شهد النصف الأول من القرن العشرين ثورة منهجية كبرى في مسار علم النفس التجريبي، تمثلت في السعي المحموم نحو تحويل دراسة الظواهر السلوكية إلى علم طبيعي دقيق يُحاكي رصانة الفيزياء الكلاسيكية وقوانينها الحتمية. في قلب هذه الحقبة المفصلية، برز عالم النفس الأمريكي كلارك ليوينارد هال (Clark Leonard Hull) بوصفه أحد أعتى المنظرين الذين قادوا حركة السلوكية الجديدة (Neobehaviorism)، محاولاً صياغة نظرية رياضية استنباطية شاملة تُفسر السلوك الحيواني والإنساني بمجمله عبر معادلات كمية ومفاهيم بيولوجية محكمة. كانت فرضيته المركزية، المعروفة باسم نظرية خفض الحافز (Drive Reduction Theory)، تهدف إلى تقديم إجابة قاطعة عن سؤال محوري: ما الذي يُحرّك الكائن الحي، وكيف يتعلم ويكتسب عاداته السلوكية في بيئته؟
لقد جسدت تجارب “الجري في المتاهة” (Maze Running Experiments) التي أشرف عليها هال وتلاميذه في مختبرات جامعة ييل (Yale University) حجر الزاوية التجريبي لاختبار وتفنيد وتطوير هذه المنظومة النظرية المعقدة. فالمتاهة لم تكن مجرد أداة مخبرية تقليدية لقياس زمن وصول القوارض إلى الطعام، بل تحولت إلى مسرح فيزيائي دقيق يُقاس فيه أثر الحرمان البيولوجي، وتراكم قوة العادة، وتأثير البواعث الحسية، وتصارع قوى التثبيط والتعب العضلي. من خلال عزل المتغيرات وضبط فترات الحرمان من الماء والغذاء، سعى هال إلى تفكيك الفعل السلوكي إلى عناصره الأولية، وتتبع المسار الميكانيكي الذي يربط بين المثير البيئي والاستجابة العضلية، وسيطةً بينهما مفاهيم نظرية دقيقة شكّلت صلب الثورة الكمية في علم النفس.
يقدم هذا البحث الموسع تحليلاً تاريخياً وتجريبياً وإبستمولوجياً عميقاً لتجارب نظرية خفض الحافز عند كلارك هال، متتبعاً أصولها الفلسفية المستمدة من الوضعية المنطقية وأبحاث الاتزان الداخلي، ومفصلاً أدواتها التجريبية في أروقة المتاهات بمختلف أشكالها، ومستعرضاً المناظرة الكبرى بين السلوكية الميكانيكية لـ هال والنماذج الغائية المعرفية لـ إدوارد تولمان. كما يتناول البحث التعديلات الجوهرية التي أدخلت على معادلات هال، والانتقادات التجريبية الهدامة التي واجهتها، وصولاً إلى أثرها الدائم في علم النفس العصبي وسيكولوجيا الإدمان والتعلم المعاصر.
1. السياق التاريخي والفكري لنظرية خفض الحافز عند كلارك هال
1.1 تطور المدرسة السلوكية والانتقال إلى السلوكية الجديدة (النيوسلوكية)
تأسست المدرسة السلوكية الكلاسيكية على يد جون واطسون (John B. Watson) في عام 1913 كحركة تمرد جذرية ضد الاستبطان (Introspection) والتحليل التأملي للوعي الإنساني الذي كان سائداً مع تيارات البنيوية والوظيفية. رفع واطسون لواء العلمية الصارمة، مؤكداً أن موضوع علم النفس يجب أن يقتصر حصراً على السلوك الملاحظ والعلني والقابل للقياس، مستبعداً العقل، والشعور، والإرادة من نطاق البحث العلمي باعتبارها مفاهيم ميتافيزيقية غير قابلة للتحقق المخبري. واعتمدت صيغة واطسون على ثنائية حتمية بسيطة: المثير البيئي المؤدي حتماً إلى استجابة عضوية مباشرة دون الحاجة لافتراض أي سيرورات داخلية تفصل بينهما.
مع حلول أواخر عشرينيات القرن العشرين، واجهت هذه السلوكية الراديكالية أزمة ابستمولوجية ومنهجية خانقة؛ إذ عجزت الصيغة الميكانيكية التبسيطية (مثير-استجابة) عن تفسير الفروق الفردية في السلوك، وتقلبات الأداء لدى نفس الكائن في ظل ثبات المثيرات البيئية، وتأثير التاريخ التطوري والفسيولوجي على الاستجابة الحالية. كان من الجليّ أن وضع كائن جائع أمام وعاء طعام لا ينتج نفس السلوك إذا كان الكائن قد شبع لتوه، رغم تطابق المثير الحسي الفيزيائي تماماً. أدى هذا الإخفاق إلى انبثاق تيار السلوكية الجديدة أو “النيوسلوكية” (Neobehaviorism)، التي نادت بضرورة تعديل المعادلة الأصلية لتصبح (مثير – كائن – استجابة)، مما فرض إدخال بنى وسيطة غير ملحوظة مباشرة ولكنها ترتبط وظيفياً بالمثيرات القبلية والاستجابات البعدية.
في هذا المفترق التاريخي، برز دور كلارك هال في “معهد العلاقات الإنسانية” في جامعة ييل كقائد منهجي استثنائي للنيوسلوكية. لم يسعَ هال إلى إعادة الذاتية أو الوعي إلى علم النفس، بل هدف إلى إضفاء الطابع الرياضي الصارم على تلك “المتغيرات الوسيطة” (Intervening Variables). بالنسبة لهال، لا يجوز افتراض حالات داخلية إلا إذا تم تحديدها إجرائياً عبر شروط بيئية قابلة للتثبت، بحيث تصبح الكينونة الداخلية للكائن الحي خاضعة لشبكة سببية واضحة وقوانين فيزيائية دقيقة، وهو ما جعل من منهجه قمة السلوكية المنهجية التي هيمنت على الفضاء الأكاديمي لعقود متتالية.
1.2 التأثيرات الفلسفية والمنهجية على فكر كلارك هال
تأثر كلارك هال بعمق بحركة الوضعية المنطقية (Logical Positivism) وحلقة فيينا، وخاصة أفكار رودولف كارناب وفيليب فرانك، التي رأت أن أي مفهوم علمي لا يكتسب مشروعيته المعرفية إلا إذا كان قابلاً للرد إلى ملاحظات حسية مباشرة أو مرتبطاً بها عبر منطق صوري لا لبس فيه. تلاقت هذه النزعة مع المفهوم الإجرائي (Operationalism) الذي صاغه الفيزيائي بيرسي بريدجمان (Percy Bridgman)، مما دفع هال إلى الإصرار على أن كل متغير نفسي داخل نظريته—مثل الحافز أو قوة العادة—يجب أن يُعرّف حصراً من خلال العمليات والقياسات الفيزيائية المحددة التي أدت إلى ظهوره في التجربة المختبرية.
تبنى هال “المنهج الفرضي-الاستنباطي” (Hypothetico-Deductive Method) كاستراتيجية عليا لبناء صرحه النظري، مستلهماً في ذلك أعمال عالم الهندسة الإقليدي والفيزيائي الفذ إسحاق نيوتن في كتابه الشهير “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية”. كان طموح هال أن يؤسس “فيزياء للسلوك” تنطلق من مجموعة أولية من المسلمات أو البديهيات (Postulates) المنطقية المستندة إلى الملاحظات التجريبية الأولية، ليقوم بعد ذلك، عبر استدلال رياضي دقيق، باستنباط قضايا فرعية ونظريات مشتقة (Theorems) تُصاغ في صورة تنبؤات تجريبية محددة وقابلة للاختبار الكمي الصارم في المختبر.
إذا جاءت النتائج التجريبية متطابقة مع التنبؤات الرياضية المستنبطة، تتعزز الثقة في البديهيات الأصلية؛ وإذا تناقضت معها، يُصار إلى تعديل المسلمات أو إعادة صياغة المعادلات الرياضية. وقد تجسد هذا الطموح الموسوعي في مؤلفه التاريخي الصادر عام 1943 بعنوان مبادئ السلوك (Principles of Behavior)، حيث حوّل السلوك إلى شبكة من المعادلات الرياضية والرموز الرمزية، في محاولة هي الأكثر راديكالية وجرأة في تاريخ العلوم الإنسانية لتجريد السلوك الحيوي من العشوائية وإخضاعه لمصفوفات الحساب والتفاضل والتكامل.
1.3 مفهوم الاتزان الداخلي كركيزة بيولوجية للنظرية
لم يكن البناء الرياضي لهال معلقاً في فراغ ميتافيزيقي، بل ارتبط ارتباطاً عضوياً عميقاً بالفسيولوجيا التجريبية لبيئته المعاصرة، وتحديداً أبحاث عالم الفسيولوجيا الأمريكي الشهير والتر كانون (Walter Bradford Cannon) حول مفهوم “الاتزان البدني” أو الاتزان الداخلي (Homeostasis). أثبت كانون أن الكائن الحي يعمل كنظام منظم ذاتياً يسعى باستمرار وبشكل آلي إلى الحفاظ على بيئة داخلية مستقرة وثابتة (مثل درجات حرارة الدم، ومستويات السكر، والتوازن المائي-الأيوني) في مواجهة تقلبات البيئة الخارجية العنيفة.
التقط هال هذا المفهوم الفسيولوجي وجعله حجر الأساس البيولوجي لنظريته في التعلم والدافعية. عرّف هال “الحاجة العضوية” (Biological Need) بأنها حالة من الاختلال الفسيولوجي الموضوعي، أو انحراف حاد عن النقطة المثالية للاتزان الداخلي تهدد بقاء الكائن الحي (مثل استنزاف مخزون الجليكوجين في الكبد، أو جفاف الأنسجة الخلوية، أو التمزق النسيجي الناتج عن الألم). هذا الانحراف الفسيولوجي لا يبقى خاملاً، بل يولد حالة استثارة نفسية وفيزيولوجية عامة أطلق عليها هال اسم الحافز (Drive).
يمثل الحافز الشحنة الديناميكية أو مخزن الطاقة الذي ينشط الكائن الحي ويدفعه إلى الحركة والنشاط العشوائي أو الموجه في البيئة. من هذا المنطلق، لم يعد السلوك مجرد استجابة لمثيرات خارجية كما تصور واطسون، بل غدا محاولة تكيفية بيولوجية تهدف إلى إزالة الخلل الداخلي واستعادة حالة التوازن العضوي المستقر. بالتالي، ارتبطت شدة الحافز بطول فترة الحرمان العضوي، وأصبح الهدف النهائي لأي فعل سلوكي هو استعادة التوازن، مما جعل التعلم في جوهره آلية بيولوجية مصممة لخدمة البقاء والاتزان البدني للكائن.
2. الأسس النظرية والمفاهيم الجوهرية لنموذج كلارك هال
2.1 التمايز بين الحافز الأولي والحافز الثانوي
ميّز كلارك هال بصورة منهجية حاسمة بين نوعين رئيسيين من الحوافز التي تحكم السلوك الحيواني والبشري: الحوافز الأولية والحوافز الثانوية أو المكتسبة. الحافز الأولي (Primary Drive) هو حالة توتر فسيولوجي فطرية وغير متعلمة، تنشأ مباشرة عن الحرمان البيولوجي الصريح أو التهديد الجسدي الداهم الذي يمس بقاء الكائن الحي أو استمرار نوعه. تشمل الحوافز الأولية الكلاسيكية الجوع الحاد الناتج عن نقص العناصر الغذائية، والعطش الناجم عن فقدان السوائل وتناقص حجم الدم، والجنس بوصفه حافزاً للحفاظ على النوع، وتجنب الألم الفيزيائي والأذى النسيجي، وتنظيم درجات الحرارة الشديدة (البرودة والحرارة المفرطة).
في المقابل، تمثل الحوافز الثانوية أو المكتسبة (Secondary or Acquired Drives) قوى دافعية جديدة يكتسبها الكائن الحي خلال مسار حياته وتفاعله مع البيئة، وهي لا تنبع مباشرة من خلل بيولوجي لحظي، بل تُبنى على أرضية الحوافز الأولية من خلال آليات الاشتراط الكلاسيكي لـ إيفان بافلوف. عندما يقترن مثير بيئي محايد في الأصل (كصوت نغمة معينة، أو رائحة مميزة، أو ممر معين داخل قفص تجريبي) بشكل متكرر مع تنشيط حافز أولي مؤلم أو غير مريح (مثل صدمة كهربائية خفيفة)، يكتسب هذا المثير المحايد خصائص تحفيزية مستقلة بذاتها.
