يمثل فهم الكيفية التي تدرك بها الكائنات الحية العالم المحيط بها وتعالج من خلاله المنبهات الحسية المعقدة أحد أعمق التحديات في تاريخ علم النفس التجريبي والعلوم العصبية المعرفية. لعقود طويلة، خضعت السيكولوجيا الترابطية لهيمنة النماذج الخطية التجزيئية التي افترضت أن الإدراك ليس سوى حاصل جمع ميكانيكي لعناصر حسية أولية مستقلة، حيث يرتبط كل عنصر بالمعززات البيئية بمعزل عن رفقائه. غير أن هذا المنظور الاختزالي سرعان ما اصطدم بعقبات تجريبية كبرى عند محاولة تفسير استجابات الحيوان والإنسان لمواقف بيئية تتداخل فيها المثيرات بصورة غير خطية، مما كشف عن قصور بنيوي في النماذج السلوكية التقليدية.
في خضم هذا المأزق النظري، برزت إسهامات العالم البريطاني جون بيرس (John M. Pearce) في ثمانينيات القرن العشرين كعلامة فارقة أعادت رسم خريطة نظرية التعلم والاشتراط. طرح بيرس نموذجاً ثورياً يُعرف بـ نظرية التعلم التكويني (Configural Learning Theory)، مجادلاً بأن الجهاز العصبي للكائن الحي لا يتعامل مع المركبات الحسية كحزمة من العناصر المنفصلة، بل يقوم بتشفير المركب الحسي بأكمله كتمثيل ذهني كلي، فريد ومستقل بذاته. من خلال هذا الطرح، نجح بيرس في إحياء المبادئ الجشتالتية الكلاسيكية وصهرها في بوتقة المنهجية التجريبية الصارمة للاشتراط البافلوفي والإجرائي، مقدماً حلولاً رياضية ومفاهيمية لظواهر سلوكية استعصت على النماذج المعيارية لعقود.
تستكشف هذه الدراسة الأكاديمية الشاملة والموسعة تجربة ونظرية التعلم التكويني لجون بيرس؛ بدءاً من جذورها التاريخية وتمايزها الجوهري عن النماذج العنصرية، مروراً بالبناء الرياضي الدقيق لمعاملات التشابه والانتقال الترابطي، واستعراض التصاميم المعملية الكبرى كالنمط السلبي والتمييز ثنائي الشرط، وصولاً إلى الركائز العصبية الحيوية في الحصين والقشرة المخية، وانتهاءً بتطبيقاتها المتقدمة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي والاعتلالات النفسية العصبية.
1. مقدمة تأسيسية: نشأة نظرية التعلم التكويني وجذورها التاريخية
1.1 السياق التاريخي لنظريات التعلم الكلاسيكي في علم النفس التجريبي
شهد النصف الأول من القرن العشرين ترسخ النماذج السلوكية التي استندت إلى أبحاث إيفان بافلوف وجون واطسون وإدوارد ثورندايك، والتي نظرت إلى السلوك باعتباره شبكة من الروابط الآلية المتشكلة بين مثيرات بيئية واستجابات حركية أو فسيولوجية. اعتمدت هذه النماذج على فرضية أولية تفيد بأن المنبهات المركبة يمكن تفكيكها تحليلياً إلى وحدات حسية صغرى، وأن كل وحدة حسية تكتسب قيمتها الارتباطية الخاصة بها تبعاً لاقترانها المباشر بالمعزز الأولي أو غيابه. وقد أدى نجاح هذه النظريات في تفسير وقائع الاشتراط البسيط إلى ترسيخ قناعة تجريبية مفادها أن النظم الإدراكية تعمل بمثابة آلات جمع خطية تحسب مجموع المكونات الحسية وتستجيب وفقاً للقيمة الإجمالية الناتجة.
ومع ذلك، واجهت النزعة السلوكية الراديكالية قيوداً منهجية وتفسيرية حادة مع مطلع ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ولا سيما عند اختبار الحيوانات في بيئات تتطلب استجابات متمايزة لمثيرات متراكبة. فقد أظهرت التجارب المعملية أن الكائنات الحية تفشل أحياناً في الاستجابة للمكونات الفردية على الرغم من استجابتها العالية للمركب الجامع، أو العكس، مما دل على أن التنبؤ بالسلوك لا يمكن اختزاله في معادلات خطية بسيطة تجمع تأثير المثيرات الفرعية. هذه الفجوة المعرفية كشفت الحاجة الملحة إلى صياغة أطر نظرية متقدمة تستوعب الطبيعة غير الخطية للإدراك، وتفسر كيف يمكن للمركب الحسي أن يكتسب معنى وظيفياً يتجاوز مجرد عناصره المادية المكونة له.
1.2 إسهامات جون بيرس ومكانتها في مسار علم النفس المعرفي والسلوكي
بدأ جون بيرس مسيرته العلمية في رحاب علم النفس المقارن في المملكة المتحدة، باحثاً في آليات التعلم والذاكرة لدى الحيوانات، وتحديداً الحمام والقوارض. تميزت مقاربته بالجمع النادر بين الانضباط التجريبي الحاد للمدرسة السلوكية والعمق التحليلي التجريدي للمدرسة المعرفية. في عام 1987، نشر بيرس ورقته البحثية التأسيسية التي حملت عنواناً شكّل صدمة إيجابية في الأوساط الأكاديمية: “A model for stimulus generalization in conditioning” في دورية Psychological Review المرموقة، حيث قدم فيها نسقاً نظرياً ورياضياً متكاملاً يتحدى الأسس التي قامت عليها النماذج السائدة آنذاك.
أعادت أطروحة بيرس تقييم الفرضية الترابطية الكلاسيكية القائلة باستقلالية العناصر، مقترحة أن الكائن الحي لا يجزئ المثير المركب إلى مدخلات منفصلة في قنوات حسية متوازية لا تلتقي، بل يشكل تمثيلاً تكوينياً واحداً يدمج كافة السمات الحاضرة في لحظة التعلم. مثل هذا الطرح جسراً رائعاً أعاد دمج مفاهيم مدرسة الجشتالت — التي ركزت على أن “الكل مختلف عن مجموع أجزائه” — داخل الإطار التجريبي القياسي للاشتراط البافلوفي. لم يعد الإدراك الكلي مجرد فكرة فلسفية تأملية، بل تحول بفضل بيرس إلى نموذج رياضي خاضع للاختبار والتفنيد في مختبرات علم النفس الحيواني.
1.3 الدافع العلمي وراء تجربة التعلم التكويني
تولد الدافع الأساسي لأبحاث بيرس من ملاحظته لعجز النماذج الرياضية الأكثر شهرة في عصره، وعلى رأسها نموذج ريسكورلا-واغنر (Rescorla-Wagner Model, 1972)، عن التنبؤ الدقيق بنتائج تجارب التمييز المعقد. فعند تعريض الحيوانات لتصاميم تجريبية تتضمن منبهات متداخلة وظيفياً، مثل تجارب النمط السلبي والتمييز ثنائي الشرط، كانت النماذج العنصرية تفترض وجود تعارضات غير قابلة للحل إلا عبر افتراضات ترقيعية غير مبررة بيولوجياً، مثل اختلاق “مثيرات فريدة خفية” (Unique Cues) تظهر فقط عند اجتماع العناصر.
رأى بيرس أن هذا التخريج العنصري يفتقر إلى الأناقة النظرية والاتساق المنطقي. وقرر تأسيس فرضيته على قاعدة تجريبية مختلفة تماماً: أن المركب الحسي يعمل ككيان نفسي موحد ومستقل، وأن السلوك الملاحظ تجاه أي عنصر حسي بمفرده ليس استرجاعاً لأثر مخزن لذلك العنصر بذاته، بل هو نتيجة تدهور في التعميم (Generalization Decrement) ناجم عن الانتقال من الكل إلى الجزء أو العكس. انطلقت هذه التجارب لإثبات أن الحيوان يتعلم خصائص التكوين الكامل، وأن الاستجابة الترابطية محكومة بدرجة الشبه الرياضي بين التكوينات المختلفة في فضاء الإدراك.
2. الإطار النظري: التمايز الجوهري بين النماذج العنصرية والنموذج التكويني
2.1 الافتراضات الأساسية للنماذج العنصرية (Elemental Models)
ترتكز النماذج العنصرية على مبدأ جوهري مفاده أن أي منبه بيئي معقد يتألف من مجموعة محددة من العناصر الحسية القابلة للفرز والعزل. عند تقديم منبه مركب يتكون من ضوء ونغمة صوتية مثلاً (AB)، تفترض المقاربة العنصرية أن المثير (A) ينشط تمثيلاً عصبياً مستقلاً تماماً عن التمثيل العصبي الذي ينشطه المثير (B). وبالتالي، فإن عملية الاقتران بالمعزز الأولي تؤدي إلى تحديث القوة الارتباطية لكل عنصر حسّي بصورة منفردة وموازية، اعتماداً على قدرته التنبؤية والتنافسية.
تتجلى هذه الرؤية بأوضح صورها في نموذج ريسكورلا-واغنر الكلاسيكي لعام 1972، الذي يرى أن الاستجابة للمركب (AB) هي ببساطة المحصلة الحسابية الجبرية للقوة الترابطية للعنصر الأول مضافاً إليها القوة الترابطية للعنصر الثاني ($V_{AB} = V_A + V_B$). وبناءً على هذا الجمع الخطي، تفسر النماذج العنصرية ظواهر مثل “التظليل” (Overshadowing) و”الحجب” (Blocking) باعتبارها تنافساً بين العناصر الفردية على اقتسام المقدار المحدود من القوة الترابطية التي يمكن للمعزز أن يدعمها. تظل العناصر الفردية، وفق هذا المنظور، هي الوحدات البنائية الوحيدة والنهائية للتعلم.
