شكّلت تجربة «ألبرت الصغير» (Little Albert)، التي أجراها عالم النفس الأمريكي جون برودوس واطسون بمشاركة باحثته المساعدة وزميلته روزالي راينر في أواخر عام 1919 ونُشرت نتائجها عام 1920 في «مجلة علم النفس التجريبي»، نقطة تحول مفصلية وزلزالاً إبستمولوجياً في تاريخ العلوم الإنسانية بعامة، وعلم النفس السلوكي بخاصة. ففي ذلك الوقت، كان المشهد السيكولوجي يترنح بين نظريتين مهيمنتين تفتقران – في نظر واطسون – إلى الصرامة التجريبية؛ أولاهما البنائية الألمانية التي أسسها فيلهلم فونت وتبناها إدوارد تيتشنر، والتي اعتمدت على الاستبطان الذاتي سبيلاً وسيطاً لفهم الوعي، والأخرى هي نظرية التحليل النفسي الفرويدية التي انبثقت من فيينا، معيدةً جذور الانفعالات والأمراض العصبية والمخاوف المرضية (الرهاب) إلى رغبات جنسية مكبوتة، وصراعات طفولية لاواعية تسكن أعماق «الهو» و«الأنا».
في خضم هذا الصراع الفكري، جاءت التجربة لتطرح رؤية تجريدية مختلفة كلياً: هل يمكن تفكيك البنية المعقدة للمشاعر الإنسانية، وتحديداً عاطفة «الخوف»، وإعادة تركيبها داخل المختبر بوصفها مجرد استجابة فسيولوجية حركية قابلة للتنبؤ والضبط والتوجيه؟ اتخذ واطسون وراينر من رضيع لم يتجاوز شهره الحادي عشر، أُطلق عليه اسماً مستعاراً هو «ألبرت ب.»، موضوعاً لاختبار فرضية جريئة تنص على أن الانفعالات البشرية ليست ظواهر غيبية أو ديناميات نفسية مبهمة، بل هي أفعال منعكسة شرطية تتشكل عبر آليات الاقتران البيئي البسيط المستعارة من أبحاث إيفان بافلوف على الحيوانات. ومن خلال تعريض هذا الطفل لسلسلة من المثيرات المحايدة مقرونة بمثيرات صوتية مفزعة، سعت التجربة إلى برهنة أن العواطف يمكن هندستها مخبرياً، وأن الرهاب ليس سوى نتاج لتعلم سلوكي خاطئ.
غير أن هذه التجربة، التي تبوأت مكانة أيقونية بوصفها الحجر الأساس لما عُرف لاحقاً بـ «السلوكية الراديكالية»، لم تكن مجرد نصر علمي لمنهج الملاحظة الموضوعية، بل تحولت عبر العقود إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل الأخلاقي والمنهجي والتاريخي في تاريخ العلوم الحديثة. لقد كشفت التجربة عن هوة سحيقة بين الطموح الأكاديمي المتعطش لليقين المادي وبين المقتضيات الأخلاقية لحماية الكرامة الإنسانية وحقوق الفئات المستضعفة. يستقصي هذا المقال البحثي الموسع كافة الأبعاد المعرفية، والتاريخية، والإجرائية، والأخلاقية، والعيادية لتجربة ألبرت الصغير، متتبعاً مساراتها التأسيسية وتداعياتها الممتدة حتى عصر علم الأعصاب الإدراكي المعاصر.
1. السياق التاريخي والفكري لظهور المدرسة السلوكية وتجربة ألبرت الصغير
1.1 أزمة الاستبطان وصعود النزعة الوضعية في علم النفس
مع مطلع القرن العشرين، وجد علم النفس نفسه في مأزق منهجي حاد كاد يعصف بمشروعية اعتباره علماً مستقلاً بذاته. فقد سادت المدرسة البنائية (Structuralism) التي أسسها فيلهلم فونت ونقلها إدوارد تيتشنر إلى الولايات المتحدة، وكان قوامها محاولة تشريح بنية العقل البشري وتحليل عناصر الوعي الأولية (الإحساسات، المشاعر، الصور الذهنية) عبر منهج «الاستبطان التجريبي» (Introspection). بيد أن هذا المنهج عانى من عيب بنيوي لا يمكن تجاوزه، وهو انعدام الموضوعية؛ فالملاحظ هو ذاته موضوع الملاحظة، ولا يمكن لأي باحث خارجي أن يعاين أو يقيس أو يكرر ما يدور داخل استبطان شخص آخر، مما جعل النتائج تتضارب بتضارب المختبرات والأشخاص، وفتح الباب واسعاً أمام الشكوك العلمية.
في المقابل، كانت رياح الفلسفة الوضعية (Positivism)، التي أرسى دعائمها أوغست كونت وتطورت عبر التجريبية المنطقية، تهب بقوة على شتى حقول العلوم الطبيعية. نادت الوضعية بضرورة استبعاد كل ما لا يمكن رصده بالحواس أو قياسه مخبرياً، واعتبرت أن البحث في الميتافيزيقا أو الكينونات غير المرئية كـ «الروح» أو «العقل غير المجسد» مضيعة للجهد العلمي. تأثر واطسون بهذا التيار الفلسفي تأثراً عميقاً، ورأى أن علم النفس إذا أراد أن يحظى بالاعتراف الممنوح للفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، فعليه أن يقطع صلته تماماً بدراسة «الوعي» وأن يتخلى عن مصطلحات مثل الإحساس، والإدراك، والدافع الداخلي، ويستبدلها بدراسة السلوك الظاهري الملاحظ والقابل للقياس الإحصائي.
بلغ هذا التحول ذروته التأسيسية عام 1913 عندما نشر واطسون ورقته العلمية الشهيرة بعنوان: «علم النفس كما يراه السلوكي» (Psychology as the Behaviorist Views It)، والتي عُرفت تاريخياً بـ «بيان السلوكية» (Behaviorist Manifesto). في هذا البيان الثوري، أعلن واطسون قطيعة معرفية كاملة مع التراث السيكولوجي الكلاسيكي، مؤكداً أن:
- الهدف النهائي لعلم النفس ليس فهم حالات الوعي الباطني، بل التنبؤ بالسلوك وضبطه وتوجيهه وفق معادلة (مثير – استجابة).
- السلوك البشري وسلوك الحيوان يقعان على خط تطوري متصل، وما ينطبق على النماذج الفسيولوجية الحيوانية يمكن تطبيقه على الإنسان دون حاجة لافتراض كيان نفسي مفارق.
- إسقاط الاستبطان واعتماد الملاحظة الموضوعية، واستخدام الاختبارات والأجهزة الفسيولوجية كمصادر وحيدة للبيانات الموثوقة.
1.2 المناخ العلمي في جامعة جونز هوبكنز مطلع القرن العشرين
في هذا التوقيت، كانت جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور تمثل معقلاً للثورة العلمية والطبية في الولايات المتحدة؛ إذ وفرت بيئة أكاديمية مشبعة بروح البحث المخبري والتجريب الفيزيولوجي، متأثرة بالتقاليد الألمانية الصارمة. تولى واطسون رئاسة قسم علم النفس هناك، وأسس مختبراً مجهزاً لدراسة سلوك الحيوانات، واكتسب صيتاً واسعاً من خلال أبحاثه الرائدة على الطيور والقرود والجرذان، وتحديداً حول كيفية تعلمها اجتياز المتاهات وتشكيل العادات الحركية عبر آليات الاقتران والتكرار.
لكن طموح واطسون لم يكن ليتوقف عند حدود المملكة الحيوانية؛ فقد كان مدفوعاً برغبة إبستمولوجية عارمة لإثبات أن الكائن البشري ليس استثناءً من هذه القوانين البيولوجية الميكانيكية. كان يرى أن دراسة الطفل والرضيع هي المفتاح الذهبي لحل لغز السلوك الإنساني، لأن الرضيع يمثل – وفق منظوره – مادة خاماً لم تلوثها بعد العادات الاجتماعية المعقدة والتقاليد الثقافية؛ إنه صفحة بيضاء (Tabula Rasa) فسيولوجية يمكن من خلالها رصد كيفية تراكب المنعكسات الشرطية خطوة بخطوة.
في هذا المناخ شديد التحفيز والتنافس، التحقت الشابة روزالي راينر بالجامعة كطالبة دراسات عليا، وسرعان ما لفتت انتباه واطسون بذكائها الحاد وشغفها بالبحث التجريبي. نشأت بينهما شراكة بحثية وثيقة؛ حيث تضافرت خبرة واطسون النظرية ومنهجيته الصارمة مع مهارة راينر الفائقة في التعامل مع الأطفال والرضع، وإدارتها الدقيقة لجلسات الملاحظة وتوثيق السلوكيات بالتدوين والتصوير، مما هيأ المناخ لإطلاق التجربة الأكثر إثارة للجدل في تاريخ علم النفس السلوكي.
