ حيث تتداخل الرغبة في الإنصاف مع الخوف من القطيعة، وتتشابك لغة الحقوق الصارمة مع لغة المشاعر الهشة، مما يمنح البحث السيكولوجي عمقاً إنسانياً وتأويلياً لا يمكن للأرقام والمعادلات الرياضية الإحاطة به.

8. المقارنة البنيوية بين صوت العدالة وصوت الرعاية في المقابلات

8.1 تعريف المشكلة الأخلاقية: انتهاك الحقوق مقابل تمزق العلاقات

تكشف المقارنة البنيوية المباشرة بين صوت العدالة وصوت الرعاية كما يظهران في مقابلات غيليغان عن تباين جذري يبدأ من نقطة الانطلاق الأساسية: كيف يُعرّف الأفراد المشكلة الأخلاقية ويحددون طبيعتها؟

بالنسبة لصاحب صوت العدالة، تتحدد المشكلة الأخلاقية دوماً بوصفها “انتهاكاً لقاعدة مقبولة أو تجاوزاً لحدود الحقوق الفردية المشروعة”. يُطرح السؤال الجوهري في هذا الإطار بصيغة عقلانية مجردة: “ما هو الفعل الصائب قانونياً؟ من يملك الحق هنا ومن انتهك هذا الحق؟”. تفترض العدالة مبدئياً غياب التمايز النوعي بين الأفراد؛ فالجميع متساوون تحت مظلة المبدأ المجرد، وتصبح المعضلة أشبه بمسألة قضائية تتطلب محاكمة منطقية لفرز المعتدي من المعتدى عليه وتحديد التعويض أو العقاب العادل.

في المقابل، يُعرّف صوت الرعاية المشكلة الأخلاقية بوصفها “تمزقاً في نسيج العلاقات الإنسانية أو وجود ألم ومعاناة بشرية لم تجد من يستجيب لها ويهدئها”. يتغير السؤال الجوهري هنا ليصبح: “من سيتأذى في هذا الموقف؟ كيف يمكن تجنب الألم وتقليل المعاناة لأقصى حد؟ وما هي الكيفية التي تمكننا من الحفاظ على استمرارية الروابط والتواصل بين الأطراف؟”. لا تفترض الرعاية ذواتاً مجردة ومتماثلة، بل تركز على الفرادة والخصوصية القصوى لكل طرف في الموقف، مؤكدة أن كسر القواعد قد يكون أحياناً أهون بكثير من كسر القلوب أو قطع حبال المودة والمسؤولية بين البشر.

8.2 الآليات النفسية لفض النزاعات: الحياد الموضوعي مقابل التقمص الوجداني

يترتب على الاختلاف في تعريف المشكلة تباين عميق في الآليات والعمليات النفسية والمعرفية التي يوظفها الأفراد للتعامل مع النزاعات وفضها:

تعتمد آلية فض النزاع في التوجه نحو العدالة على “الحياد الموضوعي” (Objective Impartiality) والانفصال العاطفي المدروس؛ حيث يضع الفرد نفسه في موقع “المحكم النزيه” أو “القاضي العادل” الذي يقف على مسافة واحدة ومتساوية من الجميع دون أن يتورط وجدانياً مع أي طرف. يسعى صاحب العدالة إلى تنقية الموقف من المشاعر الذاتية — كالشفقة، أو الحب، أو الخوف — معتبراً إياها تشويشاً على وضوح الرؤية المنطقية. ومن ثم، يتحول النزاع إلى معادلة تُحل عبر وزن المصالح وحساب الاستحقاقات، وتنتهي بالضرورة إلى نتيجة تقبل القسمة الثنائية: رابح وخاسر، محق ومخطئ.

أما آلية فض النزاع في التوجه نحو الرعاية، فتنطلق من “التورط العاطفي والتقمص الوجداني العميق” (Empathetic Engagement)؛ حيث يرفض الفرد الوقوف على مسافة باردة من أطراف النزاع، وينغمس بوعيه ومشاعره في تجربة الآخرين لفهم بواعثهم واحتياجاتهم غير المعلنة. لا يُنظر إلى المشاعر كعائق يعطل العقل، بل كقنوات استشعار حساسة تضيء جوانب المأزق الإنساني. تسعى الرعاية جاهدة إلى تفادي منطق “الربح والخسارة”، وتبحث دوماً عن مسارات بديلة وحلول توفيقية خلاقة تعيد وصل ما انقطع وتقلل التكاليف الإنسانية للنزاع إلى أدنى حد ممكن، حتى وإن تطلب ذلك مرونة والتفافاً حول القواعد الشكلية الصارمة.

