يمثل استكشاف البنية المعرفية للكائنات الحية غير البشرية أحد أكثر الميادين إثارة للجدل الفلسفي والتجريبي في علوم الإدراك الحديثة؛ إذ يمس مباشرة السؤال الجوهري حول ماهية الوعي وطبيعة الخصوصية المعرفية للإنسان. ومن بين كافة الإشكالات التي تصدى لها علم النفس المقارن، احتلت مسألة “نظرية العقل” (Theory of Mind) مكانة مركزية استقطبت اهتمام الباحثين لعقود طويلة. هل يمتلك غير البشر، وتحديداً أقرب أقربائنا من المنظور التطوري كالشمبانزي، القدرة على تجاوز المظاهر السلوكية المرئية لإدراك الحالات النفسية والذهنية الباطنة للآخرين، مثل النوايا، والرغبات، والمعتقدات، والمعرفة؟ أم أن سلوكياتهم المعقدة ليست سوى نتاج لآليات إشراط ترابطي دقيقة وقراءة بارعة للحركات الجسدية المجردة؟
شهدت دراسة هذه المسألة تحولاً إبستمولوجياً جذرياً مع مطلع الألفية الثالثة على يد ثلاثة من رواد علم الرئيسيات المعرفي: برايان هير (Brian Hare)، وجوزيب كول (Josep Call)، ومايكل توماسيلو (Michael Tomasello). فبعد عقود من التجارب التي هيمنت عليها فرضيات التعاون والتواصل الإنساني المصطنع والتي قادت الباحثين إلى استنتاجات سلبية شبه قاطعة تنفي أي تمثيل ذهني لدى الشمبانزي، جاء “النموذج التنافسي” (The Competitive Paradigm) ليعيد صياغة الأسئلة المعرفية وفق منظور إيكولوجي تطوري يتلاءم مع البيئة الطبيعية للشمبانزي. لقد أدرك هذا الفريق البحثي أن عقل الشمبانزي لم يتطور ليتواصل بلطف مع باحثين بشريين يقدمون له الهدايا، بل شُحذ عبر آلاف السنين في سياق صراع يومي حاد على الموارد والهيمنة داخل جماعات تفرض نظاماً تراتبياً صارماً.
تستعرض هذه الدراسة التحليلية الموسعة الأبعاد التاريخية والتجريبية والنظرية للنموذج التنافسي، كاشفةً عن كيفية تمكن هير وكول وتوماسيلو من تفكيك النماذج السلوكية التقليدية وإثبات قدرة الشمبانزي على إدراك ما يراه الآخرون وما يعرفونه، متتبعةً الجدل العلمي المستمر حول قراءة السلوك مقابل قراءة العقل، وصولاً إلى إعادة تعريف حدود الإدراك الاجتماعي لدى الحيوان والبشر على حد سواء.
1. المقدمة التاريخية والإشكالية المعرفية لنظرية العقل عند الرئيسيات
1.1 جذور التساؤل المعرفي: بريماك ووودروف (1978)
تعود البداية المؤسسة لهذا الحقل المعرفي إلى الورقة البحثية التاريخية التي نشرها ديفيد بريماك وغاي وودروف عام 1978 في مجلة علوم السلوك والدماغ (Behavioral and Brain Sciences) بعنوان مستفز: “هل يمتلك الشمبانزي نظرية عقل؟”. في تلك الدراسة الرائدة، قام الباحثان بتعريض الشمبانزي البالغة “سارة” لمجموعة من مقاطع الفيديو التي تُظهر مدرباً بشرياً يواجه مشكلات بيئية مختلفة، مثل محاولة الوصول إلى ثمار موز معلقة في السقف بعيداً عن متناوله، أو محاولة الهروب من قفص مقفل، أو تدفئة نفسه باستخدام مدفأة غير متصلة بالتيار الكهربائي. بعد مشاهدة كل مقطع، عُرضت على سارة مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تتضمن حلاً ملائماً للمشكلة المطروحة (مثل عصا للوصول إلى الموز، أو مفتاح للقفص، أو سلك موصول بالمقبس)، إلى جانب صور أخرى لا تقدم حلاً عملياً.
أظهرت سارة قدرة ملفتة على اختيار الحل الصحيح بنسبة نجاح تجاوزت الصدفة الإحصائية بمراحل، الأمر الذي دفع بريماك ووودروف إلى افتراض أن الشمبانزي لا يستجيب فقط للصور كأشكال فيزيائية، بل يعزو إلى الإنسان الظاهر في الشريط “نية” (Intention) و”رغبة” (Desire) في تحقيق هدف معين، إلى جانب إدراك حالة “العجز المعرفي” التي يمر بها الفاعل البشري. عَرّف الباحثان “نظرية العقل” في هذا السياق بأنها قدرة الفرد على إسناد الحالات العقلية إلى نفسه وإلى الآخرين، واعتبار تلك الحالات أساساً سببياً لتوقع وتفسير سلوكياتهم القادمة. كانت هذه الفرضية بمثابة الشرارة التي أطلقت ثورة معرفية امتدت عبر أروقة الفلسفة وعلم النفس النمائي.
ومع ذلك، سرعان ما واجهت تجارب بريماك ووودروف انتقادات إبستمولوجية ومنهجية لاذعة من قِبل علماء السلوك التجريبي وفلاسفة العقل. تركز النقد حول فكرة أن أداء “سارة” يمكن تفسيره تماماً بالاعتماد على “التعلم الترابطي” (Associative Learning) أو فهم التتابع السببي الفيزيائي للأحداث دون الحاجة لافتراض أي وعي بالحالات العقلية للإنسان. فالمفتاح يرتبط فيزيائياً بالقفل، والعصا ترتبط بالامتداد المكاني لإسقاط الأشياء؛ وبالتالي فإن اختيار الشمبانزي قد يكون مجرد إدراك لحل المشكلات الوظيفية (Functional Problem-Solving) وليس نفاذاً إلى العالم الباطني للمدرب. أوجدت هذه الاعتراضات مأزقاً استمر لعقود: كيف يمكن للباحثين تصميم اختبارات قادرة على الفصل القاطع بين قراءة السلوك الخارجي وتأويل الحالات الذهنية الداخلية؟
1.2 تعريف نظرية العقل في سياق علم النفس المقارن
في إطار علم النفس المقارن المعاصر، تُعرّف نظرية العقل بوصفها المنظومة الإدراكية الاستدلالية التي تُمكن الكائن من تجاوز المظاهر الفيزيائية الظاهرة للعيان واستنباط كيانات ذهنية غير ملموسة تُحرك أفعال الكائنات الأخرى. وتشتمل هذه الحالات على مستويات متعددة من التعقيد الهرمي، تبدأ من المستويات الأولية كإدراك الانتباه والنوايا المباشرة، وتمر عبر تتبع المعرفة والجهل والإدراك البصري، وصولاً إلى المستوى الأكثر تعقيداً المتمثل في تمثيل المعتقدات الخاطئة (False Beliefs) والتمثيلات الذهنية التكرارية (كأن يعتقد زيد أن عمراً يعتقد أن الطعام مخفي في مكان معين).
تتمثل المعضلة الإبستمولوجية الأعمق في علم النفس المقارن في التمييز الحاد بين “قراءة السلوك” (Behavior Reading) و”قراءة العقل” (Mind Reading). فالحيوان الذي يعيش في جماعة اجتماعية معقدة يمكنه، بفضل التطور والخبرة التراكمية، تطوير شبكة هائلة من القواعد السلوكية الارتباطية شديدة الدقة والحساسية؛ كأن يتعلم الشمبانزي: “إذا كان رأس الفرد المهيمن متجهاً نحو الطعام، فإن محاولة أخذ الطعام ستؤدي إلى التعرض للهجوم”. في هذا السيناريو، يستجيب الحيوان لمؤشرات فيزيائية هندسية (زاوية الرأس، حركة العينين، المسافة المكانية) دون أن يفترض على الإطلاق أن لدى الفرد الآخر تجربة واعية تسمى “الرؤية” أو حالة عقلية تسمى “المعرفة”. يتطلب إثبات نظرية العقل تجاوز هذه التفسيرات السلوكية عبر برهنة أن الكائن يمتلك مفهوماً تجريدياً موحداً (Concept) للحالة الذهنية، يربط بين مدخلات حسية متنوعة ومخرجات سلوكية مرنة وغير نمطية.
لتفكيك هذه المعضلة، قسّم علماء الإدراك المعاصرون، وفي طليعتهم توماسيلو وكول، نظرية العقل إلى مكونات تدريجية يمكن قياسها تجريبياً بشكل منفصل:
- الإدراك المنظوري الحركي والبصري (Visual Perspective Taking): القدرة على فهم ما يمكن للآخر رؤيته في اللحظة الراهنة، مع الأخذ بالاعتبار الحواجز المادية والمسافات المكانية.
- تتبع المعرفة والجهل (Knowledge vs. Ignorance): إدراك ما إذا كان الآخر يمتلك معلومة حول حدث ما بناءً على تاريخه الإدراكي وسوابق رؤيته للأشياء عبر الزمن.
- إدراك النوايا والأهداف (Intentions and Goals): التمييز بين الأفعال المقصودة والأفعال العرضية أو العفوية غير الموجهة نحو غاية محددة.
- تمثيل الاعتقاد الخاطئ (False Belief Representation): القدرة على إدراك أن الآخر يحمل في ذهنه تمثيلاً للواقع يخالف الواقع الفعلي، وهو المعيار الحاسم لنظرية العقل الكاملة لدى الأطفال.
1.3 المأزق التجريبي لعقد التسعينيات والنتائج السلبية لبوفينيلي
شهد عقد التسعينيات من القرن الماضي هيمنة شبه مطلقة لأعمال عالم الرئيسيات الأمريكي دانيال بوفينيلي (Daniel Povinelli) وفريقه في مركز أبحاث نيو إيبيريا للرئيسيات. صمم بوفينيلي سلسلة من التجارب المخبرية المعيارية القائمة على التواصل التعاوني المباشر بين الشمبانزي والمدربين البشريين، بهدف اختبار ما إذا كان الشمبانزي يفهم “الرؤية كحالة انتباه عقلي” أم مجرد تواصل بصري سطحي. اعتمد البروتوكول التجريبي على تدريب الشمبانزي على استخدام إيماءة التسول الطبيعية (مد اليد المفتوحة) لطلب الطعام من فاحص بشري.