1.3 الهدف البحثي لصياغة فرضيات التجربة
انطلقت تجربة ألبرت الصغير من رغبة واطسون وراينر في صياغة إجابات تجريبية قاطعة عن ثلاثة أسئلة محورية ظلت تؤرق منظري السلوك، وهي أسئلة شكلت لاحقاً الفرضيات الأساسية للبحث المنشور عام 1920:
- إمكانية إشراط الخوف: هل يمكن غرس استجابة انفعالية معقدة، وتحديداً الخوف من حيوان أليف (كالفأر الأبيض)، في طفل رضيع من خلال إقران رؤية الحيوان بمثير منفر بطبيعته ومفزع فسيولوجياً (صوت صاخب مفاجئ)؟
- تعميم المثير: إذا نجح تشكيل هذا الخوف المشروط مخبرياً، فهل ستنتقل هذه الاستجابة الانفعالية وتتمدد تلقائياً لتشمل حيوانات أخرى أو كائنات وجمادات تشترك مع المثير الأصلي في صفات فيزيائية ملموسة كالفراء الأبيض والملمس الناعم؟
- أثر الزمن والبيئة: كم من الوقت ستبقى هذه الاستجابة الخوفية المكتسبة حية وفعالة في مخزون سلوك الرضيع إذا تُرك دون تدخل؟ وهل تنتقل الاستجابة عبر بيئات مختلفة أم تظل حبيسة غرفة الاختبار الأصلية؟
علاوة على هذه الأهداف التجريبية الظاهرة، كانت هناك معركة أيديولوجية غير معلنة يقودها واطسون ضد نظرية التحليل النفسي التي كان يقودها سيغموند فرويد. فقد كان التحليل النفسي يؤكد أن المخاوف المرضية (Phobias) تنشأ عن صراعات لاواعية وعقد نفسية مكبوتة تتصل بالدوافع الجنسية والعدوانية في الطفولة المبكرة، كعقدة أوديب وقلق الخصاء. أراد واطسون تقويض هذا الصرح الفرويدي من أساسه عبر إثبات تجريبي بسيط وساحق: الرهاب ليس سوى نتيجة مباشرة لاقتران شرطي عَرَضي في البيئة الفيزيائية، ولا حاجة البتة لافتراض قوى غيبية أو «لاشعور» مبهم لتفسير سلوك إنساني يمكن تشكيله وإعادة إنتاجه وتفكيكه بمطرقة وقضيب حديدي في غرفة مختبر.
2. السيرة الأكاديمية والمهنية للباحثَين: جون ب. واطسون وروزالي راينر
2.1 جون ب. واطسون: رائد السلوكية الراديكالية
وُلد جون برودوس واطسون (1878-1958) في ساوث كارولينا لعائلة ريفية عانت من اضطرابات أسرية حادة، وواجه بدايات متعثرة وميلا إلى التمرد والسلوكيات الفوضوية في شبابه. غير أن دخوله جامعة فورمان، ثم انتقاله لاحقاً إلى جامعة شيكاغو، شكلا نقطة تحول حاسمة في مسار حياته الفكرية. في شيكاغو، تتلمذ واطسون على يد كبار رواد الوظيفية كـ جون ديوي وجيمس رولاند أنجيل، لكنه وجد ضالته الحقيقية في علم الأعصاب والبيولوجيا المقارنة تحت إشراف جاك لوب وهنري دونالدسون. أعد أطروحته للدكتوراه حول النضج العصبي والتعلم لدى الجرذان البيضاء، مبرهناً على وجود علاقة طردية بين تكون غمد الميالين حول الألياف العصبية وتطور القدرة على حل المتاهات.
عيّنته جامعة جونز هوبكنز أستاذاً لعلم النفس التجريبي والمقارن في عام 1908، وسرعان ما قفز إلى صدارة المشهد الأكاديمي بفضل بلاغته الفائقة وطرحه الراديكالي الصارم. انتُخب رئيساً لجمعية علم النفس الأمريكية (APA) عام 1915 وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره. تميز مشروعه العلمي بالسعي المستميت لتحويل علم النفس إلى أداة للهندسة الاجتماعية، مؤكداً في اقتباسه الأيقوني الشهير قدرته – لو أُتيح له اثنا عشر طفلاً سليمي البنية وبيئة محددة يسيطر عليها بالكامل – على تدريب أي منهم ليصبح متخصصاً في أي مجال يختاره (طبيباً، أو محامياً، أو فناناً، أو حتى متسولاً ولصاً)، بصرف النظر عن مواهبهم وميولهم وسلالة أسلافهم.
غير أن هذه المسيرة الأكاديمية المتألقة انتهت نهاية تراجيدية ومفاجئة أواخر عام 1920؛ فبينما كان منغمساً في استكمال أبحاثه حول الرضع، تفجرت فضيحة شخصية كبرى عندما اكتشفت زوجته الأولى مراسلات غرامية سرية تربطه بطالبته ومساعدته البحثية روزالي راينر. أثارت القضية ضجة أخلاقية واجتماعية عارمة في الأوساط الأكاديمية المحافظة ببالتيمور، ما دفع رئيس جامعة جونز هوبكنز إلى إجبار واطسون على تقديم استقالته الفورية. طُرد واطسون من الحقل الجامعي للأبد، وأُغلقت أمامه أبواب التدريس والبحث الأكاديمي الممول.
إثر هذه الصدمة، نقل واطسون طاقاته وخبراته السلوكية إلى عالم الدعاية والإعلان في نيويورك، حيث انضم إلى وكالة «جيه. والتر طومسون» (J. Walter Thompson). نجح واطسون نجاحاً منقطع النظير في تطبيق مبادئ الإشراط الكلاسيكي ونظريات المثير والاستجابة على سلوك المستهلك، متجاوزاً التركيز على المزايا العقلانية للسلع إلى إثارة الانفعالات الأساسية (الخوف، والحب، والمكانة الاجتماعية) لربطها بالمنتجات التجارية، واضعاً بذلك الأسس الأولى للإعلان السيكولوجي والتسويق الحديث، ومحققاً ثروة طائلة نأت به عن الفقر الأكاديمي.
2.2 روزالي راينر: الباحثة والشريكة العلمية المنسية
وُلدت روزالي رينر (1898-1935) لأسرة عريقة وثرية وذات نفوذ سياسي واقتصادي بارز في بالتيمور؛ إذ كان عمها عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، وكان والدها رجل أعمال بارزاً يدعم المشاريع التعليمية والخيرية. تخرجت راينر بامتياز من كلية فاسار المرموقة عام 1919، وهي مؤسسة كانت رائدة في تمكين النساء من التعليم العالي والبحثي، ثم التحقت فوراً بجامعة جونز هوبكنز لنيل درجة الماجستير في علم النفس، حيث التقت بواطسون وأصبحت مساعدته البحثية الرئيسة.
لعبت راينر دوراً حاسماً في تنفيذ تجربة ألبرت الصغير لم يُعط حقه في السرديات التاريخية التقليدية لعلم النفس. فقد كانت هي المسؤولة المباشرة عن التفاعل الإنساني مع الرضيع؛ جلست معه على طاولة الفحص، وقدمت له المثيرات الحيوانية المختلفة، وراقبت وسجلت استجاباته بدقة متناهية، وكانت تدير أجهزة التوثيق في أوقات دقيقة وحرجة. كما أن مقال 1920 التأسيسي في «مجلة علم النفس التجريبي» نُشر تحت اسمين مشتركين: جون ب. واطسون وروزالي راينر، مما يؤكد شراكتها الفكرية الكاملة في التخطيط والتنفيذ والتحليل، وليس مجرد كونها مساعدة فنية هامشية.
بعد زواجها من واطسون عقب الفضيحة وطلاقه، واصلت راينر إسهاماتها الفكرية المعتبرة؛ فشاركت في تأليف كتاب واطسون الشهير عام 1928: «الرعاية النفسية للرضيع والطفل» (Psychological Care of Infant and Child)، وهو الكتاب الذي دعا إلى تنشئة صارمة قائمة على ضبط المثيرات، وتجنب الإفراط في إظهار العواطف الجسدية والتودد للطفل كالعناق والتقبيل، لكي ينشأ مستقلاً وقوياً وسلوكياً منضبطاً. غير أن راينر نشرت عام 1930 مقالاً لافتاً في مجلة «Parents’ Magazine» بعنوان «أنا أم لأبناء السلوكية» (I Am a Mother of Behaviorist Sons)، كشفت فيه عن صراع داخلي عميق وعاطفي حيال القسوة النظرية للسلوكية، معترفةً بأنها تجد صعوبة بالغة في كبح مشاعر الأمومة الدافئة والغريزية تجاه أطفالها التزاماً بنظريات زوجها الصارمة. توفيت روزالي راينر مبكراً وبشكل مأساوي عام 1935 عن عمر يناهز السادسة والثلاثين فقط، إثر إصابتها بالزحار (الدوسنتاريا)، تاركةً إرثاً علمياً كبيراً طمسته لسنوات طويلة الهيمنة الذكورية وتداعيات الفضيحة الاجتماعية التي لحقت بها.
3. الأسس النظرية للتجربة: من الإشراط الكلاسيكي لبافلوف إلى السلوكية الإنسانية
3.1 تكييف نموذج بافلوف الفسيولوجي وتطبيقه على الانفعالات الإنسانية
لا يمكن فهم الإطار النظري لتجربة ألبرت الصغير بمعزل عن الاكتشافات الفسيولوجية الرائدة التي حققها العالم الروسي الحائز على جائزة نوبل إيفان بافلوف في مطلع القرن العشرين. كان بافلوف يدرس كيمياء الجهاز الهضمي والمنعكسات الفسيولوجية لدى الكلاب، فلاحظ ظاهرة أطلق عليها «الإفراز النفسي» أو «المنعكس الشرطي» (Conditioned Reflex)؛ حيث بدأ لعاب الكلاب يسيل ليس فقط عند تذوق مسحوق اللحم، بل بمجرد سماع خطوات الحارس أو رنين جرس مقترن بتقديم الطعام.