8.3 المفهوم النهائي للنضج الأخلاقي: المبادئ الكونية مقابل المسؤولية المستمرة

ينعكس هذا الاستقطاب البنيوي في النتيجة الختامية لنظرية التطور النفسي، حيث يقدم كل توجه مفهوماً مغايراً لما يعنيه أن يكون الإنسان “ناضجاً أخلاقياً”:

تتمثل قمة النضج الأخلاقي في توجه العدالة (وفق كولبرغ والفلسفة الكانطية) في “الالتزام الذاتي الصارم بمبادئ أخلاقية وفلسفية كونية مجردة لا تقبل التبديل أو المساومة”، مثل مبدأ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية بصيغتها الصورية. النضج هنا هو استقلال الذات الكامل (Full Autonomy)، وقدرتها على التشريع العقلي لنفسها والامتثال للقانون الأخلاقي بصرف النظر عن الرغبات الشخصية والنتائج العاطفية المباشرة؛ إنها أخلاق تقوم على صيانة الواجب المجرد والتناغم مع نظام كوني من القواعد المعقولة.

في المقابل، تتجلى قمة النضج الأخلاقي في توجه الرعاية في “المرونة العلائقية والقدرة الحية على الاستجابة لحاجات الواقع المتغيرة وصيانة الروابط الحية”. النضج هنا ليس جموداً على مبادئ معزولة، بل هو وعي عميق بهشاشة الحياة المشتركة، وإدراك بأن استمرار العلاقات يتطلب جهداً يومياً مستمراً، وتواصلاً صادقاً، وقدرة على الغفران والتفاهم والتكيف. إنه نضج يقوم على المسؤولية الإيجابية المتجددة بدلاً من الامتثال السلبي للقواعد، وعلى تكامل رعاية الذات والآخرين في إطار من اللاعنف، مما يجعل الأخلاق ممارسة حية تسري في تفاصيل الوجود اليومي وليست مجرد تأملات فلسفية معلقة في فضاء التجريد.

9. البعد الجندري: هل التوجه نحو الرعاية حكر على النساء؟

9.1 موقف غيليغان من مسألة الحتمية البيولوجية والتمايز الجندري

أثارت أطروحة كارول غيليغان منذ صدورها جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت تؤسس لنوع من “الحتمية البيولوجية” (Biological Determinism) أو “الجوهرانية الجندرية” (Gender Essentialism) التي تدعي أن النساء بطبيعتهن التكوينية أكثر ميلاً للرعاية والعطف، بينما يولد الرجال مجبولين على النزعة العدلية الصارمة والمنطق التجريدي البارد. غير أن قراءة دقيقة ومتأنية لنصوص غيليغان وتوضيحاتها اللاحقة تدحض هذا الفهم التبسيطي لنظريتها.

أكدت غيليغان مراراً وتكراراً أن “صوت الرعاية يتميز بنمطه الفكري والعلائقي وليس بجنس صاحبه”؛ فالصوت مختلف من حيث النغمة والمنطق والمنطلقات الفلسفية، وليس بحكم ارتباطه الحتمي بالكروموسومات أو الهرمونات الأنثوية. وقد شددت على أنها استمعت إلى صوت الرعاية لدى العديد من الرجال، كما استمعت إلى صوت العدالة لدى الكثير من النساء. ومع ذلك، لم تنكر غيليغان وجود ارتباط تجريبي وثيق وملحوظ في المجتمعات المعاصرة بين النساء وتوجه الرعاية من جهة، وبين الرجال وتوجه العدالة من جهة أخرى، مفسرة هذا الارتباط بأنه نتاج تاريخي وثقافي واجتماعي معقد وليس قدراً بيولوجياً لا فكاك منه.

رفضت غيليغان تماماً توظيف نظريتها لإعادة إنتاج تراتبية تمييزية تزعم تفوق جنس على آخر؛ فالهدف لم يكن إثبات أن أخلاق النساء “أفضل أو أسمى” من أخلاق الرجال، بل تفكيك الادعاء المعاكس الذي ظل يروج لعقود بأن النمط الفكري المرتبط بالنساء يمثل “نقصاً وقصوراً أخلاقياً”. لقد سعت غيليغان إلى تحرير مفهوم الرعاية من حصره في القالب الجندري الضيق، وتقديمه كإمكانية إنسانية عامة ينبغي فتح المجال أمام الرجال والنساء على السواء لتطويرها وممارستها في حياتهم الخاصة والعامة.