في الاختبار الحاسم، تم وضع الشمبانزي في مواجهة فاحصين بشريين يحمل كل منهما طعاماً، لكن أحدهما قادر على الرؤية بوضوح والآخر غير قادر عليها بطرق مختلفة: أحدهما يضع عصابة على عينيه بينما يضع الآخر العصابة على فمه؛ أو أحدهما يضع دلواً فوق رأسه يغطي عينيه بينما يضع الآخر الدلو على كتفيه تاركاً وجهه مكشوفاً؛ أو يقف أحدهما وظهره مواجه للشمبانزي بينما يلتفت الآخر نحوه بوجهه. كانت الفرضية واضحة: إذا كان الشمبانزي يفهم أن الرؤية شرط ضروري لنقل المعلومة وحصول الاستجابة التعاونية، فإنه سيوجه إيماءة التسول حصراً نحو الشخص القادر على رؤيته.
جاءت النتائج، التي لخصها بوفينيلي وإيدي عام 1996 في دراستهما الأكاديمية الشاملة، صادمة للأوساط العلمية. مد الشمبانزي يده بتساوٍ ملحوظ نحو الشخص المعصوب العينين والشخص المبصر، وتوسل إلى الشخص الذي يغطي الدلو رأسه بنفس التكرار الذي توسل به للشخص الذي يرى! لم يُظهر الشمبانزي أي تفضيل للشخص المبصر إلا بعد عدد كبير من المحاولات المعززة بالطعام، مما يعني أن استجاباتهم المتأخرة كانت نتاج تعلم تجريبي سطحي (قاعدة: اختر الشخص ذو الوجه المكشوف للحصول على طعام) وليس استدلالاً عقلياً باطنياً. قادت هذه النتائج بوفينيلي إلى تبني موقف راديكالي يُعرف بـ “فرضية إعادة الوصف السلوكي”، مؤكداً أن الشمبانزي كائنات سلوكية بحتة تفتقر تماماً إلى أي تمثيل ذهني للحالات الإدراكية للآخرين، وأن نظرية العقل خاصية إنسانية فريدة نشأت حصراً في السلالة البشرية بعد انفصالها عن السلف المشترك.
2. إخفاقات النماذج التعاونية السابقة ودواعي التحول المنهجي
2.1 خلل الملاءمة الإيكولوجية في الاختبارات التعاونية
أثار المأزق التجريبي الذي قادت إليه نتائج بوفينيلي تساؤلات منهجية عميقة لدى باحثين آخرين، وفي مقدمتهم مايكل توماسيلو وجوزيب كول من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ. جادل هؤلاء بأن الخطأ الأساسي لم يكن في عقل الشمبانزي، بل في “الإطار المنهجي” الذي صُممت به التجارب. تميزت تجارب التسعينيات بخلل فادح في الملاءمة الإيكولوجية (Ecological Validity)؛ فقد فُرض على الشمبانزي سياق تواصلي بشري خالص يقوم على الإيثار، والتعاون الإخباري، وتوقع المساعدة من الآخرين، وهو نمط يكاد يكون منعدماً في الحياة البرية للشمبانزي.
في الموائل الطبيعية لغابات إفريقيا الاستوائية، تعيش مجتمعات الشمبانزي (Pan troglodytes) في بيئة اجتماعية معقدة تحكمها الصراعات الشرسة على السيادة والموارد، والنزاعات التنافسية على رتب الهيمنة بين الذكور، والمنافسة الضارية على ثمار الفاكهة النادرة والمزاوجة. لا يُقدم الشمبانزي في البرية إشارات إيمائية تهدف إلى إعلام الآخرين بأماكن وجود الغذاء بدافع المساعدة المجردة، ولا يطلبون الغذاء بلباقة عبر مد الأيادي لأفراد متكرمين. إن استخدام إشارات الإشارة بالإصبع أو الاستجابة لها لتلقي طعام من إنسان هو سلوك هجين ومصطنع بيئياً وثقافياً، ويتطلب نوعاً من “القصدية التعاونية المشتركة” التي قد لا تكون المحرك الأصيل للمنظومة المعرفية لهذا النوع الحيوي.
2.2 التحيز المعرفي للباحث ومفهوم الصلاحية البيئية
انتقد برايان هير وزملاؤه هذا التوجه بوصفه تجسيداً فجاً لـ “المركزية الإنسانية” (Anthropocentrism) في علم النفس المقارن. فعندما يفشل كائن ما في اختبار صُمم وفقاً لمعايير التفاعل الإنساني، يُسارع الباحثون إلى استنتاج “غياب القدرة العقلية” لدى الحيوان، متجاهلين احتمالية أخرى جوهرية: “غياب الدافع التواصلي” أو عدم ملائمة السياق لمعالجة المشكلة المعرفية. إن الخلط بين الكفاءة المعرفية الكامنة (Competence) والأداء الإجرائي المشروط بالسياق (Performance) قاد علم الرئيسيات إلى إطلاق تعميمات خاطئة وسلبية حول الإدراك الحيواني.
تقتضي الصلاحية البيئية أن يتم اختبار الذكاء الإدراكي لأي كائن حي في الظروف والمهام التي تطور لأجل حلها في مساره البيولوجي والانتقائي. إذا كان الانتقاء الطبيعي قد صقل القدرات العقلية للشمبانزي للتعامل مع بيئة تنافسية مكيافيلية، فإن وضعه في موقف تعاوني سلبي ينتظر فيه صدقة من يد مدرب بشري يعصم عينيه يمثل إخفاقاً للمنهجية التجريبية ذاتها. إن الحيوان الذي لا يهتم بوضع قطعة قماش على وجه إنسان في غرفة اختبار معقمة قد يظهر دقة معرفية مذهلة إذا ما وُضع في موقف تنافسي مباشر مع فرد من نوعه يسعى لحرمانه من مصدر غذائي ثمين. من هنا نشأت الحاجة الملحة لقلب الطاولة المنهجية رأساً على عقب واستبدال “البراديغم التعاوني” ببراديغم جديد تماماً ينطلق من صميم بيئة الصراع الحيواني.
2.3 بزوغ النموذج البديل: التنافس كمحفز معرفي
استند التحول المنهجي الجديد إلى ما يُعرف في علم الأحياء التطوري بـ فرضية الذكاء الميكيافيلي (Machiavellian Intelligence Hypothesis)، والتي صاغها ريتشارد بايرن وأندرو وايتن في أواخر الثمانينيات. تفترض هذه النظرية أن المحرك التطوري الأساسي لزيادة حجم الدماغ والتعقيد المعرفي لدى الرئيسيات لم يكن حل المعضلات البيئية الفيزيائية (كالبحث عن الثمار واستخدام الأدوات لكسر الجوز)، بل التفاف وتعقيد المناورات الاجتماعية داخل المجموعة: كالتحالفات التكتيكية، والخداع، والتلاعب بالآخرين، وتجنب التعرض للخداع.
انطلاقاً من هذه الرؤية، بلور برايان هير، أثناء دراسته للدكتوراه تحت إشراف مايكل توماسيلو وبالتعاون الوثيق مع جوزيب كول في لايبزيغ، صياغة جذرية للمشروع التجريبي: “متى يحتاج الشمبانزي حقاً إلى معرفة ما يراه أو يشعر به الآخر؟” الإجابة البديهية وفق منطق الغاب هي: عندما يكون ذلك الآخر منافساً يريد الاستيلاء على مواردي، أو عندما أكون أنا الفرد الأضعف الذي يسعى لاختلاس الطعام دون أن يكتشفه الفرد المهيمن فيتعرض للعقاب الجسدي العنيف. لم يعد الباحث البشري في هذا النموذج وسيطاً ولا معلماً؛ بل تم تصميم بروتوكولات تفاعلية تضع الشمبانزي في مواجهة مباشرة مع أفراد من زمرته الاجتماعية، محاطين بمثيرات طبيعية تتطلب حسابات استراتيجية دقيقة للبقاء والوصول للغذاء.
3. الأسس النظرية للنموذج التنافسي عند هير وكول وتوماسيلو
3.1 المنطلقات التطورية والاجتماعية للشمبانزي
ينتظم مجتمع الشمبانزي وفق نظام هرمي صارم غير خطي من الهيمنة الاجتماعية (Dominance Hierarchy)، يمارس فيه الذكر المهيمن (Alpha Male) والأفراد ذوو الرتب العالية سلطة شبه مطلقة على الموارد الغذائية وخيارات التزاوج. في مثل هذا المجتمع، لا يجرؤ الفرد الخاضع (Subordinate) على الاقتراب المباشر من طعام يقع في مرأى الفرد المهيمن (Dominant)؛ لأن العواقب تتراوح بين الهجوم الجسدي العنيف، والضرب، والمطاردة، والحرمان من المكانة الاجتماعية. في المقابل، يمتلك الفرد الخاضع حاجة فيزيولوجية حيوية لتأمين غذائه وسد رمقه، مما يضعه تحت ضغط انتقائي هائل لابتكار حلول ذكية تعوض فارق القوة البدنية.
يمثل هذا التباين الحاد في موازين القوى البيئة التطورية المثالية لنشأة ما يُسمى بـ الذكاء التكتيكي. فالأفراد الذين امتلكوا القدرة على تقييم منظور المهيمن البصري بدقة—أي الذين عرفوا ما إذا كان المهيمن “يرى” قطعة معينة من الفاكهة أم تحجبها صخرة أو جذع شجرة—كانوا أكثر قدرة على التسلل واختلاس الطعام دون التعرض للعقاب. وهكذا، يصبح إدراك الرؤية والانتباه سلاحاً دفاعياً واستراتيجياً يمنح ميزة بقائية تفاضلية حاسمة. إن استثمار التباين الفيزيائي في الرؤية، والقدرة على حساب الخطوط البصرية للخصوم، هو الأساس التطوري الذي تجذرت فيه اللبنات الأولى لنظرية العقل لدى الرئيسيات، وليس السلوك الوداعي لمشاركة الموارد.