تتحول هذه المثيرات المشروطة إلى “حوافز ثانوية” قادرة بذاتها على استثارة التوتر الدافعي وتوجيه السلوك، حتى في غياب المثير الأولي المؤلم. ويُعد الخوف المكتسب (Acquired Fear) النموذج المثالي للحافز الثانوي؛ فالجرذ الذي يُصعق كهربائياً في حجرة بيضاء سرعان ما يظهر استجابات ذعر ونشاط حركي محموم للهروب من تلك الحجرة بمجرد وضعه فيها لاحقاً، دون الحاجة لصعقه مجدداً. وبناءً على ذلك، استطاع هال تفسير السلوكيات البشرية المعقدة—كالرغبة في جمع المال، والمكانة الاجتماعية، وتجنب المواقف المقلقة—بوصفها منظومة هرمية متراكبة من الحوافز المشروطة المرتكزة تاريخياً على إشباع أو تجنب آلام الحوافز الأولية الغابرة.
2.2 مفهوم خفض الحافز كآلية رئيسية للتعزيز
يُعد مفهوم “خفض الحافز” (Drive Reduction) جوهر الإسهام النظري لكلارك هال ومفتاح فهم نظريته برمتها في عملية التعلم؛ إذ افترض هال أن أي استجابة سلوكية يقوم بها الكائن الحي وتؤدي بصورة فورية إلى إنقاص شدة الحافز النشط—سواء كان أولياً كالجوع أو ثانوياً كالخوف—سيتم تعزيزها وترسيخها آلياً في الجهاز العصبي. لم يقبل هال فكرة “الاقتران الزمني المحض” (Contiguity) التي قال بها واطسون وإدوين جوثري، والتي زعمت أن مجرد تزامن حدوث المثير مع الاستجابة كافٍ لربطهما معاً، بل أكد هال أن الاقتران الأعمى لا يُنتج تعلماً حقيقياً ما لم يترافق مع انخفاض ملموس في التوتر الفسيولوجي أو العاطفي للكائن.
وفقاً لهذا المنظور، فإن المكافأة أو المعزز لا يعمل بصفته قوة سحرية مستقلة، بل بصفته “مُزيلاً للحاجة” و”مُخفضاً للتوتر”. عندما يتناول الجرذ الجائع حبيبة طعام بعد ضغط رافعة أو الجري في ممر، فإن لذة الطعام الحسية ليست هي المعزز الحقيقي في حد ذاتها بالمعنى السطحي، بل إن الأثر الفسيولوجي المترتب على تناول الطعام—والمتمثل في تخفيف تقلصات المعدة، وتزويد الدم بالجلوكوز، وخفض مستوى التحفيز الداخلي المتوتر—هو الحدث البيولوجي الحاسم الذي يبعث إشارة كيميائية وعصبية تُثبت المسار الحركي الذي سبق هذا الخفض مباشرة.
شدد هال على أن العلاقة الزمنية بين السلوك وانخفاض التوتر الدافعي تمثل عاملاً حاسماً وفائق الحساسية؛ فالتعزيز يكون في أعلى درجات فعاليته عندما يتبع السلوك مباشرة وبفاصل زمني لا يتعدى بضع ثوانٍ. وكلما طال الفاصل الزمني بين صدور الاستجابة وحدوث خفض الحافز (تأخير التعزيز – Delay of Reinforcement)، تراجعت كفاءة الارتباط السلوكي بصورة أسّية حادة، حتى تتلاشى تماماً. إن هذا التحديد الميكانيكي الدقيق جعل من التعزيز دالة بيولوجية نفعية بالكامل، غايتها إعادة الاستقرار للكائن العضوي وإنهاء حالة الاضطراب الداخلي.
2.3 قوة العادة (sHr) وديناميكية تكوينها التكراري
لتحويل التكرار التجريبي إلى متغير كمي قابل للحساب، صاغ كلارك هال مفهوم قوة العادة ورمز له بالرمز الرياضي (sHr)، حيث يشير حرف S إلى المثير (Stimulus)، وحرف R إلى الاستجابة (Response)، بينما يرمز H إلى العادة (Habit). تمثل قوة العادة متغيراً وسيطاً يعبر عن الدرجة الهيكلية للارتباط العصبي والوظيفي بين مثير محدد واستجابة معينة داخل الجهاز العصبي للكائن الحي، وهي تجسد “التعلم التراكمي الدائم” الذي يحتفظ به الكائن في ذاكرته الفيزيولوجية كنتيجة للخبرات السابقة.
أكدت النظرية أن قوة العادة لا تنشأ فجأة، ولا تنمو قفزاً، بل هي دالة رياضية موجبة متزايدة لعدد المحاولات السلوكية التي يعقبها تعزيز مخفض للحافز، ويرمز لها بالحرف (N). صاغ هال معادلة دقيقة تصف هذا النمو وفق دالة أسيّة مقاربة (Asymptotic Curve)، تأخذ الصيغة الرياضية التالية:
sHr = M × (1 – 10-i·N)
حيث تمثل M الحد الأقصى النظري الذي يمكن أن تبلغه قوة العادة، بينما تمثل i ثابتاً تجريبياً يرتبط بخصائص الكائن الحي ونوع المهمة، في حين تمثل N عدد المحاولات المعززة المتتالية. تُشير هذه المعادلة إلى أن الزيادات الأولى في قوة العادة تكون هائلة وسريعة جداً في بدايات عملية التدريب، ولكن مع توالي المحاولات المعززة، تصبح المكاسب الإضافية في قوة العادة أصغر فأصغر، مقتربة ببطء شديد من خط المقاربة الأقصى دون أن تتجاوزه أبداً.
تتميز قوة العادة بخصيصة جوهرية بالغة الأهمية في منظومة هال: إنها بنية مستقرة نسبياً ومقاومة للتقلبات الوقتية. فعلى العكس من مستوى الحافز (كالدافع الغذائي) الذي يمكن أن يهبط إلى الصفر بمجرد تناول وجبة دسمة ويرتفع سريعاً بعد ساعات من الحرمان، تظل قوة العادة محفوظة في الجهاز العصبي ثابتة، متماسكة، ومقاومة للانطفاء والزوال السريع. هذا التمايز هو الذي سمح لهال بالفصل الصارم بين “ما يعرفه الحيوان ويكتسبه كبنية عصبية” (قوة العادة) وبين “ما يؤديه فعلياً في اللحظة الراهنة” (الأداء الحركي)، مما مهّد لواحدة من أعظم المعادلات السلوكية في تاريخ السيكولوجيا الرياضية.
2.4 المعادلة السلوكية لهال وجهد الاستجابة الفعلي (sEr)
توّج هال نسقه النظري الأولي بصياغة معادلته السلوكية الشهيرة التي تحدد ما أسماه جهد الاستجابة الفعلي أو إمكانية التفاعل، ويرمز له بالرمز (sEr) (Reaction Potential). يمثل جهد الاستجابة المحصلة الديناميكية النهائية التي تتنبأ باحتمالية صدور السلوك، وسرعته، ومقاومته للنسيان، وشدته الحركية الصرفة عند مواجهة المثير البيئي في لحظة زمنية معينة. وفي نسختها المبكرة المنشورة عام 1943، اتخذت المعادلة صيغة ضربية محكمة:
sEr = sHr × D
حيث يمثل (sHr) قوة العادة التراكمية، في حين يمثل (D) مستوى الحافز الفسيولوجي اللحظي (Drive). تكتسي طبيعة العلاقة “الضربية” (Multiplicative) بين المتغيرين أهمية استثنائية لا يمكن إغفالها؛ إذ تعني رياضياً ومنطقياً أنه لكي يظهر السلوك على أرض الواقع، يجب أن تتوافر قيم موجبة لكلا المتغيرين معاً. إذا كانت قوة العادة متطورة جداً وتبلغ أقصى قيمها (sHr = 100) ولكن الكائن في حالة شبع مطلق وليس لديه أي حافز فسيولوجي (D = 0)، فإن النتيجة الرياضية لجهد الاستجابة ستكون صفراً مطلقاً (sEr = 0)، ولن يمارس الحيوان السلوك المعني إطلاقاً. وبالمثل، إذا كان الحيوان يتضور جوعاً بحافز هائل (D = 100) ولكنه لم يتعلم الاستجابة بعد ولم تتشكل لديه أي عادة سابقة (sHr = 0)، فلن يصدر عنه السلوك المحدد وسيعجز عن التعامل مع الموقف، وسيكون الناتج صفراً أيضاً.
أدرك هال لاحقاً، تحت وطأة الملاحظات التجريبية وتجارب تلاميذه المعقدة، أن هذه الصيغة الثنائية البسيطة غير كافية لامتصاص التباين السلوكي الواسع الذي رُصد في المختبرات. ومن هنا، خضعت المعادلة لمسار طويل من المراجعة والتطوير الرياضي عبر إضافة متغيرات وسيطة أخرى تفاعلية وتثبيطية، لتتحول في مرحلتها النهائية إلى نسق مركب يأخذ في الحسبان جاذبية المكافأة الخارجية، ومقاومة الإرهاق العضلي، والتذبذبات العشوائية اللحظية للجهاز العصبي، كما سيتضح تالياً في سياق تحليل تجارب المتاهة الدقيقة.
3. تصميم تجارب الجري في المتاهة: الأدوات والمنهجية التجريبية
3.1 النماذج الهندسية للمتاهات المستخدمة في دراسات هال
شكّلت المتاهة التجريبية الفضاء المادي والمنصة المعيارية التي اختبر فيها كلارك هال وطلبة الدراسات العليا في جامعة ييل فروض النظرية ومعادلاتها. ولم تكن تلك المتاهات شكلاً اعتباطياً، بل صُممت بعناية هندسية بالغة لقياس متغيرات محددة بدقة ميكانيكية. من أبرز هذه التصاميم كانت “متاهة T” (T-Maze) و”متاهة Y” (Y-Maze)؛ وتتألف متاهة T البسيطة من ممر انطلاق مستقيم (Stem) يؤدي إلى تقاطع متعامد بزاوية قائمة ينفتح على ذراعين متساويين تماماً في الأبعاد الفيزيائية: ذراع أيمن وذراع أيسر. تُعد هذه المتاهة البيئة النموذجية لدراسة سلوك الاختيار الثنائي، وحل الصراع بين الاستجابات المتنافسة، وحساب سرعة التمييز بين المسار المتبوع بالتعزيز والمسار الفارغ.
إلى جانب المتاهات الثنائية، طوّر مختبر هال متاهات المسارات المتعددة (Multiple U-Maze / Complex Alleys) التي تحتوي على سلاسل متتابعة من نقاط الاختيار المجهزة بممرات عمياء مسدودة (Cul-de-sacs). صُممت هذه المسارات المعقدة لاختبار قدرة الحيوان على إقصاء السلوكيات الخاطئة وتكوين متواليات حركية طويلة ومترابطة. كما استُخدمت على نطاق واسع “المتاهات المستقيمة” (Straight Runways)، وهي عبارة عن أروقة خشبية أو معدنية مستقيمة تماماً، طولها يتراوح عادة بين مترين إلى خمسة أمتار، خالية من أي فروع جانبية، وتقتصر وظيفتها على عزل عنصر الاختيار كلياً والتركيز فقط على قياس “السرعة الحركية الصرفة” والتسارع في الاقتراب من الهدف تحت مستويات متباينة من الحافز.
اتسمت هذه المتاهات بضبط هندسي فيزيائي فائق الدقة: فالجدران كانت تُبنى بارتفاع يمنع القوارض من استشراف المسارات من الأعلى أو القفز خارجها، وكانت تُغطى أحياناً بأسقف شبكية معدنية أو ألواح زجاجية منفذة للضوء غير المعكوس. كما جُهزت المتاهات بنقاط فاصلة تضم أبواباً منزلقة أحادية الاتجاه (Guillotine Doors) تُفتح بواسطة أسلاك دقيقة من خلف حواجز الرؤية لمنع عودة الجرذ إلى الوراء بعد تجاوزه نقطة معينة، وللسماح بتسجيل مراحل التقدم الحركي على طول المسافة بدقة جزيئية تحول دون التداخل العشوائي في القياس.