2.2 الركائز البنيوية لنموذج بيرس التكويني (Configural Model)
على النقيض التام من التوجه العنصري، يرفض نموذج جون بيرس التكويني فكرة التجزئة المستقلة للمدخلات الحسية عند معالجة المركبات. يقرر النموذج أن تقديم المثيرين (A) و(B) معاً ينشئ في الجهاز المعرفي للكائن الحي حالة إدراكية جديدة كلياً يُرمز لها بـ (AB)، وهي تمثيل كلي متفرد لا يتطابق مع (A) ولا مع (B)، ولا يتشكل من مجرد جمعهما الحسابي. هذا التكوين الجديد يدخل في مسار الاشتراط كعنصر أحادي قائم بذاته، ويرتبط بالمعزز ككتلة واحدة.
ولكن كيف يفسر النموذج استجابة الحيوان لأحد العناصر (A) بعد تدريبه على المركب (AB)؟ يكمن الحل التكويني في مبدأ انتقال القوة الترابطية عبر التعميم والتشابه. فالمركب (AB) والعنصر (A) ليسا متطابقين، لكنهما يمتلكان درجة من التشابه الإدراكي المحسوب رياضياً. وبناءً على هذا التشابه، ينتقل جزء من القوة الترابطية المكتسبة للتكوين الكلي إلى المكون الفردي عند اختباره بمفرده. كما يلعب الانتباه دوراً حاسماً في توجيه معالجة التكوين، حيث يحدد التفاعل الديناميكي بين السمات الحسية المدى الذي يصبح فيه التكوين محصناً ضد التداخل أو مشابهاً لتكوينات حسية أخرى في البيئة المحيطة.
2.3 الفروق المعرفية في تمثيل المعلومات الحسية
ينعكس الخلاف بين النموذجين العنصري والتكويني على الفلسفة العصبية والمعرفية لكيفية إدارة الدماغ للبيانات الحسية. فالمعالجة العنصرية تمثل توجهاً تحليلياً تجزيئياً (Analytic Processing) يهدف إلى استخلاص الثوابت المستقلة في البيئة، وهو نمط معالجة مفيد عندما تكون المثيرات البيئية تعمل كأسباب منفصلة تؤدي كل منها إلى نتيجة مستقلة. هذا النمط يسمح للكائن الحي بتطبيق قواعد الاستدلال الخطي بكفاءة منخفضة التكلفة الحسابية.
في المقابل، تمثل المعالجة التكوينية توجهاً شمولياً كلياً (Holistic Processing) يعترف بحقيقة أن الحواس نادراً ما تستقبل مدخلات معزولة؛ فالنغمات الصوتية تتغير دلالتها بتغير الإضاءة المحيطة، والروائح تتفاعل كيميائياً وإدراكياً مع المذاقات لتشكل نكهة موحدة لا يمكن تفكيكها إلى مكوناتها الأولية دون فقدان جوهرها. يمتلك الكائن الحي مرونة تكيفية تمكنه من التنقل بين المعالجة الكلية والتحليلية تبعاً لتعقيد المهمة المعرفية ومتطلبات البقاء؛ حيث تفرض البيئات المتداخلة والمعقدة سلوكياً الانتقال الحتمي نحو التشفير التكويني لضمان التمييز الفعال بين المواقف المتشابهة ظاهرياً والمتباينة وظيفياً.
3. النموذج الرياضي لجون بيرس: معادلات التشابه وتعميم المثيرات
3.1 الصياغة الرياضية لمعامل التشابه الإدراكي
لكي يمنح جون بيرس نظريته وزناً علمياً قابلاً للتطبيق والاختبار المعملي، وضع صياغة رياضية دقيقة لقياس درجة التشابه بين المثيرات الحسية المختلفة، سواء كانت مفردة أو مركبة. وفقاً لنموذج عام 1987، يُعرَّف معامل التشابه الإدراكي بين تكوينين حسيين — وليكنا التكوين (X) والتكوين (Y) — بأنه نسبة العناصر أو الخصائص الحسية المشتركة بينهما مقارنة بالعدد الإجمالي للخصائص التي يتكون منها كل مثير. تُصاغ معادلة التشابه ($S_{X,Y}$) رياضياً بالصورة التالية:
$$S_{X,Y} = \frac{N_C}{\sqrt{N_X \times N_Y}} \quad \text{أو بصيغتها النسبية المبسطة:} \quad S_{X,Y} = \frac{N_C}{N_X} \times \frac{N_C}{N_Y}$$
حيث يمثل $N_C$ عدد الخصائص المشتركة بين المثيرين، في حين يمثل $N_X$ و $N_Y$ الحجم الحسي أو عدد العناصر الفردية المكونة للمثيرين $X$ و $Y$ على التوالي. إذا افترضنا حالة كلاسيكية نقارن فيها بين مركب ثنائي يتكون من منبهين متساويي البروز والحجم الإدراكي ($AB$) وأحد عناصره المفردة ($A$)، فإن الخصائص المشتركة هي خصائص المثير $A$ فقط، وبالتالي نجد أن معامل التشابه بين المركب وعنصره الفردي هو:
$$S_{AB, A} = \frac{1}{\sqrt{2 \times 1}} \approx 0.71 \quad \text{أو} \quad S_{AB, A} = \frac{1}{2} = 0.5 \text{ (تبعاً للصيغة المعتمدة لتقسيم المساحات)}$$
توضح هذه الصياغة الرياضية أن التشابه يتناسب طردياً مع حجم التداخل الحسي بين التكوينات، وعكسياً مع درجة التباعد والتمايز البنيوي بينها. هذه الدقة الرياضية أتاحت لبيرس التنبؤ الكمي بمقدار الاستجابة الاشتراطية بدقة تفوق التقديرات الوصفية العامة، مما جعل النموذج التكويني قادراً على مضاهاة النماذج الرياضية العنصرية في قدرتها على التنبؤ بالأرقام والنسب الإحصائية في المختبر.
3.2 ديناميكية انتقال القوة الترابطية عبر التعميم
ينص المبدأ الجوهري في نموذج بيرس على أن القوة الترابطية الفعلية التي يظهرها الكائن الحي عند مواجهة مثير معين ليست ناتجة حصراً عن الارتباط المباشر لذلك المثير بالمعزز، بل هي نتاج القوة الذاتية المكتسبة مضافاً إليها القوة الترابطية المعممة من كافة التكوينات الأخرى المشابهة له والتي خضعت لتدريب سابق. يُعبر عن القوة الترابطية الإجمالية للمثير ($E_X$) بالمعادلة التالية:
$$E_X = V_X + \sum (S_{i,X} \times V_i)$$
حيث تمثل $V_X$ القوة الترابطية المباشرة للمثير نفسه، ويمثل الحد الثاني مجموع القوى الترابطية للمثيرات الأخرى ($V_i$) مضروبة في معامل تشابه كل منها مع المثير المعني ($S_{i,X}$). ومن هذه المعادلة اشتق بيرس مفهوم تدهور التعميم (Generalization Decrement)؛ فعندما يتم تدريب المركب ($AB$) إلى الحد الأقصى للاشتراط ($lambda$)، فإن قوته الترابطية الذاتية تصبح مساوية للحد الأقصى ($V_{AB} = \lambda$). ولكن عند اختبار العنصر المفرد ($A$) لأول مرة دون تعزيز مسبق، فإن قيمته الذاتية تكون صفراً ($V_A = 0$). وتكون استجابة الكائن له معتمدة كلياً على التعميم:
$$E_A = S_{AB, A} \times V_{AB} = S_{AB, A} \times \lambda$$
وبما أن معامل التشابه $S$ دائماً ما يكون أقل من الواحد الصحيح في حالات المقارنة بين المركب وأجزائه، فإن الاستجابة للمثير ($A$) ستنخفض حتماً بمقدار الفارق الحسابي بين $lambda$ و $S lambda$. هذا الفقدان في الاستجابة لا يعود إلى نسيان أو تثبيط مباشر، بل إلى “تدهور في التعميم” ناجم عن التحول من المشهد الإدراكي الكلي للمركب إلى المشهد الأكثر محدودية للمثير المفرد.
3.3 نمذجة التغير الترابطي عبر المحاولات التجريبية
تتبنى نظرية بيرس قاعدة تصحيح الخطأ المشابهة لتلك المستخدمة في النماذج الترابطية الكبرى، ولكن مع تعديل جذري في طبيعة المثير المستهدف بالتعلم. يتم تحديث القوة الترابطية للتكوين الحسي ($X$) في كل محاولة تجريبية ($n$) وفقاً لمعادلة ديناميكية تعتمد على التناقض بين التعزيز الفعلي والتعزيز المتوقع:
$$\Delta V_X = \alpha_X \beta (\lambda – E_X)$$
حيث تمثل $\alpha_X$ معامل البروز الحسي للتكوين بأكمله ككتلة موحدة، بينما تمثل $\beta$ معامل التعلم المرتبط بطبيعة المعزز الأولي وشدته، ويمثل $lambda$ القيمة العظمى للتعزيز المتاح (بحيث يكون $lambda > 0$ في محاولات التعزيز، و $lambda = 0$ في محاولات حجب التعزيز أو الانطفاء)، في حين تمثل $E_X$ القوة الترابطية الإجمالية المعممة للتكوين $X$ في تلك المحاولة بما في ذلك تأثير التكوينات المتنافسة والمشابهة.