3.2 فرضية التنافس المباشر على الغذاء
تقوم فرضية التنافس المباشر على الغذاء (Food Competition Hypothesis) التي صاغها هير وكول وتوماسيلو على مبدأ إجرائي بسيط وحاسم: إذا كان الشمبانزي يفهم حقاً الحالات البصرية للآخرين، فإن هذا الفهم يجب أن ينعكس في قراراته السلوكية الاستراتيجية أثناء التنافس على موارد محدودة. تتطلب هذه الفرضية وضع فردين من نفس النوع، أحدهما مهيمن والآخر خاضع، في موقف تنافسي يتطلب من كليهما اتخاذ قرارات سريعة ومحسوبة بناءً على ما يمكن للطرف الآخر إدراكه.
تحت هذا النموذج، يتم تحفيز الفرد الخاضع إلى أقصى حد معرفي؛ فالخطأ الإدراكي هنا ثمنه باهظ (التعرض للضرب)، والنجاح ثمنه مجزٍ للغاية (الحصول على طاقة غذائية حيوية). يتجاوز هذا البرادايغم عيوب الاختبارات البشرية التعاونية عبر ميزتين جوهريتين: أولاً، استبعاد وساطة المدرب البشري وإلغاء الإشارات الإيمائية المعقدة المصطنعة التي قد تربك الحيوان. ثانياً، الاعتماد على سلوكيات طبيعية تماماً كالتوجه نحو الطعام وتجنب الخصم، وهي استجابات متجذرة في الذخيرة السلوكية التطورية للشمبانزي ولا تحتاج إلى تدريب مكثف يلوث النتائج بتأثيرات التعلم الآلي.
3.3 هندسة المشهد التجريبي الجديد
لتحويل هذه الفرضية إلى واقع اختباري محكم، صمم هير وزملاؤه بنية تجريبية هندسية مبتكرة في معهد ماكس بلانك. تألف المشهد التجريبي من حجرتين متقابلتين تفصل بينهما ساحة وسطى واسعة تُوضع فيها قطع الطعام. تتصل كل حجرة بالساحة المركزية عبر باب انزلاقي شفاف ومشبك حديدي يمكن التحكم في فتحه وإغلاقه بدقة متناهية من مسافة بعيدة من قبل المشرفين، دون أي تدخل بشري مباشر في خط الرؤية للحيوانين.
تضمنت الحلبة حواجز اصطناعية صُممت خصيصاً للتحكم في المنظور البصري للطرفين:
- حواجز معتمة (Opaque Barriers): تحجب الرؤية تماماً بين موقع معين داخل الساحة المركزية وأحد الأطراف (المهيمن عادة)، مع بقائها مكشوفة بالكامل للفرد الآخر (الخاضع).
- حواجز شفافة (Transparent Barriers): متطابقة تماماً في الحجم واللون والموضع مع الحواجز المعتمة، لكنها مصنوعة من مادة شبكية أو بلاستيكية تتيح الرؤية من خلالها، مما يجعل الطعام خلفها مرئياً للمهيمن والخاضع في آن واحد.
تم ضبط توقيت فتح الأبواب الانزلاقية بدقة إجرائية بالغة؛ حيث يُمنح الفرد الخاضع عادةً ميزة البدء بالحركة قبل المهيمن بأجزاء من الثانية، أو يتم السماح له بمراقبة المشهد قبل فتح الأبواب معاً، مما يجبره على قراءة نوايا وقدرات المهيمن الإدراكية واختيار مساره الحركي بناءً على حسابات بصرية مسبقة. تم استبعاد التدريب المسبق المعتمد على المكافأة لمنع تشكل ارتباطات سلوكية تكرارية، وركز القياس على الاستجابة التلقائية المباشرة في المحاولات الأولى غير المسبوقة.
4. التجربة التأسيسية (2000): إدراك ما يراه الآخرون
4.1 تصميم تجربة الحاجز المعتم مقابل الشفاف (هير وآخرون 2000)
في عام 2000، نشر برايان هير وجوزيب كول وبربارا آغنت ومايكل توماسيلو ورقتهم الأيقونية في مجلة Animal Behaviour تحت عنوان: “الشمبانزي يعرف ما يراه رفاقه وما لا يرونه” (Chimpanzees know what conspecifics do and do not see). مثلت هذه الدراسة الانعطافة التجريبية الكبرى في حقل الإدراك المقارن. في التصميم التجريبي الأساسي، تم وضع فرد خاضع وفرد مهيمن في حجرتيهما المتقابلتين، بينما وُضعت قطعتان متساويتان من الطعام عالي القيمة (موز) في الساحة المركزية بينهما.
تم التلاعب بالبنية الهندسية للمجال البصري عبر وضع حاجزين في الساحة: أحدهما حاجز خشبي معتم بالكامل والآخر حاجز شفاف (شبكي). وُضعت قطعة الطعام الأولى خلف الحاجز المعتم؛ بحيث كانت مرئية تماماً للفرد الخاضع من موقعه، لكنها محجوبة كلياً عن زاوية نظر الفرد المهيمن المقابل. بينما وُضعت قطعة الطعام الثانية خلف الحاجز الشفاف أو في مكان مكشوف، مما جعلها في خط رؤية مباشر ومكشوف تماماً لكل من المهيمن والخاضع. تم رفع الأبواب الانزلاقية للسماح للطرفين بدخول الساحة للتنافس على الطعام، وتم تسجيل كل استجابة حركة وزمن رد الفعل، ومسار التوجه الفيزيائي للحيوانين عبر كاميرات مراقبة رقمية مثبتة في زوايا محايدة.
4.2 النتائج التجريبية الدالة على إدراك المنظور البصري
جاءت نتائج التجربة التأسيسية لعام 2000 قاطعة وغير قابلة للتأويل الصدفي. أظهر الأفراد الخاضعون تفضيلاً إحصائياً دالاً وتلقائياً للتوجه نحو قطعة الطعام المحجوبة عن الفرد المهيمن (خلف الحاجز المعتم)، متجنبين بشكل منهجي قطعة الطعام المكشوفة التي تقع في مجال رؤية المهيمن، رغم تساوي المسافات الجغرافية وقيمة المكافأة في الحالتين! بلغت نسبة اختيار الطعام المحجوب مستويات قياسية أثبتت أن الخاضع لم يكن يقرر وجهته بناءً على قرب الطعام منه، بل بناءً على حالة حجب الرؤية الخاصة بخصمه المهيمن.
وعلاوة على ذلك، في الحالات التي كان فيها كلا الحاجزين معتمين ولكن وُضع طعام خلف أحدهما فقط من جهة الخاضع بينما وُضع طعام آخر فوق الحاجز في متناول نظر المهيمن، اتجه الخاضع دائماً نحو الطعام الذي يقع في “الظل البصري” للمهيمن. وعندما تم إخضاع الشمبانزي لاختبارات تجريبية تحكمية تضمنت حواجز شفافة تماماً تجعل كلا القطعتين مرئيتين للمهيمن، اختفت استجابة التفضيل وامتنع الخاضع عن المجازفة بالدخول في صراع، مع علمه المسبق بأن المهيمن سيرى أي محاولة استحواذ ويحبطها بالقوة. دلّ هذا السلوك الاستراتيجي بوضوح على أن الخاضع لا يدرك الطعام فحسب، بل يدرك “علاقة الرؤية التي تربط المنافس بالطعام”.
4.3 تفنيد التفسيرات التبسيطية المستندة للجاذبية المكانية
استباقاً للانتقادات السلوكية المتوقعة، حرص هير وكول وتوماسيلو على تفكيك التفسيرات البديلة المستندة إلى النزعات الفيزيائية السطحية كـ “الجاذبية المكانية” (Spatial Clutter Effect) أو الانجذاب التلقائي للحواجز المعتمة بوصفها مخابئ آمنة بحد ذاتها دون صلة بنظرية العقل. أجرى الفريق سلسلة من التجارب الضابطة الصارمة (Control Conditions) التي قدمت براهين حاسمة:
- حالة غياب المنافس (No-Competitor Control): عندما وُضع الفرد الخاضع وحيداً في الحلبة مع وجود نفس الحواجز (معتم وشفاف) ونفس توزيع قطع الطعام دون وجود فرد مهيمن في الغرفة المقابلة، اختفى تفضيل الحاجز المعتم تماماً، وتوجه الخاضع نحو قطعتي الطعام باحتمالات عشوائية متكافئة مبنية فقط على المسافة الأقصر، مما أثبت أن الحاجز المعتم بحد ذاته لا يحمل جاذبية خاصة في غياب تهديد الفرد المنافس.
- اختبار مرونة تبديل المواقع: تم تغيير زوايا الرؤية وأماكن الحواجز بصورة ديناميكية من تجربة لأخرى، ورغم ذلك استمر الخاضع في حساب الخط الهندسي لرؤية الخصم بنجاح من المحاولة الأولى دون الحاجة لنمط تعلم متكرر.
- حالة المهيمن المقيد: عندما تم حجز الفرد المهيمن في قفصه بطريقة تمكن الخاضع من معرفة أن المهيمن لن يتمكن من الخروج جسدياً لمهاجمته، توجه الخاضع للطعام المكشوف والمحجوب بجرأة متساوية، مؤكداً أن سلوكه التجنبي لم يكن خوفاً غريزياً من التحديق، بل تقديراً وظيفياً استراتيجياً للمخاطر المترتبة على رؤية الخصم له.
5. تجارب المعرفة والجهل (2001): التمييز بين الرؤية اللحظية والمعرفة المخزنة
5.1 إشكالية الانتقال من ‘الرؤية’ إلى ‘المعرفة’
رغم النجاح المبهر لتجربة عام 2000، بقي أمام النموذج التنافسي تحدٍ معرفي أعمق في إبستمولوجيا الإدراك المقارن. أشار النقاد إلى أن قدرة الشمبانزي على إدراك ما يراه المنافس “في اللحظة الراهنة” قد تظل محصورة في مستوى هندسي إدراكي يسمى “حساب الخط البصري الآني” (Current Visual Line-of-Sight Calculation) دون أن يرقى إلى تمثيل حقيقي للحالات المعرفية المخزنة في الذاكرة؛ أي فهم “المعرفة” (Knowledge) الناتجة عن تجربة بصرية سابقة تم إدراكها في الماضي، والتمييز بينها وبين “الجهل” (Ignorance).