3.2 ضبط المتغيرات التجريبية ومستويات الحرمان
لضمان صدق القياس وثباته التكراري وفق شروط الوضعية المنطقية الصارمة، وضع هال بروتوكولات تجريبية حديدية لضبط المتغيرات التجريبية وعلى رأسها “مستويات الحرمان” (Deprivation Schedules). لم يكن الحرمان مفهوماً انطباعياً، بل حُدد إجرائياً عبر زمن الامتناع التام عن الغذاء أو الماء، مقاساً بالساعات الدقيقة: مجموعات تُحرم لمدة 3 ساعات، وأخرى لمدة 12 ساعة، وثالثة لمدة 24 ساعة، ورابعة تصل إلى 48 ساعة متواصلة. وكان هذا الإجراء الزمني يُكمل بمقياس فسيولوجي مادي أكثر صرامة، تمثل في “معايرة وزن الجسم”، حيث كان يتم وزن كل قارض يومياً على ميزان مخبري حساس، ويُقنن غذاؤه اليومي لخفض وزنه إلى نسبة ثابتة ومحددة، مثل 80% أو 85% من وزنه الطبيعي المستقر في حالة التغذية الحرة، مما يضمن تماثل وتكافؤ الحالة الفسيولوجية العضوية بين حيوانات المجموعة التجريبية الواحدة.
تطلب هذا الضبط التجريبي عزل كافة المتغيرات الدخيلة والملوثة للبيئة السلوكية. تم التحكم بدقة في الإضاءة المحيطة بالمتاهة باستخدام إضاءة موحدة غير مباشرة لتفادي أي ظلال قد تخلق مثيرات بصرية تفضيلية تقود الحيوان نحو ممر دون آخر. وعُزلت غرف التجارب صوتياً للحد من وقع الضوضاء المفاجئة التي قد تثير حافز الخوف الثانوي وتفسد قياس حافز الجوع الأولي. أما المشكلة الأكثر تعقيداً، فكانت تكمن في “الآثار الشمية” (Olfactory Cues) التي تتركها القوارض على أرضية المتاهة، مثل إفرازات البول أو الروائح الكيميائية الصادرة عن الأقدام، والتي قد تستخدمها حيوانات التجارب اللاحقة كدليل حسي للمسار الصحيح.
للتغلب على هذا التشويش الحسي، كانت أرضيات المتاهات تُمسح بمطهرات كيميائية كحولية وتُجفف بدقة فائقة عقب كل محاولة فردية، أو تُبطن بأوراق استبدالية مستمرة الحركة والتجديد. كما حُيّد أثر رائحة الطعام المنبعثة من حجرة الهدف من خلال وضع كميات متساوية تماماً من الطعام المحمي والمخفي خلف شبكات معدنية في جميع نهايات المتاهة، بما فيها المسارات العمياء والمسدودة، بحيث تتشبع البيئة الهوائية برائحة الطعام بصورة متجانسة كلياً، ويصبح من المستحيل على القارض الاستدلال على المسار الصحيح بالاعتماد على حاسة الشم وحدها دون استحضار التعلم الحركي المرتبط بخفض الحافز.
3.3 المقاييس السلوكية المعتمدة لقياس الأداء الحركي
اعتمد كلارك هال وفريقه في دراسات المتاهة على منظومة قياس حركية مثلثة الأبعاد، تهدف إلى استخلاص قيم كمية رقمية تعبر عن “جهد الاستجابة” (sEr) دون الوقوع في ذاتية الملاحظ البشري. تضمن هذا النظام ثلاثة مقاييس معيارية رئيسية:
- زمن الركض (Running Time): ويقيس السرعة الحركية الصرفة عبر الزمن المستغرق بالثواني وأجزائها من لحظة مغادرة القارض لحجرة البداية واجتياز خط الانطلاق وحتى ملامسته لعتبة حجرة الهدف النهائية. ومع تطور التقنيات الكهربائية في منتصف القرن العشرين، أدخل هال استخدام المفاتيح الميكانيكية الحساسة والخلايا الكهروضوئية (Photocells) المؤقتة رقمياً التي ترتبط بمسجلات زمنية آلية (Chronographs)؛ فعندما يقطع جسم الجرذ شعاع الضوء الأول يبدأ العداد بالدوران، وعندما يقطع الشعاع الأخير عند مدخل الهدف يتوقف العداد آلياً، مما أتاح تسجيل قياسات دقيقة للغاية تتجاوز حدود الخطأ البشري.
- زمن الكمون أو الاستجابة (Latency Time): ويقيس الفاصل الزمني الفاصل بين فتح باب الانطلاق المنزلق (Guillotine Door) في صندوق البداية وبين اتخاذ القارض للخطوة الأولى الحاسمة ومغادرته التامة للصندوق نحو ممر المتاهة. كان هال ينظر إلى زمن الكمون بوصفه مقياساً نقياً للجهد التحفيزي الأولي؛ فالحيوان ذو الحافز العالي والعادة الراسخة يُظهر زمناً كمونياً يقترب من الصفر (انطلاق فوري)، في حين يرتبط التردد والبطء بضعف جهد الاستجابة أو وجود كف تثبيطي.
- معدل الأخطاء (Error Rate): وهو مقياس كيفي-كمي يُحسب عبر التدوين الدقيق لعدد المرات التي يدخل فيها القارض بجسده كاملاً (أو برأسه وكتفيه) إلى الممرات الجانبية العمياء والمسدودة (Cul-de-sacs). ومع تقدم المحاولات وتراكم التعزيز الإيجابي، كان هال يحلل المنحنى الانحداري لتناقص هذه الأخطاء، معتبراً أن زوال الخطأ يعكس انتصار العادة السلوكية الصحيحة على العادات المتنافسة بفعل تفوقها التراكمي في اختزال الحافز الفسيولوجي.
4. المتغير الحافزي (D) في تجارب المتاهة: قياس شدة الدافع السلوكي
4.1 تأثير فترات الحرمان الفسيولوجي على سرعة الركض
انصبت جهود كلارك هال في اختبارات المتاهة على التحقق التجريبي من دور متغير الحافز (D) كطاقة ديناميكية تنشط السلوك وتزيد من حدة الاستجابة. ولإثبات ذلك، أُخضعت مجموعات متجانسة وراثياً وتجريبياً من الجرذان لنفس البرنامج التدريبي لضمان ثبات قوة العادة (sHr)، ثم عُدّلت مستويات حرمانها من الطعام بصورة تباينية قبل إجراء جلسات الاختبار الحاسمة في المتاهات المستقيمة ومتاهات T.
أظهرت سلاسل التجارب المكثفة نمطاً منتظماً وثابتاً: كان هناك ارتباط طردي وثيق بين عدد ساعات الحرمان الفسيولوجي وسرعة ركض القوارض في ممرات المتاهة. فالجرذان التي حُرمت لمدة 24 ساعة اجتازت المسار بزمن ركض أقل بكثير، وسجلت تسارعاً حركياً أعلى وزمن كمون أقصر عند عتبة الانطلاق مقارنة بالجرذان التي حُرمت لمدة 3 ساعات فقط، وذلك على الرغم من تطابق عدد المحاولات السابقة للطرفين. أكدت هذه البيانات الفرضية الصورية لهال؛ فالحافز المرتفع يعمل كمضاعف رياضي لقوة العادة القائمة، مفجراً الطاقة الحركية الكامنة في صورة جهد استجابي مرتفع (sEr).
غير أن التدقيق التجريبي المعمق كشف عن حدود بيولوجية لهذه العلاقة الطردية. فعندما ارتفعت فترات الحرمان إلى درجات قاسية تخطت 48 إلى 72 ساعة، بدأت منحنيات السرعة الحركية بالتراجع والانكسار بعد بلوغها ذروة محددة (Asymptote). فسّر هال هذا التحول بأنه لا يمثل انخفاضاً في قيمة الحافز النفسي الكامن، بل يعود إلى حدوث “إنهاك عضوي فسيولوجي” وتدهور في القدرة العضلية للقارض؛ فالجوع المفرط يؤدي إلى وهن في الأجهزة الحركية واستنزاف حاد للطاقة الحيوية في الخلايا، مما يعوق التعبير الميكانيكي الفيزيائي عن جهد الاستجابة، وهي التفرقة الدقيقة التي قادت هال إلى عزل القيود البيولوجية عن المتغيرات النفسية الحافزية في نماذجه اللاحقة.
4.2 التفاعل بين الحافز ومثيرات الحافز النوعية (Sd)
ميّز هال بعبقرية إبستمولوجية بين بعدين متمايزين لمفهوم الحافز: الطاقة التحفيزية العامة واللامتمايزة (D)، ومثيرات الحافز النوعية التي رمز لها بـ (Sd) (Drive Stimuli). رأى هال أن الحرمان البيولوجي لا يطلق مجرد وقود محرك للأعصاب، بل يولّد أيضاً أحاسيس ومثيرات حشوية داخلية مميزة تنبع من المستقبلات الحسية الموزعة في الأحشاء والمعدة والأوعية الدموية. فجوع الكائن يولد تقلصات معوية ونمطاً حسياً داخلياً يختلف نوعياً عن جفاف الحلق والأغشية المخاطية وتغير الضغط الأسموزي المصاحب للعطش.
تلعب هذه المثيرات الحشوية (Sd) دور إشارات تنبيهية مميزة توجّه السلوك وتُدمج ضمن مركب المثيرات المحددة التي تتشكل قوة العادة إزاءها. لإثبات هذا الطرح، صمم هال وتلاميذه تجارب بالغة التعقيد في متاهات T، حيث تم تدريب نفس المجموعة من القوارض على أن تنعطف نحو “الذراع الأيمن” للحصول على طعام عندما تكون في حالة حرمان غذائي (جوع)، في حين تدربت على الانعطاف نحو “الذراع الأيسر” للحصول على الماء عندما تكون في حالة حرمان مائي (عطش)، مع بقاء المتاهة المادية ثابتة المعالم والإضاءة تماماً في الحالتين.
أثبتت النتائج نجاح الحيوانات في التمييز بدقة بالغة بين الذراعين اعتماداً فقط على استشعار حالتها الحشوية الداخلية. فعندما كان الحيوان جائعاً، كانت المثيرات (Sd للجوع) تقترن بالانعطاف يميناً وتنتج الاستجابة الصحيحة؛ بينما عندما كان عطشاناً، كانت المثيرات (Sd للعطش) توجهه بثبات نحو اليسار. برهن هذا النجاح على أن المثير الداخلي يعمل بمثابة “موجّه” سلوكي يحدد المسار الواجب سلوكه، بينما يقوم الحافز العام (D) بضخ الطاقة الحركية اللازمة لسرعة وقوة تنفيذ هذا السلوك الموجه.
4.3 إثبات الطبيعة غير النوعية لطاقة الحافز في الأداء الميداني
تمثلت إحدى أكثر الفرضيات إثارة للجدل في نسق هال في تأكيده الصارم على “الطبيعة غير النوعية” (Nonspecific Nature) لطاقة الحافز. افترض هال أن طاقة الحافز (D) هي بمثابة مجمع عام وموحد للقوة الدافعة داخل الكائن الحي؛ فالحافز الناشئ عن العطش، أو الحرمان الجنسي، أو التعرض لصدمة كهربائية مؤلمة، لا يقتصر أثره على تنشيط الاستجابات المرتبطة بهذا النقص تحديداً، بل ينسكب كشحنة طاقة عمياء تُسري في كافة مسارات العادات (sHr) المشكلة سابقاً في الجهاز العصبي، بغض النظر عن السياق الأصلي لتعلمها.
لاختبار هذه الفرضية الراديكالية في ميدان المتاهة، قام الباحثون بتدريب جرذان على الركض في متاهة مستقيمة بإتقان شديد للوصول إلى حبيبات الطعام تحت وطأة حافز الجوع الأولي فقط حتى استقرت قوة العادة. بعد ذلك، تم إشباع الجرذان من الطعام بصورة تامة حتى بلغت نقطة التخمة، ثم عُرّضت لحافز بيولوجي مختلف تماماً لم تشهده داخل المتاهة من قبل: إما الحرمان المائي الشديد (العطش)، أو تسليط صدمة كهربائية خفيفة جداً ومفاجئة على الذيل قبل وضعها مباشرة عند بوابة انطلاق المتاهة.
وفقاً للتنبؤ النيوتوني لنظرية هال، فإن حافز الصدمة أو العطش غير المرتبط بالطعام يجب أن يُضخ رياضياً في معادلة السلوك ليضرب في قوة العادة القائمة، وينتج جهداً استجابياً يقود القارض إلى الجري السريع نحو صندوق الهدف (رغم أنه لا يحتوي على ماء، والحيوان غير جائع). جاءت النتائج الميدانية متسقة جزئياً مع هذا الطرح؛ إذ اندفعت القوارض في الركض داخل الممرات، وسُجلت زيادات ملحوظة في النشاط الحركي العام، مما أيد فكرة تعميم الطاقة الدافعية. إلا أن هذا التعميم أدى في الوقت ذاته إلى ظهور حركات ارتباك وتداخل سلوكي وتشويش عشوائي داخل المتاهة، الأمر الذي فتح ثغرة نقدية نبهت لاحقاً إلى أن تنشيط كافة العادات بلا تمييز قد يقوض كفاءة الأداء في المهام الإدراكية شديدة التعقيد.