يتضح الفارق الجوهري هنا بين محاكاة بيرس ومحاكاة ريسكورلا-واغنر: ففي نموذج ريسكورلا-واغنر يتم حساب الخطأ التنبؤي بناءً على مجموع العناصر ($V_A + V_B$) ويوزع التغير على كل عنصر بنسب تتحدد ببروزه الخاص، بينما في نموذج بيرس، يتم التعامل مع الخطأ التنبؤي كعامل موجه نحو التكوين الكلي، وتتغير القيمة $V_X$ للتكوين الحاضر ككل. يؤدي هذا الفارق الحسابي الدقيق إلى نتائج بالغة التباين في المحاكاة الحاسوبية، حيث تظهر محاكاة بيرس قدرة فائقة على النجاة من المصائد التنبؤية التي تقع فيها النماذج العنصرية في المهام غير الخطية.
4. التصميم التجريبي لاختبار التعلم التكويني: المنهجية والأدوات السلوكية
4.1 عينة الدراسة والبيئة المعملية المستخدمة
لإخضاع نظريته لاختبارات تجريبية قاطعة، اعتمد جون بيرس وفريقه البحثي على النماذج المعيارية للاشتراط الإجرائي والبافلوفي في مختبرات علم النفس التجريبي، مع التركيز المكثف على طيور الحمام (Columba livia) وفئران التجارب الجرذانية. يعد الحمام نموذجاً مثالياً لدراسة المعالجة التكوينية بفضل جهازه البصري فائق التطور وقدرته الفائقة على التمييز الدقيق بين الأنماط المعقدة، والترددات المكانية، والتوزيعات اللونية، بينما توفر القوارض منصة ممتازة لاختبار الاقترانات السمعية والمكانية والذوقية.
أجريت هذه التجارب داخل غرف التكييف السلوكي الكلاسيكية المتقدمة، المعروفة بـ صناديق سكينر (Skinner Boxes)، والمصممة بعناية فائقة لعزل الكائن الحي تماماً عن أي مثيرات بصرية أو سمعية أو شمية دخيلة قد تشوش على التجربة. جُهزت هذه الصناديق بجدران معتمة عازلة للصوت، ومصادر إضاءة خلفية دقيقة قادرة على عرض أشكال هندسية وألوان محددة بدقة نانومترية، ومكبرات صوت رقمية لبث ترددات نغمية نقية بمدى هرتزي محكم. كما رُبطت بأنظمة حرمان غذائي مبرمجة ومقننة أخلاقياً، بحيث يُحافظ على وزن الحيوان عند نسبة ثابتة (عادة 80-85% من وزنه الحر) لضمان دافعية بيولوجية مستقرة ومتسقة طوال أسابيع التجربة.
4.2 بنية المثيرات الحسية وإجراءات القياس الكمي
تم بناء المثيرات التجريبية وفقاً لهندسة صارمة تسمح بدمج الحواس المنفصلة أو السمات المتعددة ضمن نفس الحاسة. استخدم بيرس تركيبات حسية تتألف من مثيرات بصرية محضة (مثل عرض خطوط بيضاء مائلة بزاوية معينة على خلفية حمراء)، أو مثيرات متعددة الوسائط تجمع بين إضاءة شاملة لغرفة الاختبار ونغمة صوتية ترددية محددة. كان التحكم في تزامن الظهور والبدء المتوازي والانقطاع المتزامن للمثيرات أمراً بالغ الأهمية المنهجية؛ إذ إن أي فارق زمني بين المثيرين في المركب قد يحول المهمة من تعلم تكويني متزامن إلى اشتراط تسلسلي تعاقبي تشوبه عوامل الارتباط التتابعي.
تمثلت الاستجابات السلوكية الخاضعة للرصد الآلي في معدلات نقر المفتاح البصري لدى الحمام (Key-peck rate) أو الضغط على الرافعة لدى القوارض، بالإضافة إلى زمن الرجع (Response Latency) وهو الوقت المنقضي بين ظهور المثير وبدء أول استجابة من الكائن. خضعت هذه البيانات لتسجيلات رقمية فورية بمعدل أجزاء من الثانية، واستخدمت المعالجات الإحصائية المتقدمة القائمة على تحليل التباين للقياسات المتكررة (Repeated Measures ANOVA) لتقييم المنحنيات الزمنية لاكتساب التمييز والتأكد من وصول الحيوانات إلى معايير الاستقرار الإحصائي قبل الانتقال إلى مراحل الاختبار الحاسم.
4.3 مراحل التدريب والضبط المنهجي
تدرجت البروتوكولات المعملية عبر خطوات ممنهجة استهلت بمرحلة الترويض الأولي والتعويد (Habituation)، حيث دُرِّبت الكائنات الحية على تناول الطعام من موزع الحبوب التلقائي والتعرف على حركة الأجهزة دون ربطها بأي مثيرات تمييزية. تلا ذلك تدريب أولي على النقر الموجه لضمان إتقان الحركة الميكانيكية للاستجابة. بعد ذلك، بدأت مراحل التدريب التمييزي الفعلي، والتي اعتمدت على جداول التعزيز المتقطع أو التعزيز المتواصل، مع إدراج فترات عزل زمني دقيقة بين المحاولات التجريبية (Inter-Trial Intervals – ITI) تتراوح بين 30 إلى 120 ثانية، لمنع التراكم الحسي ومحو التأثيرات اللاحقة للمثيرات السابقة.
ولتقييم البناء الترابطي الحقيقي المتشكل في الجهاز العصبي للحيوان دون التأثر بالتعزيز الفوري المستمر أثناء التقييم، استخدم بيرس اختبارات الانطفاء (Extinction Tests). في هذه الاختبارات، تُقدم المثيرات الفردية والمركبة بأعداد محددة مسبقاً ودون تقديم أي قطرة ماء أو حبة طعام. هذا الإجراء المنهجي الصارم يكفل قياس القوة الترابطية الصافية الناجمة عن التعميم أو التكوين المباشر، متجاوزاً أي تشوهات قد تنشأ عن عمليات إعادة التعلم الآنية أو تفاعلات المكافأة المباشرة أثناء جلسة القياس.
5. ظاهرة النمط السلبي (Negative Patterning): الاختبار الحاسم للنموذج
5.1 التصميم الإجرائي لمهمة النمط السلبي (A+ / B+ / AB-)
تعد مهمة النمط السلبي (Negative Patterning) حجر الزاوية التاريخي الذي استندت إليه الأدبيات لإثبات قصور النظريات الترابطية الخطية، ومثلت المختبر التطبيقي الأول الذي أثبت من خلاله جون بيرس جدوى نموذجه التكويني. يُبنى التصميم الإجرائي لهذه المهمة على تقديم ثلاث حالات تجريبية عشوائية الترتيب عبر مئات المحاولات:
- المحاولة الأولى: تقديم المثير المفرد (A) متبوعاً بالتعزيز الإيجابي الأولي ($A+$).
- المحاولة الثانية: تقديم المثير المفرد (B) متبوعاً بنفس التعزيز الإيجابي ($B+$).
- المحاولة الثالثة: تقديم المثيرين معاً في مركب حسي متزامن ($AB$) ولكن مع حجب التعزيز تماماً ($AB-$).
تتجلى الصعوبة المعرفية لهذه المهمة في التناقض السلوكي المطلوب؛ إذ يتعين على الكائن الحي أن يستجيب بأعلى معدل ممكن عندما يرى المثير $A$ وحده أو المثير $B$ وحده، ولكنه يجب أن يمتنع تماماً عن الاستجابة ويثبط حركته عندما يرى كلا المثيرين حاضرين في نفس اللحظة ($AB$). يتطلب هذا التصميم التمييزي منحنى تعليمياً طويلاً ومعقداً؛ حيث يظهر الحيوان في المراحل المبكرة استجابة مضاعفة للمركب $AB$ مدفوعاً بالجمع الحسي الأولي، قبل أن تبدأ عملية التمايز الإدراكي في فرض السيطرة على السلوك.
5.2 التفسير التكويني لحل معضلة النمط السلبي
يواجه النموذج العنصري الكلاسيكي لريسكورلا-واغنر مأزقاً نظرياً خانقاً عند تفسير النجاح في النمط السلبي. فوفقاً للجمع الخطي، بما أن $A$ يكتسب قوة موجبة تقارب ($lambda$)، و $B$ يكتسب أيضاً قوة موجبة تقارب ($lambda$)، فإن المركب $AB$ ينبغي أن يثير توطيداً استجابياً هائلاً يصل إلى ($2lambda$). ولحل هذا التناقض، اضطر أصحاب النموذج العنصري إلى افتراض وجود “مثير فريد كابح” يخلقه الجهاز العصبي عند الجمع، وهو افتراض عده بيرس دليلاً على إخفاق الفرضية العنصرية ذاتها.
في المقابل، يقدم نموذج بيرس التكويني حلاً بديهياً ينبع مباشرة من معادلاته الأساسية دون الحاجة إلى عناصر افتراضية غير مرصودة. يدرك الحيوان المثير المركب ($AB$) ككيان حسي مستقل، يُعامل كبنية جديدة قائمة بذاتها منذ اللحظة الأولى. في البداية، تفيض الاستجابة الإيجابية نحو المركب $AB$ بفعل التعميم الإدراكي الرياضي القادم من المثيرين المعززين $A$ و $B$ عبر معاملات التشابه ($S_{A,AB}$ و $S_{B,AB}$). ولكن نظراً لتكرار تجارب عدم التعزيز على المركب ($AB-$)، يبدأ هذا التكوين في مراكمة قوة ترابطية سالبة (تثبيطية) مباشرة خاصة به تحيد بالتدريج أثر التعميم الإيجابي القادم من أجزائه.