يمثل الانتقال من مستوى “س يرى ص الآن” إلى مستوى “س يعرف أين ص لأنه رآه سابقاً، بينما ع يجهل موضع ص لأنه لم يشهد الحدث” قفزة نوعية حاسمة في سلم نظرية العقل. يقتضي هذا المستوى إدراك الشمبانزي للارتباط السببي بين المشاهدة الحسية وتكوين المعرفة الدائمة، وتتبع التاريخ الإدراكي والمعرفي للأفراد الآخرين عبر الزمن حتى بعد انقطاع الاتصال البصري المباشر بالموضوع الفيزيائي. انبرى هير وكول وتوماسيلو لهذا التحدي في دراستهم التاريخية الثانية لعام 2001 المنشورة في مجلة Animal Behaviour.
5.2 بروتوكول التبديل والحجب في تجارب عام 2001
لتقييم ما إذا كان الشمبانزي يفهم حالة “المعرفة مقابل الجهل”، طوّر الفريق البحثي بروتوكولاً تجريبياً معقداً يتجاوز الرؤية المتزامنة، بالاعتماد على التلاعب بـ “التاريخ البصري” للمنافس المهيمن. في هذا المشهد، تم وضع الفردين في غرفتيهما مع وجود إمكانية لرؤية الساحة المركزية أثناء عملية إخفاء الطعام تحت أحد وعاءين أو خلف أحد حاجزين. أتاح البروتوكول تصميم الحالات التجريبية التالية بدقة مخبرية:
- حالة المشاهدة المسبقة (Dominant-Saw): حيث يُتاح للفرد المهيمن مراقبة عملية وضع وإخفاء قطعة الطعام خلف الحاجز عبر بابه الشفاف بصورة كاملة وواضحة، بمشهد يشهده أيضاً الفرد الخاضع. بعد اكتمال الإخفاء، يُسدل ستار معتم أمام باب المهيمن لحجب رؤيته الآنية، ثم يُفتح البابان معاً لدخول الحلبة.
- حالة الجهل المسبق (Dominant-Did-Not-See): يتم إسدال الستار المعتم أمام باب الفرد المهيمن قبل البدء في وضع الطعام وإخفائه، مما يجعله جاهلاً تماماً بموقع الطعام ووجوده، بينما يشهد الخاضع عملية الإخفاء بمفرده. ثم يُرفع الستار ويُفتح البابان متزامنين.
- حالة النقل والتضليل (Misplaced/Swapped): يرى المهيمن وضع الطعام خلف حاجز معين، ولكن في خطوة لاحقة، يتم نقل الطعام سراً إلى موضع آخر أثناء إسدال الستار على المهيمن، مع بقاء الخاضع شاهداً على واقعة التبديل.
5.3 استجابات الخاضع التفاضلية بناءً على التاريخ البصري للمهيمن
أظهرت نتائج تجارب عام 2001 قدرة معرفية متطورة فاجأت مجتمع الباحثين في علم الرئيسيات. تصرف الأفراد الخاضعون بصورة استراتيجية تفاضلية مبنية بالكامل على ما “عرفه” المهيمن في الماضي القريب وليس على ما يراه في اللحظة الراهنة:
في حالة الجهل المسبق (عندما كان الستار يغطي باب المهيمن وقت إخفاء الطعام)، أقدم الأفراد الخاضعون بجرأة استثنائية وسرعة فائقة على الاندفاع نحو الطعام والاستحواذ عليه، متوقعين بنجاح أن المهيمن لن يتجه مباشرة نحو موقعه لأنه “لا يعلم” بمكانه. في المقابل، عندما دخل الحيوانان في حالة المشاهدة المسبقة، امتنع الخاضع عن المخاطرة بالاقتراب من الطعام وتردد بشكل دال، أو اتجه نحو خيارات ثانوية بديلة؛ إدراكاً منه بأن المهيمن يمتلك معلومة مسبقة ستوجه سلوكه الحركي فوراً نحو الموقع المحدد.
أكدت هذه الفروق الإحصائية الحاسمة أن الشمبانزي يتتبع ما يختزنه الآخرون من معلومات استناداً إلى سجل رؤيتهم البصرية السابقة. لم تكن المسألة مجرد رد فعل لـ “عينين شاخصتين” في اللحظة الحالية؛ فالمهيمن في الحالتين كان يقف خلف الستار قبل الفتح ويدخل الحلبة بنفس الهيئة الجسدية الفيزيائية تماماً، والمدخل السلوكي الوحيد المتاح للخاضع كان استرجاع الحالة الإدراكية السابقة للمنافس وربطها بسلوكه المستقبلي المتوقع.
5.4 تبديل المهيمن الشاهد بمهيمن ساذج
ولسد أي ثغرة نظرية قد تزعم أن الخاضع يستجيب لإشارات توتر طفيفة غير مرئية يصدرها المهيمن عند دخوله، قام هير وكول وتوماسيلو بتصميم التجربة الأكثر إحكاماً وعبقرية في تاريخ أبحاث الرئيسيات: تجربة تبديل الأفراد (Individual Swapping Control).
في هذه التجربة، شهد فرد مهيمن معين (فلنسمّه “المهيمن أ”) عملية إخفاء الطعام في الساحة بالكامل. ولكن قبل فتح الأبواب مباشرة، تم إخراج “المهيمن أ” من غرفته خلسة، واستبداله بفرد مهيمن آخر مساوٍ له في الرتبة أو أعلى منه (“المهيمن ب”)، والذي كان معزولاً في قفص خلفي ولم يرَ عملية الإخفاء نهائياً، بل هو “مهيمن ساذج” (Naive Dominant) يجهل تماماً ما حدث في الساحة. راقب الفرد الخاضع واقعة التبديل هذه وفهم أن الفرد الذي يقف أمامه الآن ليس هو الفرد الذي شهد دفن الطعام.
جاءت النتيجة لتقطع الشك باليقين: عندما كان الفرد المواجه هو المهيمن الجديد الساذج، اندفع الخاضع للاستحواذ على الطعام دون تردد وبنفس معدلات الجرأة في حالة الجهل! أثبتت هذه النتيجة التجريبية الاستثنائية أن الشمبانزي:
- لا ينسب الجهل أو المعرفة لـ “طبقة المهيمنين” بوصفها مفهوماً عاماً مجرداً، بل ينسب الحالة المعرفية لأفراد محددين بذواتهم (Individual Attributions).
- يعي بدقة تاريخ المعرفة الخاص بكل فرد على حدة، ويدمج هذا التقييم الشخصي مع التقدير الطبقي لمراتب الهيمنة في اتخاذ القرارات التكتيكية المعقدة.
6. التكتيكات السلوكية المتقدمة: الخداع التكتيكي والتضليل الصامت
6.1 قمع السلوك ومفهوم الكبت الإرادي للإشارات
لم تتوقف تجليات النموذج التنافسي عند حدود حساب مسارات الرؤية والمعرفة المسبقة، بل امتدت لتكشف عن منظومة معقدة من التكتيكات السلوكية التي تندرج تحت ما يسمى الخداع التكتيكي (Tactical Deception). يُعرف الخداع التكتيكي في علم سلوك الحيوان بأنه قدرة الفرد على استخدام أفعال من ذخيرته السلوكية العادية في سياقات غير اعتيادية بطريقة تضلل الأفراد الآخرين وتدفعهم لإساءة تأويل الموقف لصالح المخادع.
أحد أعمق مظاهر هذا الذكاء في النموذج التنافسي هو قمع السلوك الإرادي (Behavioral Suppression) أو كتمان الإشارات التعبيرية التلقائية. في الظروف العادية، عندما يكتشف الشمبانزي طعاماً شهياً، يُصدر فوراً ما يُعرف بـ “صيحات الطعام” (Food Grunts)، وهي انبعاثات صوتية فيزيولوجية لاإرادية تنبه أعضاء الزمرة، مصحوبة بالتحديق المركز المباشر نحو الهدف مع انتصاب شعر الجسد من شدة الاستثارة. غير أن الأفراد الخاضعين في مواقف التنافس يظهرون قدرة تحكمية استثنائية على كبت هذه الإشارات التلقائية؛ فهم يكتمون صيحات الفرح، ويتصنعون عدم الاكتراث، بل ويتعمدون تحويل بصرهم بعيداً عن مكان الطعام المخفي حتى لا يسترعي انتباه الأفراد المهيمنين القريبين.
يرتبط هذا الكبت السلوكي ارتباطاً وثيقاً بـ الوظائف التنفيذية العصبية (Executive Functions) وقدرات التثبيط في القشرة الجبهية الأمامية؛ حيث ينجح الحيوان في قمع استجابة غريزية قوية لتحقيق غاية استراتيجية بعيدة المدى، مما يشير إلى بنية عقلية تدرك أن التعبير الخارجي سيقرؤه الآخرون كحالة إخبارية تدل على مكان المكافأة.
6.2 استغلال الممرات غير المرئية للتسلل
تجلت القدرة على حساب المنظور البصري في أبحاث لاحقة قادها توماسيلو وهير وكول عبر دراسة استراتيجيات الحركة المكانية الحركية (Spatial Locomotion). في تجارب متطورة صُممت لاختبار “المطاردة والتسلل الخفي”، وُضع الشمبانزي في بيئة مفتوحة تتضمن حواجز طبيعية متفرقة وأشجاراً، ووُضع طعام في طرف الساحة بينما يقف مراقب مهيمن أو إنسان في الطرف الآخر.
كشفت الملاحظات والتسجيلات الحركية ثلاثية الأبعاد أن الشمبانزي، في محاولته للوصول إلى الهدف دون أن يُكتشف، لا يسلك أقصر طريق هندسي متاح فيزيائياً (الخط المستقيم)، بل يختار بشكل متعمد “مسارات التسلل المقنعة” (Concealed Routes). يتحرك الشمبانزي متخذاً مسارات دائرية معقدة تُبقيه طوال فترة التقدم واقعاً في “الظل البصري” للأشجار والحواجز بحيث يحجب الحاجز رؤية المنافس له. والأكثر إثارة للدهشة، أنه إذا تحرك المنافس أو غيّر زاوية رأسه أثناء تقدم الشمبانزي الخاضع، يُعدل الأخير مساره الحركي بصورة آنية وفورية ليعيد تموضع جسده في النقطة العمياء لعين المنافس.