5. قوة العادة (sHr) ودور التعزيز التكراري في مسارات المتاهة
5.1 منحنيات التعلم وتراكم المحاولات المعززة داخل المتاهة
في إطار الدفاع التجريبي عن مفهوم قوة العادة (sHr)، تتبعت دراسات هال التراكم الكمي للتعلم عبر تسجيل “منحنيات التعلم” (Learning Curves) لمئات القوارض التي خاضت مئات المحاولات الفردية المعززة في بيئات المتاهة المختلفة. كان المتغير المستقل الأساسي في هذه التجارب هو عدد المحاولات المعززة (N)، في حين شملت المتغيرات التابعة زمن اجتياز المتاهة ومعدل الأخطاء التراكمي، مع تثبيت مستوى الحافز الفسيولوجي (D) بصورة صارمة عند 24 ساعة حرمان في كافة المحاولات لتجريد أثر التعلم الخالص.
عكست المنحنيات البيانية النمط المقارب (Asymptotic Pattern) الذي تنبأت به معادلة هال بدقة رياضية مذهلة. في المحاولات العشر الأولى، أظهرت القوارض انخفاضاً دراماتيكياً حاداً وسريعاً في زمن الجري، وتراجعاً كبيراً في التوقف العشوائي والشم الاستكشافي للجدران؛ حيث كان كل انخفاض إضافي في الحافز عبر نيل المكافأة في حجرة الهدف يُحدث قفزة نوعية في ترسيخ الرابطة العصبية بين مثيرات المتاهة والاستجابات الحركية. ولكن مع تقدم المحاولات وتخطي المحاولة الخمسين، بدأت وتيرة التحسن تتباطأ بشكل واضح، حتى استقرت أزمنة الركض عند خط أفقي ثابت تقريباً يمثل الحد الأقصى للأداء الفسيولوجي الممكن (M).
وفّر هذا الاستقرار دليلاً تجريبياً قوياً على أن قوة العادة تتراكم تدريجياً كدالة للخبرة المعززة، وأنها تخضع لقانون “العوائد المتناقصة”؛ فالاقترانات الأولى تسهم بالنصيب الأكبر في تشكيل البنية العصبية للعادة، بينما يقتصر دور المحاولات المتأخرة على الصيانة والتثبيت الدقيق للأداء، وهو ما دعم الطرح القائل بأن التعلم عملية تراكمية مستمرة وليست استبصاراً مفاجئاً أو إدراكاً كلياً يتبدل دفعة واحدة.
5.2 سلوك نقاط الاختيار وحل التنافس بين الاستجابات
تعتبر “نقاط الاختيار” (Choice Points) في متاهات T وY بمثابة البؤرة الجيولوجية التي يتفجر فيها الصراع بين الاستجابات السلوكية المتنافسة. عند وصول القارض إلى التقاطع المتعامد، يجد نفسه محاصراً بمسارين متناقضين: الانعطاف يميناً أو الانعطاف يساراً. في البدايات التجريبية وقبل ترسخ العادة، يدخل الحيوان في حالة سلوكية موثقة تجريبياً تُعرف باسم “السلوك الترددي البديل” أو “الاستجابة التذبذبية” (Vicarious Trial and Error – VTE)، حيث يتوقف القارض عند المفترق، ويلتفت برأسه وعينيه وجسده مراراً وتكراراً بين المدخلين، متفحصاً ومتردداً قبل الإقدام على خطوة الحسم.
فسّر هال هذا السلوك الصراعي عبر افتراض وجود قوتين متنافستين للعادة في الجهاز العصبي للحيوان: قوة عادة الانعطاف يميناً (sHr-Right) مقابل قوة عادة الانعطاف يساراً (sHr-Left). في المحاولات الاستكشافية المبكرة، تكون قيمتا العادتين متقاربتين جداً وضعيفتين، مما يؤدي إلى تقارب في جهود الاستجابة وتساوي في احتمالية الصدور، الأمر الذي يشل حركة الحيوان اللحظية ويترجم حركياً في صورة التردد الملاحظ بالرأس (VTE).
ولكن بمجرد أن يوضع التعزيز المخفض للحافز (الطعام) في الذراع الأيمن حصراً ويُحرم الذراع الأيسر منه، تبدأ المحاولات المعززة في إضافة قيم تراكمية مستمرة لعادات المسار الأيمن، في حين لا تنال عادات المسار الأيسر أي تعزيز. يؤدي هذا التباين التراكمي السريع إلى اتساع الفجوة الحسابية بين (sEr-Right) و(sEr-Left)؛ وعندما تتجاوز هذه الفجوة “عتبة التذبذب العصبي”، يختفي التردد الحركي كلياً، ويتحول سلوك القارض عند نقطة الاختيار إلى حركة انعطاف آلية ملساء وفائقة السرعة، متوجهاً دون أدنى تردد نحو اليمين، كبرهان ملموس على حسم النزاع العصبي لصالح العادة الأقوى رياضياً.
5.3 تضاؤل الأخطاء واكتساب الثبات الحركي
يرتبط مسار تكوين العادة في متاهات المسارات المعقدة بحذف الاستجابات غير المجدية وتلاشي الأخطاء الحركية، والمتمثلة في دخول الأزقة والمسارات المسدودة (Cul-de-sacs). كان السؤال الجوهري الذي واجه هال هو: لماذا يتوقف الحيوان عن ارتكاب الأخطاء؟ وفقاً لنموذج خفض الحافز، فإن الجرذ عندما يندفع داخل ممر مسدود يرتطم بنهايته المغلقة، فلا يجد طعاماً ولا يحظى بأي خفض للتوتر الفسيولوجي للجوع؛ بل على العكس، يتكبد عناءً حركياً وجهداً عضلياً إضافياً دون جدوى.
نتيجة لغياب التعزيز الإيجابي، تفشل الرابطة العصبية المؤدية للممر المغلق في اكتساب أي رصيد من قوة العادة (sHr). ومع توالي المحاولات التي يُكافأ فيها الحيوان فقط عند اتباع المسار المفتوح الصحيح، تتراجع جاذبية الممرات العمياء تدريجياً حتى تُمحى من الخريطة الحركية للحيوان. يترافق هذا التطهير المساري مع تشكل ما أسماه هال “السلاسل الحركية المترابطة” (Kinesthetic Motor Chains).
في هذه السلاسل المعقدة، لا يعتمد القارض على المعالم البصرية الخارجية فحسب، بل تتحول كل استجابة عضلية حركية يصدرها الجسد إلى “مثير حسّي عميق” ينبع من انقباض العضلات وحركة المفاصل والأوتار (sk – Kinesthetic Stimulus). هذا المثير العضلي الناتج عن الحركة السابقة يعمل كمنبه مشروط يستدعي آلياً الحركة الحركية اللاحقة. ومع استمرار التدريب المعزز، تتحول رحلة القارض داخل المتاهة إلى متوالية حركية ميكانيكية متصلة ومغلقة الصياغة: الانطلاق يستدعي الركض المستقيم، والركض المستقيم يستدعي الانعطاف اليميني بزاوية محددة، والانعطاف يستدعي التمدد للأمام، وكأن الجرذ صار بمثابة “آلة ذاتية القيادة” تقودها سلاسل حسية-حركية داخلية بالغة الإتقان والثبات الميكانيكي.
6. حافز الباعث (K) وتعديلات كريسبي وهال على النموذج الأصلي
6.1 تجارب كريسبي التاريخية وأثر حجم المكافأة
في عام 1942، أجرى الباحث ليو كريسبي (Leo P. Crespi) في مختبرات علم النفس تجربة تاريخية مزلزلة هزت الأسس الأصلية لنظرية كلارك هال وأرغمته على مراجعة بنيتها الرياضية الجوهرية. كانت فرضية هال الأولية تؤكد أن قوة العادة (sHr) هي المسؤولة الوحيدة عن تشكيل وتطوير الأداء الحركي، وأنها تنمو ببطء كدالة لعدد المحاولات المعززة، دون أن يكون لحجم المكافأة أو كميتها أثر في معدل نمو العادة، سوى أنها تحدد الحد الأقصى الذي تصل إليه في نهاية المطاف.
صمم كريسبي تجربة ركض في متاهة مستقيمة قسّم فيها الجرذان إلى ثلاث مجموعات رئيسية خضعت لمستويات متطابقة من حافز الجوع الفسيولوجي (24 ساعة حرمان):
- المجموعة الأولى: تلقت مكافأة صغيرة جداً في صندوق الهدف (حبيبة طعام واحدة).
- المجموعة الثانية: تلقت مكافأة متوسطة (16 حبيبة طعام).
- المجموعة الثالثة: تلقت مكافأة ضخمة وفائقة الجاذبية (64 ಅಥವಾ 256 حبيبة طعام).
خلال مرحلة التدريب الأولية، ركضت الجرذان التي تلقت المكافأة الكبيرة بسرعة فائقة تجاوزت كثيراً سرعة ركض المجموعات الأخرى. المفاجأة الكبرى التي نسفت التفسير التقليدي حدثت في اليوم العشرين من التجربة، عندما غيّر كريسبي حجم المكافأة بصورة غير متوقعة للمجموعات التجريبية:
- الجرذان التي كانت تتلقى حبيبة واحدة رُفعت مكافأتها فجأة إلى 16 حبيبة، فقفزت سرعتها في المحاولة التالية مباشرة إلى مستويات مذهلة تفوقت بها حتى على الجرذان التي تدربت طوال الوقت على 16 حبيبة. عُرفت هذه الظاهرة باسم أثر التباين الإيجابي أو أثر الابتهاج (Positive Contrast / Elation Effect).
- وعلى النقيض التام، فإن الجرذان التي كانت تتلقى المكافأة الضخمة (256 حبيبة) وخُفضت مكافأتها فجأة إلى 16 حبيبة، أظهرت هبوطاً انحدارياً فورياً في سرعة الجري، وباتت تركض ببطء شديد وبحالة من الإحباط السلوكي، في ظاهرة تاريخية سُميت أثر التباين السلبي أو أثر الاكتئاب (Negative Contrast / Depression Effect).
6.2 إعادة صياغة معادلة هال لإدراج حافز الباعث (K)
وضعت نتائج كريسبي الصادمة كلارك هال أمام معضلة إبستمولوجية حادة؛ فالتغير الدراماتيكي الفوري في سرعة القوارض لا يمكن نسبته على الإطلاق إلى تراكم بطيء لقوة العادة (sHr)، لأن قوة العادة لا يمكن أن تقفز فجأة في محاولة واحدة للأعلى، كما أنها مستقرة ولا يمكن أن تنهار فورياً للأسفل لمجرد تقليص حجم المكافأة. كما أن هذا التبدل السريع لا يمكن إرجاعه إلى الحافز البيولوجي (D)، لأن ساعات الحرمان المادي وظروف التجويع ظلت متطابقة تماماً قبل وبعد التغيير.
أدرك هال، بشجاعة المنظّر الصارم، ضرورة تعديل منظومته الرياضية، فاستحدث متغيراً وسيطاً جديداً تماماً أطلق عليه اسم حافز الباعث ورمز له بالحرف (K) (Incentive Motivation)، تيمناً باسم الباحث كريسبي (Crespi) وتكريماً لإسهامه التجريبي. يعبر الباعث (K) عن الخصائص الفيزيائية والكيفية والكمية للمكافأة الخارجية المتواجدة في صندوق الهدف (كحجمها، وحلاوتها، وجاذبيتها، وسرعة نيلها)، ليعاد صياغة المعادلة السلوكية المركزية في مؤلف هال لعام 1952 نظام السلوك (A Behavior System) لتصبح في صورتها الضربية الموسعة:
sEr = sHr × D × K
أحدثت هذه الإضافة تحولاً بنيوياً هائلاً في النظرية؛ إذ أرست فصلاً إبستمولوجياً وتجريبياً حاسماً بين مفهومين ظلا متداخلين لفترات طويلة: مفهوم الاكتساب أو التعلم (Learning / Habit) ومفهوم الأداء الفعلي الملاحظ (Performance). أصبحت قوة العادة (sHr) تمثل التعديل الهيكلي العصبي الصرف الناتج عن التكرار والخبرة السابقة المحفوظة في الجهاز العصبي، في حين أصبح الأداء الفعلي (sEr) مرهوناً بالتفاعل الضربي الديناميكي بين القوة الداخلية للحاجة البيولوجية (D) والجاذبية الاستباقية للمكافأة الخارجية في البيئة (K).