مع استمرار التدريب، يصل النظام المعرفي إلى نقطة توازن رياضي مستقر؛ حيث تصبح القوة الذاتية للمركب سالبة بما يكفي لإلغاء القوة المعممة من العناصر، فتتوقف الاستجابة للمركب ($E_{AB} to 0$)، بينما تظل الاستجابة للعناصر الفردية عند ذروتها ($E_A to \lambda$) و ($E_B to \lambda$)، لأن التدهور في التعميم يمنع انتقال التثبيط من المركب إلى عناصره بكامل طاقته، مما يسمح بحل النمط السلبي بسلاسة وأناقة نظرية مطلقة.
5.3 الدلالات الإدراكية لقدرة الحيوان على حل النمط السلبي
يحمل نجاح طيور الحمام والفئران في حل النمط السلبي دلالات ثورية حول طبيعة المعالجة الدماغية للمعلومات؛ فهو يقدم برهاناً ساطعاً على أن الأنظمة العصبية تمتلك القدرة على بناء تمثيلات غير خطية (Non-linear Representations) لبيئتها الخارجية. يدحض هذا الإنجاز السلوكي التصور الميكانيكي الساذج القائل بأن الجهاز العصبي مجرد لوحة مفاتيح سلبية تنقل الإشارات الحسية لتتجمع في قنوات الارتباط النهائية دون معالجة تركيبية عليا.
علاوة على ذلك، يثبت هذا النجاح المرونة التكيفية الفائقة للكائنات الحية في تجاهل استجابات العناصر الأولية إذا كانت الإشارة الكلية تشير إلى نتيجة مختلفة تماماً. إن الحيوان في بيئته الطبيعية قد يجد في الشجرة الحاملة للثمار مصدر غذاء جذاباً، وفي صوت كسر الأغصان علامة على حركة طريدة، لكن تزامن رؤية الشجرة مع صوت كسر الأغصان قد يدل على وجود حيوان مفترس ضخم؛ والقدرة على كبح استجابة الاقتراب والتغذية عند ظهور هذا “التكوين الكلي” هي الفارق الحيوي بين البقاء والفناء، وهو ما برهنته تجارب بيرس داخل المختبر.
6. ظاهرة النمط الإيجابي (Positive Patterning): الآليات المعرفية والدلالات السلوكية
6.1 الهيكلية التجريبية لمهمة النمط الإيجابي (A- / B- / AB+)
تمثل مهمة النمط الإيجابي (Positive Patterning) المعكوس المنطقي للنمط السلبي، وتعتبر أداة قياس مكملة لا غنى عنها للتحقق من التناسق الهيكلي لأي نظرية في التعلم والاشتراط. تُصمم هذه المهمة من خلال البروتوكول التالي:
- تقديم المثير الفردي (A) بمفرده مع حجب المعزز الغذائي حتماً ($A-$).
- تقديم المثير الفردي (B) بمفرده مع حجب المعزز الغذائي حتماً ($B-$).
- تقديم المركب المزدوج ($AB$) متزامناً ومتبوعاً بالتعزيز الأولي الكامل ($AB+$).
تكمن التحديات السلوكية في هذا النمط في إلزام الكائن الحي بالامتناع التام عن إهدار الطاقة في الاستجابة للمثيرات الفردية، وتكريس طاقته الاستجابية للحظة الظهور المتزامن للمركب الحسي. تاريخياً وتجريبياً، تلاحظ المختبرات دائماً تبايناً واضحاً في المنحنيات السلوكية بين النمطين؛ إذ يُظهر الحمام والقوارض سرعة اكتساب ملحوظة في النمط الإيجابي مقارنة بالنمط السلبي. يتطلب النمط الإيجابي محاولات تدريبية أقل بكثير للوصول إلى معايير التمييز التام، مما استدعى تحليلاً معمقاً من المنظورين العنصري والتكويني لتفسير هذه الفجوة في كفاءة المعالجة.
6.2 التحليل المقارن للاستجابات التكوينية في النمط الإيجابي
يوفر نموذج بيرس التكويني تفسيراً رياضياً متسقاً لتفوق واكتساب النمط الإيجابي مقارنة بنظيره السلبي. ففي النمط الإيجابي، يتلقى المركب ($AB$) التدريب والتعزيز المباشر، ويكتسب قوة ترابطية موجبة خاصة به ($V_{AB} to \lambda$). أما المثيرات الفردية ($A$) و ($B$)، فتكتسب قيماً تثبيطية ذاتية ($V_A < 0$ و $V_B < 0$) نتيجة لظهورها المتكرر دون تعزيز، غير أن هذا التثبيط يكون محدوداً لأنه لا يحتاج إلى إلغاء جمع خطي مكثف كما في النمط السلبي.
عند فحص الاستجابة للمركب ($AB$)، نجد أنها تتحدد بالمعادلة التكوينية:
$$E_{AB} = V_{AB} + S_{A, AB} \times V_A + S_{B, AB} \times V_B$$
وبما أن $V_{AB}$ تتجه بسرعة نحو الحد الأقصى للتعزيز $lambda$، فإن الأثر التثبيطي المنقول من العناصر الفردية يعاني من “تدهور التعميم” بمقدار معامل التشابه ($S \approx 0.5$). وبالتالي، يضعف التثبيط القادم من العناصر ولا يقوى على منع الاستجابة للمركب المعزز. في المقابل، عندما يُعرض المثير المفرد $A$ للاختبار، يتدهور التعميم الإيجابي القادم من $AB$ إلى النصف، بينما يواجه التثبيط الذاتي المباشر للمثير، فتتلاشى الاستجابة للمكونات الفردية بسرعة بالغة. يوضح هذا التطابق الحسابي قدرة نموذج بيرس على استيعاب الفروق الدقيقة في معدلات الاكتساب بين المهام دون إدخال معاملات اعتباطية إضافية.
6.3 المقارنة النقدية بين قدرات النمط الإيجابي والسلبي
أثارت المقارنة النقدية بين نتائج النمطين تساؤلات جوهرية حول طبيعة عمل الانتباه الانتقائي وتصنيف المفاهيم لدى الحيوانات. في النمط السلبي، يواجه الكائن ما يُعرف معرفياً بـ “صراع الاندفاع”؛ إذ إن كلا العنصرين المنفردين يمتلكان تاريخاً حافلاً بالإثابة، مما يولد نزوعاً تلقائياً عالياً للاستجابة يصعب كبحه لحظة الجمع. بينما في النمط الإيجابي، لا تمتلك العناصر الفردية أية جاذبية تعزيزية ذاتية، وبالتالي لا يواجه الكائن نزوعاً استجابياً خاطئاً يتطلب كبتاً عصبياً مكثفاً عند تقديمها.
إضافة إلى ذلك، توضح هذه التجارب أن التعزيز الأولي المباشر يمتلك تأثيراً مُبرزاً (Salience-enhancing effect) على التمثيل التكويني؛ فالمركب المقترن بالغذاء يُعالج بصورة أسرع وأكثر تماسكاً في القشرة المخية والحصين ككيان كلي، في حين أن المركب غير المعزز في النمط السلبي يعاني من بطء في تجميع سماته التكوينية لأن غياب المكافأة يقلل من التخصيص الانتباهي الموجه لربط عناصره الحسية في تمثيل موحد مبكر، مما يفسر التأخر النسبي في حل النمط السلبي عبر الأنواع الحية المختلفة.
7. التمييز ثنائي الشرط (Biconditional Discrimination): تحدي التفسيرات الترابطية
7.1 بنية تصميم التمييز ثنائي الشرط (AB+ / CD+ / AD- / BC-)
إذا كان النمط السلبي قد فرض صعوبات بالغة على النماذج العنصرية، فإن تصميم التمييز ثنائي الشرط (Biconditional Discrimination) قد وُصف في أدبيات علم النفس التجريبي بأنه “الضربة القاضية” لأي نظرية تعتمد على التحليل العنصري البسيط. يتألف هذا التصميم الهندسي الدقيق من أربعة مثيرات حسية أولية مستقلة ($A, B, C, D$)، تُدمج في أربعة أزواج مختلفة من المركبات الثنائية، وتُدرَّب وفق المخطط التالي المتكافئ رياضياً:
- المركب الأول: ($AB$) يُعزز دائماً بالمكافأة ($AB+$).
- المركب الثاني: ($CD$) يُعزز دائماً بالمكافأة ($CD+$).
- المركب الثالث: ($AD$) يُحجب عنه التعزيز تماماً ($AD-$).
- المركب الرابع: ($BC$) يُحجب عنه التعزيز تماماً ($BC-$).
تكمن العبقرية المنهجية لهذا التصميم في التوزيع المتوازن والمطلق للمثيرات؛ فكل عنصر من العناصر الأربعة ($A, B, C, D$) يظهر في التجربة بعدد متطابق تماماً من المرات، ويقترن بالتعزيز في 50% من محاولات ظهوره، ويقترن بغياب التعزيز في الـ 50% المتبقية ($A$ يظهر معززاً في $AB$ وغير معزز في $AD$؛ و $B$ يظهر معززاً في $AB$ وغير معزز في $BC$؛ وهكذا بالنسبة لـ $C$ و $D$). بناءً على هذه الهندسة المعملية، تصبح القيمة الترابطية الذاتية الصافية لأي عنصر مفرد مساوية للصفر تماماً من وجهة النظر العنصرية. لا يوجد أي عنصر يحمل مؤشراً تنبؤياً إيجابياً أو سلبياً بمفرده، مما يجعل الاعتماد على الجمع الخطي مستحيلاً، ويضع النظريات العنصرية التقليدية في حالة شلل تحليلي تام.