استوعب واطسون النموذج البافلوفي الرباعي الأركان بعمق، وأعاد صياغته ليتجاوز الإفرازات الفسيولوجية البسيطة (كاللعاب والعصارات المعدية) إلى الاستجابات الانفعالية والسلوكية الحركية المعقدة لدى البشر. بنيت هذه المعادلة على أسس صارمة:
- المثير غير الشرطي (Unconditioned Stimulus – UCS): مثير بيئي يمتلك قدرة فطرية وغير مكتسبة على إطلاق استجابة فسيولوجية أو انفعالية تلقائية دون تعلم مسبق.
- الاستجابة غير الشرطية (Unconditioned Response – UCR): رد الفعل البيولوجي التلقائي والفطري الذي يستثيره المثير غير الشرطي بشكل حتمي ومباشر.
- المثير الشرطي (Conditioned Stimulus – CS): مثير محايد أصلاً في البيئة لا يثير بمفرده تلك الاستجابة المنعكسة، لكنه يكتسب هذه القدرة من خلال اقترانه الزمني والمكاني المتكرر بالمثير غير الشرطي.
- الاستجابة الشرطية (Conditioned Response – CR): الاستجابة المتعلمة المكتسبة التي تنطلق لاحقاً بمجرد ظهور المثير الشرطي منفرداً، محاكية للاستجابة الأصلية غير الشرطية.
أدرك واطسون أن نقل هذا النموذج من اللعاب والكلاب إلى الجهاز العصبي للإنسان يتطلب شجاعة منهجية لإثبات أن الدماغ البشري يتعامل مع المثيرات الانفعالية بالطريقة الفسيولوجية الميكانيكية ذاتها التي تسير عمل المنعكسات الحركية، وأن السلوك الإنساني برمته عبارة عن سلسلة متراكبة من المنعكسات الشرطية المتشابكة.
3.2 الانفعالات الفطرية ومثيراتها الطبيعية عند الرضع
في إطار مساعيه لوضع تصنيف أولي للسلوك الفطري لدى الإنسان، أجرى واطسون مئات الملاحظات السريرية على المواليد الجدد في مستشفى هارييت لين هوم (Harriet Lane Home) التابع لجامعة جونز هوبكنز. وتوصل من خلال هذه الملاحظات إلى استنتاج مفاده أن الكائن البشري يولد ولديه ثلاث استجابات انفعالية فطرية غير متعلمة فقط، وكل استجابة منها مرتبطة بمثيرات بيئية محددة بدقة بالغة:
- الخوف (Fear): ويستثار فطرياً بمثيرين لا غير: الأصوات الفجائية المدوية والحادة، أو فقدان الدعم الفيزيائي المفاجئ (الشعور بالسقوط). وتتمثل الاستجابة الفطرية غير الشرطية في: انحباس الأنفاس المفاجئ، والانتفاض الحركي العام للجسم، والبكاء الهستيري، وارتعاد الأطراف، ومحاولة الزحف السريع بعيداً.
- الغضب (Rage): ويستثار فطرياً بمثير وحيد هو الإعاقة الجسدية المباشرة للحركة (تقييد حركة أذرع الرضيع أو ساقيه). وتتمثل الاستجابة في تصلب الجسد، والصراخ المستمر، واحمرار الوجه، وحركات الركل العنيفة.
- الحب/العاطفة (Love): ويستثار فطرياً بمداعبة الجلد، والتربيت الخفيف، والتدليك، والهدهدة. وتتمثل الاستجابة في الهدوء، وصدور أصوات المناغاة الرقيقة، وتمدد الجسم، والابتسام.
انطلاقاً من هذا التحديد الصارم، بنى واطسون فرضيته الكبرى: إذا كان الرضيع لا يخاف فطرياً من أي كائن مادي أو حيوان في الطبيعة (كالظلام، والأفاعي، والفئران، والنار، والكلاب)، وكانت هذه المثيرات في أصلها مثيرات محايدة (Neutral Stimuli)، فإن كل المخاوف المعقدة والرهابات المتنوعة التي تظهر عند البالغين يجب بالضرورة أن تكون «استجابات انفعالية شرطية» تم اكتسابها عبر الحياة من خلال الاقتران المتزامن والمصادف بين هذه المثيرات المحايدة وتلك المثيرات الفطرية الصادمة (الأصوات العالية أو السقوط). ومن هنا، تقرر أن تكون التجربة محاكاة معملية دقيقة لهذه العملية الطبيعية المزعومة.
4. منهجية التجربة وإجراءات الإعداد واختيار الرضيع
4.1 معايير اختيار المفحوص: الملف النمائي لـ ‘ألبرت الصغير’
لاختبار هذه الفرضية، بحث واطسون وراينر عن رضيع تتوافر فيه خصائص نفسية وبدنية استثنائية لضمان سلامة الإجراءات التجريبية وعدم تداخل العوامل الخارجية. اختير الطفل المعروف في الأدبيات السيكولوجية باسم «ألبرت ب.» (Little Albert)، والذي كان يبلغ من العمر حوالي تسعة أشهر عند بدء الفحوصات الاستكشافية الأولية. وقد استند هذا الاختيار إلى معايير دقيقة فصّلها واطسون في تقريره الأكاديمي عام 1920:
- الاستقرار العاطفي والمزاجي: وُصف ألبرت بأنه طفل «بلغمي» الطباع، يتمتع بهدوء غير عادي، ونادراً ما يبكي أو يبدي انزعاجاً مفرطاً؛ فقد كان طفلاً رابط الجأش وممتلئ الجسم، يميل إلى مواجهة العالم الخارجي بفضول واسترخاء ملحوظين. رأى واطسون أن هذه الصلابة المزاجية والجمود الانفعالي يمثلان ميزة حاسمة؛ حيث سيتيحان للباحثين فرصة اختبار إمكانية غرس الخوف في كائن لا يستثار بسهولة، مع تقليل احتمالية إلحاق أذى دائم به، بحسب التقدير الأولي للباحثَين.
- البيئة السكنية والعزل المؤسسي: كان ألبرت يعيش داخل أسوار المستشفى طوال حياته؛ إذ كانت والدته تعمل ممرضة ومرضعة مقيمة في مستشفى هارييت لين هوم لرعاية الأطفال. وفر هذا الوضع للباحثين ميزة ذهبية تتمثل في القدرة على مراقبة بيئة الطفل والتحكم التام في المثيرات التي يتعرض لها يومياً، والتأكد من أنه لم يتعرض لأي تجارب خوف خارجية قد تشوش على نتائج المختبر.
4.2 الاختبارات القبلية وقياس خط الأساس السلوكي للمثيرات
قبل الشروع في أي إجراءات إشراطية، كان من الضروري جداً بموجب قواعد المنهج التجريبي قياس خط الأساس السلوكي (Baseline Measure) للمفحوص، وذلك للتأكد القاطع من حيادية المثيرات التي ستُستخدم لاحقاً، ولإثبات أن الطفل لا يحمل أي خوف مسبق منها. عُرض ألبرت في سن تسعة أشهر تقريباً لسلسلة متتابعة من المثيرات الحية والجمادات للمرة الأولى في حياته، شملت ما يأتي:
- فأراً أبيض مختبرياً حياً يتحرك بنشاط.
- أرنباً أبيض ذا فراء ناعم.
- كلباً صغيراً أليفاً نشط الحركة.
- قرداً صغيراً يقفز ويتحرك على نحو متسارع.
- أقنعة ورقية وبلاستيكية متنوعة، من بينها قناع ذو وجه بشري ولحية، وقناع تنكري لـ «سانتا كلوز» (بابا نويل).
- كتلاً من الصوف القطني الأبيض غير المغزول.
- ورق صحف مشتعلاً بالنار يقدم أمامه مباشرة.
كانت النتيجة حاسمة وموثقة بالكامل: لم يُظهر ألبرت أي ذرة من الخوف، أو التراجع، أو البكاء حيال أي من هذه المثيرات قاطبة. بل على النقيض من ذلك تماماً، أظهر استجابات استكشافية إيجابية اتسمت بالفضول التام والمناغاة الهادئة؛ فكان يمد ذراعيه الصغيرتين محاولاً لمس الفأر الأبيض، ومداعبة فرو الأرنب، والاقتراب من الكلب وفحص الصوف بأصابعه بل ومحاولة مصه. سجل واطسون وراينر هذا السلوك بوصفه تأكيداً لا لبس فيه على أن هذه الكائنات والجمادات هي «مثيرات محايدة تماماً» لا ترتبط بأي منعكس غير شرطي سلبي.
في المرحلة التالية مباشرة، تم فحص المثير غير الشرطي (UCS) المحتمل لاختبار ما إذا كان الطفل يمتلك رد فعل الخوف الفطري الطبيعي. وُضع ألبرت على طاولة وسط الغرفة، ووقف واطسون خلفه تماماً بحيث يكون غير مرئي في مجاله البصري، ممسكاً بقضيب حديدي من الصلب الصلب يبلغ طوله حوالي متر، ومطرقة ثقيلة. وبضربة مفاجئة وعنيفة على القضيب المعدني مباشرة خلف رأس الطفل، دوى صوت حاد ومفزع للغاية. كانت النتيجة الفورية هي تأكيد رد الفعل الفطري المتوقع: انحبس نفس الطفل، وقفز جسده بحدة إلى الأمام، وسقط وجهه في الفراش، وبدأ يجهش بالبكاء الشديد ويسحب أطرافه. أُعيد الاختبار مرة ثانية بعد فترة راحة، فأعطى النتيجة ذاتها. وبذلك تحدد قطبا التجربة بدقة علمية: الفأر الأبيض كمثير محايد، والصوت المعدني العنيف كمثير غير شرطي فسيولوجي مفزع.