6.3 التفاعل التجريبي بين الحافز الداخلي وحافز الباعث في المتاهة
أتاح إدماج حافز الباعث (K) في معادلات المتاهة فهماً متقدماً للتفاعلات السلوكية المركبة التي ترصد في الميدان؛ حيث كشفت التجارب أن الكائن الحي يستطيع “تعويض” النقص في أحد المتغيرين عبر الآخر للحفاظ على جهد استجابة مرتفع. فالجرذ الذي يعاني من مستوى حرمان بيولوجي منخفض جداً (مثل حرمان لمدة 4 ساعات فقط، أي قيمة D منخفضة) يمكن دفعه للركض في المتاهة بأقصى سرعة ممكنة تماثل سرعة الجرذ الجائع بشدة، إذا ما وُضعت له في صندوق الهدف مكافأة ذات باعث نخبوي فائق الجودة والحجم، مثل محلول سكري عالي التركيز أو فتات من شوكولاتة غنية بالدهون والسكريات ذات القيمة التحفيزية الطاغية.
لتفسير الكيفية التي يؤثر بها باعث مادي يقبع في نهاية المتاهة على سرعة ركض الحيوان في بداية المسار وهو لا يزال بعيداً عنه، ابتكر هال وتلميذه كينيث سبنس مفهوماً ميكانيكياً بالغ الدقة يُعرف باسم استجابة الهدف الكسرية الاستباقية (Fractional Antedating Goal Response)، وتُختصر بالرمز (rg – sg). افترض هال أن الحيوان أثناء وجوده في صندوق الهدف يمارس استجابات استهلاكية غير مقيدة (RG) مثل المضغ، والبلع، وإفراز اللعاب، والنشاط الهضمي المصاحب للتلذذ بالطعام.
مع تكرار المحاولات، تنفصل أجزاء صغيرة وغير ضارة من هذه الاستجابة الشاملة—مثل حركات اللسان التلمظية، وارتجاف الفك، وإفراز اللعاب الأولي (rg)—وتتحرك زمنياً ومكانياً إلى الأمام لتبدأ بالحدوث في صندوق البداية وعلى طول أروقة المتاهة استباقاً للوصول. تولد هذه الاستجابات العضلية الداخلية مثيرات حسية نبضية (sg) تزيد من الاستثارة العصبية للكائن وتعمل كحافز داخلي دافع يحث العضلات على التسارع الحركي نحو الهدف؛ وبذلك تحول الباعث الذهني المتوقع إلى نبضات ميكانيكية وحشوية تقود الجرذ في مساره نحو الإشباع.
7. الجهد التثبيطي وديناميكيات الانطفاء في تجارب المتاهة
7.1 الكف التفاعلي (Ir) كنتيجة للجهد العضلي المبذول
لم يغفل كلارك هال حقيقة أن السلوك الحيوي ليس مجرد تسارع دائم نحو الإشباع، بل يخضع أيضاً لقوى كابحة ومعيقة تفرضها الطبيعة الفيزيائية للجسد العضوي؛ ومن هنا صاغ مفهوم الكف التفاعلي أو التثبيط التفاعلي ورمز له بالرمز (Ir) (Reactive Inhibition). ينشأ الكف التفاعلي كنتيجة حتمية ومباشرة لبذل الجهد البدني والنشاط العضلي واستهلاك الطاقة الحركية أثناء الاستجابة؛ ففي كل مرة يركض فيها الجرذ في أروقة المتاهة، تتولد في أليافه العضلية وجهازه العصبي حالة فسيولوجية من الإرهاق والتعب العضوي المجهري وتراكم حمض اللاكتيك والمخلفات الأيضية.
اعتبر هال أن هذا الإرهاق الفسيولوجي المترتب على الحركة يعمل كحالة منفرة أو مؤلمة بحد ذاتها (Aversive State) تشبه الحافز السلبي الأولي، وتولد قوة كابحة تعارض الاستمرار في الحركة وتدفع الحيوان نحو التوقف والسكون. تتحدد القيمة الكمية لـ (Ir) مباشرة بمقدار العمل الفيزيائي المبذول (Work Required)؛ فكلما كانت مسارات المتاهة أطول، أو أرضياتها صاعدة ومنحدرة للأعلى، أو زُوّدت بأبواب ثقيلة يتعين على القارض دفعها برأسه للمرور، تسارع تراكم الكف التفاعلي بصورة أسية ملحوظة.
يتميز الكف التفاعلي بخاصية ديناميكية حاسمة: إنه “تثبيط مؤقت وزائل تلقائياً” (Spontaneously Dissipating)؛ فعندما يتوقف الحيوان عن الركض ويدخل في طور الراحة والسكون، تتخلص العضلات من الفضلات الأيضية، ويتبدد الإرهاق، وتتراجع قيمة (Ir) بالتدريج نحو الصفر مع مرور الوقت، مستعيدة بذلك العضلات قابليتها للعمل والنشاط، وهو ما يفسر استعادة الحيوان لنشاطه الحركي الطبيعي بعد فترات الهدنة والتوقف المخبري.
7.2 الكف الشرطي (sIr) كعادة كفية متعلمة
قاد التفكير التحليلي لهال إلى اكتشاف ظاهرة أكثر تعقيداً ترتبط بتبدد الكف التفاعلي؛ فعندما يتوقف الجرذ المنهك عن الركض في المتاهة ويأخذ قسطاً من الراحة، فإن زوال التعب وتبدد الإرهاق (تناقص Ir) يمثل بحد ذاته عملية “خفض لحافز منفر”، وبالتالي يُعد تعزيزاً بيولوجياً موجباً وفقاً لقواعد النظرية ذاتها! ولكن ما الذي يُعزز في هذه اللحظة؟ إنه سلوك “التوقف عن الجري” و”الامتناع عن العمل”.
هنا يتشكل متغير جديد أطلق عليه هال اسم الكف الشرطي ورمز له بـ (sIr) (Conditioned Inhibition). يمثل الكف الشرطي “عادة مكتومة ومتعلمة لعدم الاستجابة”؛ حيث تقترن المثيرات البيئية للمتاهة (الجدران، والروائح، وأرضية الممر) بحالة الراحة الناتجة عن التوقف، مما يرسخ في الجهاز العصبي للحيوان عادة نشطة ومضادة للجري. وعلى النقيض التام من الكف التفاعلي (Ir) الذي يزول تلقائياً بالراحة، فإن الكف الشرطي (sIr) هو عادة حقيقية مستقرة ودائمة ومقاومة للزوال التلقائي كأي عادة سلوكية أخرى.
انطلاقاً من هذا التأسيس، حدد هال القوة الكابحة الإجمالية بجمع المتغيرين معاً في مركب تثبيطي واحد: (Ir + sIr)، ليقوم بعد ذلك بخصم هذه القوة التثبيطية من جهد الاستجابة الإجمالي لحساب ما أسماه جهد الاستجابة الفعال الصافي (Net Reaction Potential)، والذي صيغ وفق المعادلة الطرحية التالية:
sĒr = sEr – (Ir + sIr)
توضح هذه المعادلة الدقيقة لماذا يتراجع الأداء الحركي للحيوان عندما يُجبر على تكرار محاولات الركض بشكل مكثف دون فواصل زمنية للراحة (Massed Practice)، حيث يتراكم التثبيط الكلي حتى يبتلع جهد الاستجابة بالكامل، مما يقود إلى انطفاء السلوك وتوقفه ميكانيكياً.
7.3 مسار الانطفاء والاسترجاع التلقائي في المتاهات الخالية من المعزز
شكّل تفسير ظاهرة الانطفاء التجريبي (Extinction) والاسترجاع التلقائي (Spontaneous Recovery) أحد أبرز النجاحات الاستنباطية لمنظومة هال الرياضية في مواجهة النظريات المنافسة. عند إخضاع جرذ مدرب بإتقان لمرحلة الانطفاء—عبر وضعه في المتاهة والسماح له بالركض ولكن مع إخلاء صندوق الهدف كلياً من أي طعام—يُلاحظ الباحث تراجعاً تدريجياً ومطرداً في سرعة الجري، وزيادة هائلة في زمن الكمون، وعودة ظهور الأخطاء، حتى يصل الحيوان في النهاية إلى التوقف التام ورفض مغادرة صندوق البداية.
فسّر هال هذا الانهيار السلوكي عبر ديناميكية تراكم التثبيط؛ فالحيوان في كل محاولة غير معززة يبذل جهداً عضلياً يولد كفاً تفاعلياً (Ir)، ودون وجود طعام يخفض الجوع، لا يحصل أي تجديد لقوة العادة. ومع تكرار الفشل، يقترن الإحباط العضلي بالامتناع، فيتراكم الكف الشرطي (sIr) بوتيرة صاروخية، إلى أن تصبح القوة التثبيطية المجمعة مساوية تماماً لجهد الاستجابة الأصلي أو متفوقة عليه:
(Ir + sIr) ≥ sEr
عند هذه النقطة الحسابية الحرجة، يهبط جهد الاستجابة الفعال الصافي (sĒr) إلى ما دون عتبة الفعل الحركي، وينطفئ السلوك ظاهرياً. غير أن المعجزة تكمن في تجارب اليوم التالي؛ فعندما يُعاد الجرذ “المنطفئ تماماً” إلى المتاهة بعد فترة راحة استمرت 24 ساعة دون أي تدريب أو تعزيز إضافي، فإنه ينطلق راكضاً من جديد بسرعة لافتة نحو الهدف، في تجسيد ساطع لظاهرة الاسترجاع التلقائي.
فكك هال هذا اللغز بسهولة رياضية مذهلة: خلال فترة الراحة الطويلة التي قضاها الحيوان في قفصه، تبدد الكف التفاعلي المؤقت (Ir) وتلاشى كلياً نتيجة الراحة والتعافي العضلي. وبتبدده، تراجعت القوة التثبيطية الكلية، تاركة فقط الكف الشرطي (sIr). ومع هبوط المكون الطرحي التثبيطي، طفا جزء أصيل من جهد الاستجابة الأصلي (sEr) ليتجاوز عتبة الإثارة مجدداً، مما ولّد السلوك تلقائياً من رماد الانطفاء المؤقت، مقدماً دليلاً حسابياً قاطعاً على أن العادات القديمة لا تُمحى من الجهاز العصبي أثناء الانطفاء، بل تُكبت وتُحجب تحت وطأة الكوابح التثبيطية المؤقتة والمتعلمة.
8. فرضية تدرج الهدف وسلوك الاقتراب في المتاهة
8.1 تأصيل فرضية تدرج الهدف (Goal Gradient Hypothesis)
في عام 1932، صاغ كلارك هال واحدة من أكثر أفكاره أصالة وتأثيراً في تاريخ علم النفس التجريبي، والتي عُرفت باسم فرضية تدرج الهدف (Goal Gradient Hypothesis). انطلقت الفرضية من ملاحظة ميدانية متكررة في المتاهات المستقيمة ومتاهات المسارات الطويلة: لاحظ هال أن القوارض لا تركض بسرعة خطية ثابتة وموحدة على طول الممر الممتد، بل تُظهر نمط تسارع حركي مطرد؛ إذ تبدأ الجري بسرعة ابتدائية متوسطة عند مغادرة صندوق البداية، ثم تتزايد ضربات أقدامها وتتصاعد وتيرة ركضها باطراد كلما قطعت مسافة إضافية، لتبلغ أقصى درجات سرعتها الحركية الاندفاعية في الأمتار والأجزاء الأخيرة المتاخمة مباشرة لبوابة صندوق الهدف.
استنبط هال التفسير النظري لهذه الظاهرة الحركية بالاستناد الصارم إلى مبادئ الاشتراط الإجرائي وخفض الحافز. افترض هال أن القوة التعزيزية للمكافأة ترتبط ارتباطاً عكسياً بالفاصل الزمني والمكاني الذي يفصل بين صدور الاستجابة وتحقيق خفض الحافز؛ فالاستجابة التي تفصلها ثانية واحدة فقط عن ابتلاع الطعام تنال تعزيزاً عصبياً أقوى وأكثر كثافة بمراحل مقارنة بالاستجابة التي تفصلها دقيقة كاملة عنه. وبما أن المقاطع المكانية القريبة من الهدف تقع في جوار زمني ومكاني مباشر للتعزيز النهائي، فإن المثيرات البيئية المميزة لتلك المقاطع تكتسب ارتباطات إشراطية تفوق بمراحل المثيرات المتواجدة عند نقطة الانطلاق البعيدة، مما يولد “تدرجاً صاعداً” في جهد الاستجابة يشتد كلما تقلصت المسافة المتبقية لبلوغ الإشباع.