7.2 تفسير بيرس للحل التكويني في التمييز ثنائي الشرط
يمثل التمييز ثنائي الشرط التطبيق الأكثر نصوعاً لعبقرية نموذج جون بيرس الرياضي؛ حيث يفترض النموذج ببساطة أن الكائن الحي لا يرى عناصر مفردة، بل يرى أربعة تكوينات حسية كلية منفصلة ومستقلة: التكوين $AB$، والتكوين $CD$، والتكوين $AD$، والتكوين $BC$. يدخل كل تكوين كمدخل إدراكي فريد، وتتحدد القوة الترابطية لكل مركب من خلال القيمة الترابطية المباشرة المكتسبة له مضافاً إليها محصلة التعميم الإدراكي القادم من المركبات الأخرى بناءً على مصفوفة التشابه.
وفقاً لمعادلة بيرس، يمتلك التكوين المعزز ($AB$) معامل تشابه مع التكوين غير المعزز ($AD$) يُقدر بـ:
$$S_{AB, AD} = \frac{1}{\sqrt{2 \times 2}} = 0.5$$
وكذلك الحال مع التكوين غير المعزز الآخر ($BC$)؛ حيث يمتلك تشابهاً مقداره $0.5$ لاشتراكهما في العنصر $B$. في المقابل، فإن معامل التشابه بين المركبين المعززين ($AB$ و $CD$) يساوي صفراً ($S_{AB, CD} = 0$) لعدم وجود أي عنصر حسي مشترك بينهما. ومع توالي محاولات التدريب، يُحدث النموذج التكويني القوة الترابطية لكل مركب، بحيث يكتسب المركبان المعززان $AB$ و $CD$ قيماً إيجابية تتغلب تماماً على التداخل الإدراكي القادم من $AD$ و $BC$ عبر التناقص التدريجي للخطأ التنبؤي، مما يؤدي إلى استقرار السلوك عند تمييز فائق الدقة يتطابق بدقة متناهية مع البيانات التجريبية المرصودة في المختبر.
7.3 التداعيات النظرية لنجاح الكائنات في المهمة ثنائية الشرط
إن نجاح الحمام والقوارض في حل التمييز ثنائي الشرط يثبت بشكل قاطع أن الدماغ قادر على إجراء عمليات معرفية تماثل في بنيتها المنطقية بوابة “أو الحصرية” (XOR Problem) في المنطق الرياضي والشبكات العصبية. كانت هذه المسألة تحديداً هي العقبة التي أشار إليها مارفن مينسكي وسيمور بابيرت عام 1969 في كتابهما الشهير عن الشبكات العصبية البسيطة (Perceptrons)، مؤكدين أن الشبكات الخطية أحادية الطبقة تعجز بنيوياً عن حل مشكلة XOR لأنها غير قابلة للفصل خطياً (Linearly Inseparable).
وبالتالي، فإن البرهان التجريبي الذي قدمه بيرس يثبت أن الجهاز العصبي للحيوان لا يعمل وفق طراز الخلايا أحادية الطبقة، بل يمتلك طبقات تمثيل وسيطة غير خطية تقوم بإعادة تشفير المدخلات الحسية إلى وحدات تكوينية متكاملة قبل ربطها بالاستجابة الحركية. أدى هذا الاكتشاف إلى إعادة صياغة جذرية لمفهوم “المثير” (Stimulus) في المدارس السلوكية؛ فلم يعد المثير مجرد موجة ضوئية أو صوتية تقاس بالهيرتز والنانومتر، بل أصبح بنية إدراكية معرفية مركبة يصوغها الجهاز العصبي بصورة تكاملية لتحقيق التكيف والنجاة.
8. مسألة الجمع وحجب المثيرات (Summation and Overshadowing) في ضوء النموذج
8.1 ظاهرة الجمع (Summation) وموقف النموذج التكويني منها
تُعرف ظاهرة الجمع الحسي (Summation) في أدبيات الاشتراط بأنها الزيادة الملحوظة في شدة أو معدل الاستجابة عند تقديم مركب يجمع بين مثيرين تم تدريب كل منهما بمفرده على نيل المكافأة حتى الوصول إلى مرحلة التشبع الإشراطي ($A+ / B+ to AB$). تشير البيانات السلوكية عموماً إلى أن الحيوان ينقر على المفتاح أو يضغط على الرافعة عند رؤية ($AB$) بمعدل يفوق نقره على ($A$) أو ($B$) منفردين. شكلت هذه الظاهرة التحدي الأكبر لنموذج بيرس التكويني الأصلي (1987)؛ إذ يرى النقاد أن النموذج التكويني يتنبأ بتدهور في التعميم عند الانتقال من الجزء إلى الكل، مما قد يؤدي افتراضياً إلى انخفاض الاستجابة للمركب وليس زيادتها.
دافع بيرس عن نموذجه موضحاً أن الاستجابة للمركب ($AB$) بعد تدريب عناصره لا تعتمد على تعميم أحادي، بل تستفيد من التعميم المزدوج التراكمي القادم من كلا المصدرين. فالمركب ($AB$) يتلقى قوة معممة من $A$ قدرها ($S_{A, AB} \times V_A$) ويتلقى في الوقت ذاته قوة معممة من $B$ قدرها ($S_{B, AB} \times V_B$). وبما أن كلا العنصرين قد تم تدريبهما إلى الحد الأقصى ($lambda$)، فإن الاستجابة للمركب تُحسب بالمعادلة:
$$E_{AB} = S_{A, AB} \lambda + S_{B, AB} \lambda = 0.5\lambda + 0.5\lambda = 1.0\lambda$$
وعلى الرغم من أن هذه المعادلة تشرح عدم انخفاض الاستجابة، إلا أنها عجزت أحياناً عن تفسير ظاهرة “الجمع المفرط” (Super-summation) حيث تتجاوز الاستجابة للمركب سقف الـ ($lambda$). وقد أقر بيرس بأن هذه النقطة تمثل حداً حرجاً في النسخة الأصلية للنموذج، مما كان أحد الدوافع المحورية التي قادته لاحقاً إلى مراجعة وتحديث البناء الرياضي لنظريته في مطلع الألفية الجديدة.
8.2 إعادة تقييم ظاهرة التظليل (Overshadowing) تكوينياً
تحدث ظاهرة التظليل (Overshadowing) عندما يُدرَّب مركب حسي يتألف من عنصرين مختلفين في البروز الفيزيائي — كأن يكون أحدهما ضوءاً ساطعاً جداً ($A$) والآخر نغمة خافتة جداً ($b$) — مقترنين بالمعزز ($Ab+$). تُظهر الاختبارات اللاحقة أن العنصر الخافت ($b$) يكتسب قوة ترابطية ضئيلة تكاد تنعدم مقارنة بما كان سيكتسبه لو دُرِّب بمفرده. يفسر نموذج ريسكورلا-واغنر التظليل بأنه منافسة مباشرة بين العنصرين لاقتسام القيمة المحدودة للتعزيز ($lambda$)، حيث يستحوذ العنصر الأكثر بروزاً على النصيب الأكبر من التغير الترابطي بفضل معامل التعلم الخاص به ($\alpha_A > \alpha_b$).
أعاد جون بيرس قراءة هذه الظاهرة من منظور تكويني مختلف جذرياً، مستبعداً فرضية التنافس الداخلي بين العناصر. وفقاً لبيرس، يكتسب التكوين الكلي ($Ab$) القوة الترابطية الكاملة ككيان موحد ($V_{Ab} to \lambda$). أما ضعف الاستجابة للمثير الخافت ($b$) عند اختباره منفرداً، فلا يعود إلى فشله في التعلم أثناء التدريب، بل إلى فداحة تدهور التعميم (Severe Generalization Decrement). فالمركب يتحدد بنيوياً بدرجة هائلة بالسمات الحسية للعنصر الساطع ($A$)، مما يجعل معامل التشابه بين المركب بأكمله ($Ab$) والمثير الضعيف جداً ($b$) منخفضاً للغاية رياضياً، في حين يكون التشابه بين المركب والمثير القوي ($A$) كبيراً جداً:
$$S_{Ab, b} ll S_{Ab, A}$$
وبناءً على هذا التباين في معاملات التشابه، تنتقل القوة الترابطية بكثافة إلى العنصر الساطع عبر التعميم، في حين تفشل في الانتقال إلى العنصر الخافت، لا لشيء إلا لأن العنصر الخافت يمثل مشهداً إدراكياً غريباً ومتباعداً بنيوياً عن التكوين الكلي الذي شوهد أثناء التعلم.
8.3 تدهور التعميم (Generalization Decrement) وتأثيره على الظواهر الكلاسيكية
يمثل مفهوم تدهور التعميم الأداة التفسيرية الأكثر ثورية وأناقة في ترسانة بيرس المعرفية؛ إذ أعاد من خلاله تفسير العديد من الظواهر الكلاسيكية دون الحاجة إلى افتراض آليات تثبيط حقيقية أو تنافس مشبكي مباشر. أحد أبرز التطبيقات كان إعادة تفسير ظاهرة الحجب (Blocking) التي اكتشفها ليون كامين عام 1969. ففي تجربة الحجب الكلاسيكية، يُدرب المثير ($A$) بمفرده على المعزز ($A+$)، ثم يُدرب المركب ($AB+$) على نفس المعزز. وعند اختبار المثير ($B$)، يُلاحظ غياب الاستجابة تقريباً.