9.2 التواجد المتزامن للتوجهين داخل التجربة الإنسانية الواحدة

كشفت الدراسات اللاحقة والمقابلات المعمقة التي أجرتها غيليغان وزميلاتها في مشروع “هارفارد لتطوير الجنسين” أن الغالبية الساحقة من الأفراد — رجالاً ونساءً — يمتلكون القدرة على فهم واستخدام كلا التوجهين الأخلاقيين (العدالة والرعاية) عند معالجة الصراعات الوجودية والمعنوية، وأن التجربة الأخلاقية الإنسانية في عمقها تنطوي على هذا الثراء المزدوج.

ومع ذلك، أظهرت المقابلات أيضاً أن معظم الأفراد يميلون إلى تبني “توجه مهيمن ومفضل” (Dominant Orientation) يشكل إطارهم المرجعي الافتراضي والتلقائي لتفسير العالم الأخلاقي؛ فبينما يرى الشخص المتمركز حول العدالة الموقف كمسألة حقوق وقواعد تلقائياً، يرى الشخص المتمركز حول الرعاية الموقف نفسه كأزمة علاقات وتواصل. وقد شبهت غيليغان هذه الظاهرة بالصورة البصرية الإدراكية الشهيرة في علم النفس الغشتالتي التي تمثل “الأرنب والبطة”؛ حيث يمكن للعين البشرية أن ترى الأرنب، كما يمكنها أن ترى البطة في الرسم ذاته، ولكنها لا تستطيع عادة أن تراهما معاً في نفس اللحظة الواحدة بدقة متساوية، بل تتنقل بين الصورتين مع ميل لإدراك إحداهما كشكل مهيمن.

حذرت غيليغان من الخطر النفسي والتربوي الفادح الناتج عن الإفراط في قمع أحد الصوتين لحساب هيمنة الصوت الآخر بالكامل. فالرجل الذي يُربى على قمع صوت الرعاية وشطب التعاطف بدعوى “الرجولة والصلابة العقلانية” ينتهي به المطاف إلى اغتراب عاطفي وتشوه في قدرته على بناء صلات حميمة ذات معنى، في حين أن المرأة التي تُدفع لقمع صوت العدالة وحجب الدفاع عن حقوقها بدعوى “الأنوثة والتفاني” تصبح عرضة للاستغلال وسحق كرامتها في العلاقات المسيئة؛ مما يستدعي العمل على إعادة التناغم الداخلي بين هذين البعدين في الشخصية الواحدة.

9.3 تأثير التنشئة الأسرية والثقافة على تشكيل النمط الأخلاقي

لتفسير أسباب الارتباط الإحصائي والاجتماعي بين الإناث وتوجه الرعاية والذكور وتوجه العدالة، استندت كارول غيليغان إلى الأطروحة السيكودينامية الرائدة التي صاغتها عالمة الاجتماع والمحللة النفسية نانسي تشودورو (Nancy Chodorow) في كتابها المرجعي “إعادة إنتاج الأمومة” (The Reproduction of Mothering) عام 1978.

تنطلق هذه الأطروحة من حقيقة اجتماعية مفادها أن النساء هن اللواتي يقمن تاريخياً بالدور الأساسي في تنشئة ورعاية الأطفال في مراحل الطفولة المبكرة. ونتيجة لذلك، يمر مسار تطور الهوية الجندرية لدى الذكور والإناث بتجربة نفسية متباينة جذرياً:

  • مسار تطور الفتيات: تطور الفتاة هويتها الأنثوية عبر “التماهي والاتصال المستمر مع الأم”، ومن ثم فإن تشكل ذاتها لا يتطلب قطيعة وجودية مع القائمة على الرعاية، مما يدمج الإحساس بالترابط والتعاطف في صلب هويتها الأساسية؛ فالعلاقات لا تهدد كيانها بل تثبته.
  • مسار تطور الفتيان: لكي يطور الفتى هويته الذكورية في ظل أمومة نسائية، يُفرض عليه خوض مسار مؤلم من “التمايز والانفصال والقطيعة مع الأم” لتأكيد أنه ليس بنتاً؛ ومن ثم يرتبط إحساس الذكر بهويته برسم حدود صارمة ومستقلة، ويصبح القرب والاعتماد العاطفي مصدر تهديد لهويته واستقلاليته.