يتطلب هذا السلوك التكيفي حسابات عقلية معقدة للغاية تتجاوز الرؤية البسيطة، إذ تتطلب استقراءً ديناميكياً مستمراً للمخروط البصري للآخر (Visual Cone Calculation) وتنسيق حركة الجسد الذاتي في الفضاء الفيزيائي بما يضمن البقاء خارج ذلك المخروط المتغير، وهو برهان سلوكي لا لبس فيه على امتلاك تمثيل عقلي لإدراك الآخر الحركي.
6.3 إخفاء الأصوات والمفاضلة السمعية في السياق التنافسي
لم يقتصر النموذج التنافسي على القناة الإدراكية البصرية فحسب، بل برهن الباحثون على أن الشمبانزي يدمج الحواس المختلفة في منظومة موحدة لتقييم إدراك الآخر، وتحديداً في المجال السمعي الإدراكي (Auditory Perspective Taking). أجرى برايان هير وفريقه تجارب تختبر مدى إدراك الشمبانزي للآثار السمعية لأفعاله أثناء التنافس على الغذاء.
في هذه التجارب، كان على الشمبانزي الخاضع أن يختار سحب الطعام من داخل أحد صندوقين متاحين للوصول للمكافأة الغذائية:
صندوق صامت صُنع بابه من مادة بلاستيكية مبطنة تتحرك بنعومة دون إصدار أي جلبة، وصندوق مزعج يصدر بابه صريراً معدنياً حاداً وأجراساً عند تحريكه. وُضع إنسان أو فرد مهيمن وظهره ملتفت بالكامل نحو الصندوقين، بحيث لا يمتلك أي إمكانية للرؤية المباشرة لعملية الاستيلاء، ولكن يمكنه سماع أي ضجيج والالتفاف بسرعة لمصادرة الطعام ومعاقبة الفاعل.
أظهرت النتائج أن الشمبانزي فضّل بشكل حاسم مد يده وفتح الصندوق الصامت، متجنباً الصندوق المزعج الذي يصدر صوتاً. وعندما كان المنافس غير موجود أو عندما كان يرتدي سماعات عازلة للصوت بمرأى من الشمبانزي في بيئات اختبار متطورة، اختفى هذا التفضيل التكتيكي. أثبتت هذه المعطيات أن الشمبانزي لا يفهم فقط أن “العيون ترى”، بل يدرك أن “الآذان تسمع” وتوصل معلومات معرفية تقود الخصم لكشف موقعه؛ مما يعزز فرضية امتلاكه مفهوماً إدراكياً متكاملاً ومتعدد القنوات الحسية عن حالات انتباه الآخرين.
7. الجدل النظري: قراءة السلوك أم قراءة العقل؟ (اعتراضات بوفينيلي وبن)
7.1 حجة إعادة الوصف السلوكي لدانيال بوفينيلي وجينيفر فونك
رغم البراهين القوية التي راكمها النموذج التنافسي، لم يستسلم المعسكر السلوكي التقليدي؛ حيث قاد دانيال بوفينيلي وزميلته جينيفر فونك (Jennifer Vonk) في الفترة بين 2003 و2004 هجوماً نظرياً وإبستمولوجياً مضاداً عبر سلسلة من المقالات النقدية اللاذعة، معيدين إحياء ما بات يُعرف في أدبيات علم النفس المقارن بـ “حجة إعادة الوصف السلوكي” (Behavioral Re-description Argument).
جادل بوفينيلي وفونك بأن جميع نتائج هير وكول وتوماسيلو، مهما بدت مبهرة وذكية، يمكن تفسيرها بالكامل عبر افتراض وجود منظومة بالغة التطور لقراءة السلوك الفيزيائي المجرد (Behavior-Reading)، دون الحاجة لافتراض ولو ذرة واحدة من قراءة الحالات العقلية (Mind-Reading). ووفقاً لهذا التفسير المضاد، فإن الشمبانزي لا يحتاج لتمثيل مفهوم عقلي باطن مثل “الرؤية” أو “المعرفة”، بل يطبق قواعد إجرائية سطحية مستندة إلى إشارات هندسية تم صقلها عبر التطور التكيفي والخبرة الحياتية، مثل:
- قاعدة هندسية بصرية: “إذا كان رأس المنافس وجسده موجهاً نحو موضع الشيء دون وجود عائق مادي بينهما، فلا تقترب من ذلك الشيء وإلا ستتعرض للهجوم”.
- قاعدة مكانية مادية: “اقترب من الطعام الذي يقع بالقرب من حافة حاجز يقطع الاستقامة الفيزيائية بين جسد المنافس والطعام”.
- قاعدة زمانية: “لا تقترب من الطعام إذا كان المنافس قد تواجد في خط موازٍ للوعاء قبل فترة وجيزة”.
أكد بوفينيلي أن التجربة لا تتيح التفريق إبستمولوجياً بين الفرضيتين؛ لأن كل حالة إدراك عقلي (الرؤية) تقترن بالضرورة وبشكل متلازم مع علامات سلوكية فيزيائية (توجه الرأس، انفتاح العينين، غياب الحواجز). وبالتالي، فإن عزو “قراءة العقل” يظل افتراضاً فائضاً عن الحاجة العلمية وينتهك مبدأ الاقتصاد المعرفي المعروف بـ “نصل أوكام” (Occam’s Razor).
7.2 ورقة ديريك بن وتوماس بوفينيل (2007): فرضية الهوة المعرفية
بلغ هذا الجدل ذروته مع نشر الورقة النظرية الشهيرة لديريك بن وتوماس هولويك ودانيال بوفينيلي عام 2007 بعنوان: “نظرية عقل داروين لم تكتمل بعد: عزو الحالات العقلية من منظور غير بشري”. وسّع بن وبوفينيلي النقد ليشمل الأسس المنطقية للذكاء الاصطناعي والإدراك المقارن بأكمله، طارحين ما سموه “فرضية الهوة المعرفية التناظرية” (Relational Reinterpretation Hypothesis).
وفقاً لبن وزملائه، يكمن الفارق النوعي الجذري بين الإدراك البشري وإدراك كافة الحيوانات الأخرى في قدرة العقل البشري الفريدة على بناء “تمثيلات علائقية من الدرجة العليا” (Higher-Order Relational Representations). يمكن للإنسان أن يفكر بمفاهيم مجردة غير مرتبطة بمحسوسات فيزيائية كـ “النية الكامنة” و”الاعتقاد”، بينما تظل عقول الرئيسيات، مهما بلغت براعتها، محبوسة في إطار “الذكاء الإجرائي التفاعلي” (First-Order Perceptual Intelligence) الذي يربط بين المثيرات الحسية والاستجابات السلوكية المعقدة. وذهب الفريق إلى الادعاء بأن تجارب هير ورفاقه فشلت في عزل السلوك الخارجي بالكامل؛ وطالبوا بإجراء تجارب خيالية مستحيلة تفصل بين الحالات العقلية والمظاهر السلوكية لإثبات نظرية العقل.
7.3 معضلة بوغدانوفيتش ومأزق التمايز المنهجي
ألقى هذا التناحر بظلاله على الأسس الفلسفية لعلم النفس برمته؛ إذ كشف عن مأزق منهجي خطير يُعرف في فلسفة العلم بـ “معضلة بوغدانوفيتش” (The Logical Problem)، والتي صاغها الفيلسوف الإدراكي كولين ألين وروبرت لوريز. تنص هذه المعضلة على ما يلي: من المستحيل نظرياً تصميم أي تجربة سلوكية لا يمكن لنموذج قراءة السلوك المتطور للغاية إعادة تفسيرها دون الحاجة لنظرية العقل.
إذا كان المدافع عن قراءة السلوك مستعداً دوماً لابتكار قاعدة سلوكية إضافية جديدة شديدة التعقيد والتفصيل لكل نتيجة تجريبية جديدة يقدمها أنصار نظرية العقل، فإن النقاش يتحول من نزاع تجريبي قابل للاختبار إلى حلقة مفرغة من “التحصين الإبستمولوجي” ضد التكذيب الفلسفي (Unfalsifiability). وهنا انتقل جوهر الصراع من البحث عن “الدليل التجريبي الحاسم” إلى معايير الشح المعرفي (Cognitive Parsimony) وقوة التنبؤ: أيهما أبسط وأكثر اتساقاً منطقياً؟ افتراض أن الشمبانزي يمتلك مفهوماً عقلياً واحداً موحداً ومرناً لـ “الرؤية والمعرفة”، أم افتراض أنه يخزن في دماغه مئات القواعد السلوكية الارتباطية الجزئية المتناثرة لكل زاوية رؤية وكل نوع من الحواجز وكل تحرك جسدي؟
8. الردود التجريبية لهير وكول وتوماسيلو وإحكام الضوابط المنهجية
8.1 تفكيك فرضية القواعد الإجرائية البسيطة
لم يقف مايكل توماسيلو وجوزيب كول وبرايان هير موقفاً دفاعياً نظرياً مجرداً، بل ردوا بتصميم جيل جديد من التجارب الصارمة الهادفة إلى تفكيك فرضية القواعد الإجرائية السطحية وإسقاطها تجريبياً. في ورقة حاسمة نُشرت عام 2003 في مجلة Trends in Cognitive Sciences بعنوان: “الشمبانزي يفهم الحالات النفسية: الدليل الإيجابي”، بيّن الباحثون التهافت المنطقي لتفسيرات بوفينيلي.