4.3 بيئة التجربة وتجهيزات التوثيق البصري
أُعدت بيئة التجربة في غرفة فسيحة ومعزولة نسبياً داخل مختبر علم النفس في جونز هوبكنز، وذلك للحد من أي تشويش صوتي أو بصري خارجي قد يؤثر على حواس الرضيع. وُضع في منتصف الغرفة طاولة كبيرة مغطاة بفراش من القماش الأبيض الناعم، ليجلس عليها ألبرت حراً في الحركة وتغيير وضعية جسده بحرية دون قيود تعيق حركته الظاهرة.
كان من أبرز التطورات التكنولوجية التي وظفها واطسون في هذه الدراسة استخدامه المتقدم لكاميرا سينمائية متحركة (Motion Picture Camera). أتاح التصوير السينمائي توثيقاً زمنياً لحظياً لحركات الطفل، وتعبيرات وجهه، وتغيرات حدقة عينه، ووضعيات أطرافه، وسرعة استجاباته التجنبية في كافة المراحل. وقد نجا جزء كبير من هذا الفيلم التاريخي الصامت، ليبقى حتى يومنا هذا وثيقة بصرية وأرشيفية بالغة القيمة تكشف بالدليل الحسي المباشر تفاصيل السلوك البشري تحت وطأة التجريب السلوكي القاسي.
5. المراحل الإجرائية لتجربة ألبرت الصغير: خطوات إحداث الإشراط الانفعالي
5.1 المرحلة الأولى: الاقتران الشرطي بين الفأر الأبيض والصوت الصاخب
بدأت جلسات الإشراط الفعلي عندما بلغ ألبرت من العمر 11 شهراً وثلاثة أيام بالتمام والكمال؛ وهي فترة فاصلة استهدفت التأكد من نضج جهازه الحركي والعضلي بما يمكنه من التفاعل النشط مع المثيرات. أُحضر الطفل إلى المختبر ووُضع في وضعية الجلوس على الطاولة المجهزة، حيث اتسمت الجلسة الأولى بالخطوات الإجرائية المتسلسلة الآتية:
- المحاولة الأولى: أُخرج الفأر الأبيض المعملي من قفصه وقُدم للطفل بهدوء؛ فمد ألبرت يده اليسرى تلقائياً وبدافع الفضول نحو الفأر لمسه، وفي اللحظة الدقيقة التي لامست فيها أصابعه فراء الحيوان، هوى واطسون بالمطرقة الثقيلة على القضيب الفولاذي المعلق خلف رأس الرضيع. انتفض ألبرت انتفاضاً عنيفاً وسقط على وجهه فوراً، لكنه كتم صراخه ودفن رأسه في الفراش.
- المحاولة الثانية: بعد مرور دقائق قليلة لتهدئة روع الطفل واستعادة توازنه الحركي، مُد الفأر الأبيض مرة أخرى. تردد ألبرت قليلاً، ثم مد يده اليمنى هذه المرة بحذر شديد ليلمس الفأر؛ وفي الجزء من الثانية ذاته ضرب الباحث القضيب مجدداً. انتفض الطفل مرة أخرى بعنف، وسقط إلى الأمام وبدأ يصدر صوتاً خافتاً من الأنين الحزين.
قرر الباحثان على الفور تعليق الجلسة لمدة أسبوع كامل، تجنباً لإنهاك الرضيع أو إحداث صدمة نفسية سريعة تعكر صفو الملاحظة المنضبطة، ولرصد ما إذا كان هذا الاقتران الأولي سيترك أثراً طويل المدى في بنية استجابته.
5.2 المرحلة الثانية: تكرار الاقتران وتثبيت الاستجابة الشرطية
عاد ألبرت إلى المختبر بعد انقضاء الأيام السبعة، وهو في سن 11 شهراً وعشرة أيام. بدأ الباحثان هذه الجلسة الحاسمة باختبار استكشافي دون صوت، لمعرفة ما إذا كان أثر الجلسة السابقة قد استقر في سلوكه. قُدم الفأر بمفرده؛ فرُصد تغير جذري في نمط التفاعل: كان ألبرت يثبت بصره على الحيوان بتركيز مريب، لكنه سحب يديه تماماً إلى صدره ورفض رفضاً قاطعاً مد أصابعه نحوه، وحين قُرّب الفأر منه أكثر تراجع بجسده ببطء. كان هذا مؤشراً أولياً على تشكل «كف سلوكي» (Behavioral Inhibition).
عقب ذلك، خضع الطفل لبروتوكول مكثف شمل خمس محاولات إشراطية متتالية ومتزامنة بدقة، جمعت بين اللمس وظهور الصوت الفجائي المفزع. توالت الضربات مع كل اقتراب أو تلامس، فتطورت استجابات الرضيع تباعاً على النحو الآتي:
- في المحاولتين الثالثة والرابعة، بدأ الطفل يرتعد فور رؤية الفأر حتى قبل أن تلمسه يده، مصحوباً بارتعاش في الشفتين وتحول لونه إلى الشحوب.
- في المحاولتين الخامسة والسادسة، امتزج الخوف بالرعب الحركي؛ إذ لم يعد يقتصر الأمر على الانتفاض الفوري، بل بدأ ألبرت يطلق صرخات بكاء هستيرية متقطعة، محاولاً الاستدارة بجسده بالكامل للابتعاد عن الحيوان.
- مع انتهاء المحاولة السابعة المقترنة، تحول الفأر الأبيض رسمياً ونهائياً من «مثير محايد» لا قيمة انفعالية له إلى «مثير شرطي فعال» قادر بمفرده على إشعال منظومة الهروب الحركي الفسيولوجي للجسم.
5.3 المرحلة الثالثة: تثبيت الاستجابة الانفعالية الشرطية التامة
لإثبات نجاح التجربة بما لا يدع مجالاً للشك السيكولوجي، جاء الاختبار الحاسم في الجلسة ذاتها بعد استراحة قصيرة: تقديم الفأر الأبيض منفرداً تماماً، في صمت مطبق ودون وجود أي مطرقة أو قضيب حديدي أو ضوضاء على الإطلاق. وُضع الفأر على الطاولة على بعد سنتيمترات من الطفل؛ فكان المشهد درامياً ومفزعاً للغاية.
بمجرد أن وقع بصر ألبرت على الفأر الأبيض يتحرك صوبه، أطلق الرضيع صرخة مدوية وبدأ يجهش ببكاء مرير وفوري، وانقلب على جنبه محاولاً الابتعاد، ثم استند على ركبتيه ويديه وبدأ يزحف بسرعة محمومة ومذعورة نحو الحافة البعيدة للطاولة لدرجة كادت تسقطه أرضاً لولا تدخل واطسون السريع للإمساك به. كتب واطسون وراينر في تقريرهما التاريخي عبارة مشحونة باليقين العلمي المعملي:
«لم يكن هناك أدنى شك في أن الخوف قد تم إشراطه بنجاح تام؛ لقد أصبح المثير الشرطي منفرداً يستثير الاستجابة الانفعالية ذاتها التي كان يحدثها الصوت المفزع الأصلي وبنفس الكثافة الحركية تقريباً».
6. ظاهرة تعميم المثير في استجابات ألبرت الصغير
6.1 اختبار انتقال الخوف المشروط إلى كائنات حية مشابهة
بعد النجاح الباهر في إحداث الخوف المشروط من الفأر الأبيض، انتقل واطسون وراينر إلى الاختبار الأخطر والأكثر أهمية في بناء النظرية السلوكية: اختبار تعميم المثير (Stimulus Generalization). والتعميم هو الظاهرة التي بموجبها يميل الكائن الحي إلى إظهار الاستجابة الشرطية ذاتها عند مواجهته لمثيرات جديدة غير مدربة، تشترك في خصائص فيزيائية معينة مع المثير الشرطي الأصلي. هل سيخاف ألبرت فقط من «ذلك الفأر المعملي الأبيض بعينه»، أم سينسحب الخوف ليشمل دائرة أوسع من الكائنات والمثيرات؟
أُخضع ألبرت لاختبارات التعميم في سن 11 شهراً وخمسة عشر يوماً، دون إجراء أي اقترانات صوتية جديدة، وكانت النتائج بمثابة تأكيد صارخ لظاهرة الانتشار الانفعالي الأفقي:
- الأرنب الأبيض: بمجرد وضع الأرنب أمام ألبرت، أظهر استجابة سلبية حادة وفورية لا تقل ضراوة عن استجابته للفأر؛ إذ أجهش بالبكاء، وتراجع بجسده للخلف محاولاً الاختباء، وحين وُضع الأرنب بالقرب من أطرافه انهار الرضيع تماماً ودفن وجهه في الأرضية صارخاً.
- الكلب الأليف: عند إدخال الكلب الصغير إلى الغرفة، أظهر ألبرت علامات قلق وتوتر فورية، وبدأ يسحب يديه ويتابع حركاته بارتياب شديد، وحين اقترب الكلب منه وبدأ ينبح بخفة، انفجر الطفل في البكاء وبدأ بالزحف هرباً، رغم أن الكلب لم يؤذه قط، ورغم عدم إقرانه بأي صوت صاخب في المختبر.
- معطف مصنوع من فراء الفقمة: عُرض على الرضيع معطف شتوي فاخر رمادي مائل للبياض مصنوع من الفراء الطبيعي الخشن؛ فرفض ألبرت لمسه رفضاً قاطعاً، وحين وضعه واطسون قريباً جداً منه انسحب وبدأ يبكي بحرقة متجنباً الاحتكاك بجلده.