8.2 سلسلة الاستجابات الحركية المتوالية في المتاهات الطويلة
حلل هال المتاهة الطويلة لا بوصفها وحدة جغرافية كلية مصمتة، بل بوصفها سلسلة مركبة ومعقدة من الروابط الذرية المتتالية بين المثير والاستجابة (S-R Units) تترابط معاً لتشكل سلسلة حركية موحدة. لفهم كيفية بناء هذه السلسلة، وضع هال مفهوماً مبتكراً يُعرف باسم التعزيز المتسلسل الرجعي (Backward Chaining of Reinforcement).
افترض هال أن عملية التعلم تسير في الاتجاه المعاكس للحركة الفيزيائية للحيوان؛ فالاستجابة الحركية الأخيرة في المتاهة (الدخول إلى صندوق الهدف وابتلاع الطعام) هي الاستجابة الأولى والأسرع التي تكتسب أعلى قوة عادة ممكنة، نظراً لاقترانها الفوري والتام بخفض الحافز. بعد ترسيخ هذه الرابطة الأخيرة، تتحول المثيرات المادية الخاصة بالمقطع الأخير من المتاهة إلى معززات ثانوية مشروطة تمتلك قدرة ذاتية على منح التعزيز للاستجابة التي سبقتها مباشرة.
وهكذا، ينتقل التعزيز تراجعياً كالموجة المتراجعة إلى الوراء، من الخطوة الأخيرة إلى ما قبل الأخيرة، ومنها إلى الخطوة الوسطى، حتى يصل في النهاية بأضعف درجاته وقوته إلى استجابة الخروج من صندوق البداية. وبناءً على هذا التسلسل الرجعي، تكون الاستجابات الأقرب للهدف مشبعة بأعلى قيم قوة العادة (sHr) وأقوى مثيرات الباعث، بينما تعاني استجابات البداية من ضعف نسبي، وهو ما ينتج المظهر السلوكي التجريبي المتسارع الذي يعكس التدرج الحركي في مسارات المتاهة الطويلة.
8.3 تطبيقات تدرج الهدف على تفضيل المسارات المكانية
وظف هال فرضية تدرج الهدف للتنبؤ الدقيق بسلوك الحيوانات عند وضعها أمام معضلات الاختيار المكاني المعقدة. في إحدى التجارب المعيارية، وُضعت القوارض في متاهات توفر مسارين بديلين يؤديان معاً إلى نفس حجرة المكافأة المتطابقة في الحجم والنوع:
- المسار الأول: مسار قصير ومستقيم يبلغ طوله مترين فقط.
- المسار الثاني: مسار طويل ومتعرج يبلغ طوله ستة أمتار.
تنبأت النظرية الحسابية لهال بأن القوارض، بعد عدد قليل جداً من المحاولات الاستكشافية المعززة في كلا المسارين، ستُظهر تفضيلاً ساحقاً وحاسماً للمسار القصير، وستهجر كلياً المسار الطويل. يعود السبب الرياضي في ذلك إلى أن تدرج الهدف في المسار القصير يكون حاداً وشديد الانحدار والقوة؛ فمنذ لحظة الانطلاق، تكون الاستجابات على مقربة زمنية ومكانية من الهدف، مما يجعل جهد الاستجابة الفعال الصافي لحركات المسار القصير أعلى بكثير من جهد استجابة المسار الطويل، الذي يضعف فيه أثر التعزيز بفعل التباطؤ الزمني وتراكم الكف التفاعلي المجهد للجسد.
بلغت الدقة التجريبية أوجها عندما سعى الباحثون إلى “القياس الفيزيائي المادي المباشر” لقوة شد تدرج الاقتراب. صمم جودسون براون (Judson Brown)، تلميذ هال في جامعة ييل، جهازاً عبقرياً زُوّدت فيه القوارض بأحزمة جلدية دقيقة ومرنة موصولة بسلك يمر عبر بكرة متصلة بمقياس دينامومتري زنبركي حركي (Dynamometer) ومسجل بياني نَفَسي. عندما كانت الجرذان تُوقف ميكانيكياً بواسطة سحب الحزام لمنعها من مواصلة الجري، كان الجهاز يقيس “قوة الشد بالجرامات” التي يبذلها القارض لجر الحزام نحو الهدف.
أثبتت القياسات المادية صحة تنبؤات هال بصورة لا تقبل الشك؛ فعندما كانت الجرذان تُحتجز عند نقطة البداية (بعيداً عن الهدف)، كانت قوة سحبها للأمام تسجل مستويات منخفضة تقارب 50 جراماً. أما عندما كانت تُحتجز على بعد سنتيمترات قليلة من حجرة الطعام، قفزت قوة شدها وعزمها العضلي لتبلغ أكثر من 200 جرام، في تجسيد فيزيائي ملموس لقوة تدرج الهدف المتصاعدة كلما دنت المسافة نحو الإشباع.
9. المناظرة الكبرى: كلارك هال في مواجهة إدوارد تولمان وتجارب المتاهة
9.1 التعلم الآلي بالارتباط مقابل الخرائط المعرفية
شهدت أروقة علم النفس الأمريكي في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين أعظم صراع فكري ونظري عرفه تاريخ السلوكية، والذي عُرف تاريخياً بـ “مناظرة هال وتولمان” (Hull-Tolman Debate). مثّل كلارك هال الجناح الميكانيكي الراديكالي المنادي بالسلوكية الجزيئية (Molecular Behaviorism)، حيث كان يرى أن التعلم ما هو إلا عملية ربط آلي صارم وغير واعٍ بين مثيرات حسية واستجابات عضلية أو غدية حركية، تُدمج معاً بفعل خفض الحافز، دون الحاجة لافتراض أي عمليات إدراكية أو غايات فكرية داخلية لدى الكائن الحي؛ فالجرذ بالنسبة لهال ليس سوى آلة بيولوجية معقدة ومحكومة بحتمية المعادلات الرياضية الفيزيائية.
على الطرف النقيض تماماً، وقف عالم النفس البارز إدوارد تولمان (Edward C. Tolman) في جامعة كاليفورنيا (بركلي)، مدافعاً عن تيار السلوكية الغائية المعرفية (Purposive Cognitive Behaviorism). رفض تولمان النظرة الميكانيكية التبسيطية لجهاز هال العصبي، مؤكداً أن السلوك هو ظاهرة كلية (Molar Behavior) هادفة وغائية بطبيعتها. جادل تولمان بأن القارض عندما يركض في المتاهة لا يتعلم سلسلة عمياء من الانقباضات العضلية والانعطافات الآلية، بل يكتسب “فهماً كلياً” للعلاقات المكانية والبيئية، ويبني في دماغه تمثيلاً ذهنياً مجرداً وشاملاً للمحيط الجغرافي أطلق عليه اسم الخريطة المعرفية (Cognitive Map).
كانت تجارب المتاهة هي ساحة النزال الكبرى والمختبر الميداني الذي تسابق فيه المنظران وتلاميذهما لتصميم تجارب بالغة الدقة والمكر العلمي؛ حيث سعى كل طرف إلى إثبات صحة نموذجه وتفنيد أطروحة الآخر عبر بيانات تجريبية حاسمة لا تحتمل التأويل المزدوج.
9.2 تجارب التعلم الكامن (Latent Learning) وتحدي خفض الحافز
وجّه إدوارد تولمان وتلميذه تشارلز هونزيك (Honzik) عام 1930 ضربة تجريبية عنيفة أصابت الأساس الفلسفي لنظرية خفض الحافز لهال في مقتل، عبر التجربة الأيقونية الشهيرة المعروفة باسم تجربة التعلم الكامن (Latent Learning). كان جوهر ادعاء هال ينص على أنه “لا تعلم على الإطلاق دون تعزيز يُخفض الحافز”، وأن قوة العادة لا يمكن أن تتشكل من مجرد الاستكشاف المحايد أو التنزه غير المثمر في المتاهة.
صمم تولمان وهونزيك متاهة معقدة متعددة المسارات والممرات العمياء، وقسما الجرذان إلى ثلاث مجموعات تجريبية استمر اختبارها لعدة أسابيع بمعدل محاولة واحدة يومياً:
- المجموعة الأولى (المعززة دائماً): كانت تجد الطعام في صندوق الهدف في نهاية كل محاولة يومياً منذ اليوم الأول، فأظهرت هذه المجموعة المنحنى الكلاسيكي التدريجي لهال؛ حيث تراجعت أخطاؤها ببطء وازدادت سرعتها بانتظام.
- المجموعة الثانية (غير المعززة إطلاقاً): كانت توضع في المتاهة وتستكشف ممراتها يومياً وتُخرج منها دون أن تجد أي طعام على الإطلاق. أظهرت هذه المجموعة تحسناً طفيفاً جداً وكادت منحنيات أدائها أن تظل أفقية، مليئة بالأخطاء والبطء في الحركة.
- المجموعة الثالثة (مجموعة التعلم الكامن): وهي المجموعة المحورية في التجربة؛ خاضت المتاهة لمدة 10 أيام متتالية دون أي طعام أو مكافأة (تماماً كالمجموعة الثانية)، وكان أداؤها مليئاً بالأخطاء والتردد، مما يوحي ظاهرياً بأنها لم تتعلم أي شيء. ولكن في اليوم الحادي عشر، وضع الباحثون طعاماً في صندوق الهدف لهذه المجموعة لأول مرة، وكانت النتيجة في اليوم التالي (اليوم الثاني عشر) مذهلة تاريخياً: بمجرد نيل وجبة واحدة، انحدر منحنى الأخطاء انحداراً عمودياً دراماتيكياً، وتلاشت الأخطاء كلياً، وقفزت سرعة هذه المجموعة لتطابق تماماً بل وتتفوق على سرعة المجموعة الأولى التي كانت تتدرب وتُعزز بانتظام منذ اليوم الأول!
أثبتت هذه النتيجة التجريبية الحاسمة أن القوارض كانت تتعلم طوال الأيام العشرة الأولى وتستوعب التصميم الهندسي للمتاهة وتبني خريطة معرفية في عقولها الكامنة، دون الحاجة لأي طعام أو خفض للحافز البيولوجي. كان غياب التعزيز يحجب فقط “التعبير الإجرائي” عن التعلم (الأداء)، وبمجرد ظهور الباعث، استخدمت الحيوانات خريطتها المعرفية المخزونة لاجتياز المسار، وهو ما مثل تحدياً صارخاً لفكرة هال التراكمية القائمة على التعزيز الإجباري.
في مواجهة هذه الضربة المنهجية، خاض كلارك هال ودائرته السلوكية معركة دفاعية مستميتة لإنقاذ النموذج. جادل هال بأن الجرذان في الأيام العشرة الأولى لم تكن خالية تماماً من التعزيز، بل افترض وجود “حوافز ثانوية كامنة”، مثل حافز الهرب من الحبس أو حافز الاستكشاف الفطري، واعتبر أن خروج الجرذ في نهاية المطاف من المتاهة إلى قفصه الأصلي كان يمثل شكلاً طفيفاً من خفض الحافز كافياً لتوليد قوة عادة ضعيفة تراكمت تدريجياً. إلا أن هذا التفسير الدفاعي بدا للكثير من الدارسين التفافاً وتبريراً مصطنعاً أنقذ صورية النموذج على حساب بساطته ومصداقيته البيولوجية المباشرة.
9.3 مناظرة تعلم المكان مقابل تعلم الاستجابة (Place vs. Response Learning)
لم تتوقف المعركة عند التعلم الكامن، بل انتقلت إلى البنية النوعية لما يتم تعلمه في المتاهة: هل يتعلم الحيوان استجابة عضلية حركية عمياء أم يتعلم موقعاً جغرافياً مكانياً؟ تجسدت هذه المناظرة في أبحاث “المتاهة المصلبة” (Cross Maze)، التي تتخذ شكل علامة الجمع (+)، وتضم نقطتي انطلاق متقابلتين (شمال وجنوب) ونقطتي هدف متعامدتين (شرق وغرب).
وفقاً لنظرية كلارك هال في “تعلم الاستجابة” (Response Learning)، فإن ما يكتسبه القارض هو ارتباط حركي بين مثيرات المتاهة وحركة عضلية محددة؛ فالجرذ الذي يُدرب على الانطلاق من نقطة “الجنوب” ويجد الطعام دائماً في ذراع “الشرق”، يتعلم في جهازه العصبي عادة حركية محكمة تتمثل في: “عند الوصول للمفترق، قم بالانعطاف نحو اليمين“. تنبأ هال بأنه إذا نُقل هذا الجرذ بعد ذلك ووُضع عند نقطة الانطلاق المقابلة في “الشمال” (أي عُكست زاوية الرؤية بمقدار 180 درجة)، فإن قوة العادة سترغمه على تكرار الاستجابة العضلية المشروطة ذاتها وهي الانعطاف نحو اليمين مجدداً، وهو ما سيقوده هذه المرة إلى الذراع “الغربي” الخالي من الطعام.