تتدخل التوقعات الثقافية والمؤسسات الاجتماعية لاحقاً لتعميق وترسيخ هذا التمايز الأولي؛ حيث تكافئ النظم التعليمية والمهنية الذكور على التنافس، والاستقلال، والتفكير التجريدي الإجرائي، وممارسة السلطة المستندة للقانون الصارم (منطق العدالة)، بينما تدرب الإناث وتكافؤهن على الرعاية الأسرية، والتكيف العاطفي، واحتواء النزاعات، والتضحية في سبيل الجماعة (منطق الرعاية). وأكدت غيليغان أن هذا التباين ليس حتمياً، بل يمكن تفكيكه وإعادة صياغته عبر إعادة تصميم مؤسسات التربية الأسرية والمدرسية لتقوم على “الأمومة والأبوة المشتركة المتساوية”، مما يسمح بإنتاج أجيال من الجنسين يمتلكون المهارات العلائية والقدرات النقدية والعدلية بنفس المستوى المتوازن.

10. الانتقادات الأكاديمية والجدل المنهجي حول مقابلات غيليغان

10.1 انتقادات المنهجية وحجم العينات وموثوقية القياس

واجهت أبحاث كارول غيليغان منذ لحظة ظهورها عاصفة من الانتقادات المنهجية العنيفة التي قادها بالأساس علماء النفس التجريبي والكمي، والذين رأوا في مقاربتها خروجاً خطيراً عن التقاليد العلمية الوضعية الصارمة المعمول بها في الأوساط الأكاديمية الأمريكية.

تركزت أولى هذه الانتقادات على صغر حجم العينات وانتقائيتها الشديدة، وغياب التوزيع العشوائي؛ إذ اعتبر النقاد أن بناء نظرية ضخمة تعيد تعريف النمو الأخلاقي البشري استناداً إلى مقابلات مع 29 امرأة يواجهن الإجهاض ومجموعات محدودة من طلبة جامعة هارفارد المرموقة يمثل قفزة استقرائية غير مبررة إحصائياً وتفتقر إلى القابلية للتعميم. كما تم توجيه انتقادات حادة لغياب معايير الترميز والقياس الكمية المعيارية، مما يفتح الباب واسعاً أمام “تحيز الباحث” (Researcher Bias) في تأويل السرديات وانتقاء الاقتباسات التي تخدم فرضيته المسبقة وتجاهل الشواهد التي قد تنقضها.

أما الضربة الإحصائية الأقوى، فجاءت من الدراسات المسحية واسعة النطاق التي أجراها عالم النفس لورانس ووكر (Lawrence Walker) وزملاؤه لاحقاً عبر التحليل التلوي (Meta-analysis)؛ حيث فحص ووكر مئات الدراسات التي استخدمت مقياس كولبرغ للحكم الأخلاقي بمشاركة آلاف الذكور والإناث من مختلف الأعمار، وخرج بنتيجة صادمة مفادها أنه لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الجنسين في مراحل النمو الأخلاقي لدى كولبرغ عند ضبط متغيرات التعليم والطبقة الاجتماعية. جادل ووكر بأن كولبرغ لم يكن متحيزاً ضد النساء كما ادعت غيليغان، وأن الفروق التي لاحظتها لم تكن تعكس نمطاً جندرياً ثابتاً، بل كانت تعود إلى تباين مستويات التعليم والفرص المهنية المتاحة للجنسين في فترات تاريخية سابقة.

10.2 الانتقادات النسوية والنظرية النقدية للنموذج

المفارقة اللافتة في تلقي نظرية غيليغان هي أنها لم تواجه نقداً من التيار الذكوري المحافظ فحسب، بل تعرضت أيضاً لسهام نقد حادة ومقلقة من داخل الفكر النسوي والنظرية النقدية المعاصرة، حيث خشي العديد من المفكرات النسويات (مثل كاثلين كليف، وتيري موفيت، وفيرجينيا هيلمان) من الآثار الرجعية المحتملة لهذه الأطروحة.