6.2 امتداد التعميم إلى الجمادات والمثيرات الرمزية
لم تتوقف تجارب التعميم عند حدود الكائنات الحية أو الفراء الحيواني الحقيقي، بل أراد الباحثان معرفة المدى الذي يمكن أن يبلغه التجريد البصري واللمسي للخصائص المشتركة؛ فتم تعريض الرضيع لجمادات رمزية مختلفة تشترك في عناصر اللون الأبيض والملمس الناعم أو الأشعث:
- كتل الصوف القطني الأبيض: وضع واطسون حزمة من القطن الطبيعي أمام ألبرت؛ فمد الطفل يده بتردد بالغ، وبمجرد أن لامست أصابعه ملمس القطن الأبيض انتفض وسحب يده بحدة كأنما لسعته نار، ورفض مسكه مجدداً وأبدى مظاهر الضيق والاشمئزاز الحركي الواضح.
- شعر رأس الباحثين: انحنى واطسون برأسه نحو الطفل ليتحسس شعره؛ فلم يبدِ ألبرت أي خوف من شعر واطسون الأملس الخالي من الخصائص المنفوشة، لكنه أظهر انزعاجاً حين لمس شعر إحدى المساعدات اللاتي كن يمتلكن تسريحة شعر كثيفة ومشابهة لملمس الفرو.
- قناع سانتا كلوز (بابا نويل): كانت هذه واحدة من أكثر اللحظات الصادمة والموثقة سينمائياً في التجربة؛ حيث ارتدى واطسون قناعاً تقليدياً لبابا نويل تتدلى منه لحية بيضاء كثيفة وشعر مستعار أبيض واقترب من وجه الطفل. انهار ألبرت على الفور في حالة من الرعب والهلع الهستيري، وانهمرت دموعه وبدأ يصرخ محاولاً دفع القناع بكلتا يديه، مبرهناً على أن المثير الشرطي قد تعمم ليشمل حتى الأيقونات البشرية المصطنعة التي تحاكي خصائص الفراء الأبيض.
6.3 الحدود الفاصلة لتعميم المثير وعدم استجابته لبعض المواد
رغم هذا الاتساع الملحوظ في دائرة الخوف المعمم، كان من الأهمية المنهجية بمكان رسم الحدود الفاصلة للتعميم وتبيان قدرة الطفل على «التمييز الشرطي» (Stimulus Discrimination). فهل أصبح ألبرت يخاف من كل شيء في العالم؟ كانت إجابة التجربة واضحة بالنفي القاطع؛ إذ عُرضت عليه أثناء الجلسات ذاتها مجموعة من المثيرات المتباينة تماماً في خصائصها البصرية والحسية، مثل:
- مكعبات خشبية ملونة وملساء.
- كرات مطاطية متباينة الألوان.
- أوراق كتابة عادية وأقلام.
تفاعل ألبرت مع هذه المكعبات الخشبية بحماسة وفرح واضحين؛ فكان يلتقطها بكلتا يديه، ويقرعها ببعضها ليصدر صوتاً إيقاعياً، ويضحك ويناغي بارتياح تام دون أي علامة من علامات التوجس. دل هذا السلوك الحاسم على أن التعميم ليس عشوائياً أو ناتجاً عن انهيار نفسي عام أو اكتئاب مرضي طفولي شامل، بل هو عملية إدراكية-حسية انتقائية صارمة وموجهة بالخصائص المشتركة؛ فالمثيرات التي تفتقر لملمس الفراء واللون الأبيض الكثيف ظلت تُصنف في جهازه العصبي كمثيرات آمنة وممتعة للعب.
7. عنصر الزمن واستمرارية الاستجابة الشرطية عبر السياقات المكانية
7.1 اختبار مقاومة الخوف المشروط للزوال عبر الفترات الزمنية
كان السؤال الجوهري الثالث الذي طرحه واطسون في بيانه يتعلق بالديمومة الزمنية: هل هذا التعلم الشرطي مجرد انفعال سطحي عابر يمحوه النسيان والنمو الطبيعي بمجرد انقطاع المثيرات، أم أنه يترك أثراً عصبياً ثابتاً في مسارات الدماغ؟
لإجراء هذا الاختبار الصارم، فُصل الطفل ألبرت تماماً عن أي جلسات إشراط أو تعريض لأي من الحيوانات أو المثيرات المفزعة لمدة شهر كامل (ثلاثون يوماً متواصلة)، قضاها الطفل في حياته اليومية المعتادة داخل جناح الأطفال بالمستشفى مع والدته دون أي تدخل خارجي. وعندما بلغ ألبرت من العمر عاماً واحداً وواحداً وعشرين يوماً، أُحضر مجدداً إلى المختبر لإجراء الاختبار البعدي المؤجل.
كانت النتائج مذهلة في تأكيدها لثبات المنعكس الشرطي؛ فعند إعادة تعريض الطفل للمثيرات ذاتها (الفأر، والأرنب، ومعطف الفقمة، وقناع سانتا كلوز)، لوحظ الآتي:
- احتفظ الخوف المشروط بنسبة هائلة من قوته وسرعته الحركية؛ فبمجرد رؤية الحيوانات أبدى ألبرت نفوراً فورياً ومحاولات مستميتة للانسحاب والتراجع والبكاء.
- رغم أن حدة البكاء الهستيري كانت أخف بدرجة طفيفة للغاية مقارنة بيوم الإشراط المكثف، إلا أن «سلوك التجنب» (Avoidance Behavior) كان تام النضج، ولم يجرؤ الطفل على الاقتراب من أي حيوان ذي فراء أو لمسه طواعية.
- استنتج واطسون وراينر من ذلك أن الاستجابات الانفعالية الشرطية المتكونة في بواكير الطفولة تتمتع بمقاومة شديدة للانطفاء التلقائي (Spontaneous Extinction)، وأنها تميل للبقاء فاعلة في توجيه سلوك الفرد وشخصيته لشهور وربما لسنوات طويلة، وربما تظل ملازمة له طوال حياته ما لم تخضع لتدخل علاجي منظم يفكك تلك الروابط العصبية.
7.2 تأثير تغيير البيئة المكانية على الاستجابة المنعكسة
طرح واطسون فرضية تشكك في إمكانية أن تكون استجابة ألبرت الخوفية مقيدة بـ «القرائن السياقية» (Contextual Cues) للغرفة المعملية الضيقة؛ بمعنى أن الطفل ربما ارتبط خوفه برائحة المختبر، أو لون جدرانه، أو الإضاءة الخاصة التي تتم فيها التجارب. ولعزل هذا المتغير واختبار متانة الاستجابة الشرطية، نقل الباحثان التجربة برمتها إلى بيئة جديدة ومغايرة تماماً.
أُخذ ألبرت إلى قاعة محاضرات كبرى في الجامعة تتسع لمئات الطلاب، وهي غرفة واسعة ومضاءة بنوافذ شمسية فسيحة وتختلف كلياً في هندستها وصداها الصوتي وأبعادها عن الغرفة الأصلية. وُضع الطفل على طاولة فحص مماثلة وسط القاعة الكبيرة بحضور عدة ملاحظين، وعُرضت عليه المثيرات الخوفية (الفأر، والكلب، والأرنب)؛ فجاءت النتائج مطابقة تماماً لما حدث في الغرفة المعزولة: أبدى ألبرت ردود أفعال الذعر والهروب والبكاء بالشدة ذاتها. أثبتت هذه الخطوة أن المثير الشرطي يعمل باستقلالية حرة عن المكان، وأن الرابطة العصبية قد تبلورت بصورة مجردة ترتبط بالمثير الفيزيائي عينه أينما وُجد في بيئة الكائن.
8. التداعيات الأخلاقية لتجربة ألبرت الصغير: الانتهاكات والجدل الدائر
8.1 غياب الموافقة المستنيرة واستغلال الهشاشة الاجتماعية
تحتل تجربة ألبرت الصغير اليوم موقعاً ثابتاً في قائمة أكثر التجارب انتهاكاً لأخلاقيات البحث العلمي في تاريخ العلوم الإنسانية، إلى جانب دراسات مظلمة كـ دراسة توسكيجي للزهري وتجربة سجن ستانفورد. وتتجلى أولى هذه الانتهاكات الصارخة في الغياب التام لـ «الموافقة المستنيرة» (Informed Consent) بمعاييرها المعاصرة.
فلم تكن والدة ألبرت – التي كانت تعمل مرضعة في المستشفى – على دراية حقيقية أو تفصيلية بطبيعة التجربة التي يُخضع لها رضيعها، ولا باحتمالية غرس فوبيا مستدامة في دماغه النامي. يُضاف إلى ذلك الفارق الطبقي والسلطوي الهائل بين بروفيسور مرموق ونافذ كرئيس لقسم علم النفس وإدارة المستشفى من جهة، وبين مرضعة فقيرة ومستضعفة اقتصادياً تعيش في مرافق المؤسسة من جهة أخرى؛ وهو اختلال في توازن القوة ينفي أي طابع طوعي أو حر عن أي موافقة شفهية قد تكون مُنحت.
لقد جرى استغلال الرضيع بوصفه «موضوعاً تجريبياً رخيصاً ومتاحاً» في غياب أي رقابة حقوقية، وتجاهل الباحثان عن عمد إمكانية أن يؤدي هذا الترويع المتعمد إلى صدمات عصبية، واضطرابات نوم، وتغيرات في كيمياء الدماغ النامي، في مرحلة حرجة من مراحل تكوين أمان التعلق (Attachment Security) لدى الرضيع.