بينما اعتبر كامين وريسكورلا-واغنر أن حجب التعلم عن $B$ ينبع من عدم وجود “مفاجأة” (Lack of surprise) أو غياب الخطأ التنبؤي لأن $A$ يتنبأ بالمعزز مسبقاً، برهن بيرس على أن تدريب $AB+$ ينشئ تكويناً جديداً. وعند اختبار $B$ بمفرده، يختبر الحيوان صدمة إدراكية نتيجة التغيير الجذري في السياق الحسي الكلي؛ فالمثير $B$ لم يُر قط إلا في سياق يصحبه $A$. هذا التدهور الدراماتيكي في التعميم من التكوين المألوف ($AB$) إلى العنصر المجرد ($B$) كافٍ بمفرده لشل الاستجابة، حتى لو افترضنا أن الكائن قد لاحظ وجود $B$ أثناء التدريب. هذا التفسير التكويني استحث عشرات التجارب المعملية لتحديد الوزن النسبي لكل من تدهور التعميم والخطأ التنبؤي في ظواهر الاشتراط المتعددة.
9. المقارنة النقدية بين نموذج بيرس التكويني ونموذج ريسكورلا-واغنر
9.1 نقاط الالتقاء والتباين المفاهيمي والرياضي
يشترك نموذج بيرس (1987) مع نموذج ريسكورلا-واغنر (1972) في السعي نحو تحقيق هدف علمي موحد: تحويل آليات التعلم وتعديل السلوك إلى قوانين رياضية وتكميم دقيق للتغيرات في القوة الترابطية، والاعتماد على خوارزميات تصحيح الخطأ التي تجعل من الفارق بين النتيجة المتوقعة والفعلية القوة الدافعة للتعلم. كلا النموذجين ينطلقان من بيئة الاختبار البافلوفي الصارم ويرفضان التفسيرات التأملية غير الخاضعة للقياس الإحصائي.
غير أن التباين بينهما يمثل انقساماً فلسفياً ومعرفياً عميقاً في بنية النظام الإدراكي:
- طبيعة التمثيل الحسي: يفترض ريسكورلا-واغنر جمعاً خطياً لعناصر مستقلة تحتفظ بهويتها الترابطية ($V_{total} = \sum V_i$)، بينما يفترض بيرس معالجة شمولية موحدة تتولد فيها وحدة تكوينية جديدة ($V_{total} = V_{configural}$).
- توزيع الخطأ التنبؤي: في نموذج ريسكورلا-واغنر، يُوزع الخطأ على العناصر المتعددة المتنافسة وفقاً لبروزها الحسي، بينما في نموذج بيرس، يُوجه الخطأ التنبؤي بالكامل لترقية أو كبح التمثيل التكويني الخاص بالمركب ككل.
- القدرة التنبؤية: يتفوق ريسكورلا-واغنر في تفسير الجمع الخطي المباشر وبعض حالات التنافس الترابطي البسيط، لكنه ينهار تماماً أمام المهام غير الخطية المتكافئة مثل التمييز ثنائي الشرط، في حين يبدع نموذج بيرس في معالجة البنى المعرفية غير الخطية المعقدة بسهولة فائقة.
9.2 محاولات التوفيق: النماذج الهجينة والمعدلة
أمام التحديات المتزايدة التي فرضتها تجارب بيرس الناجحة، لم يقف أنصار المقاربة العنصرية مكتوفي الأيدي، بل بادروا إلى إجراء تعديلات بنيوية في النماذج العنصرية لإنقاذها من الانهيار. كان أشهر هذه المحاولات هي فرضية المثيرات الفرعية المتمايزة (Unique-Cue Hypothesis) التي اقترحها روبرت ريسكورلا نفسه. افترضت هذه الترقيعية النظرية أنه عند تقديم المركب ($AB$)، فإن الكائن الحسي ينشط تمثيل العنصر ($A$)، وتمثيل العنصر ($B$)، بالإضافة إلى عنصر افتراضي ثالث غير مرئي يُدعى المثير الفريد ($U_{AB}$) لا يتولد إلا عند التزامن الحسي للعنصرين.
من خلال هذا المثير الفريد، استطاعت النماذج العنصرية حل النمط السلبي نظرياً؛ حيث يكتسب المثير $U_{AB}$ القوة التثبيطية الكافية لإلغاء القوة الإيجابية القادمة من $A$ و $B$. غير أن ألان فاغنر (Allan Wagner) وزملاءه ذهبوا لاحقاً إلى تطوير نماذج هجينة أكثر تعقيداً مثل “نموذج العناصر المستبدلة” (Replaced Elements Model – REM) ضمن إطار نظرية SOP (Standard Operating Procedures). يفترض نموذج REM أن قسماً من العناصر المكونة للمثيرات يتم تثبيطه أو استبداله بعناصر تكوينية فرعية عند الاقتران. ورغم براعة هذه الصياغات الهجينة، فإنها بقيت موضع نقد مستمر بسبب تعقيدها الشديد وافتقارها للبساطة والأناقة المنهجية التي تميز بها نموذج جون بيرس التكويني الخالص.
9.3 حدود النموذج الأصلي لبيرس وانتقادات الباحثين
على الرغم من النجاح التاريخي لنموذج بيرس لعام 1987، فإنه واجه انتقادات منهجية وتجريبية دقيقة وجهها باحثون بارزون في ميدان التعلم المقارن، مثل أنتوني ديكنسون (Anthony Dickinson) وروبرت ريسكورلا. تركز النقد الأساسي على الحالات التي يُظهر فيها الحيوان قدرة تحليلية مدهشة يصعب تفسيرها بالتعميم الكلي المجرد؛ ففي بعض تجارب التمييز، تبدو الكائنات قادرة على تتبع قيمة عنصر مفرد واستخلاصه من قلب مركبات حسية متباينة بصورة لا تتطابق مع توقعات تدهور التعميم الحادة لنموذج بيرس.
إضافة إلى ذلك، واجه النموذج مأزقاً رياضياً عند التعامل مع المثيرات ذات الأبعاد الحسية المشتركة (Intradimensional Stimuli)، مثل نغمتين صوتيتين بترددين متقاربين يظهران معاً؛ حيث يفترض نموذج بيرس تشابهاً يعتمد على التماثل الرياضي الثابت، دون مراعاة لتغير الانتباه الموجَّه نحو الأبعاد الحسية بفضل الخبرة المسبقة. كما بقيت صعوبة التنبؤ بظواهر الجمع الاستجابي الفائق (Super-summation) شوكة في خاصرة النظرية الأصلية، مما فرض على بيرس الدخول في مراجعة فكرية عميقة قادت إلى ولادة نسخته المطورة عام 2002.
10. التعديلات التطورية على النموذج: نموذج بيرس المعدل (2002) والتحديثات اللاحقة
10.1 دوافع المراجعة النظرية لعام 2002
مع مطلع تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين، تراكمت أدلة تجريبية قوية أثبتت وجود حالات سلوكية تعجز النسخة الأصلية للنموذج التكويني عن تفسيرها بدقة كمية كافية. كان من أبرز تلك المعضلات تجارب “التمييز المتقاطع والمتداخل” (Structural discriminations) التي تتشارك فيها المركبات أجزاء غير متساوية في البروز، إضافة إلى بيانات الجمع الحسي الصريحة التي كانت تظهر استجابات تفوق بكثير ما يمكن للتعميم من العناصر إلى المركب تبريره وفق معادلات 1987.
أدرك جون بيرس بشجاعته العلمية المعهودة أن التمسك الحرفي بفكرة أن “المركب يُعالج ككل فريد تماماً دون إدراك لعناصره الفردية المشتركة” يمثل مبالغة في الكلية الجشتالتية تحجب بعض الحقائق التجريبية. كان الهدف من المراجعة النظرية لعام 2002 هو صياغة نسق ترابطي أكثر شمولاً ورشاقة، يحتفظ بالبنية التكوينية الأساسية (معالجة الكل)، ولكنه يدمج طريقة أكثر تطوراً وديناميكية في حساب وتشفير التشابه الإدراكي بين المثيرات دون السقوط في المتاهات الترقيعية للنماذج العنصرية.
10.2 التحسينات المنهجية في نموذج بيرس التكويني المعدل
في عام 2002، نشر بيرس ورقة بحثية بارزة في مجلة Quarterly Journal of Experimental Psychology قدم فيها النموذج التكويني المعدل (Pearce’s Revised Configural Model). تضمن هذا التحديث تعديلاً ثورياً في كيفية حساب معامل التشابه ($S$) بين المركبات الحسية. بدلاً من الاعتماد على مجرد حساب العناصر المشتركة بالنسبة لحجم المركبات كما في معادلة 1987، افترض النموذج المعدل أن المثيرات المشتركة بين مركبين لا تفقد هويتها الإدراكية بالكامل، بل تسهم في تقريب التكوينين من بعضهما في الفضاء الإدراكي بنسب رياضية معدلة تستند إلى حسابات الارتباطات الثنائية والنسبية للأوزان الحسية.