تمثل النقد النسوي الجذري في التحذير من أن تمجيد غيليغان لأخلاق الرعاية وربطها بالمرأة قد يسهم دون قصد في “تكريس الصورة النمطية الأبوية القديمة” التي حصرت المرأة تاريخياً في أدوار الخدمة المنزلية، والتمريض، والتضحية الصامتة، والتفاني في سبيل الآخرين. وتساءلت فيلسوفات مثل كاثرين ماكينون (Catharine MacKinnon): “هل ما تصفه غيليغان بأنه صوت المرأة المختلف هو حقاً صوتها الأصيل والحر، أم أنه صوت المستعبَد الذي تكيف مع شروط القهر؟”. جادلت ماكينون بأن الاهتمام بالرعاية والتواصل والحد من الأذى لم يكن خياراً وجودياً حراً للمرأة، بل كان استراتيجية نجاة تكتيكية طورتها الفئات الخاضعة للتكيف مع هيمنة الرجل وتفادي بطشه في ظل مجتمع ذكوري لا يمنحها حق استخدام القوة أو الاحتكام إلى العدالة الصورية.

علاوة على ذلك، انتقدت نسويات ما بعد الاستعمار والنسوية التقاطعية (Intersectionality) نموذج غيليغان لتجاهله المركب لأبعاد الطبقة الاجتماعية والعرق والسلطة؛ حيث انطلقت غيليغان من تجارب نساء ينتمين في غالبيتهن للطبقة الوسطى البيضاء في الغرب، متجاهلة أن مفهوم الرعاية يُختبر بشكل مختلف تماماً لدى النساء الكادحات أو النساء الملونات اللواتي تم استغلالهن تاريخياً كخادمات ومربيات يقمن بأعمال الرعاية الشاقة لصالح الطبقات المهيمنة، في حين حُرمن من رعاية أطفالهن وعائلاتهن. ومن هذا المنطلق، رأى النقاد أن تمجيد الرعاية دون تفكيك علاقات القوة والظلم الهيكلي يجعل منها أيديولوجيا تخديرية تضعف مطالبات النساء بالحقوق والمساواة السياسية والاقتصادية الصلبة.

10.3 ردود غيليغان وتطوير أدوات التحليل السردي اللاحقة

لم تقف كارول غيليغان مكتوفة الأيدي أمام هذه الهجمات المنهجية والنظرية المتشعبة، بل قادت على مدى عقود مسيرة بحثية حثيثة لتوضيح أطروحتها وتطوير أدواتها الإجرائية والمنهجية؛ حيث ميزت بشكل حاسم بين شكلين متباينين من الرعاية:

  • الرعاية المستلبة أو الأبوية (Patriarchal/Feminine Care): وهي الرعاية القائمة على إنكار الذات، والتضحية الإجبارية، والخضوع للقمع واستبطان دونية المرأة، مؤكدة أن هذا النمط يمثل تشوهاً مرضياً في المستوى الثاني من النمو الأخلاقي وليس نضجاً.
  • الرعاية الأصيلة والمتحررة (Liberating/Feminist Care): وهي الرعاية المستندة إلى المستوى الثالث؛ رعاية تقوم على اللاعنف والصدق، وتدمج رعاية الذات مع رعاية الآخرين، وتتحول إلى قوة سياسية واجتماعية تقاوم الظلم وتفكك البنى الاستغلالية.

وعلى الصعيد المنهجي، طورت غيليغان بالتعاون مع فرقها البحثية “طريقة دليل الاستماع” (The Listening Guide Method) لتصبح منهجاً نوعياً صارماً ومقنناً يتم تدريسه في كبرى الجامعات، موفرة بروتوكولات تفصيلية لمطابقة وتحكيم التفسيرات بين باحثين متعددين (Inter-rater Reliability في الإطار النوعي) لضبط موثوقية استخراج الأصوات السردية والحد من التحيزات الذاتية.

كما وسعت غيليغان أبحاثها الميدانية لتشمل دراسات طولية كبرى حول نمو الفتيات والفتيان في سن المراهقة في المدارس العامة والخاصة (مثل أبحاث مدرسة إيما ويلارد للفتيات). دافعت غيليغان بشراسة عن القيمة المعرفية الأصيلة للمنهج النوعي والسردي، مؤكدة أن محاولة إخضاع تعقيدات الوعي الأخلاقي والمشاعر الإنسانية لأدوات القياس الاستبيانية الجافة الشبيهة بنماذج ووكر هي التي تعاني من قصور منهجي فادح؛ لأنها تفرض لغة الباحث المصطنعة على المبحوثين وتمنعهم من التعبير عن صوتهم الحي، مما يجعل البحث السردي ضرورة إبستمولوجية لا غنى عنها لفهم الطبيعة البشرية في كليتها وتناقضاتها.