8.2 قضية إزالة التحسس المفقودة: الإخفاق في محو الإشراط
لعل النقطة الأكثر إدانة لواطسون وراينر في السجلات الأخلاقية هي تركهما للطفل يعيش مع هذا الرعب المشروط دون تنفيذ أي إجراءات علاجية لإزالته. فقد صرح الباحثان بوضوح في خاتمة ورقة عام 1920 بأنهما كانا يخططان لتجربة تقنيات سلوكية لإلغاء هذا الإشراط ومحو الخوف (Extinction / Counter-conditioning)، إلا أن مغادرة والدة الطفل المفاجئة للمستشفى حالت دون تنفيذ ذلك:
«غادر ألبرت المستشفى في اليوم الذي أُجريت فيه الاختبارات الأخيرة، ولذا لم نتمكن من محاولة إعادة تدريبه وتخليصه من هذه المخاوف المكتسبة».
أثار هذا التبرير البارد عاصفة من النقد الأخلاقي عبر العقود؛ إذ كيف يسمح علماء نفس لأنفسهم بتصنيع اضطراب نفسي حاد في طفل رضيع وإطلاقه في المجتمع عاجزاً عن مواجهة الحيوانات والجمادات ذات الفراء، دون ضمان متابعته أو علاجه؟ فضلاً عن أن الشواهد التاريخية تشير إلى أن واطسون وراينر كانا على علم مسبق بموعد مغادرة الأم والمولود قبل أسابيع من انتهاء التجارب، ومع ذلك واصلا تصعيد محاولات الترويع والإشراط الخوفي حتى اليوم الأخير لوجوده في المنشأة، مضحين بالسلامة النفسية للمفحوص على مذبح الاكتمال الشكلي لبيانات البحث.
8.3 أثر التجربة على صياغة مواثيق أخلاقيات البحث العلمي
على الرغم من القتامة الأخلاقية التي تحيط بالتجربة، إلا أنها شكلت، إلى جانب انتهاكات أخرى في القرن العشرين، صدمة وعي أدت لاحقاً إلى ثورة تصحيحية كبرى في تنظيم البحث العلمي على البشر. وقد أسهمت التداعيات الصادمة لتجربة ألبرت مساهمة محورية في مسارات متعددة:
- تطوير ميثاق جمعية علم النفس الأمريكية (APA): الذي صدرت نسخته الأولى التأسيسية عام 1953 وتوالت مراجعاتها، مؤكدة على مبدأ أساسي غير قابل للتفاوض: «عدم إلحاق الأذى» (Do No Harm)، وفرض واجب أخلاقي مطلق بحماية المفحوصين من أي توتر نفسي، أو رعب، أو ألم فسيولوجي يتجاوز الحدود اليومية العادية.
- تأسيس لجان المراجعة المؤسسية (Institutional Review Boards – IRBs): التي أصبحت شرطاً قانونياً ملزماً لأي جامعة أو مركز أبحاث قبل تمويل أو تنفيذ أي تجربة نفسية أو طبية على البشر، لضمان موازنة الفوائد العلمية بالمخاطر الإنسانية.
- حماية الفئات المستضعفة (Vulnerable Populations): تشريع نصوص مشددة تمنع إجراء الأبحاث المنطوية على مخاطر على الرضع، والأطفال، والسجناء، والمصابين باضطرابات عقلية، والأشخاص الواقعين تحت تبعية اقتصادية أو مؤسسية، واعتبار أي تجربة من نمط «ألبرت الصغير» اليوم جريمة يعاقب عليها القانون والمجتمع الأكاديمي بسحب الترخيص والملاحقة القضائية.
9. لغز هوية ‘ألبرت الصغير’: التحقيقات التاريخية ومصير الرضيع
9.1 فرضية دوغلاس ميريت والجدل حول سلامته العصبية
ظل اسم وهوية «ألبرت الصغير» ومصيره لغزاً مجهولاً حير مؤرخي علم النفس لما يقرب من تسعين عاماً؛ حيث لم يذكر واطسون وراينر في أوراقهما المنشورة سوى الحرف الأول من اسمه الأخير (Albert B.). لكن في عام 2009، قاد المؤرخ السيكولوجي هول بيك (Hall Beck) بجامعة أبالاشيان، بالتعاون مع فريق بحث استقصائي، رحلة تتبع تاريخية وأرشيفية شاقة استمرت سبع سنوات لفك شيفرة هوية الرضيع الحقيقية.
توصل فريق بيك عبر مطابقة سجلات المواليد وسجلات الموظفين في مستشفى هارييت لين هوم لعامي 1919-1920 إلى تحديد هوية طفل وُلد في التوقيت ذاته لمرضعة مقيمة تدعى أرفيلا ميريت، وكان اسمه «دوغلاس ميريت» (Douglas Merritte). وطابقت صور الرضيع الفوتوغرافية وأوزانه وتواريخ فحوصاته بدقة متناهية معطيات التجربة الموثقة في فيلم واطسون السينمائي.
لكن المفاجأة الأكثر ترويعاً التي فجرها تحقيق بيك المنشور عام 2012 تمثلت في الكشف عن السجلات الطبية لدوغلاس ميريت؛ حيث تبين أن الطفل كان يعاني من استسقاء الدماغ الخلقي (Congenital Hydrocephalus)، وهو تجمع مرضي للسوائل داخل بطينات المخ يؤدي إلى ضغط شديد وتلف في الأنسجة العصبية وتراجع حركي وبصري وإدراكي، وأن هذا الطفل توفي عام 1925 وهو في سن السادسة فقط إثر تفاقم حالته الصحية والتهاب السحايا.
إذا صحت هذه الفرضية، فإن التجربة برمتها تهوي إلى قاع مظلم من الخداع العلمي والتزييف الصادم؛ إذ يعني ذلك أن واطسون أجرى تجاربه على طفل مريض عصبياً وغير سليم البنية ليوهم العالم بنجاح السلوكية، وأن هدوء الرضيع المزاجي الذي تغنى به لم يكن رباطة جأش بل كان بلادة حسية وبصرية ناتجة عن التلف العصبي الدماغي، مما ينسف الأساس العلمي والموضوعي لتعميم نتائج التجربة على الأصحاء ويجردها من أي مصداقية معرفية.
9.2 فرضية ويليام بارغر: البديل التاريخي الموثق
لم تتأخر الاستجابة النقدية والجدل الأكاديمي حيال فرضية بيك الصادمة؛ ففي عام 2014، نشر فريق بحثي يقوده عالم النفس الكندي راسل باول (Russell Powell) دراسة استقصائية مضادة وموثقة أرشيفياً بدقة متناهية في مجلة «American Psychologist» التابعة لـ APA، فنّدت بقوة فرضية دوغلاس ميريت وقدمت مرشحاً بديلاً أكثر تطابقاً.
أثبت باول وفريقه وجود مرضعة أخرى كانت تعمل وتقيم في مستشفى هارييت لين هوم في الفترة الزمنية ذاتها تماماً، تدعى بيرل بارغر، وكانت قد أنجبت طفلاً في مارس 1919 أسمته «ويليام ألبرت بارغر» (William Albert Barger). كان هذا الطفل يُعرف بين أفراد أسرته باسمه الأوسط «ألبرت» (Albert B.)، وهو الاسم واللقب المطابق تماماً لاسم المفحوص في سجلات واطسون بخلاف ميريت الذي لم يحمل اسم ألبرت قط.
أظهرت المقارنات البيومترية المعقدة لتسجيلات الفيديو والصور الأرشيفية تطابقاً مذهلاً لملامح وجه ويليام بارغر وحجم جمجمته ووزنه مع بيانات ألبرت الصغير، مؤكدة أنه كان طفلاً سليم الجهاز العصبي بالكامل ولا يعاني من أي استسقاء دماغي. تتبع باول المسار الحياتي لويليام بارغر؛ وتبين أنه عاش حياة طويلة وطبيعية حتى وافته المنية في سن السابعة والثمانين عام 2007 دون أن يدرك يوماً أنه هو الرضيع الأسطوري الذي درست أجيال من علماء النفس سلوكه.
واللافت للانتباه في الشهادات التي وثقها باول من أقارب ويليام بارغر – ولا سيما ابنة أخته – هو تأكيدهم على أنه كان يعاني طوال حياته من نفور وكراهية غير مبررة للحيوانات الأليفة، وتحديداً الكلاب، حيث كان يُبدي قلقاً وتوتراً ملحوظين ويطلب إبعادها عنه دوماً دون أن يعلم هو أو عائلته سبب هذه الفوبيا المزمنة. ورغم أن هذا التوافق قد يكون صدفة بيوغرافية، إلا أنه منح فرضية باول قبولاً واسعاً بين مؤرخي علم النفس، لتستقر الرؤية السائدة اليوم على أن ويليام بارغر هو ألبرت الصغير الحقيقي، مسدلة الستار جزئياً عن فرضية التلف العصبي، ومؤكدة في الوقت ذاته مأساوية غرس الرعب المشروط في لاوعي الطفل الصغير.
10. النقد المنهجي والتحليلي للتجربة والقصور العلمي في تصميمها
10.1 حجم العينة ومحدودية القدرة على التعميم العلمي
من منظور الإبستمولوجيا المعاصرة ومناهج البحث العلمي الكمي، تسقط تجربة ألبرت الصغير في خطأ منهجي فادح يتمثل في الاعتماد المطلق على مفحوص فردي واحد (حجم العينة: N = 1). فبناء صرح نظري يزعم تفسير منشأ الانفعالات الإنسانية المعقدة وتأسيس مدرسة سيكولوجية عالمية بناءً على ملاحظات مجراة على رضيع واحد هو ادعاء يفتقر لأدنى متطلبات الصدق الخارجي (External Validity).