أوضح الفريق أنه لإثبات مرونة النظام المعرفي وتجاوز القواعد الارتباطية، يجب تعريض الشمبانزي لـ مواقف تجريبية مستحدثة كلياً (Completely Novel Situations) لم يسبق له مواجهتها في تاريخه التطوري ولا في بيئته اليومية في الأسر؛ مواقف تفشل فيها القواعد الميكانيكية الجاهزة تماماً. استخدم الباحثون حواجز هندسية معقدة وغير نمطية؛ كحواجز ذات فتحات بصرية شقية دقيقة، ومرايا عاكسة، وشاشات نصف شفافة لا تسمح بالرؤية إلا من زوايا محددة لا تتطابق مع المحاذاة الفيزيائية للجسم. نجح الشمبانزي من المحاولة الأولى في إدراك ما يراه الخصم، دون أي منحنى تعلم ترابطي (Learning Curve)، مما نسف فرضية تشكل القواعد السلوكية عبر التعزيز الآلي التراكمي.
8.2 مقارنة التعلم الترابطي بالتفسير الإدراكي الشامل
وظّف توماسيلو وكول مبدأ الشح المعرفي (نصل أوكام) ضد منتقديهم ببراعة فائقة. أشار كول إلى أن التفسير السلوكي الذي يتبناه بوفينيلي وبن، والذي يبدو شحيحاً وظاهرياً في الوهلة الأولى، هو في الحقيقة تفسير مفرط في التعقيد واللا-عقلانية عندما يتم تحليله حسابياً؛ إذ يتطلب افتراض مصفوفة لا نهائية من القواعد المخصصة (Ad-hoc Rules) لحساب كل حركة بدنية وكل متغير مكاني، والتوفيق المستمر بينها في أجزاء من الثانية.
في المقابل، فإن “النموذج الإدراكي الوسيط” (Intervening Variable Model)—الذي يفترض أن الشمبانزي يعزو حالة داخلية موحدة اسمها “الرؤية” تربط بين مدخلات حسية متنوعة (الوجه، العينان، الضوء، العوائق) ومخرجات سلوكية مرنة (الاقتراب، التراجع، الالتفاف، التسلل)—يعد أكثر اقتصاداً وتماسكاً من الوجهة المعرفية والحسابية. الشمبانزي يفهم الأفعال بوصفها أفعالاً مقصودة موجهة نحو أهداف وغايات، ويدرك الكائنات الحية الأخرى لا ككتل فيزيائية متحركة تصدر استجابات آلية، بل كـ “عوامل غائية ومدركة حركياً” (Goal-Directed Animate Agents) في العالم المشترك.
8.3 تجارب المتابعة عبر زوايا الرؤية غير المباشرة
لتعزيز هذا الطرح وقطع الصلة بأي استدلال مبني على المحاذاة المباشرة لجسد المراقب، قاد كول وتوماسيلو تجارب رائدة حول تتبع مسار النظر الهندسي (Gaze Following around Barriers). في هذه التجارب، كان فاحص بشري أو شمبانزي آخر يوجه نظره ليس نحو موضوع مكشوف في الساحة، بل نحو نقطة تقع خلف جدار معتم يمنع الشمبانزي الخاضع من رؤية ما يُنظر إليه من موقعه الأصلي.
أظهرت نتائج تسجيل الكاميرات التلقائية أن الشمبانزي لم يكتفِ بمجرد التحديق في اتجاه وجه الفاحص كما تفعل النظم الارتباطية البسيطة؛ بل قام بحركة حركية التفافية معقدة للغاية: تحرك بجسده، وانحنى برأسه، واقترب من الجدار ونظر حول الحاجز (Looked Around the Corner) في محاولة متعمدة لتحديد الجسم المحدد الذي استرعى انتباه الفاحص خلف العائق! وإذا لم يجد شيئاً ذا بال خلف الحاجز، كان يعود وينظر مرة أخرى إلى عيني الفاحص كأنه يتحقق من دقة التوجيه البصري. برهن هذا السلوك المركب بما لا يدع مجالاً للشك على أن الشمبانزي يفهم أن “النظر هو فعل إسقاطي موجه نحو موضوع ما في الفضاء البيئي” (Geometric Projection of Attention)، وليس مجرد علامة فيزيائية على استقامة الرأس والجسد.
9. حدود نظرية العقل عند الشمبانزي: مقاربة الاعتقاد الخاطئ
9.1 الخط الفاصل الكلاسيكي: مهمة سالي-آن والاعتقاد الخاطئ
رغم الثورة المفاهيمية والتجريبية التي فجرها النموذج التنافسي في إثبات إدراك الشمبانزي للرؤية والمعرفة والنوايا، توقف هذا الصعود الإدراكي لعقدين كاملين عند خط فاصل عتيد اعتُبر في فلسفة العقل وعلم النفس النمائي بمثابة “المعيار الذهبي” المطلق لامتلاك نظرية عقل مكتملة وناضجة: فهم المعتقدات الخاطئة (False Beliefs)، والمتمثل تاريخياً في اختبار “سالي-آن” (Sally-Anne Task) المطبق على الأطفال في سن الرابعة.
يكمن الفرق الجوهري والبنيوي بين فهم “الجهل” وفهم “الاعتقاد الخاطئ” في التالي:
في حالة الجهل، يدرك الكائن ببساطة أن الفرد الآخر “يفتقر إلى معلومة ما” (حالة عقلية فارغة؛ لا يدري أين الطعام). أما في حالة الاعتقاد الخاطئ، فيجب على الكائن أن يدرك أن الفرد الآخر يمتلك تمثيلاً ذهنياً إيجابياً ولكنه “مخالف للواقع الموضوعي الفعلي” (حالة عقلية مضللة؛ يعتقد جازماً أن الطعام في الموقع [أ] بينما تم نقله إلى الموقع [ب]). طوال العقد الأول من الألفية، فشل الشمبانزي بشكل متكرر ومطبق في كافة المهام الإجرائية المصممة لاختبار الاعتقاد الخاطئ الصريح، حتى في إطار السياقات التنافسية الأكثر صرامة، مما دفع العلماء (بمن فيهم توماسيلو نفسه آنذاك) للاعتقاد بأن عقل الشمبانزي يقف عاجزاً أمام تمثيل الحالات العقلية المخالفة للواقع.
9.2 تطور الأبحاث اللاحقة: أبحاث التتبع البصري التنبؤي (كروك وآخرون 2016)
ظل هذا الاستنتاج السلبي سائداً حتى عام 2016، حين وقعت المفاجأة الكبرى التي هزت أركان علم الإدراك المقارن؛ حيث نشر كريستوفر كروك (Christopher Krupenye) وفاني كانجي ومايكل توماسيلو وبرايان هير وجوزيب كول دراستهم الثورية في مجلة Science المرموقة بعنوان: “القردة العليا تفهم المعتقدات الخاطئة في مهمة تتبع بصري غير لغوية”.
تجاوز الفريق في هذه التجربة الاعتماد على استجابات السلوك الحركي الصريح (كالذهاب للطعام أو الخداع الجسدي) التي تفرض متطلبات تثبيطية شاقة على الحيوان، واستخدموا بدلاً من ذلك تقنية رقمية عالية الدقة: أجهزة تتبع حركة حدقة العين بالأشعة تحت الحمراء (Infrared Eye-Tracking Technology). عُرض على الشمبانزي والبونوبو مقاطع فيديو درامية لنزاع بين إنسان وممثل يرتدي زي وحش يشبه القرد (“كينغ كونغ”). في القصة المصورة، يسرق كينغ كونغ غرضاً ويخفيه في أحد صندوقين، ثم يغادر الإنسان الغرفة، وفي غيابه، يقوم كينغ كونغ بنقل الغرض إلى الصندوق الآخر ثم يزيله تماماً من الغرفة، وبالتالي يتشكل لدى الإنسان العائد اعتقاد خاطئ بأن الغرض لا يزال في الصندوق الأول.
أظهرت بيانات تتبع حركة العين أن الشمبانزي، قبل أن يدخل الإنسان ليفتح أياً من الصندوقين، وجّه نظره مسبقاً وتنبؤياً (Anticipatory Looking) وبشكل دال إحصائياً نحو الصندوق الذي يعتقد الإنسان خطأً أن الغرض موجود فيه، وليس نحو الصندوق الذي وُضع فيه الغرض آخراً أو مكان إزالته! أثبتت هذه التجربة التاريخية أن القردة العليا تمتلك على الأقل فهماً ضمنياً وتنبؤياً (Implicit Theory of Mind) للمعتقدات الخاطئة للآخرين، وتتوقع مسار أفعالهم بناءً على هذا التمثيل، مما أطاح بآخر الحصون المعرفية التي كانت تُعتبر حكراً مطلقاً على النوع البشري.
9.3 رسم الخريطة المعرفية النهائية لقدرات الشمبانزي الإدراكية
بناءً على التراكم الهائل للأبحاث التنافسية والرقمية على مدى ربع قرن، يمكن لعلم النفس المقارن اليوم رسم خريطة إبستمولوجية دقيقة ومستقرة للقدرات الإدراكية لدى الشمبانزي، محددةً بوضوح المساحات المحققة بثبات وتلك التي تقع وراء حدوده الإدراكية الطبيعية:
| المكون الإدراكي | حالة الإثبات العلمي | الآلية التكتيكية والتجريبية الدالة |
|---|---|---|
| إدراك المنظور البصري والسمعي | مُثبت بيقين تجريبي راسخ | تفضيل الطعام المحجوب، التسلل في الظلال البصرية، وتفضيل الصناديق الصامتة في تجارب 2000. |
| تتبع المعرفة مقابل الجهل | مُثبت بيقين تجريبي راسخ | تتبع التاريخ البصري للمنافس والاستجابة التفاضلية لتبديل الأفراد الشاهدين بجهلاء في تجارب 2001. |
| فهم النوايا والأهداف الحركية | مُثبت تجريبياً | التمييز بين الأفعال المقصودة والأفعال غير المقصودة (العفوية والعاجزة) والتعامل مع الكائنات كقوى غائية. |
| الاعتقاد الخاطئ الضمني | مُثبت بتقنيات المتابعة التنبؤية | توجيه النظر الاستباقي للعين نحو مواقع المعتقدات الكاذبة في تجارب كروك وآخرين 2016. |
| الاعتقاد الخاطئ الصريح والإجرائي | محدود جداً أو شبه منعدم إجرائياً | العجز عن توظيف الاعتقاد الخاطئ في مهام الاختيار الحركي المباشر وحل النزاعات الرمزية المعقدة. |
| القصدية التكرارية من الدرجة الثانية | منعدم تماماً | عجز الشمبانزي عن بناء تمثيلات من نمط “أنا أعرف أنك تعتقد أنني أظن”، والتي تتطلب لغة رمزية تراكمية. |
يتضح من هذه الخريطة أن عقل الشمبانزي ليس صفحة بيضاء تفتقر للإدراك، وليس في المقابل نسخة طبق الأصل من عقل الإنسان الراشد؛ بل هو نظام إدراكي اجتماعي متخصص وظيفياً ومتكيف تطورياً بصورة مذهلة لإدارة استراتيجيات البقاء والمنافسة داخل عالمه البيولوجي الخاص.