11. التطبيقات المعاصرة لنتائج المقابلات في المجالات النفسية والاجتماعية

11.1 التحول في ممارسات الإرشاد النفسي والعلاج السلوكي

أحدثت نتائج مقابلات وأبحاث كارول غيليغان ثورة صامتة ولكنها عميقة الجذور في حقول الإرشاد النفسي والعلاج السلوكي والتحليلي؛ حيث ساهمت في تصحيح انحياز تشخيصي ونظري كلاسيكي ظل لسنوات طويلة يوصم الاحتياج العاطفي والرغبة في الترابط الإنساني الوثيق بوصفهما علامات على “الاعتمادية المرضية” (Codependency) أو ضعف الشخصية، في مقابل تمجيد مفرط للاستقلال والانفصال الذاتي التام كمعيار وحيد للصحة النفسية.

في ضوء أخلاقيات الرعاية والنموذج العلائقي، تبنت تيارات علاجية حديثة — وفي مقدمتها “العلاج الثقافي العلائقي” (Relational-Cultural Therapy – RCT) الذي تأسس في مركز جين بيكر ميلر في كلية ويليسلي — منظوراً يرى أن النمو النفسي يستمر ويتعزز “عبر العلاقات وبداخلها” وليس عبر الانفصال عنها. ساعدت هذه المقاربة المعالجين على دعم المرضى — وخاصة النساء — للتحرر من مشاعر الذنب الزائفة الناتجة عن التضحية المفرطة بالذات لإرضاء الآخرين (أزمة المستوى الثاني النمائي)، وتشجيعهم على ممارسة “الرعاية الأصيلة للنفس” دون خجل أو خوف من وصمة الأنانية.

وعلى الجانب الآخر، فتحت هذه النتائج آفاقاً علاجية هامة للتعامل مع الرجال؛ إذ مكنت المعالجين النفسيين من تفكيك القوالب الذكورية الصارمة التي تجبر الفتيان والرجال منذ الصغر على كبت مشاعر الرعاية، والتعاطف، والهشاشة النفسية بدعوى الرجولة والصلابة العقلانية. وقد أظهرت الممارسات الإكلينيكية المعاصرة أن مساعدة الرجال على إعادة الاتصال بـ “صوت الرعاية” المكبوت لديهم يسهم بشكل فعال في تخفيف نوبات الاكتئاب، والحد من السلوكيات العدوانية والإدمانية، وبناء علاقات أسرية وزوجية أكثر نضجاً وإشباعاً وقائمة على التفاهم المتبادل.

11.2 إعادة هيكلة التربية الأخلاقية والمناهج التعليمية

امتد التأثير التحويلي لأبحاث التوجه الأخلاقي إلى ميدان التربية والتعليم، حيث قادت أعمال غيليغان وتطويراتها اللاحقة على يد فيلسوفات مثل نيل نودنغز (Nel Noddings) إلى إعادة التفكير في الفلسفات التي تبنى عليها المناهج الدراسية ونظم الانضباط المدرسي.

تخلت العديد من المؤسسات التعليمية التقدمية عن أساليب التأديب الزجرية التقليدية القائمة حصرياً على تطبيق العقوبات واللوائح الصارمة المستمدة من منطق العدالة الجزائية الباردة، وتبنت بدلاً منها برامج تربوية مستوحاة من أخلاقيات الرعاية تركز على “حل النزاعات بالوساطة والتواصل الفعال” (Peer Mediation and Restorative Practices). وفي هذه البيئات، يتم تشجيع الطلاب عند حدوث نزاع على الجلوس معاً والإصغاء المتبادل لفهم مشاعر الطرف المتضرر، والتعرف على الأثر الإنساني للفعل، والعمل المشترك على إصلاح العلاقة المتصدعة، بدلاً من الاكتفاء بفصل الطالب أو حرمانه دون معالجة الجرح العلائقي الكامن وراء السلوك.