كما افتقرت التجربة تماماً إلى وجود «مجموعة ضابطة» (Control Group) من الرضع لمقارنة السلوك؛ إذ كيف يمكن للباحثين الجزم علمياً بأن البكاء والانسحاب التجنبي كانا حصيلة حتمية للاقتران الشرطي، وليس نتيجة تطور نمائي ونضج عضري طبيعي مر به الرضيع بين سن 9 أشهر وسن 12 شهراً؟ فمن المعروف في سيكولوجية النمو أن قلق الانفصال والخوف من المثيرات الغريبة (Stranger Anxiety) يتصاعدان بصورة فطرية وتلقائية لدى معظم الأطفال في هذا العمر بالتحديد دون الحاجة لأي أصوات مفزعة.
أهمل واطسون وراينر الفروق الفردية المزاجية والوراثية بين الأطفال (Temperament)؛ فكون ألبرت أظهر استجابة من نمط معين لا يعني بالضرورة أن رضيعاً ذا حساسية مفرطة أو مزاج استكشافي عنيد سيتفاعل بالطريقة ذاتها، مما يجعل محاولة تعميم نتائج هذه الحالة الفردية كقانون إنساني عام قفزة استقرائية غير مبررة إحصائياً ولا علمياً.
10.2 الغموض الإجرائي وصعوبات إعادة الإنتاج والتكرار
تعد قابلية التكرار وإعادة الإنتاج (Replicability) المعيار الذهبي لإثبات صحة أي كشف تجريبي في العلوم الطبيعية والسلوكية. وفي هذا المضمار بالذات، سجلت تجربة واطسون إخفاقاً تاريخياً ذريعاً؛ فعند فحص الأوراق الأصلية، يتضح غياب مروع للتعريفات الإجرائية الصارمة للمتغيرات:
- لم يتم قياس شدة الصوت الصاخب بأي جهاز كمي؛ فلا يُعرف كم كان يبلغ بالديسيبل (dB)، ولا المسافة الدقيقة الفاصلة بين القضيب وأذن الطفل في كل محاولة.
- غابت التحديدات المعيارية لمسافات تقديم الحيوانات، وسرعة حركتها، وطريقة تثبيتها أمام الطفل، مما فتح الباب واسعاً أمام التباين الذاتي للمجربين.
حين حاول باحثون لاحقون تكرار تجربة واطسون في بيئات تجريبية منضبطة، اصطدموا بالفشل التام. ولعل أشهر هذه المحاولات كانت الدراسة الدقيقة التي أجرتها الباحثة إلوين بريغمان (Elwin Bregman) عام 1934 برعاية جامعة كولومبيا، حيث درست 15 رضيعاً وأجرت مئات المحاولات لربط مثيرات محايدة (أشكال هندسية وخشبية وأصوات رنين) بمثيرات صوتية صدمية، لكنها فشلت تماماً في إحداث أي إشراط خوف ثابت أو دائم في الأطفال، مؤكدة أن الخوف لا ينشأ بهذه الآلية التلقائية الساذجة التي وصفها واطسون.
علاوة على ذلك، أظهر التحليل الدقيق للفيديو الأرشيفيّ الصامت لتجربة ألبرت تدخلات إيحائية وتحيزات صارخة من جانب روزالي راينر؛ حيث تظهر في بعض المشاهد وهي تدفع الفأر نحو يدي الطفل مباشرة وتوجه حركاته، أو تسحب الألعاب المشجعة من أمامه لإجباره على مواجهة المثير المفزع، مما يشوه الملاحظة الموضوعية ويحولها إلى سلوك موجّه قسراً.
10.3 تداخل عمليات الإشراط مع سلوكيات التهدئة الفطرية
كشفت الملاحظات المعمقة لسلوك ألبرت أثناء نوبات الخوف عن خلل منهجي خطير دأب واطسون على إسقاطه من استنتاجاته الرئيسية؛ فعندما كان الخوف يشتد بالرضيع إثر ظهور الفأر، كان يلجأ بصورة فطرية وغريزية إلى وضع إبهامه في فمه والشروع في مصه بنهم (Thumb-sucking). وبمجرد أن يبدأ في مص إبهامه، كان الطفل يهدأ فجأة، وتتوقف دموعه، ويتراخى توتره العضلي، ويغدو قادراً على النظر إلى الفأر دون بكاء أو صراخ.
ماذا كان رد فعل الباحثين؟ بدلاً من رصد هذه الآلية التكيفية بوصفها هزيمة لنظرية المنعكس الشرطي الحتمي وانتصاراً لآليات التنظيم الانفعالي الذاتي للجهاز العصبي، قام واطسون – كما يوثق في تقريره – بانتزاع إبهام الطفل من فمه بالقوة مراراً وتكراراً، لمنعه من تهدئة نفسه وإجباره إجباراً على الانكشاف الكامل للمثير المفزع لإظهار الاستجابة الخوفية المطلوبة سينمائياً ومخبرياً!
يعد هذا التدخل الفج دليلاً ساطعاً على التلوث التجريبي للبيانات؛ فالاستجابة التي كان يسجلها واطسون لم تكن استجابة الخوف المشروط الخالصة من الفأر، بل كانت خليطاً من الخوف والإحباط والغضب الناجم عن انتزاع آليته الدفاعية الطبيعية وقمع تكيفه البيولوجي قسراً.
11. أثر التجربة على تطور علم النفس والعلاج السلوكي الحديث
11.1 تأسيس إشراط الخوف كنموذج تفسيري للاضطرابات النفسية
على الرغم من عيوبها المنهجية والأخلاقية، إلا أن تجربة ألبرت الصغير أحدثت ثورة مفاهيمية غيرت مجرى الطب النفسي والعيادي، عبر وضعها حجر الأساس لنموذج «إشراط الخوف» (Fear Conditioning) كنموذج تفسيري علمي لنشوء وتطور المخاوف المرضية (Phobias) واضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD).
فقد نجحت التجربة في تحرير التشخيص العيادي من قبضة التفسيرات التحليلية الفرويدية الغيبية؛ فبدلاً من افتراض وجود صراعات جنسية لاواعية في العقل الباطن لتفسير خوف مريض من ركوب المصاعد أو لمس القطط، فتح واطسون الباب لتفسير هذه الاضطرابات بوصفها حوادث تاريخية من الاقتران الشرطي السيئ بين مثيرات محايدة وتجارب بيئية صادمة سابقة مخزونة في الذاكرة الانفعالية.
وقد امتد هذا الإرث ليصل إلى علم الأعصاب الإدراكي الحديث؛ حيث شكل نموذج واطسون وبافلوف الأرضية التجريبية لأبحاث جوزيف لودو (Joseph LeDoux) وإريك كاندل (Eric Kandel) حول مسارات الخوف في الدماغ، وتحديداً الدور المركزي لـ اللوزة الدماغية (Amygdala) ومستقبلات NMDA في تخزين روابط الخوف الشرطي عبر آليات التقوية طويلة المدى (Long-term Potentiation – LTP)، مما برهن على أن واطسون، برغم فجاجة أدواته، قد لمس حقيقة بيولوجية جوهرية حول كيفية برمجة التهديدات في الشبكات العصبية للكائنات الحية.
11.2 ماري كفر جونز وتطوير إزالة التحسس المنهجي
قاد الإخفاق الأخلاقي في علاج ألبرت الصغير إلى ولادة واحد من أعظم الابتكارات في تاريخ العلاج النفسي الحديث على يد العالمة الأمريكية الرائدة ماري كفر جونز (Mary Cover Jones) عام 1924، والتي نالت لاحقاً لقب «أم العلاج السلوكي».
بتوجيه وإشراف غير مباشر من واطسون، اختارت جونز طفلاً يبلغ من العمر نحو ثلاث سنوات يُدعى «بيتر» (Little Peter)، كان يعاني من خوف مرضي طبيعي ومستحكم من الأرانب والفئران والأشياء ذات الفراء المشابهة لحالة ألبرت. وصممت جونز بروتوكولاً علاجياً عبقرياً استند إلى تقنية الإشراط المضاد (Counter-conditioning)، من خلال الخطوات الآتية:
- إقران المثير المخيف (الأرنب) بمثير إيجابي قوي ومحبب لدى الطفل (وجبة طعام شهية كالحلوى).
- استخدام «التقريب المتدرج»؛ حيث وُضع الأرنب في قفص في أقصى زاوية من الغرفة الكبيرة بحيث لا يثير رعب الطفل أثناء تناوله الحلوى.
- تقريب القفص سنتيمترات قليلة يومياً وبشكل غير ملحوظ طالما استمر الطفل في تناول طعامه بهدوء، مستفيدة من مبدأ فسيولوجي مفاده استحالة اجتماع انفعالين متناقضين (المتعة الناتجة عن الطعام والرعب الناجم عن الأرنب) في اللحظة العصبية ذاتها.
تكللت التجربة بنجاح باهر؛ فمع مرور الأسابيع تضاءل خوف بيتر تدريجياً، حتى وصل في نهاية المطاف إلى القدرة على الإمساك بالأرنب بيد، وتناول طعامه باليد الأخرى، بل ومداعبة فروه وهو يبتسم. مهد هذا العمل الاستثنائي الطريق مباشرة لعالم النفس الشهير جوزيف وولبي (Joseph Wolpe) في خمسينيات القرن الماضي لتطوير تقنية «إزالة التحسس المنهجي» (Systematic Desensitization) وتقنية الكف المتبادل (Reciprocal Inhibition)، والتي تظل حتى يومنا هذا من أنجح العلاجات النفسية المعيارية للقضاء على الرهاب ونوبات الهلع عالمياً.