10. المقارنة التطورية: تباين المسار المعرفي بين الشمبانزي والبشر والكلاب
10.1 الشمبانزي مقابل الرضيع البشري: تباين الدوافع الاجتماعية
وفرت المقارنة المعرفية التطورية بين الشمبانزي والأطفال البشر في المراحل النمائية المبكرة (بين سن 12 و18 شهراً) أفقاً حاسماً لفهم كيف تتفرع المسارات الإدراكية للأنواع الحية رغم اشتراكها في أرضية بيولوجية متقاربة. أظهرت الدراسات المقارنة التي أجراها مايكل توماسيلو وفريقه في معهد ماكس بلانك تبايناً جذرياً في “البنية الدافعية” (Motivational Infrastructure) المحركة للإدراك الاجتماعي بين النوعين.
يتفوق الأطفال الرضع تفوقاً كاسحاً على صغار الشمبانزي والبالغين منهم في سياقات التواصل التوجيهي والتعاوني (Cooperative Communication). فعندما يشير إنسان بإصبعه نحو وعاء مخفي ليدل الطفل الرضيع على مكانه، يفهم الرضيع فوراً وبشكل تلقائي في سن 14 شهراً أن الباحث يقدم له “معلومة مفيدة بدافع المساعدة المجردة”، فيتجه نحو الوعاء. أما الشمبانزي، فإنه يفشل تماماً في فهم هذه الإيماءة البسيطة؛ لأنه يفسر العالم وفق عدسة تنافسية تسأل دوماً: “لماذا يريني هذا الشخص مكان الطعام؟ إذا كان يراه فلماذا لا يستحوذ عليه لنفسه؟”
يؤكد النموذج التنافسي أن ذكاء الشمبانزي متفوق تكتيكياً في استنباط الحيل لاختلاس الموارد، ولكنه يفتقر إلى الدافع الداخلي لمشاركة الانتباه (Shared Attention) وتبادل الخبرات والمعلومات بدافع الإيثار النمطي. عقل الشمبانزي صُمم لينافس ضد الآخر، بينما صُمم عقل الطفل البشري، منذ بواكير نشأته، ليندمج معرفياً وثقافياً مع الآخر.
10.2 برايان هير وتدجين الكلاب: فرضية التدجين الذاتي
في تطور نظري وتجريبي لافت ومفارق، وسّع برايان هير نطاق أبحاثه المقارنة لتشمل دراسة الكلاب المستأنسة (Canis familiaris) مقارنة بالذئاب الرمادية والشمبانزي. كشفت تجارب هير عن مفارقة بيولوجية مذهلة: الكلاب تتفوق بمراحل هائلة على أقرب أقربائنا من الناحية الجينية (الشمبانزي) في قراءة وفهم الإشارات الإيمائية والبصرية البشرية، كالإشارة بالإصبع والتوجيه بنظرة العين المجردة في السياقات التوجيهية التعاونية!
قادت هذه الملاحظة هير إلى صياغة فرضية التدجين الذاتي (Self-Domestication Hypothesis). جادل هير بأن هذا التفوق المعرفي لدى الكلاب لم يتطور نتيجة لامتلاك أدمغة أكبر حجماً أو ذكاء فيزيائي متفوق، بل حدث نتيجة تحول انتخابي تطوري حاسم: الانتخاب الطبيعي والاصطناعي المباشر ضد العدوانية الشديدة ولصالح الوداعة والتسامح الاجتماعي (Selection for Prosociality). أدى تراجع مستويات هرمونات التوتر والعدوانية وانخفاض حدة التنافس على الموارد إلى فتح قنوات تواصل وتفاعل اجتماعي ومعرفي جديدة كلياً سمحت للكلاب بالاندماج في شبكات الانتباه المشترك مع البشر.
قام هير بنقل هذه الفرضية لاحقاً لتفسير التطور المعرفي البشري في كتابه الشهير “بقاء الأكثر وداعة” (Survival of the Friendliest)، مؤكداً أن الإنسان العاقل (Homo sapiens) خضع بدوره لعملية تدجين ذاتي تطورية، حيث انتخب الأفراد الأكثر تسامحاً وقدرة على التعاون التكافلي، مما حول نظرية العقل التنافسية البدائية (الموجودة لدى الشمبانزي) إلى منصة لبناء التعاون الإنساني المعقد، واللغة، والتماسك الثقافي المؤسسي.
10.3 تباين الدوافع المحركة للمنظومات الإدراكية
تقودنا هذه المقارنات التطورية إلى خلاصة إبستمولوجية جوهرية: النظم الإدراكية للحيوانات لا تترتب في سلم خطي تصاعدي يقيس “كمية الذكاء” المجردة، بل تتشكل وفق تخصصات وظيفية دافعية صاغتها الضغوط البيئية المميزة للنوع. يوضح الرسم البياني التالي كيف تباينت المنظومات المعرفية عبر الأنواع الثلاثة تبعاً لاختلاف الدافع الاجتماعي الحاكم:
- منظومة الشمبانزي (Pan): إدراك اجتماعي مكيافيلي تكتيكي موجه نحو الصراع على الموارد، والتسلسل الهرمي الصارم، وقراءة الخصم لاستباق أفعاله والتصدي لتهديداته (نظرية عقل تنافسية).
- منظومة الكلاب (Canis): إدراك اجتماعي تواصلي مستأنس موجه نحو قراءة إشارات الرفقاء والاندماج في مهام التعاون المتبادل عبر خفض مستويات العدوان والخوف.
- منظومة البشر (Homo): إدراك اجتماعي مزدوج فائق التعقيد يدمج بين القواعد التنافسية العميقة المتجذرة في السلف المشترك، والقدرة الفريدة على خلق قصدية مشتركة جماعية وبناء الثقافة الرمزية والتعلم التراكمي.
11. التحول نحو القصدية المشتركة في أعمال مايكل توماسيلو اللاحقة
11.1 من نظرية العقل الفردية إلى ‘القصدية المشتركة’ (Shared Intentionality)
شكلت نتائج النموذج التنافسي منصة الإطلاق الكبرى للمشروع الفكري الأوسع لمايكل توماسيلو في العقدين الأخيرين. بعد أن برهن بالتعاون مع هير وكول على أن الشمبانزي يمتلك بالفعل المكونات الأولية لقراءة العقل الفردي في سياق الصراع، شرع توماسيلو في كتابه التأسيسي “الأصول الثقافية للإدراك البشري” (The Cultural Origins of Human Cognition) وأعماله اللاحقة، مثل “أصول التواصل البشري” و“تاريخ طبيعي للتفكير البشري”، في الإجابة عن المعضلة الكبرى: إذا كان الشمبانزي يفهم النوايا والمعرفة، فلماذا لم ينشئ حضارات، ولا لغة، ولا مؤسسات اجتماعية؟
صاغ توماسيلو إجابته عبر التمييز الفلسفي والإدراكي الصارم بين “القصدية الفردية” (Individual Intentionality) و“القصدية المشتركة” (Shared Intentionality). تقتصر نظرية العقل لدى الشمبانزي على مستوى القصدية الفردية؛ فهو يقرأ الآخر من منظور استراتيجي ذاتي: “ماذا يرى هو؟ وكيف يؤثر ذلك على مصلحتي أنا كفرد منافس؟” (أنا مقابل أنت). أما البشر، فقد طوروا بنية إدراكية فريدة قائمة على مفهوم “نحن” (We-Intentionality)، حيث يمكن لفردين أو أكثر توحيد نواياهم وانتباههم نحو هدف جمعي مشترك لا يمكن اختزاله إلى مجموع أهداف أفراده المنفصلين.
يعجز الشمبانزي، بحسب توماسيلو، عن بناء مساحات “الانتباه المشترك المزدوج” (Joint Attention Frame)، وعن المشاركة في أنشطة تتطلب أدواراً تكاملية متبادلة (Collaborative Roles) قائمة على الالتزام الأخلاقي المتبادل ومساعدة الشريك لمجرد إنجاح الفعل الجماعي المشترك.
11.2 فرضية التكيف التعاوني في المسار البشري
تُعزى هذه القفزة الإدراكية الفاصلة إلى ما يُعرف بـ فرضية التكيف التعاوني الإلزامي (Obligate Collaborative Foraging Hypothesis). في تاريخ التطور البشري أثناء العصر البليستوسيني، واجه أسلاف البشر الأوائل تغيرات مناخية وبيئية قاسية قلصت موارد الغابات المعتادة، وأجبرتهم على النزول إلى السافانا المفتوحة حيث أصبحت الحيوانات المفترسة خطراً داهماً، والطرائد الكبيرة مصدراً أساسياً لا يمكن اصطياده أو تقاسمه بشكل فردي.
في هذا المفترق التطوري، تحول “التعاون المشترك” إلى مسألة حياة أو موت حتمية؛ فالأفراد الذين أصروا على التنافس الأناني النمطي للشمبانزي ماتوا جوعاً أو سقطوا فرائس للمفترسات، بينما نجا وتكاثر أولئك الذين امتلكوا طفرات نفسية ودافعية تؤهلهم لتنسيق الأفعال، واقتسام لحوم الطرائد بعدالة، وتطوير معايير اجتماعية تعاقب الأنانيين وتنبذهم. وهكذا تحولت “نظرية العقل” من مجرد سلاح استباقي خفي لخداع المنافسين إلى منصة تواصلية كبرى لتوليد المعرفة الجمعية، والتعلم الثقافي التراكمي (تأثير المسنن الثقافي – Cultural Ratchet Effect)، ونشوء اللغة الطبيعية بوصفها أرقى تمثيل للقصدية المشتركة في الوجود البشري.