في المقابل، أكد إدوارد تولمان وفرضيته في “تعلم المكان” (Place Learning) أن الجرذ يتعلم الموقع المكاني للطعام بالنسبة للمعالم البصرية المحيطة في الغرفة (النوافذ، الإضاءة، موضع الباحث). وتنبأ تولمان بأن الجرذ عند نقله إلى نقطة انطلاق “الشمال” سيعدل حركته العضلية بمرونة معرفية فائقة؛ فينطلق وينعطف نحو اليسار ليصل إلى ذراع “الشرق” حيث يدرك عقلياً وجود الطعام، متمرداً على العادة العضلية العمياء لصالح التوجه المكاني الهادف.
أظهرت النتائج التجريبية التي أجراها تولمان وتلاميذه (Tolman, Ritchie, & Kalish, 1946) تفوقاً ساحقاً واستثنائياً لفرضية “تعلم المكان”؛ إذ تعلمت القوارض مهمة الذهاب إلى نفس الموقع المكاني بسرعة هائلة لم تتجاوز بضع محاولات، بينما استغرقت القوارض التي أُجبرت على تعلم استجابة عضلية محددة في ظل تغير الأماكن وقتاً طويلاً ومضنياً لإتقان المهمة. ومع ذلك، أظهرت أبحاث لاحقة وتوفيقية قادها باحثون محايدون أن هذا التفوق يرتبط بوجود معالم بصرية بارزة (Visual Cues) في بيئة المختبر؛ فإذا تم تعتيم الغرفة تماماً وحُرمت القوارض من الرؤية المكانية، تراجعت الاستراتيجية المعرفية واضطرت الحيوانات للارتداد إلى استراتيجية هال الحركية بالاعتماد على التغذية الراجعة العضلية، مما كشف عن أن الجهاز العصبي يمتلك نظامين متكاملين للتعلم وليس نظاماً أحادياً مطلقاً.
10. الانتقادات المنهجية والتجريبية الموجهة لنظرية هال وتجاربه
10.1 تجارب المكافآت غير المغذية وتفكيك مبدأ خفض الحافز الفسيولوجي
تلقى حجر الزاوية في نظرية هال—الذي يشترط حدوث “خفض فعلي في الحاجة الفسيولوجية” لتحقيق التعزيز وترسيخ قوة العادة—صفعة تجريبية قاصمة عبر ما عُرف بتجارب “المكافآت غير المغذية”. كانت الفرضية المركزية لهال تؤكد أن اللذة الحسية للطعام وحدها لا تعزز السلوك، بل إن الامتصاص الخلوي والتمثيل الغذائي وتراجع تقلصات المعدة هي الشرط الذي لا غنى عنه لتثبيت المسارات العصبية الحركية.
لتفكيك هذا الافتراض البيولوجي، استخدم الباحثون مادة السكارين (Saccharin) كمعزز اختباري في تجارب المتاهة والرافعات. السكارين هو مركب كيميائي اصطناعي يمتاز بحلاوة طعم تفوق السكر الطبيعي بمئات المرات، ولكنه عديم القيمة الغذائية كلياً ولا يحتوي على أي سعرات حرارية أو كربوهيدرات، ويمر عبر الجهاز الهضمي للقوارض دون أن يمتصه الجسد أو يطرأ عليه أي تمثيل أيضي، وبالتالي فهو عاجز فسيولوجياً عن خفض حافز الجوع البيولوجي بمقدار ذرة واحدة.
جاءت النتائج الميدانية متناقضة كلياً مع بديهيات هال؛ فالقوارض الجائعة المحرومة من الطعام أقبلت على ارتشاف محلول السكارين بشغف هائل، وأظهرت تعلماً سريعاً ودقيقاً لمسارات المتاهات المستقيمة والمتفرعة المعقدة، واندفعت للركض بأزمنة سرعة مذهلة تفوقت أحياناً على تلك التي كوفئت بقطع الخبز العادية، وسجلت منحنيات تعلم نموذجية خالية من الأخطاء. برهنت هذه التجارب بما لا يدع مجالاً للشك على أن “الاستثارة الحسية التذوقية المجردة” كافية بذاتها لتوليد التعزيز والتعلم، وأن السلوك مدفوع بمتعة التذوق الحسية والنشاط الاستهلاكي الفموي (Oral-Sensory Reinforcement)، بصرف النظر عن أي خفض للتوتر أو استعادة للاتزان الداخلي على المستوى الأيضي.
10.2 حوافز الفضول والاستكشاف وسلوكيات زيادة الاستثارة
تمثل مأزق نظري وإبستمولوجي آخر في عجز نموذج هال الميكانيكي عن تفسير طيف واسع من السلوكيات التلقائية التي تصدر عن الثدييات العليا والقوارض في غياب أي حرمان فسيولوجي مسبق. انطلقت نظرية خفض الحافز من رؤية سلبية واختزالية تعتبر الكائن الحي نظاماً خاملاً بطبيعته، لا يتحرك إلا إذا أُزعج باختلال بيولوجي مؤلم، ويسعى دائماً إلى “تصفير الطاقة” والوصول إلى أدنى مستويات الاستثارة الممكنة (Quiescence).
نسفت أبحاث عالم النفس الشهير هاري هارلو (Harry Harlow) ودانييل بيرلاين (Daniel Berlyne) في الخمسينيات هذه الرؤية الهدوء-سكونية؛ حيث أثبتت التجارب أن الحيوانات المشبعة بالكامل من الغذاء والماء والجنس تنخرط طواعية وبدافع ذاتي جارف في سلوكيات “الاستكشاف والفضول والتلاعب بالأشياء” (Exploratory Drive). فالقردة العليا تفكك الأقفال الميكانيكية المعقدة وتفتح الأبواب والنوافذ لتطل على بيئات جديدة دون أي مكافأة غذائية، والجرذان تستكشف أروقة المتاهات الجديدة وتتحمل الجري في مسارات طويلة فقط لتصل إلى بيئة بصرية غنية ومعقدة تسمح لها بالاستكشاف الحسي.
كشفت هذه الظواهر عن أن الكائنات الحية لا تسعى دوماً إلى “خفض التوتر”، بل تسعى بنشاط إلى زيادة الاستثارة (Arousal Seeking) والبحث عن التحدي المعرفي والتعقيد الحسي والدهشة والتجديد. وبذلك ظهر نموذج هال عاجزاً وقاصراً عن استيعاب السلوك اللعبي، والدافعية الذاتية (Intrinsic Motivation)، والنشاط الإبداعي التلقائي، واقتصرت صلاحيته على المواقف الإلزامية الطارئة لإنقاذ الجسد من الهلاك العضوي الصرف في مختبرات الحرمان المغلقة.
10.3 التعقيد الرياضي المفرط وهشاشة النمذجة الصورية
واجه البناء الرياضي الشامخ لكلارك هال انتقادات منهجية وإحصائية لاذعة من داخل المدرسة السلوكية ذاتها، ومن أبرز منظري السلوكية الإجرائية مثل بي إف سكينر (B. F. Skinner). تركز النقد على أن محاولة هال لمحاكاة فيزياء نيوتن عبر إقحام عشرات الثوابت الرياضية والمعادلات التفاضلية المعقدة في علم النفس كانت خطوة متكلفة ومصطنعة سبقت أوانها التجريبي والتكنولوجي بكثير.
تضمنت النسخ المتأخرة من منظومة هال أكثر من 17 مسلّمة رياضية رئيسية وعشرات الفروض والمشتقات الصورية، واحتوت معادلاته على ثوابت عددية دقيقة (مثل استخدام الأساس اللوغاريتمي 10 وثوابت تحويلية اعتباطية للزمن والجهد). غير أن هذه الثوابت كانت تُشتق وتُفصّل لتلائم مجموعات بيانات محددة مستخلصة من سلالة معينة من الجرذان (مثل جرذان الهجين الأبيض في ييل) تجري في ظروف مختبرية بالغة الضيق، فما إن كان يتغير نوع المتاهة، أو تُستخدم سلالة حيوانية مختلفة، أو يُنقل الاختبار إلى حيوانات برية، حتى كانت تلك الثوابت الحسابية تنهار، وتعجز المعادلات الرياضية عن التنبؤ بالسلوك بدقة مقنعة خارج جدران المختبر المعد سلفاً.
كما اتُهم هال بالسقوط في فخ “التفسير الدائري” (Circular Reasoning) فيما يتعلق ببعض متغيراته الوسيطة؛ فالكثير من تلك البنى النظرية لم تكن قابلة للقياس الحيوي العصبي بصورة مستقلة وموضوعية ومباشرة في زمنه، بل كان يتم استنتاجها رياضياً من السلوك ذاته ثم استخدامها لتفسير نفس هذا السلوك الملاحظ، مما ولّد شبكة مفاهيمية مغلقة وصورية ومفرطة في الهشاشة أمام أي معطى تجريبي تجديدي، وهو ما سرّع في أفول نجم هذه النمذجة مع صعود الثورة المعرفية في ستينيات القرن العشرين.
11. التطورات اللاحقة والامتدادات النظرية لدى تلاميذ مدرسة هال
11.1 تعديلات كينيث سبنس وتطوير نظرية الحافز الباعثي
لم تمت أفكار كلارك هال بوفاته عام 1952، بل عاشت مرحلة ذهبية من التطور والتنقيح المنهجي على يد ألمع تلاميذه وخلفائه النظريين، وعلى رأسهم عالم النفس الكبير كينيث سبنس (Kenneth W. Spence) في جامعة آيوا. أجرى سبنس تعديلات جوهرية على النسق الهالي، لعل أبرزها كان تفكيك العلاقة الضربّية الصارمة بين المتغيرات لإفساح المجال أمام نماذج جمعية ومركبة تفسر البيانات الشاذة التي عجز عنها النموذج الأصلي.
أعاد سبنس تعريف مفهوم “التعزيز” ذاته؛ حيث اقترح فصلاً جذرياً بين عملية التعلم وتكوين العادة من جهة، وعملية التعزيز وخفض الحافز من جهة أخرى. افترض سبنس أن قوة العادة (sHr) تنشأ وتتطور بفعل الاقتران الزمني المحض بين المثير والاستجابة (كما قال جوثري)، دون اشتراط خفض الحافز لتكوينها! أما التعزيز والمكافأة وخفض التوتر، فإن وظيفتها لا تنصب على صناعة العادة العصبية، بل تقتصر فقط على تزويد الكائن بحافز الباعث (K) الذي ينشط الأداء الفعلي (Performance).
كما اقترح سبنس تعديل العلاقة الرياضية بين الحافز الداخلي والباعث الخارجي، لتتحول في مواضع معينة إلى صيغة “جمعية تفاعلية”:
(D + K)
مما أتاح تفسير كيف يمكن لباعث خارجي قوي جداً أن ينتج استجابة حركية هائلة حتى في ظل اقتراب الحافز الداخلي من الصفر، والعكس صحيح. طبق سبنس هذا النموذج الرياضي المطور (الذي عُرف بنموذج هال-سبنس) في دراسات التمييز الحركي المعقد والتعلم البصري في المتاهات، مؤسساً أحد أرقى الفصول في سيكولوجيا القياس الكمي الرياضي عبر التاريخ.
11.2 امتدادات نيل ميلر وجون دولارد في التعلم الاجتماعي والإحباط
قاد اثنان من أبرز أعضاء دائرة هال في جامعة ييل، وهما نيل ميلر (Neal E. Miller) وجون دولارد (John Dollard)، حركة نقل وتمديد مفاهيم خفض الحافز من نطاق تجارب القوارض في المتاهات الضيقة إلى ميدان تفسير السلوك البشري المعقد، والتعلم الاجتماعي، وتكوين الشخصية، والاضطرابات النفسية الإكلينيكية.
أجرى نيل ميلر تجارب مخبرية رائدة كشفت عن إمكانية استخدام “الخوف المكتسب” كحافز ثانوي مستقل تماماً وقابل للخفض والتعزيز؛ حيث برهن على أن الحيوانات تتعلم استجابات حركية معقدة وتجتاز متاهات مخصصة فقط لخفض مستوى الخوف والهلع المشروط، حتى في غياب أي صدمة فيزيائية مباشرة، وهو ما وضع الأساس النظري والتجريبي لفهم آليات نشأة الرهاب (Phobias) والعصاب والسلوكيات التجنبية والوسواسية في الطب النفسي والسلوكي الحديث.