أعاد النموذج المعدل تعريف الانتقال الترابطي؛ حيث نجح في تقليل المبالغة الرياضية في التنبؤ بـ “تدهور التعميم” التي كانت تعيب النسخة الأولى. بفضل هذه التعديلات المنهجية، استطاع النموذج المعدل تفسير وقائع الجمع الحسي المعقدة وظواهر التظليل التفاضلي بدقة حسابية باهرة، حيث أظهرت المحاكاة الحاسوبية للنموذج المعدل قدرته على التنبؤ بنجاح الكائنات في حل مسائل التمييز البصري والسمعي فائق التعقيد التي فشل كل من نموذج 1987 ونموذج ريسكورلا-واغنر في تفسيرها على حد سواء.
10.3 تأثير النموذج المعدل على أبحاث التعلم المعاصرة
أحدثت النسخة المعدلة لعام 2002 موجة متجددة من الأبحاث في مجالات علم النفس التجريبي والتعلم الإدراكي (Perceptual Learning) وتمايز الفئات (Categorization). وفر النموذج المعدل إطاراً متيناً استند إليه الباحثون لدراسة كيفية انتقال البشر والحيوانات من مرحلة “الإدراك العنصري المبدئي” في المراحل الأولى من مواجهة مثيرات غريبة، إلى مرحلة “الإدراك التكويني المتماسك” مع تطور الخبرة الحركية والبصرية والزمنية عبر التدريب المكثف.
كما ساهم النموذج في تنشيط تصميم النماذج الحاسوبية المعرفية في علم النفس الرياضي؛ حيث اعتُمدت معادلات بيرس المعدلة لتشابه الأنماط في بناء أنظمة ذكية تحاكي اتخاذ القرار السلوكي في ظروف عدم التيقن. تحول نموذج بيرس من مجرد نظرية لتفسير نقر الحمام في صناديق سكينر إلى نظرية مرجعية أساسية في المؤلفات الأكاديمية المعاصرة تعتمد عليها كبريات الجامعات في تدريس مساقات التعلم المعرفي والمقارن، وتلهم علماء الأعصاب للبحث عن النظائر الحيوية لهذه المعادلات داخل الدوائر المشبكية للمخ البشري والحيواني.
11. الأساس العصبي الحيوي للتعلم التكويني: دور الحصين والقشرة المخية
11.1 دور تشكيل الحصين (Hippocampus) في دمج المثيرات التكوينية
لم تتوقف نظرية بيرس عند حدود النمذجة الرياضية والملاحظة السلوكية، بل ألهمت ثورة في العلوم العصبية السلوكية للبحث عن الدوائر الدماغية المسؤولة عن تشفير هذه التمثيلات الكلية. في هذا السياق، برزت فرضية الرابطة التكوينية (Configural Association Theory) التي صاغها العالمان روبرت ساذرلاند وجيري رودي (Sutherland & Rudy, 1989) كإسقاط عصبي حيوي مباشر لأفكار جون بيرس. افترضت هذه النظرية أن تشكيل الحصين (Hippocampal Formation) في الفص الصدغي الإنسي هو الركيزة العصبية المتخصصة في دمج المدخلات الحسية المتباينة وصهرها في تمثيلات تكوينية غير خطية موحدة.
أثبتت مئات الدراسات المعملية اللاحقة صحة هذا التنبؤ العصبي؛ فعند إجراء استئصال جراحي انتقائي أو تعطيل دوائي كيميائي للحصين لدى القوارض عبر حقن مثبطات مثل الإيبوتينيك أسيد (Ibotenic acid) أو الموسيمول (Muscimol)، أظهرت الحيوانات عجزاً تاماً ومطلقاً عن حل مهام النمط السلبي والتمييز ثنائي الشرط. المثير للدهشة هو أن هذه الحيوانات المصابة بتلف الحصين احتفظت بقدرتها التامة على تعلم مهام التمييز البسيطة وحل النمط الإيجابي الكلاسيكي، مما دل على أن مسارات التعلم العنصري الخطي تستمر في العمل بكفاءة عبر الدوائر القشرية والتحت قشرية البسيطة، في حين تنهار منظومة المعالجة التكوينية الشاملة تماماً بغياب الحصين.
يرجع هذا التخصص الحصيني إلى البنية الشبكية المجهرية الفريدة لمنطقة الحصين؛ وتحديداً التلفيف المسنن (Dentate Gyrus) ومناطق الحقول المشبكية (CA3 و CA1). تتولى شبكات CA3 العصبية، بفضل أليافها المتشابكة الذاتية (Recurrent Collaterals)، وظيفة “الفصل البنيوي للأنماط” (Pattern Separation) واستكمالها (Pattern Completion). هذه الآلية الشبكية هي النظير البيولوجي الحقيقي لمعادلات بيرس؛ إذ تقوم بتحويل المدخلات الحسية المتشابهة والمتداخلة إلى أنماط إطلاق عصبي متباعدة وغير متداخلة، مما يمنع التداخل الإدراكي ويوفر القاعدة المادية لتكوين تمثيلات مستقلة للمركبات الحسية المعقدة.
11.2 مساهمات القشرة الأنفية الداخلية والمناطق القشرية الحسية
أظهرت أبحاث العقود الأخيرة أن الحصين لا يعمل بمعزل عن محيطه القشري، بل يتكامل في نسق وظيفي هرمي مع القشرة المحيطة بالأنف (Perirhinal Cortex) والقشرة الشمية الداخلية (Entorhinal Cortex). كشفت أبحاث باحثين مثل إليزابيث موراي (Elisabeth Murray) وغراهام بوشار (Graham Bussey) أن القشرة المحيطة بالأنف تلعب دوراً لا يقل أهمية عن الحصين، وتحديداً في معالجة التكوينات البصرية متعددة الملامح (Visual Feature Configurations).
تقوم القشرة المحيطة بالأنف بدمج الخصائص البصرية المفردة — كاللون والتوجه الفضائي والنسيج الحسي — القادمة من القشرة البصرية البطنية (Ventral Visual Stream)، وتوليد تمثيلات كائنية كلية (Unitary Object Representations). إذا تعرضت هذه المنطقة للتلف، يعجز الكائن الحي عن التمييز بين الصور التي تشترك في ملامح متعددة حتى في غياب شرط التعطيل الحصيني الكامل. يؤكد هذا التكامل الديناميكي أن التعلم التكويني يمثل خاصية ناشئة (Emergent Property) عن شبكة عصبية هرمية تبدأ من القشور الحسية الأولية التي تحلل العناصر المنفصلة، وتمر بالقشور الارتباطية كالقشرة المحيطة بالأنف لتوليد تمثيلات المثيرات المركبة، وتنتهي بالحصين الذي يربط هذه التكوينات بالسياق الزمني والمكاني وبدلالات التعزيز والانطفاء.
أكدت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لدى البشر هذه الخريطة العصبية؛ حيث أظهر المتطوعون نشاطاً متزايداً ومتوافقاً في منطقة الحصين والقشرة المحيطة بالأنف عند إخضاعهم لمهام حاسوبية تتضمن التمييز ثنائي الشرط، مقارنة بتنشيط محدود أثناء مهام الاشتراط الخطي المباشر، مما يثبت تجذر البنية التكوينية التي افترضها بيرس عبر السلم التطوري وصولاً إلى الإنسان.
11.3 الترجمة العصبية لمعادلات التشابه والتعميم
يجد مفهوم “معامل التشابه” الرياضي لبيرس ترجمته المادية الأكثر إبهاراً في دراسات الفيزيولوجيا العصبية لـ المجموعات العصبية المشتركة (Overlapping Neural Ensembles). فعندما يسجل العلماء الأنشطة الكهربائية لمئات الخلايا العصبية المفردة في وقت متزامن، يتبين أن التكوين الحسي ($AB$) لا يُشفر عبر جمع الخلايا المنشطة بواسطة $A$ مع الخلايا المنشطة بواسطة $B$؛ بل يقوم بتنشيط جمهرة خلوية خاصة به عبر ترميز موضعي متفرق (Sparse Coding).
تتطابق نسبة الخلايا العصبية التي تطلق إشاراتها المشتركة عند مواجهة المثير ($AB$) والمثير ($A$) بدقة متناهية مع معاملات التشابه الإدراكي ($S_{AB, A}$) التي استنتجها بيرس في معادلاته عام 1987. عندما يكون التشابه عالياً في معادلة بيرس، يُظهر التسجيل المجهري تداخلاً مشبكياً كبيراً بين المجموعات العصبية المستثارة، بينما ينخفض هذا التداخل المادي الحقيقي كلما تنبأت النظرية بتدهور في التعميم. ومن ثم، فإن مفهوم “تدهور التعميم” ليس مجرد فكرة نظرية أو تجريد رياضي، بل هو التعبير السلوكي المباشر عن فقدان التحفيز المشبكي الفعال في الدوائر العصبية التي تم تدريبها وترميزها داخل أنسجة الجهاز العصبي المركزي.
12. التطبيقات المعاصرة والأبعاد المستقبلية لنظرية بيرس في الذكاء الاصطناعي وعلم النفس
12.1 تطبيقات التعلم التكويني في التعلم الآلي والشبكات العصبية الاصطناعية
مع الثورة الرقمية الحديثة وتطور خوارزميات التعلم الآلي (Machine Learning)، عادت نظرية جون بيرس التكوينية إلى الواجهة المعرفية كملهم تقني لتصميم بنى الشبكات العصبية العميقة (Deep Neural Networks). لطالما عانت الأنظمة الحسابية الذكية من معضلة النسيان الكارثي (Catastrophic Forgetting)، حيث يؤدي تدريب الشبكة على مهام جديدة إلى محو المعرفة السابقة نتيجة التعديل التنافسي المفرط للأوزان المشبكية المشتركة بين العناصر.