11.3 مكانة النموذج التنافسي كحجر أساس للنماذج اللاحقة
لا يقلل هذا التحول النظري من شأن النموذج التنافسي لهير وكول وتوماسيلو، بل يرسخ مكانته التاريخية بوصفه “نقطة التحول الإبستمولوجية” التي حطمت الجدار السلوكي المغلق الذي سجن علم الإدراك المقارن لعقود. بدون تجارب عام 2000 و2001 التنافسية، كان الشمبانزي سيظل مصنفاً حتى اليوم ككائن آلي مفرغ من الوعي الإدراكي الباطن لا يزيد عن كونه “قارئ سلوك ميكانيكي”.
أثبت النموذج التنافسي أن بذور فهم الآخر ونواياه ومعارفه نبتت تاريخياً في تربة الصراع والمنافسة البيولوجية؛ وأن هذا الذكاء التنافسي الميكيافيلي هو الأساس العصبي والوظيفي الذي تم “تطويعه وتعديله لاحقاً” (Exaptation) في السلالة البشرية ليصبح وسيطاً للتعاون وبناء الثقافة الجمعية. تظل بروتوكولات وتصاميم برايان هير وجوزيب كول ومايكل توماسيلو المعيار المنهجي الكلاسيكي الذي تسترشد به مختبرات السلوك والإدراك الحيواني في شتى أنحاء العالم حتى يومنا هذا.
12. الخاتمة والأفق المعرفي: إرث النموذج التنافسي في فلسفة العقل وعلم النفس
12.1 إعادة بناء مفهوم ‘نظرية العقل’ وتجاوز الثنائية المغلقة
أحدث النموذج التنافسي ثورة إبستمولوجية جذرية في كيفية تصور العلوم المعرفية لمفهوم “نظرية العقل” ذاته. قبل أعمال هير وكول وتوماسيلو، تعامل الفلاسفة وعلماء النفس مع نظرية العقل ككتلة مصمتة وثنائية حدية مطلقة (All-or-Nothing Phenomenon): إما أن الكائن يمتلكها بالكامل (كالإنسان البالغ والطفل بعد سن الرابعة)، أو يفتقر إليها بالكامل (كالحيوانات والآلات). عومل الاعتقاد الخاطئ بوصفه البوابة الوحيدة التي تحدد الوجود المعرفي للوعي بالآخر.
أسقطت نتائج النموذج التنافسي هذه الثنائية الميتافيزيقية المغلقة، وفرضت على مجتمع البحث العلمي تبني نموذج تطوري تدريجي نّمائي متعدد المكونات (Component/Gradualist Approach). فنظرية العقل ليست ملكة واحدة متجانسة تنبثق فجأة من العدم، بل هي فسيفساء معقدة من الآليات الإدراكية المستقلة وظيفياً والمترابطة تطورياً:
- فهم الاتجاه البصري والانتباه كعلاقة فاعلة مع البيئة.
- إدراك الأهداف والغايات الكامنة خلف الحركات الجسدية.
- تتبع سجل المعرفة والجهل الناتج عن السوابق الإدراكية عبر الزمن.
- التمثيل الضمني للتوقعات والحالات المعرفية المضللة.
أعاد هذا التفكيك المنهجي إدماج الحيوانات غير البشرية في الطيف الواسع لتطور الوعي الاجتماعي، محولاً السؤال من: “هل يمتلك الشمبانزي نظرية عقل؟” إلى السؤال الأكثر دقة ونضجاً: “ما هي المكونات المحددة لنظرية العقل التي يمتلكها الشمبانزي، وكيف تشكلت وظيفياً لتلائم بيئته التنافسية؟”
12.2 الدروس المنهجية لعلم النفس المقارن والمعرفي
قدم النموذج التنافسي لعلم النفس التجريبي والمقارن دروساً إبستمولوجية ومنهجية خالدة تتجاوز حدود دراسة الشمبانزي لتطال مناهج البحث العلمي في سلوك وإدراك الكائنات الحية برمتها. يتمثل الدرس الأول والأهم في خطورة الاستنتاج السلبي المرتكز على أدوات غير ملائمة بيئياً. إن غياب الدليل السلوكي في بيئة مخبرية معقمة لا يمثل أبداً دليلاً على غياب الكفاءة المعرفية (Absence of evidence is not evidence of absence)، متى ما كانت تلك البيئة تتجاهل الدوافع الطبيعية للكائن.
يتطلب التصميم التجريبي الرصين احترام “العالم الداخلي الحسي والدافعي” للكائن، وهو المفهوم الذي صاغه عالم الأحياء جاكوب فون أوكسكول بـ “الأومفيلت” (Umwelt). فالإنسان كائن لغوي تعاوني تحفزه الإشارات الودودة والابتسامات ومشاركة المعلومات، بينما الشمبانزي كائن يعيش في عالم من الترقب والحذر وحساب موازين القوى والهيمنة. لا يمكن قياس ذكاء الصقر عبر إجباره على السباحة في حوض أسماك، وبالمثل، لم يكن من المنطقي قياس ذكاء الشمبانزي عبر إجباره على أداء دور طفل مهذب في حضانة أطفال بشرية. شكلت الصلاحية الإيكولوجية التي رسخها هير وزملاؤه المعيار المعرفي الحديث لتصميم أبحاث السلوك الحيواني.
12.3 الآفاق المستقبلية لأبحاث الإدراك الاجتماعي لدى غير البشر
تتجه أبحاث الإدراك الاجتماعي لدى الرئيسيات والحيوانات اليوم نحو آفاق تجريبية وتكنولوجية متقدمة لم يكن يتخيلها رواد الميدان في القرن الماضي. يقف علم النفس المقارن المعاصر على أعتاب دمج تقنيات علم الأعصاب المعرفي المقارن (Comparative Cognitive Neuroscience) لدراسة النشاط الدماغي للقردة العليا في بيئات تفاعلية شبه طبيعية. تتيح تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) للرئيسيات الواعية غير المخدرة رصد الشبكات العصبية المسؤولة عن قراءة نيات الآخرين والتعاطف وحساب المنظور البصري، ومقارنتها مباشرة بـ “شبكة نظرية العقل” (Theory of Mind Network) في الدماغ البشري.
وفي موازاة ذلك، تشهد الأبحاث توسعاً كبيراً في دراسة المقارنة الحيوية بين الشمبانزي والبونوبو (Pan paniscus)؛ فالأخير يمتلك تركيبة اجتماعية مسالمة وفريدة تقودها الإناث وتتراجع فيها حدة النزاعات الدموية مقارنة بالشمبانزي، مما يمنح الباحثين فرصة فريدة لدراسة كيف يمكن لبيئة اجتماعية أقل تنافسية أن تعيد تشكيل آليات نظرية العقل وتفتح آفاقاً جديدة للتواصل والتعاون التعاطفي. تكشف هذه الدراسات المستقبلية، المستندة في جذورها إلى إنجازات هير وكول وتوماسيلو، عن أن شجرة الإدراك الاجتماعي والوعي بالآخرين غائرة في عمق التاريخ البيولوجي لكوكب الأرض، وأن دراستها ليست مجرد محاولة لفهم الحيوان، بل هي رحلة لا غنى عنها لفهم من نكون نحن كبشر، وكيف تشكلت عقولنا وضمائرنا وأخلاقنا من قلب صراعات الغاب القديمة.
المراجع
- Byrne, R. W., & Whiten, A. (Eds.). (1988). Machiavellian intelligence: Social expertise and the evolution of intellect in monkeys, apes, and humans. Oxford University Press.
- Hare, B., Call, J., Agnetta, B., & Tomasello, M. (2000). Chimpanzees know what conspecifics do and do not see. Animal Behaviour, 59(4), 771-785. https://doi.org/10.1006/anbe.1999.1377
- Hare, B., Call, J., & Tomasello, M. (2001). Do chimpanzees know what conspecifics know and do not know?. Animal Behaviour, 61(1), 139-151. https://doi.org/10.1006/anbe.2000.1518
- Hare, B., & Tomasello, M. (2005). Human-like social skills in dogs?. Trends in Cognitive Sciences, 9(9), 439-444. https://doi.org/10.1016/j.tics.2005.07.003
- Hare, B., & Woods, V. (2020). Survival of the friendliest: Understanding our origins and rediscovering our common humanity. Random House.
- Krupenye, C., Kano, F., Hirata, S., Call, J., & Tomasello, M. (2016). Great apes anticipate that other individuals will act on false beliefs. Science, 354(6308), 110-114. https://doi.org/10.1126/science.aaf8110
- Penn, D. C., & Povinelli, D. J. (2007). On the lack of evidence that non-human animals possess anything remotely resembling a ‘theory of mind’. Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 362(1480), 731-744. https://doi.org/10.1098/rstb.2006.1999
- Povinelli, D. J., & Eddy, T. J. (1996). What young chimpanzees know about seeing. Monographs of the Society for Research in Child Development, 61(3), 1-189. https://doi.org/10.2307/1166159
- Povinelli, D. J., & Vonk, J. (2003). Chimpanzee minds: Suspiciously human?. Trends in Cognitive Sciences, 7(4), 157-160. https://doi.org/10.1016/S1364-6613(03)00053-6
- Premack, D., & Woodruff, G. (1978). Does the chimpanzee have a theory of mind?. Behavioral and Brain Sciences, 1(4), 515-526. https://doi.org/10.1017/S0140525X00076512
- Tomasello, M. (1999). The cultural origins of human cognition. Harvard University Press.
- Tomasello, M., Call, J., & Hare, B. (2003). Chimpanzees understand psychological states—the versatile evidence. Trends in Cognitive Sciences, 7(4), 153-156. https://doi.org/10.1016/S1364-6613(03)00052-4
- Tomasello, M. (2014). A natural history of human thinking. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674726369
- Tomasello, M. (2019). Becoming human: A theory of ontogeny. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674988651
- Whiten, A., & Byrne, R. W. (1997). Machiavellian intelligence II: Extensions and evaluations. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511525636