كما شهدت المناهج التعليمية إدراج برامج متخصصة في “التعلم الاجتماعي والعاطفي” (Social and Emotional Learning – SEL)، تهدف إلى تدريب الأطفال منذ المراحل المبكرة على مهارات الاستماع العميق، والتقمص الوجداني، والاعتناء ببعضهم البعض وببيئتهم المدرسية. وبدلاً من قصر تدريس الأخلاق على نصوص جافة حول الواجبات المجردة والحقوق القانونية، أصبحت المدارس توفر مساحات حوارية تناقش المشكلات الإنسانية المعاصرة — كالفقر، والتنمر، والتنوع الثقافي — من زاويتي العدالة والحاجة الإنسانية معاً، مما ينمي لدى النشء حساً أخلاقياً متكاملاً يوازن بين احترام القانون ونبض التعاطف مع المحتاجين.

11.3 الأخلاقيات التطبيقية: القانون، والطب، والسياسات العامة

في مجال القانون والعدالة الجنائية، شكلت أبحاث غيليغان الأساس الفلسفي لانطلاق حركة “العدالة التصالحية” (Restorative Justice) كبديل إنساني للعدالة العقابية والانتقامية التقليدية؛ فبينما تسأل العدالة العقابية: “ما هو القانون الذي كُسر، ومن الفاعل، وما العقوبة التي يستحقها؟”، تسأل العدالة التصالحية المستلهمة من منطق الرعاية: “من هو الشخص الذي تأذى، وما هي احتياجاته، وعلى من تقع مسؤولية معالجة هذا الضرر وإعادة تأهيل الجاني وإصلاح النسيج المجتمعي؟”، مما أحدث نقلة نوعية في التعامل مع قضايا الأحداث والنزاعات الأهلية المعقدة.

وفي ميدان الرعاية الصحية وأخلاقيات الطب والتمريض (Bioethics and Nursing Ethics)، ساهم نموذج غيليغان في زعزعة الهيمنة المطلقة للأخلاقيات الطبية الكانطية والنفعية التي كانت تختزل القرارات السريرية في تطبيق مبادئ عقلانية مجردة (كالاستقلالية والإحسان الصوري). وقد بلورت منظرات التمريض (مثل باميلا جريس وفيرجينيا هيلد) “أخلاقيات الرعاية الصحية” التي تضع العلاقة الإنسانية بين الطبيب والممرض والمريض في قلب الممارسة العلاجية؛ مؤكدة على أهمية الإصغاء لمعاناة المريض الفردية، واحترام مخاوفه الخاصة، وتوفير بيئة رعاية شاملة تهتم بالدفء الإنساني وتخفيف الألم وليس فقط بالمعالجة التقنية الصماء للأعضاء المصابة.

وعلى صعيد السياسات العامة والاقتصاد الاجتماعي، أدت هذه الرؤية إلى إعادة تقييم جذرية لما يُعرف اليوم بـ “اقتصاد الرعاية” (Care Economy)؛ حيث انتبه المخططون وصناع القرار إلى أن أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر (كالأمومة، ورعاية المسنين والمرضى) التي تقوم بها النساء في الغالب هي الأساس الصامت الذي يحمل النظام الاقتصادي برمته، مما استدعى صياغة سياسات دعم أسرية وإجازات والدية مدفوعة الأجر، والنظر إلى وظيفة الدولة ليس فقط كـ “حارس قانوني يحمي العقود والملكيات” وفق منطق العدالة الليبرالية الضيقة، بل كـ “دولة راعية” تلتزم بالاستجابة لحاجات مواطنيها الأكثر هشاشة وتضمن شروط الحياة الكريمة للجميع.

12. الخلاصة والآفاق المستقبلية لأبحاث التوجه الأخلاقي

12.1 التوليف المعرفي بين العدالة والرعاية كنموذج تكاملي

يقودنا التأمل التحليلي العميق في مسار التناظر الطويل بين مقابلات التوجه نحو العدالة ومقابلات التوجه نحو الرعاية إلى استنتاج إبستمولوجي حاسم: إن النضج الأخلاقي الحقيقي للبشرية لا يمكن أن يكتمل بالاقتصار على أحدهما وإقصاء الآخر، بل يتطلب بالضرورة إنجاز توليف معرفي وتكاملي مركب يدمج الصوتين في نسيج واحد.

إن إدراك حدود كل توجه بمفرده يكشف مخاطر الانفصال؛ فـ “العدالة بدون رعاية تصبح قسوة باردة، وقانوناً صورياً أعمى، وعقلانية متصلبة” تنفصل عن الواقع الإنساني وتنتج مظالم جسيمة باسم الامتثال الحرفي للمبادئ التجريدية، في حين أن “الرعاية بدون عدالة مهددة بالانزلاق نحو المحاباة الشخصية، والعاطفية الانتقائية، والتمييز الضيق” الذي يفضل المقربين ويغفل المبادئ العامة للإنصاف، وقد يتحول إلى تكريس لاستغلال المستضعفين باسم التفاني والمحبة القسرية.