استلهم مهندسو الذكاء الاصطناعي من نموذج بيرس آليات التمثيل التكويني المنفصل عبر تطوير شبكات هجينة تدمج المعالجة الموضعية للعناصر بالمعالجة الكلية للتكوينات. في خوارزميات “التعلم القائم على الأمثلة” (Instance-based Learning) ونماذج شبكات الأساس الإشعاعي (Radial Basis Function Networks – RBFN)، تُستخدم دوال التشابه الإدراكي المستوحاة من معادلات بيرس لتحديد مدى قرب المدخلات الجديدة من التمثيلات التكوينية المخزنة مسبقاً، مما يتيح للنظام تصنيف الأنماط والتعرف على الوجوه والمشاهد البصرية المعقدة بدقة غير خطية هائلة دون التأثر بالتشويش الجزئي في المكونات الفردية.
علاوة على ذلك، تعتمد نماذج الرؤية الحاسوبية المتقدمة التي تجمع بين الشبكات العصبية الالتفافية (CNNs) ونماذج المحولات البصرية (Vision Transformers) على مبدأ تكويني بحت؛ إذ تعالج الصورة ليس فقط كمصفوفة بكسلات أو حواف معزولة، بل كعلاقات تكوينية سياقية تربط الكائنات بالخلفية الإجمالية للمشهد، محققة قفزات غير مسبوقة في الفهم الآلي للمشاهد الطبيعية تحاكي النظم المعرفية للكائنات الحية.
12.2 الأبعاد السريرية والمرضية لخلل المعالجة التكوينية لدى البشر
وجدت نظرية بيرس التكوينية تطبيقات سريرية بالغة الأهمية في فهم وتفسير الآليات المرضية لعدد من الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى لدى الإنسان:
- اضطرابات طيف التوحد (Autism Spectrum Disorders): ترتبط نتائج بيرس مباشرة بـ نظرية التماسك المركزي الضعيف (Weak Central Coherence Theory)؛ حيث يُظهر الأفراد ذوو طيف التوحد نزوعاً مفرطاً نحو المعالجة العنصرية التحليلية الدقيقة للأجزاء الفردية، مع قصور ملحوظ في دمج المثيرات في تمثيلات تكوينية كلية، وهو ما يفسر صعوباتهم في إدراك السياقات الاجتماعية التكوينية المركبة وقراءة تعابير الوجوه الشاملة.
- مرض الفصام (Schizophrenia): تشير الأبحاث السريرية العصبية إلى وجود خلل بنيوي في شبكات الحصين وقشرة الفص الجبهي لدى مرضى الفصام، مما يؤدي إلى فشل وظيفي حاد في مهام النمط السلبي والتمييز غير الخطي. ينتج عن هذا العجز ما يُعرف بـ البروز الشاذ (Aberrant Salience)؛ حيث يعجز الدماغ عن تشفير الموقف كمركب كلي غير ضار، فيتعامل مع كل عنصر حسي عابر كإشارة مهددة منفصلة، مما يمهد لتشكل الأوهام البارانوية والتفكير الترابطي المفكك.
- مرض الزهايمر والخرف الوعائي (Alzheimer’s Disease): بما أن مرض الزهايمر يبدأ هجومه التنكسي في القشرة المحيطة بالأنف والحصين، فإن الاختبارات المعرفية القائمة على مهام بيرس التكوينية (مثل اختبارات التمييز ثنائي الشرط الحاسوبية) أصبحت تُستخدم كأدوات تشخيصية مبكرة بالغة الحساسية، قادرة على رصد التدهور العصبي لسنوات قبل ظهور أعراض فقدان الذاكرة الصريحة الكلاسيكية.
12.3 الآفاق البحثية المستقبلية في سيكولوجيا التعلم التكويني
تنفتح أمام نظرية بيرس آفاق بحثية واعدة تمتد إلى ما وراء حدود علم النفس الحيواني الكلاسيكي؛ إذ تتجه الأبحاث المعاصرة نحو فحص كيفية تفاعل الآليات التكوينية مع العمليات اللغوية وبناء المفاهيم المجردة لدى الإنسان. فالمفاهيم اللغوية ليست سوى تكوينات دلالية مركبة من سياقات صوتية ومعنوية متداخلة تحكمها قوانين تشابه دقيقة تشبه تلك التي صاغها بيرس في نماذجه الرياضية.
من الناحية التقنية والبيولوجية، تتيح تقنيات علم الوراثة البصري (Optogenetics) والتحفيز الكيميائي الجيني (DREADDs) لعلماء الأعصاب اليوم إمكانية التدخل المجهري والتحكم اللحظي في المجموعات العصبية المسؤولة عن تشفير “التكوينات” مقابل “العناصر” أثناء أداء مهام بيرس السلوكية. يتيح هذا الربط التجريبي غير المسبوق اختبار الفرضيات الرياضية لنظرية بيرس على المستوى الجزيئي والمشبكي الفعلي بدقة مذهلة.
ختاماً، يعيد علماء النفس الاجتماعي والمعرفي اليوم تقييم نظريات الإدراك الاجتماعي في ضوء النموذج التكويني؛ فالأحكام الإنسانية، والتحيزات النمطية، والتعاطف المشاعري ليست استجابات لعناصر سلوكية منفصلة يظهرها الآخرون، بل هي نتاج تكوينات سياقية معقدة تُدرك ككتلة واحدة في فضاء التفاعل الإنساني، مما يثبت أن الرؤية الكلية التي ناضل جون بيرس لترسيخها قد أصبحت حقيقة لا غنى عنها لفهم الطبيعة المعقدة للإدراك والوعي عبر شتى ميادين العلوم المعرفية.
خاتمة
تظل تجربة ونظرية التعلم التكويني لجون بيرس شاهداً تاريخياً على قوة الفكر العلمي القائم على التوليف الإبداعي بين المدارس الفكرية المتباينة. فمن خلال دمج العمق الإدراكي الشمولي لمدرسة الجشتالت بالصرامة التجريبية والرياضية للسلوكية والاشتراط المقارن، نجح بيرس في تحرير علم النفس التجريبي من أسر النماذج الخطية الاختزالية التي عجزت عن مواكبة تعقيد السلوك الطبيعي.
لم يقتصر إنجاز بيرس على إثبات أن “الكل في التعلم يختلف وظيفياً عن مجموع عناصره الترابطية”، بل تجاوز ذلك ليمنح هذا المفهوم صياغة رياضية محكمة تنبأت بدقة كمية بمسارات السلوك في أصعب المهام الإدراكية، مثل النمط السلبي والتمييز ثنائي الشرط. وقد امتد هذا الأثر ليعيد كتابة فصول كاملة في العلوم العصبية المعرفية؛ موجهاً بوصلة الأبحاث نحو الدور المحوري للحصين والقشرة المحيطة بالأنف في صهر المدخلات الحسية وتوليد التمثيلات غير الخطية.
واليوم، تبرهن التطبيقات المتسارعة لنظرية بيرس في ميادين الذكاء الاصطناعي، وتشخيص الاعتلالات النفسية والعصبية، وتفسير الإدراك الاجتماعي، على أن هذا النموذج لم يكن مجرد محاولة عابرة لحل مشكلات مخبرية ضيقة، بل هو نظرية معرفية أصيلة وعميقة تقدم تفسيراً متيناً لكيفية نجاة وتكيف الكائنات الحية داخل بيئة حسية دائمة التعقيد والتغير.
المراجع
- Bussey, T. J., & Saksida, L. M. (2002). The organization of visual object representations: A neurocomputational theory of perirhinal cortex function. European Journal of Neuroscience, 15(2), 355-364. https://doi.org/10.1046/j.0953-816x.2001.01851.x
- Kamin, L. J. (1969). Predictability, surprise, attention, and conditioning. In B. A. Campbell & R. M. Church (Eds.), Punishment and aversive behavior (pp. 279-296). Appleton-Century-Crofts.
- Pearce, J. M. (1987). A model for stimulus generalization in conditioning. Psychological Review, 94(1), 61-73. https://doi.org/10.1037/0033-295X.94.1.61
- Pearce, J. M. (1994). Similarity and discrimination: A selective review and a connectionist model. Psychological Review, 101(4), 587-607. https://doi.org/10.1037/0033-295X.101.4.587
- Pearce, J. M. (2002). Evaluation and development of a connectionist theory of configural learning. Quarterly Journal of Experimental Psychology Section B: Comparative and Physiological Psychology, 55(4), 289-304. https://doi.org/10.1080/02724990244000109
- Rescorla, R. A. (1973). Evidence for “unique stimulus” account of configural conditioning. Journal of Comparative and Physiological Psychology, 85(2), 331-338. https://doi.org/10.1037/h0035046
- Rescorla, R. A., & Wagner, A. R. (1972). A theory of Pavlovian conditioning: Variations in the effectiveness of reinforcement and nonreinforcement. In A. H. Black & W. F. Prokasy (Eds.), Classical conditioning II: Current research and theory (pp. 64-99). Appleton-Century-Crofts.
- Rudy, J. W., & Sutherland, R. J. (1995). Configural association theory and the hippocampal formation: An appraisal and reconfiguration. Hippocampus, 5(5), 375-389. https://doi.org/10.1002/hipo.450050502
- Sutherland, R. J., & Rudy, J. W. (1989). Configural association theory: The role of the hippocampal formation in learning, memory, and amnesia. Psychobiology, 17(2), 129-144. https://doi.org/10.3758/BF03337770
- Wagner, A. R. (2003). Context-sensitive elemental conditioning: The replaced-elements model (REM). Learning & Behavior, 31(3), 214-227. https://doi.org/10.3758/BF03195984