توج هذا التعاون بصياغة فرضية الإحباط-العدوان (Frustration-Aggression Hypothesis) الشهيرة عام 1939. بالاستناد إلى أدوات هال، عرّف ميلر ودولارد “الإحباط” تعريفاً إجرائياً دقيقاً بوصفه: “حالة فسيولوجية ونفسية تنشأ حتماً عند اعتراض مسار استجابة موجهة نحو هدف مخفض للحافز وتأخير إشباعها”. وافترضا أن هذا الإحباط الدافعي يولد توتراً غضبياً داخلياً يستدعي بصورة حتمية دافعاً للعدوان (Aggression Drive) لتفكيك العائق البيئي. فتح هذا الامتداد العبقري الباب أمام فهم الاضطرابات المجتمعية، والتعصب، والعنف بين الجماعات البشرية انطلاقاً من المبادئ الأولية لديناميكيات الحافز والتعزيز التي وُلدت في مسارات المتاهة المخبرية.
11.3 الانتقال نحو الفهم البيولوجي العصبي لنظم المكافأة
رغم أن كلارك هال صاغ نظريته في حقبة افتقرت إلى التكنولوجيا العصبية الحديثة، مجبراً إياه على التعامل مع المخ كـ “صندوق أسود” افتراضي، إلا أن أطروحاته حول وجود آلية فسيولوجية مركزية تخفض التوتر مهّدت الطريق أمام أعظم كشف عصبي في القرن العشرين. في عام 1954، أجرى جيمس أولدز (James Olds) وبيتر ميلنر (Peter Milner) تجربة تاريخية غيرت وجه علم النفس العصبي للأبد.
قام الباحثان بزرع أقطاب كهربائية مجهرية دقيقة في مناطق عميقة من أدمغة الجرذان، وتحديداً في “منطقة الحاجز” (Septal Area) والحزمة الدماغية الأمامية الإنسية (Medial Forebrain Bundle). وُضعت القوارض في صندوق متصل برافعة كهربائية تتيح للحيوان صعق نفسه عصبياً بجرعات كهربائية دقيقة للغاية عند الضغط عليها؛ فكانت النتيجة المذهلة اكتشاف مراكز المكافأة والمتعة في الدماغ (Brain Pleasure/Reward Centers).
أقبلت القوارض على الضغط على الرافعة لآلاف المرات في الساعة بصورة قهرية دون توقف، متجاهلة الجوع الشديد، والعطش، والفرص الجنسية المتاحة، ومفضلة الصعق الكهربائي الدماغي على ابتلاع الطعام الحقيقي. أدى هذا الاكتشاف إلى إعادة تفسير جذرية لمفهوم “خفض الحافز”؛ فالتعزيز ليس مجرد عودة كيميائية بطيئة للاتزان الداخلي في المعدة والأمعاء كما تصور هال، بل هو “تنشيط عصبي كهربائي وكيميائي مباشر لمسارات الدوبامين الوسطية-الطرفية” (Mesolimbic Dopamine Pathways). ورغم تصحيح المسار البيولوجي، فإن البناء الوظيفي الذي وصفه هال حول آليات الباعث والجهد التحفيزي ظل الإطار المفاهيمي الأبرز الذي استندت عليه الأبحاث العصبية المعاصرة لتتبع خرائط التعزيز داخل الدماغ البشري.
12. الإرث العلمي والتقييم المعاصر لتجارب كلارك هال في المتاهة
12.1 الإسهامات المنهجية الخالدة في تاريخ علم النفس التجريبي
يمثل إرث كلارك هال معلماً إبستمولوجياً شاهقاً في تاريخ تطور العلوم الإنسانية؛ فرغم التراجع التاريخي لصحة معظم معادلاته الصورية في شكلها الرياضي الحرفي، فإن “المعايير المنهجية الصارمة” التي أرساها غيرت وجه علم النفس التجريبي إلى الأبد. نقل هال السيكولوجيا من مرحلة الوصف اللفظي والتأملات التخمينية الفضفاضة إلى فضاء العلم الكمي التجريبي الدقيق الذي لا يقبل المفهوم ما لم يكن معرّفاً إجرائياً ومقاساً بأدوات مادية خالية من الالتباس.
كرّس هال استخدام “المتاهة التجريبية” ونقاط الاختيار كأدوات معيارية عالمية لا غنى عنها لدراسة الذاكرة المكانية، وصنع القرار، وحل المشكلات، والتعلم الإجرائي؛ وهي الأدوات التي لا تزال تهيمن على مختبرات العلوم العصبية المعاصرة (كالنسخ المائية الحديثة لمتاهة موريس – Morris Water Maze). علاوة على ذلك، يُجمع مؤرخو العلم على أن النمذجة الرياضية المعقدة التي ابتكرها هال شكلت “الإرهاصات المبكرة” لظهور علم السيبرنطيقا (Cybernetics)، وتطوير نماذج معالجة المعلومات، وهندسة التعلم الآلي والتعزيز الحسابي (Reinforcement Learning Algorithms) التي تُشكل اليوم عصب الذكاء الاصطناعي المعاصر، والتي تستند خوارزمياتها إلى مفاهيم مشتقة مباشرة من تدرج الهدف، والجهد الفعال، وحساب عوائد الخطأ المتراكمة.
12.2 الصلة المعاصرة لنظرية خفض الحافز في دراسات الإدمان والدافعية
تتمتع نظرية خفض الحافز بحضور معاصر فائق الحيوية في حقول الطب النفسي وسيكولوجيا الإدمان وعلاج الاعتماد الدوائي. فالنماذج الحديثة في علم الأعصاب الإدراكي تعيد قراءة أعراض الانسحاب القاسية (Withdrawal Symptoms) بوصفها تفعيلاً مدمراً وفائق الحدة لـ “الحافز المنفر الأولي” (Aversive Primary Drive)؛ حيث يعاني المدمن من حالة اختلال فسيولوجي مرعبة في مستويات النواقل العصبية واستقرار الاتزان الداخلي، مما يجعل السعي القهري لتعاطي الجرعة السلوكية مدفوعاً بآلية “خفض الحافز وخفض الألم والمعاناة” لاستعادة التوازن المفقود، وليس طلباً للمتعة المجردة.
تُفسر النظريات السلوكية الحالية ظاهرة “الانتكاس” (Relapse) عبر استدعاء مفهوم هال حول “الكف الشرطي” والمثيرات الحافزية (Sd)؛ فالبيئات والأماكن والأدوات المقترنة تاريخياً بالتعاطي تظل تعمل كمثيرات شرطية استباقية (rg – sg) تفجر حافز الباعث الكامن وتدفع المتعافي نحو ارتكاب الاستجابة الإدمانية مجدداً. كما تعتمد برامج “العلاج المعرفي السلوكي” وتعديل السلوك التطبيقي (ABA) المعاصرة على ضبط فترات الحرمان وتقديم البواعث الموجهة لتفكيك حلقات العادات الحركية غير المرغوبة وإحلال عادات تكيفية جديدة محلها وفق استراتيجيات التشكيل والتدرج التي أصلها هال في مختبراته.
12.3 نظرة نقدية ختامية لمكانة كلارك هال في الفكر النفسي
عند تقييم مسيرة كلارك هال من منظور إبستمولوجي معاصر، تتجلى صورة مفكر تراجيدي عملاق امتلك جرأة نظرية وطموحاً علمياً لم يبلغه أحد في جيله. لا شك أن محاولته لاختزال الكائن العضوي الحي في “ماكينة بيولوجية صماء” تحركها رغبة بائسة في التخلص من التوتر وإطفاء الطاقة الحيوية كانت خطيئة فلسفية تتجاهل تعقيد الوعي والدافعية الإنسانية العليا. إلا أن هذه العثرات الميكانيكية لا ينبغي أن تحجب الحقيقة الساطعة: لقد كان هال “القوة الدافعة الكبرى” التي أجبرت التيارات المضادة على التطور والتجديد.
فلولا صرامة معادلات هال لما استطاع إدوارد تولمان صياغة أطروحاته في علم النفس المعرفي بتلك الدقة، ولولا تحدياته لما تفجرت أبحاث التعلم الكامن والخرائط الذهنية ومراكز المكافأة العصبية؛ إذ تحول نموذج هال إلى معيار تاريخي للمناظرة والإثبات والتفنيد. إن نظرية خفض الحافز وتجارب الجري في المتاهة تظل محفورة في سجلات الفكر الإنساني بوصفها الصرح الأكثر شموخاً ونقاءً ومثابرة في تاريخ السلوكية العلمية؛ صرحٌ أثبت للعالم أن السلوك الحيوي، بكل ارتباكاته الظاهرة، يمكن أن يخضع لمنطق العقل، والقياس الرياضي، والبحث المخبري الدقيق، فاتحاً الأبواب مشرعة أمام ولادة العلوم السلوكية والعصبية الحديثة التي تشهدها البشرية اليوم.
خاتمة
في الختام، تجسد تجارب نظرية خفض الحافز عند كلارك هال محطة فارقة ومؤسسة في تاريخ علم النفس التجريبي والعلوم السلوكية برمّتها. لقد مثلت هذه التجارب قمة المحاولات الوضعية لعقلنة السلوك الحركي وإخضاعه لمصفوفات الاستدلال الرياضي والضبط المخبري الحاسم. ومن خلال المتاهة، حول هال الفعل العضوي الغريزي إلى شبكة ديناميكية محكومة بتفاعل قوة العادة والحافز البيولوجي وحافز الباعث، مؤصلاً قواعد التعلم والتعزيز والتثبيط التي لا تزال تُدرّس في المحافل الأكاديمية حتى اليوم. ورغم ما وجه إلى نموذجه من انتقادات معرفية وعصبية قادت إلى تجاوز ميكانيكيته الصارمة نحو آفاق الإدراك والبيولوجيا العصبية الدوبامينية، فإن الصرامة المنهجية التي غرسها هال والأسئلة الإبستمولوجية الجوهرية التي طرحها حول ماهية الدافع وطبيعة التعلم ستظل إرثاً فكرياً خالداً وشعلة أنارت الدرب أمام سبر أغوار السلوك البشري والحيواني المعقد.
المراجع
- Brown, J. S. (1948). The determinants of the strength of reinforcement: I. The effect of response strength on the latency of responding. Journal of Experimental Psychology, 38(1), 10–25.
- Cannon, W. B. (1932). The Wisdom of the Body. W. W. Norton & Company.
- Crespi, L. P. (1942). Quantitative variation of incentive and performance in the white rat. The American Journal of Psychology, 55(4), 467–517. https://doi.org/10.2307/1417120
- Dollard, J., Doob, L. W., Miller, N. E., Mowrer, O. H., & Sears, R. R. (1939). Frustration and Aggression. Yale University Press.
- Harlow, H. F. (1953). Mice, monkeys, men, and motives. Psychological Review, 60(1), 23–32. https://doi.org/10.1037/h0056040
- Hull, C. L. (1932). The goal gradient hypothesis and maze learning. Psychological Review, 39(1), 25–43. https://doi.org/10.1037/h0072640
- Hull, C. L. (1943). Principles of Behavior: An Introduction to Behavior Theory. Appleton-Century-Crofts.
- Hull, C. L. (1952). A Behavior System: An Introduction to Behavior Theory Concerning the Individual Organism. Yale University Press.
- Miller, N. E. (1948). Studies of fear as an acquirable drive: I. Fear as motivation and fear-reduction as reinforcement in the learning of new responses. Journal of Experimental Psychology, 38(1), 89–101. https://doi.org/10.1037/h0058455
- Olds, J., & Milner, P. (1954). Positive reinforcement produced by electrical stimulation of septal area and other regions of rat brain. Journal of Comparative and Physiological Psychology, 47(6), 419–427. https://doi.org/10.1037/h0058775
- Sheffield, F. D., & Roby, T. B. (1950). Reward value of a non-nutritive sweet taste. Journal of Comparative and Physiological Psychology, 43(6), 471–481. https://doi.org/10.1037/h0058223
- Skinner, B. F. (1950). Are theories of learning necessary? Psychological Review, 57(4), 193–216. https://doi.org/10.1037/h0054367
- Spence, K. W. (1956). Behavior Theory and Conditioning. Yale University Press.
- Tolman, E. C. (1948). Cognitive maps in rats and men. Psychological Review, 55(4), 189–208. https://doi.org/10.1037/h0061626
- Tolman, E. C., & Honzik, C. H. (1930). Introduction and removal of reward, and maze performance in rats. University of California Publications in Psychology, 4(19), 257–275.
- Tolman, E. C., Ritchie, B. F., & Kalish, D. (1946). Studies in spatial learning: II. Place learning versus response learning. Journal of Experimental Psychology, 36(3), 221–229. https://doi.org/10.1037/h0060262
- Watson, J. B. (1913). Psychology as the behaviorist views it. Psychological Review, 20(2), 158–177. https://doi.org/10.1037/h0074420