تتمثل الرؤية المستقبلية الأكثر نضجاً في النظر إلى العدالة والرعاية بوصفهما “بعدين تكامليين متداخلين لنسق أخلاقي إنساني شامل”؛ حيث توفر العدالة الإطار الحقوقي والموضوعي الذي يضمن المساواة ويمنع الاستغلال والتسلط، بينما تضخ الرعاية الدفء الإنساني والتقمص الوجداني والمرونة الحية التي تضمن أن تظل هذه القوانين في خدمة الحياة والمعاناة الملموسة للبشر. إن تجاوز الثنائيات المتعارضة نحو هذا النموذج التكاملي يحرر الوعي الأخلاقي من التصلب الجندري والفكري، ويقدم للإنسانية بوصلة أخلاقية قادرة على مواجهة أزمات العصر الحاضر المعقدة بعقل منصف وقلب رحيم في آن واحد.

12.2 مستقبل البحث السردي والنوعي في علم النفس الأخلاقي

يظل الإرث المنهجي والمعرفي الذي دشّنته كارول غيليغان من خلال مقابلاتها الإكلينيكية والسردية منارة ملهمة تفتح آفاقاً بحثية واسعة أمام الأجيال القادمة من الباحثين في العلوم النفسية والاجتماعية والإنسانية؛ إذ تتأكد الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تطوير هذه الأدوات النوعية لمقاربة التحديات الوجودية والأخلاقية المستجدة التي لم تشهدها البشرية من قبل.

يقف مستقبل البحث الأخلاقي أمام ميادين جديدة بالغة التعقيد، من أبرزها تطبيق أدوات التحليل السردي ودليل الاستماع لدراسة مواقف الأفراد والمجتمعات إزاء أزمة التغير المناخي والعدالة البيئية؛ حيث يتيح منطق الرعاية مد شبكة المسؤولية الأخلاقية لتتجاوز الحدود البشرية المباشرة وتشمل الكائنات غير البشرية والأجيال القادمة والمنظومات الحيوية لكوكب الأرض. كما يفرض الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي أسئلة ملحة حول الكيفية التي يعيد بها هذا الفضاء الافتراضي تشكيل الروابط الإنسانية: هل يوسع آفاق الاستجابة للآخرين أم يكرس العزلة والسطحية واغتراب الذوات؟

علاوة على ذلك، يتطلب المستقبل تجاوز “التمركز الثقافي الغربي” الذي وسم الدراسات الأخلاقية الكلاسيكية، عبر تطبيق المقابلات المعمقة لفحص التوجهات الأخلاقية في المجتمعات غير الغربية والشرقية والإفريقية (مثل فلسفة “الأوبونتو” الإفريقية القائمة على الترابط: أنا أكون لأننا نكون)، بما يسمح ببناء علم نفس أخلاقي تعددي وكوكبي حقيقي يستمع باحترام لجميع نبرات الصوت الإنساني بتنوع روافده وثقافاته. إن الدفاع المستمر عن المنهج النوعي والسردي في وجه تسليع البحث العلمي واختزاله في خوارزميات صماء هو في جوهره دفاع عن “إنسانية البحث السيكولوجي”، واعتراف خالد بأن وراء كل سلوك بشري قصة فريدة، ونبضاً يستحق الإصغاء، وصوتاً مختلفاً ينتظر أن يُسمع.

المراجع

تقييم هذا المحتوى

0.0 / 5 0 تقييمات

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 6). مقابلات التوجه نحو الرعاية مقابل التوجه نحو العدالة – كارول غيليغان. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/experiments/care-orientation-vs-justice-orientation-interviews-carol-gilligan/
looti, Mohammed. “مقابلات التوجه نحو الرعاية مقابل التوجه نحو العدالة – كارول غيليغان.” عرب سايكلوجي, 6 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/experiments/care-orientation-vs-justice-orientation-interviews-carol-gilligan/.
looti, Mohammed. “مقابلات التوجه نحو الرعاية مقابل التوجه نحو العدالة – كارول غيليغان.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 6, 2026. https://arabpsychology.com/experiments/care-orientation-vs-justice-orientation-interviews-carol-gilligan/.