11.3 صياغة المناهج المعرفية السلوكية الحديثة (CBT)
يعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) الامتداد المعاصر والأكثر نضجاً لخط الأبحاث الذي دشنته دراسة ألبرت وماري كفر جونز. فقد استعارت المناهج العيادية الحديثة مبدأ «التعرض المنظم للمثيرات» (Exposure Therapy)، وطورته ليصبح تدخلاً علاجياً محكوماً بأدق المعايير الأخلاقية والمهنية:
- علاجات التعرض التدريجي والفيض الحسي (Flooding): التي تعتمد على مساعدة المريض على البقاء في مواجهة المثير المخيف في بيئة آمنة وداعمة، حتى تنفد الطاقة الاستثارية للجهاز العصبي السمبثاوي ويحدث انطفاء تلقائي للرابطة الشرطية بين المثير واستجابة الهلع.
- إدماج البعد المعرفي: حيث تجاوزت السلوكية المعاصرة ميكانيكية واطسون الاختزالية لتركز على تصحيح التقييمات المعرفية المشوهة والمعتقدات التلقائية الكارثية المرافقة للتعرض؛ فالمريض يتعلم إعادة تفسير إشارات الخوف الجسدية والتأكد التجريبي من سلامة البيئة المحيطة.
- التعرض الافتراضي (Virtual Reality Exposure Therapy – VRET): الذي يعد الوريث التكنولوجي الأحدث لتجربة واطسون؛ حيث يتم تعريض المريض لمثيرات خوف رقمية مجسمة ومحاكية للواقع بدرجة فائقة لكسر حلقات الإشراط، ولكن في بيئة رقمية آمنة تصون إنسانية المريض وكرامته بالكامل.
12. إرث تجربة واطسون وراينر في الميزان المعرفي والأخلاقي المعاصر
12.1 المفارقة بين القيمة التاريخية والمصداقية العلمية
تحتل تجربة ألبرت الصغير اليوم موقعاً فريداً ومزدوجاً في تاريخ الفكر الإنساني؛ فهي من أكثر الدراسات السيكولوجية شهرة واقتباساً في الكتب المدرسية والمناهج الجامعية على مستوى كوكب الأرض، لكنها في الوقت عينه من أكثر التجارب هشاشة وضعفاً من حيث المصداقية المنهجية والصرامة الإحصائية بمقاييس العلم المعاصر.
تتجلى هذه المفارقة في أن الشهرة الأسطورية للتجربة لم تنبع من دقة بياناتها المعملية أو نجاح تكرارها، بل انبثقت من جاذبيتها البصرية والدرامية الخارقة؛ فصورة طفل رضيع يلعب ببراءة مع فأر أبيض ثم يتحول عبر مطرقة واطسون إلى كائن مذعور يهرب من كل فراء هي لوحة بالغة القوة استطاعت أن تحسم الجدل الفلسفي لصالح السلوكية في أعين الرأي العام والمجتمع الأكاديمي لعقود خلت.
لقد نجحت التجربة تاريخياً بوصفها «بياناً دعائياً وثقافياً فاقعاً» لإمكانات هندسة السلوك، ورسخت الوهم بإمكانية التحكم المطلق في الطبيعة البشرية من خلال صياغة المثيرات الخارجية، وهو المفهوم الذي ألهم لاحقاً أعمال بي إف سكينر في «السلوكية الإجرائية»، ودخل في صميم صياغة سياسات التعليم والإصلاحيات والمؤسسات العقابية وحملات الدعاية السياسية والتسويقية طوال القرن العشرين.
12.2 الدروس المستفادة في تعليم علم النفس وأخلاقيات البحث العلمي
في الأكاديميات العلمية المعاصرة، تحولت تجربة ألبرت الصغير من نموذج للإنجاز التجريبي إلى «أداة بيداغوجية وتحذيرية» لا غنى عنها لتدريب الأجيال الجديدة من الباحثين وعلماء النفس على التمييز الدقيق بين متطلبات الكشف العلمي والحدود الأخلاقية الصارمة.
وتتلخص أبرز الدروس المستفادة من هذا الإرث المأساوي في النقاط الآتية:
- أسبقية الكرامة الإنسانية: إن تقدم المعرفة العلمية لا يمكن بأي حال من الأحوال، وتحت أي مبرر براغماتي، أن يُبنى على التضحية بالسلامة النفسية والجسدية لأي كائن بشري، ولا سيما الفئات الهشة والضعيفة كالأطفال والرضع والمرضى.
- المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للعالم: واجب الباحث لا ينتهي بمجرد تدوين النتائج ونشر الورقة العلمية في المجلات المحكمة؛ فمسؤولية واطسون عن ألبرت كانت تقتضي حمايته وتتبعه وعلاجه، وليس استغلاله كأداة مختبرية والفرار من تبعاتها الأخلاقية.
- أهمية النزاهة والتوثيق الأرشيفي الصارم: أظهرت أزمة هوية ألبرت ومصيره كيف يمكن للغموض الإجرائي والإهمال التوثيقي أن يقود إلى تزييف الحقائق التاريخية لعقود، مما يؤكد ضرورة الشفافية المطلقة وفتح البيانات للمجتمع العلمي للتدقيق والمساءلة المستمرة.
خاتمة: التركيب المعرفي والدروس التاريخية
تقف تجربة «ألبرت الصغير» التي أدارها جون ب. واطسون وروزالي راينر عام 1920 شاهداً تاريخياً لا يُمحى على مرحلة عاصفة من مراحل المراهقة العلمية لعلم النفس؛ مرحلة كان العلم فيها مستعداً لارتكاب أقسى الحماقات الأخلاقية والتضحية ببراءة طفل رضيع، لمجرد إثبات فرضية نظرية والانتصار في معركة أيديولوجية ضد التحليل النفسي الكلاسيكي.
لقد نجحت التجربة في إثبات أن السلوك الانفعالي البشري ينطوي بالفعل على مطاوعة فسيولوجية ميكانيكية يمكن استثارتها وإشراطها عبر قوانين الارتباط البيئي، مؤكدة أن الخوف يمكن أن يُصنع في المختبر. وفتحت هذه الرؤية آفاقاً عريضة أثمرت لاحقاً في صياغة أرقى العلاجات السلوكية والمعرفية التي حررت ملايين البشر من سجون الرهاب والاكتئاب والصدمات، بفضل إسهامات ماري كفر جونز وجوزيف وولبي وآرون بيك.
غير أن الثمن الإنساني كان باهظاً ومروعاً؛ إذ بقي شبح ألبرت الصغير – ويليام بارغر أو دوغلاس ميريت – يطارد الضمير العلمي الجمعي، مذكّراً الباحثين في كل مكان بأن العلم الذي يتجرد من البوصلة الأخلاقية يتحول سريعاً إلى أداة ترويع وتدمير، وأن أعظم ما حققته السيكولوجيا عبر مسارها الطويل ليس اكتشاف كيفية إحداث الرعب بمطرقة وقضيب حديدي، بل هو التوصل إلى كيفية محو هذا الرعب وزرع الأمان النفسي، مع الالتزام التام بقدسية الإنسان وكرامته كغاية مطلقة في ذاته لا كوسيلة لأي تجريب.
المراجع
- American Psychological Association. (2017). Ethical principles of psychologists and code of conduct (with 2010 and 2016 amendments). American Psychological Association. https://www.apa.org/ethics/code
- Beck, H. P., Levinson, S., & Irons, G. (2009). Finding Little Albert: A quest to discover John B. Watson’s infant subject. American Psychologist, 64(7), 605–614. https://doi.org/10.1037/a0017234
- Bregman, E. O. (1934). An attempt to modify the emotional attitudes of infants by the conditioned response technique. The Journal of Genetic Psychology, 45(1), 169–198. https://doi.org/10.1080/08856559.1934.10534273
- Fridlund, A. J., Beck, H. P., Goldie, C. E., & Irons, G. (2012). Little Albert: A neurologically impaired child. History of Psychology, 15(4), 302–327. https://doi.org/10.1037/a0026750
- Harris, B. (1979). Whatever happened to Little Albert? American Psychologist, 34(2), 151–160. https://doi.org/10.1037/0003-066X.34.2.151
- Jones, M. C. (1924). A laboratory study of fear: The case of Peter. The Pedagogical Seminary and Journal of Genetic Psychology, 31(4), 308–315. https://doi.org/10.1080/08856559.1924.9944851
- LeDoux, J. E. (2000). Emotion circuits in the brain. Annual Review of Neuroscience, 23(1), 155–184. https://doi.org/10.1146/annurev.neuro.23.1.155
- Pavlov, I. P. (1927). Conditioned reflexes: An investigation of the physiological activity of the cerebral cortex (G. V. Anrep, Trans.). Oxford University Press.
- Powell, R. A., Digdon, N., Harris, B., & Smithson, C. (2014). Correcting the record on Watson, Rayner, and Little Albert: Albert Barger as ‘Psychology’s lost boy’. American Psychologist, 69(6), 600–611. https://doi.org/10.1037/a0036854
- Rayner, R. (1930). I am a mother of behaviorist sons. Parents’ Magazine, 5, 17–19.
- Watson, J. B. (1913). Psychology as the behaviorist views it. Psychological Review, 20(2), 158–177. https://doi.org/10.1037/h0074428
- Watson, J. B., & Rayner, R. (1920). Conditioned emotional reactions. Journal of Experimental Psychology, 3(1), 1–14. https://doi.org/10.1037/h0069608
- Watson, J. B., & Watson, R. R. (1928). Psychological care of infant and child. W. W. Norton & Company.
- Wolpe, J. (1958). Psychotherapy by reciprocal inhibition. Stanford University Press.